الصين وروسيا... من التعاون إلى التحالف فالمحور؟

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ يتبادلان وثائق بعد توقيع اتفاقات في موسكو (رويترز)
الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ يتبادلان وثائق بعد توقيع اتفاقات في موسكو (رويترز)
TT

الصين وروسيا... من التعاون إلى التحالف فالمحور؟

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ يتبادلان وثائق بعد توقيع اتفاقات في موسكو (رويترز)
الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ يتبادلان وثائق بعد توقيع اتفاقات في موسكو (رويترز)

ورد في الموقع الإلكتروني لوزارة الخارجية الصينية: «الصين هي الجار الأكبر لروسيا وروسيا هي الجار الأكبر للصين، وكل منهما شريك استراتيجي شامل للآخر في التنسيق. كلانا دولة رئيسية في العالم وعضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. يلتزم كلا البلدين سياسة خارجية مستقلة ويعتبران العلاقة بينهما أولوية قصوى في دبلوماسيتيهما».
بناء على هذا الكلام، وسواه من أدبيّات ومواقف وأفعال، لا يغدو مستغرباً موقف الصين من حرب أوكرانيا، وتوافق الرئيسين شي جينبينغ وفلاديمير بوتين على النظرة إلى مستقبل العالم، لتتفرّع من ذلك المواقف والأفعال التفصيلية.
... تتشارك الصين وروسيا حدوداً برية (4209 كيلومترات) تم ترسيمها عام 1991، ووقعتا معاهدة حسن جوار وتعاون ودّي عام 2001، وجددتاها لمدة خمس سنوات في يونيو (حزيران) 2021. إلا أن تاريخ البلدين مليء بالنزاعات، خصوصاً الحدودية، وقد كسبت روسيا على مر السنوات مساحات واسعة من الأراضي على حساب الصين.
ولم يكن وصول الشيوعيين إلى الحكم في روسيا (وإنشاء الاتحاد السوفياتي عام 1923) ثم في الصين (عام 1949) إيذاناً ببدء مرحلة من التناغم والتعاون، بل إن العلاقات المتذبذبة استمرت، خصوصاً بعد موت ستالين وتسلّم نيكيتا خروتشيف مقاليد الحكم في موسكو عام 1953. إذ دأب الجانبان على تبادل الانتقادات، وفي 1961 اتّهم الزعيم الصيني ماو تسي تونغ «الرفاق» السوفيات بالخروج عن العقيدة الشيوعية وانتهى بالتالي التحالف الصعب بين البلدين.
نيكيتا خروتشيف مع ماو تسي تونغ في لقاء جمع بينهما عام 1958
وفي 1969 خاض البلدان حرباً حدودية استمرت سبعة أشهر في المنطقة التي كانت تُعرف باسم منشوريا، وتحديدا في شينجيانغ. وانتهت المواجهة بانتصار سوفياتي، وبقاء الوضع الحدودي على ما كان عليه.
بعد وفاة ماو عام 1976 وإفلات السلطة من قبضة «عصابة الأربعة» (مؤلفة من الزوجة الأخيرة لماو وثلاثة آخرين) وفي غضون سنتين، بدأ عهد دينغ شياو بينغ الذي تخلى عن سياسة «مناهضة التحريف» للعقيدة. لكن ذلك لم يكن كافياً لفتح صفحة جديدة بين بكين وموسكو، بل تدخلت الصين عسكرياً ضد فيتنام – حليفة الاتحاد السوفياتي - أوائل 1979 في حرب استمرت نحو ثلاثة أشهر سحبت بعدها الصين قواتها بعدما أعلنت أنها حققت أهدافها. يضاف إلى ذلك أن الصين أرسلت مساعدات إلى بعض الفصائل الأفغانية التي قاتلت القوات السوفياتية الغازية.
عام 1982، ألقى الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف خطاباً عرض فيه على الصين المصالحة، فتجاوب دينغ وعادت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
ومع تولّي ميخائيل غورباتشوف الحكم حاملاً راية «البيريسترويكا والغلاسنوست»، تحسّنت الأجواء أكثر، ونشطت الحركة التجارية. وازدادت سرعة التقارب بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتفككه عام 1991. وزال تدريجياً التنافس الجيوسياسي في المناطق الآسيوية، التي يتجاور فيها البلدان. ولعلّ الأساس في ذلك الأمر الواقع الذي فرض اضمحلال النظرة الفوقية للشيوعية الروسية إلى الشيوعية الصينية، وهي نظرة الأساس إلى الفرع، في موازاة تخلّص الصين التدريجي من عقدة النقص الناجمة عن استباحة كل القوى الكبرى للسيادة الصينية وقتاً طويلاً.
جاء النهوض الصيني الكبير متزامناً مع تدفق النفط ثم الغاز من الأراضي الروسية، فتوثقت العلاقات أكثر وبُنيت على أكثر الأسس متانة: المصلحة الاقتصادية المشتركة.

المحور الجديد

لم يكن منطقياً أن تستمر الأحادية الأميركية التي فرضت نفسها في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. هي أحادية أدت إلى «احتضان» دول أوروبية كثيرة كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي أو تدور في فلكه عبر حلف وارسو... هكذا توسّع حلف شمال الأطلسي (ناتو) حتى صار يضم 30 دولة، سيرتفع عددها إلى 32 عند انضمام فنلندا والسويد اللتين أخرجتهما حرب أوكرانيا من قوقعة الحياد المريح.
هي الحرب نفسها التي فرضت تقارباً أوثق بين الصين وروسيا، إذ تشكل الأولى محطة استيراد ضخمة للطاقة الروسية التي تحاصرها العقوبات الغربية. وستتعزز الروابط «الطاقية أكثر» عندما يكتمل بحلول 2030 خط الأنابيب «سيبيريا 2» لنقل الغاز الروسي إلى الصين التي تُعتبر أكبر مستهلك للطاقة عموماً، والأسرع اتجاهاً إلى الاعتماد على الغاز الطبيعي.
قبل خمس سنوات، كتب الباحث السياسي الروسي ألكسندر لوكين أن التقارب الروسي – الصيني حاصل حتماً، لكنه لا يلغي على الجانب الروسي مخاوف من الصعود الاقتصادي الصيني، المصحوب بتعزيز البنيان العسكري وتعاظم حتمي للطموحات الإقليمية. ويعلم هؤلاء علم اليقين، كيف تتحرك الصفائح الجيوسياسية مع الهزات والزلازل، فتنتقل السيطرة على أرض ما من يد إلى أخرى في ظل ظروف معيّنة... وهم يتذكرون حتماً أن روسيا ضمت المنطقة التي تحولت لاحقاً إلى مدينة فلاديفوستوك (1860)، مرفئها الأكبر على المحيط الهادئ، ومركز قوتها في الشرق الأقصى، وذلك أيام ضعف الصين وحروبها الأهلية الكثيرة.

انقلاب أدوار؟

في أي حال، يبدو التقارب الروسي – الصيني مستمراً، ويتّضح أن الروس يريدون تحويله إلى تحالف لأنهم بحاجة ماسة إليه في حربهم التي يؤكدون أنها ليست ضد أوكرانيا، بل ضد حلف شمال الأطلسي والغرب عموماً.
غير أن ثمة رأياً يستبعد حصول تحالف بكل ما للكلمة من معنى، بناءً على قرائن واضحة وأسباب وجيهة. فالصين وإن كانت من الدول القليلة التي امتنعت عن التصويت في الأمم المتحدة لإدانة روسيا بعد بدء الحرب، تعتقد أن الحرب أمر كان يجب تجنبه. فمع استمرار الاقتصاد الصيني في مواجهة بعض المشكلات العميقة، ووجود البحرية الأميركية في بحر الصين الجنوبي والجوار، لا تستطيع الصين أن تنخرط في أي مغامرة غير محسوبة.
يضاف إلى ذلك أن الصين تعتمد بشكل كبير على التصدير والاستثمار الأجنبي. بالتالي، من شأن التهديد بفرض عقوبات أميركية وأوروبية عليها أن يردعها على الأرجح لأن العقوبات ستصيب من اقتصادها مقتلاً.
في المقابل، لم يعد بإمكان الصين التي بنت اندفاعتها في السنوات الأخيرة على التطور الاقتصادي الهائل الذي جعلها تطلق مشروعاً ضخماً هو «الطريق والحزام»، وحوّلها لثاني أكبر دائن أجنبي للولايات المتحدة بعد اليابان، أن تكتفي بدور اللاعب الاقتصادي المجتهد محيّدةً نفسها عن الصراعات.
لكن هل تريد الصين أن تبني محوراً مع روسيا وحلفائهما الحاليين والمستقبليين في وجه المحور الغربي بقيادة الولايات المتحدة؟
ربما تخطت الاصطفافات الإرادات، أو تغلبت الحتميّات على النيّات. فالرهانات كبيرة ونتائجها أكبر... على سبيل المثال، إذا خسرت روسيا حربها الأوكرانية، تدرك الصين أن بوابة أوراسيا سقطت، وأن الطوق حولها سيشتدّ من جهة روسيا، خصوصاً أن الغرب حصّن حضوره من جهة المحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي.
ما يبدو واضحاً حتى الآن أن الصين وروسيا أرستا أسس تحالف قادر على بناء محور إذا دعت الحاجة، والواضح أيضاً أن المحور سيكون بقيادة العملاق الأصفر لا المارد السلافي الغارق في وحول حرب على تراب القارة القديمة...


مقالات ذات صلة

إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

العالم إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

أعلنت السلطات المعينة من روسيا في القرم إسقاط طائرة مسيرة قرب قاعدة جوية في شبه الجزيرة التي ضمتها روسيا، في حادثة جديدة من الحوادث المماثلة في الأيام القليلة الماضية. وقال حاكم سيفاستوبول ميخائيل رازفوجاييف على منصة «تلغرام»: «هجوم آخر على سيفاستوبول. قرابة الساعة 7,00 مساء (16,00 ت غ) دمرت دفاعاتنا الجوية طائرة من دون طيار في منطقة قاعدة بيلبيك».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

حذّر مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل روسيا، اليوم الخميس، من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين الذي اتهمت موسكو كييف بشنّه، لتكثيف هجماتها في أوكرانيا. وقال بوريل خلال اجتماع لوزراء من دول الاتحاد مكلفين شؤون التنمي«ندعو روسيا الى عدم استخدام هذا الهجوم المفترض ذريعة لمواصلة التصعيد» في الحرب التي بدأتها مطلع العام 2022. وأشار الى أن «هذا الأمر يثير قلقنا... لأنه يمكن استخدامه لتبرير تعبئة مزيد من الجنود و(شنّ) مزيد من الهجمات ضد أوكرانيا». وأضاف «رأيت صورا واستمعت الى الرئيس (الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
العالم هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مصفاة «إلسكاي» جنوب روسيا

هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مصفاة «إلسكاي» جنوب روسيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، صباح اليوم (الخميس)، نقلاً عن خدمات الطوارئ المحلية، أن حريقاً شب في جزء من مصفاة نفط في جنوب روسيا بعد هجوم بطائرة مسيرة. وقالت «تاس»، إن الحادث وقع في مصفاة «إلسكاي» قرب ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود. وأعلنت موسكو، الأربعاء، عن إحباط هجوم تفجيري استهدف الكرملين بطائرات مسيرة، وتوعدت برد حازم ومباشر متجاهلة إعلان القيادة الأوكرانية عدم صلتها بالهجوم. وحمل بيان أصدره الكرملين، اتهامات مباشرة للقيادة الأوكرانية بالوقوف وراء الهجوم، وأفاد بأن «النظام الأوكراني حاول استهداف الكرملين بطائرتين مسيرتين».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم روسيا تتعرض لهجمات وأعمال «تخريبية» قبل احتفالات 9 مايو

روسيا تتعرض لهجمات وأعمال «تخريبية» قبل احتفالات 9 مايو

تثير الهجمات وأعمال «التخريب» التي تكثّفت في روسيا في الأيام الأخيرة، مخاوف من إفساد الاحتفالات العسكرية في 9 مايو (أيار) التي تعتبر ضرورية للكرملين في خضم حربه في أوكرانيا. في الأيام الأخيرة، ذكّرت سلسلة من الحوادث روسيا بأنها معرّضة لضربات العدو، حتى على بعد مئات الكيلومترات من الجبهة الأوكرانية، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. تسببت «عبوات ناسفة»، الاثنين والثلاثاء، في إخراج قطارَي شحن عن مساريهما في منطقة محاذية لأوكرانيا، وهي حوادث لم يكن يبلغ عن وقوعها في روسيا قبل بدء الهجوم على كييف في 24 فبراير (شباط) 2022. وعلى مسافة بعيدة من الحدود مع أوكرانيا، تضرر خط لإمداد الكهرباء قرب بلدة في جنو

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

أكد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) نشر وحدات عسكرية إضافية في أوروبا الشرقية، وقام بتدريبات وتحديثات للبنية التحتية العسكرية قرب حدود روسيا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك»، اليوم الأربعاء. وأكد باتروشيف في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا» الروسية، أن الغرب يشدد باستمرار الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي على بلاده، وأن الناتو نشر حوالى 60 ألف جندي أميركي في المنطقة، وزاد حجم التدريب العملياتي والقتالي للقوات وكثافته.


مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
TT

مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)

قُتل غواص إثر تعرضه لهجوم من سمكة قرش قبالة سواحل غرب أستراليا السبت، وفق ما أعلنته الشرطة المحلية، في رابع حادث من نوعه يسفر عن قتلى في البلاد هذا العام.

وأفادت أجهزة الإسعاف وحكومة غرب أستراليا بأنّ الرجل الثلاثيني تعرّض لهجوم من سمكة قرش طولها 4 أمتار ونصف متر قبالة جزيرة مايكلماس جنوب شرقي مدينة بيرث.

وأوضحت الجهتان أنّ الهجوم وقع نحو الساعة 11:25 بالتوقيت المحلي (03:25 بتوقيت غرينيتش).

وقالت الشرطة إن الرجل كان يمارس صيد الأسماك بالرمح عندما هاجمه القرش. ونُقل إلى الشاطئ حيث «لم يتمكن المسعفون من إنقاذ حياته».

وحضت وزارة الصناعات الأولية والتنمية الإقليمية في الولاية، السكان، على توخي الحذر الشديد في المنطقة ومتابعة بلاغات رصد أسماك القرش.

ويأتي هذا الهجوم بعد أسبوعين فقط من مقتل رجل آخر بهجوم من سمكة قرش في شمال ولاية كوينزلاند.

ويرى علماء أستراليون أن ازدياد الأنشطة في المياه وارتفاع درجة حرارة المحيطات يُغيّران أنماط هجرة أسماك القرش، مما قد يُسهم في ارتفاع عدد الهجمات، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)

لا يبدو أن العالم منشغل اليوم بمسألة أكثر إلحاحاً من مسألة النظام العالمي الجديد. وهذا ما تعكسه عناوين المؤتمرات الدولية المتخصصة؛ ومنها المؤتمر السنوي للجغرافيا السياسية والشؤون الدولية الذي يُعقد في كيوتو اليابانية تحت عنوان «عصر القلق: التبعية والاستقلال الذاتي والغموض الاستراتيجي» من 18 سبتمبر (أيلول) المقبل إلى 20 منه.

وانطلق المؤتمر عام 2020، وحملت دورة العام الماضي عنوان «إعادة التفكير في النظام العالمي». ويبدو المؤتمر المقبل الذي يُعقد في حرم جامعة ريوكوكو استكمالاً لسابقه، وسيكون بين محاور البحث: الغموض الاستراتيجي، والتحالفات المتغيرة، والتعددية القطبية، إلى جانب الأعراف السياسية، والقانون الدولي، وديناميكيات الدبلوماسية.

* النظام العالمي

يندرج كل ما سبق تحت «قبة» ما يُصطلح على تسميته النظام العالمي الذي قد يختلف تعريفه بين جهة وأخرى، وفقاً للرؤى والمصالح. إلا أنه يحضر كلما تحدثنا عن طبيعة العلاقات بين الدول وغيرها من الفاعلين الدوليين (منظمات، وشركات، ومؤسسات...) في الساحة العالمية.

ويجب، هنا، أن نفرق بين النظام العالمي والنظام الدولي؛ فالثاني يعني العلاقات بين الدول والحكومات حصراً. لذا يمكن وصف المصطلح الأول بأنه مفهوم فضفاض، يتناول توزيع القوة بين الأمم في كل زمن ومحطة. ومن يدرك ديناميكيات هذا المفهوم يستطيع أن يفهم أسباب هيمنة بعض الدول على القرارات العالمية، وأسباب تشكل التحالفات وتفككها، ولماذا لا تتوقف خريطة العالم عن التبدل.

الذكاء الاصطناعي في صلب النظام العالمي الجديد (رويترز)

الواضح أن النظام العالمي يعرف تحوّلات كبيرة منذ العقد الأخير من القرن العشرين، فما كان قائماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية هو انقسام رأسمالي - اشتراكي، أو غربي - شرقي، سبّب حرباً باردة انتهت مع تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار الأنظمة الدائرة في فلكه. وأدّت الأمم المتحدة في ظل ذلك النظام العالمي دور الإطفائي، وإن بفاعلية محدودة. أما اليوم فنرى أن النظام العالمي يتبدّل بسرعة، ويمكن رصد ملامحه مما يقال في المنتديات الكبرى وعلى ألسنة بعض القادة والمسؤولين.

وفي خضم النقاش الواسع حول شكل النظام العالمي المقبل، تبرز مقاربتان متعارضتان إلى حد بعيد.

* الثورة الصناعية الرابعة

يرسم الألماني كلاوس شواب، مؤسس «منتدى دافوس» الاقتصادي، صورة طموحة ومثيرة للجدل للعالم، ولكن يجب التوقف عندها نظراً إلى مكانة الرجل وعلاقاته المتشعبة وتأثيره في دوائر صانعي القرار العالمي. ويمكن تلخيص هذه الرؤية على النحو الآتي:

تقوم رؤية كلاوس شواب للنظام العالمي الجديد على إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد والسياسة والمجتمع، والانتقال إلى ما يسميه «العصر الذكي». وهو يرى أن العالم يمر بمنعطف تاريخي يتطلب تجاوز الرأسمالية التقليدية القائمة على الربح المحض، وتبني «رأسمالية أصحاب المصلحة»، حيث تلتزم الشركات بخدمة المجتمع، والموظفين، وحماية البيئة...، بالتوازي مع تحقيق الأرباح.

وتعتمد هذه الرؤية بشكل جذري على تقنيات الثورة الصناعية الرابعة؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، وإنترنت الأشياء. ولا ينظر شواب إلى هذه التكنولوجيات بوصفها أدوات تكميلية؛ بل «شركاء أساسيون» يعيدون تشكيل ملامح الحضارة الإنسانية. ومن خلال دعوته الشهيرة «لإعادة الضبط الكبرى»، يطالب بتعزيز التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، بوصف ذلك آلية وحيدة لمواجهة الأزمات العابرة للحدود كالتغير المناخي والأوبئة.

كلاوس شواب في منتدى دافوس... نظام الثورة الصناعية الرابعة (رويترز)

في المقابل، يواجه هذا المنظور انتقادات حادة وهواجس واسعة. ويرى معارضوه أن التركيز المفرط على دمج التكنولوجيا بحوكمة البيانات يمهد الطريق لنظام رقابة عالمي صارم تقوده النخب الاقتصادية. وتثير أفكاره حول الهويات الرقمية والتحكم في البيانات مخاوف حقيقية تتعلق بانتهاك الخصوصية وتقويض الحريات الفردية، مما جعل رؤيته محوراً لجدل عميق بين من يراها خطة لإنقاذ المستقبل، ومن يعتقد أنها محاولة لفرض وصاية عالمية.

*دونالد ترمب وعالمه

يقول باحثون في «معهد بروكينغز» (واشنطن) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يرى أن فكرة «النظام العالمي» بحد ذاتها ليست سوى «تجريد مثالي منفصل عن الواقع». ولا يتمثل مشروعه في السياسة الخارجية في إعادة تشكيل البنية العالمية؛ بل في تثبيت واقع أن الولايات المتحدة يجب ألا تكون مقيّدة في ممارستها لقوتها الاقتصادية والعسكرية، انطلاقاً من أن هذا هو ما تقتضيه النظرة «الواقعية والصريحة» إلى السياسة الدولية.

أما النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تعدّه إدارة ترمب وهماً نظرياً فارغاً، فقد وُلد عقب حربين عالميتين أودتا بعشرات الملايين. وكان الهدف من هذا النظام منع تكرار المآسي والدمار.

ولتحقيق ذلك، جرى الاتفاق على الحدّ من استخدام الأدوات الاقتصادية؛ مثل الرسوم الجمركية، التي تحقق مكاسب لدولة ما عبر الإضرار بدول أخرى. كما ثُبّت مبدأ عدم السماح للدول القوية عسكرياً بالاعتقاد بأنها تستطيع مهاجمة الدول الأضعف من دون خوف أو تردد. وتُرجمت هذه المبادئ عملياً من خلال ترتيبات التجارة الحرة، والعضوية الواسعة في الأمم المتحدة، والتحالفات الدفاعية العسكرية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1945 و2024، كانت الولايات المتحدة من أبرز المدافعين عن هذه المبادئ، وإن بدرجات متفاوتة وبصورة لم تخلُ من النواقص والتناقضات. أما اليوم، فإن ترمب يهاجم هذه الأسس عبر العقوبات التجارية، وتقليل أهمية تحالفات الولايات المتحدة، وتكرار التهديد باللجوء إلى العمل العسكري.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ذو رؤية لا تؤمن بنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية (إ.ب.أ)

وتنطلق رؤيته للنظام العالمي من مبدأ «أميركا أولاً»، وتعارض بشكل مباشر العولمة والمؤسسات متعددة الأطراف، مفضلة العلاقات الثنائية والسيادة الوطنية الكاملة.

*التعارض والبحث عن الطريق

يمثل التعارض بين دونالد ترمب وكلاوس شواب صراعاً فكرياً بين القومية الحمائية والعولمة المؤسسية. وتنطلق رؤية ترمب من السيادة الوطنية والحدود، وعقد الصفقات الثنائية المباشرة من دولة لدولة بدلاً من الانصياع للمنظمات الدولية. واقتصادياً، يتبنى الرئيس الجمهوري نهجاً يعتمد على الحمائية والتنافس الجيوسياسي الشرس، مؤمناً بأن التكنولوجيا أداة لفرض النفوذ والتفوق.

في المقابل، يمثل شواب الوجه الآخر لـ«العملة» بدعوته إلى «إعادة الضبط الكبرى». ويرى أن التحديات الراهنة تتطلب حوكمة عالمية عابرة للحدود، تذوب فيها السيادات الفردية لمصلحة تعاون وثيق بين الحكومات والشركات العملاقة والمجتمع المدني. ويسعى من خلال «رأسمالية أصحاب المصلحة»، إلى بناء اقتصاد عالمي مترابط ومفتوح، تقوده النخب الذكية عبر دمج تقنيات الثورة الصناعية الرابعة في عمق المجتمعات البشرية.

وبتعبير آخر، يرى ترمب العالم ساحة صراع وتنافس تجاري بين دول مستقلة تبحث عن مصالحها الذاتية، فيما يراه شواب شبكة موحدة لا بدّ من إدارتها مركزياً بالاعتماد على أنظمة ذكية متكاملة.

ولا شك في أن هذا التناقض الجذري، الذي يتجاوز الرجلين إلى رؤيتين متعارضتين للعالم، يضع صانعي القرار أمام خيارين: إما الانكفاء نحو الهوية والقومية الاقتصادية، أو الانخراط في عولمة رقمية شاملة.

النفط الفنزويلي كان هدفاً للسياسة الأميركية المستجدة (رويترز)

وليس عصياً على الاستنتاج أن الخيار الأول قد يؤدي إلى زيادة التوترات والصراعات، فيما يثير الخيار الثاني مخاوف تتعلق بخصوصية الإنسان وفرادة المجتمعات.

وغنيُّ عن القول أن هناك مقاربات أخرى لهذه المسألة؛ فالاتحاد الأوروبي متمسك بدور المنظمة الأممية بكل فروعها، ويلتقي في الدعوة إلى تعدد الأقطاب مع الصين التي ترى أن العدالة الاقتصادية غائبة، وأن دول الجنوب تحتاج إلى تنمية شاملة.

وفي النهاية ينبغي القول إن العالم يحتاج إلى نظام عالمي يوازن بين التعاون الدولي وسيادة الدول. وفي ظل الضغوط غير المسبوقة التي يواجهها النظام التقليدي القائم على القواعد والأعراف بقيادة الولايات المتحدة، فإن بناء مستقبل مستدام يتطلب نموذجاً تعددياً يرتكز على التعاون ومساندة القويّ للضعيف والغنيّ للفقير، في عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً.


ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)

انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، كلاً من النمسا وقيرغيزستان والبرتغال وترينيداد وتوباغو وزيمبابوي لعضوية مجلس الأمن الدولي المكون من 15 عضواً لفترة مدتها سنتان تبدأ في أول يناير (كانون الثاني) 2027.

وجاءت ألمانيا، التي بذلت جهوداً حثيثة للحصول على مقعد، في المرتبة الثالثة في المنافسة على المقعدين المخصصين لمجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى، إذ حصلت على 104 أصوات، مقابل 134 صوتاً للبرتغال و131 صوتاً للنمسا.

الوفد النمساوي يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (د.ب.أ)

وامتدت المنافسة بين الفلبين وقيرغيزستان على مقعد مجموعة آسيا والمحيط الهادئ إلى أربع جولات من التصويت، إذ ضمنت قيرغيزستان في النهاية الأغلبية المطلوبة البالغة الثلثين، لتفوز بأول مقعد لها على الإطلاق في مجلس الأمن بحصولها على 142 صوتاً مقابل 49، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومجلس الأمن هو الهيئة الوحيدة في الأمم المتحدة التي يمكنها اتخاذ قرارات ملزمة قانوناً مثل فرض العقوبات والإذن باستخدام القوة. ويضم المجلس خمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض (الفيتو) وهم بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة.

وفد قيرغيزستان يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (رويترز)

أما الأعضاء العشرة الباقون فيتم انتخابهم، إذ ينضم خمسة أعضاء جدد كل عام. وهذا العام، يأتي عضو واحد من مجموعة أفريقيا، وعضو واحد من مجموعة أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وعضو واحد من مجموعة آسيا والمحيط الهادئ، وعضوان من مجموعة غرب أوروبا ودول أخرى.

وستحل زيمبابوي محل الصومال، وترينيداد وتوباغو محل بنما، بينما ستحل البرتغال والنمسا محل الدنمارك واليونان. وستحل قيرغيزستان محل باكستان.

وستستمر البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا في شغل مناصب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن حتى نهاية عام 2027.

وانتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثلاثاء، وزير خارجية بنغلاديش خليل الرحمن رئيساً للجمعية المكونة من 193 عضواً لدورتها الحادية والثمانين، التي تبدأ في سبتمبر (أيلول).