البنوك العالمية ما زالت تواجه تحديات في مكافحة غسل الأموال

على الرغم من ضخ مليارات الدولارات لمواجهته

البنوك العالمية ما زالت تواجه تحديات في مكافحة غسل الأموال
TT

البنوك العالمية ما زالت تواجه تحديات في مكافحة غسل الأموال

البنوك العالمية ما زالت تواجه تحديات في مكافحة غسل الأموال

على الرغم من مليارات الدولارات التي تضخها أكبر البنوك العالمية سنويا في برامج مكافحة غسل الأموال، فإن تلك المشكلة يمكنها التسبب في الكثير من الخسائر لتلك البنوك. في 22 يوليو (تموز) حصلت كل من مؤسسة أمين الودائع الفيدرالية وإدارة الرقابة التجارية في ولاية كاليفورنيا غرامة مالية مدنية قدرها 140 مليون دولار ضد بنك بانامكس الولايات المتحدة المملوك لمجموعة سيتي غروب لإخفاق البنك في توفير ما يكفي من الموظفين والمسؤولين المؤهلين والمدربين المكلفين باكتشاف والإبلاغ عن المعاملات غير القانونية أو المشتبه فيها. وقد أعلنت سيتي غروب أنها تعتزم إغلاق الوحدة الصغيرة، التي ليس لديها إلا عدد قليل من الفروع في ولايتي كاليفورنيا وتكساس.
ليست تلك هي القضية الوحيدة التي يواجهها البنك المذكور، حيث يتعامل مع الكيفية التي تتم بها مراقبة الحسابات. وقد أفادت وكالة بلومبيرغ الإخبارية بأن وزارة العدل الأميركية قد أصدرت مذكرة إحضار بحق أكبر بنك مكسيكي يتبع مجموعة سيتي غروب، وهو البنك الوطني المكسيكي، والمعروف باسم بانامكس، في جزء من التحقيقات المتعلقة بعمليات غسل الأموال. ويأتي ذلك على رأس عملية الاحتيال بقيمة 400 مليون دولار التي تتضمن أحد عملاء بنك بانامكس والتي برزت إلى سطح الأحداث في عام 2014، والتي أسفرت عن فصل عدد من موظفي البنك من أعمالهم. كما أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» بأن مكتب المدعي العام بالولايات المتحدة الأميركية في مانهاتن يجري تحقيقاته بشأن مجموعة سيتي غروب حول ما إذا كانت تجاهلت عن عمد الخطوط الحمر المتعلقة بعملية الاحتيال.
والخطر الحقيقي المحدق بمجموعة سيتي غروب يكمن في أن أي مشكلات تتعلق ببرنامج غسل الأموال المذكور والعجز عن تحقيق المراقبة الكافية للحسابات من شأنها أن تتسبب في حالة توبيخ قوية من جانب وزارة العدل الأميركية، وربما حتى مستوى الإقرار بالذنب من قبل البنك المكسيكي حيال أي تسوية مرتقبة. ولقد فوجئ المدعون العموميون، ومن بينهم المدعية العامة لوريتا إي. لينش، بموجة الانتقادات حول اتفاقية المقاضاة المؤجلة لعام 2012 مع بنك «إتش إس بي سي» التي تستلزم من البنك سداد مبلغ 1.9 مليار دولار بشأن الانتهاكات التي تضمنت السماح بعمليات غسل الأموال من خلال الفرع المكسيكي للبنك.
لم توجه الاتهامات بحق شخصية معينة في تلك القضية، وعكس قرار عدم المطالبة بالإقرار بالذنب انطباعا مفاده أن بنك «إتش إس بي سي» وجد سبيلا ما للخروج من بين تلك المشكلات. ولقد أشرف مكتب السيدة لينش على تلك القضية عندما كانت تشغل منصب المحامي العام للولايات المتحدة في بروكلين، ثم برزت التساؤلات حول التسوية إلى السطح في جلسات التصديق الخاصة بها. ومن ثم فإن المشكلات المستقبلية الخاصة بعمليات غسل الأموال في البنوك العالمية من غير المرجح التعامل معها بالكثير من التسامح من قبل وزارة العدل الأميركية.
وليست البنوك الكبرى فقط هي التي تتورط مع قوانين غسل الأموال. بل ربما أكبر التحديات لإيقاف الانتهاكات الخاصة بذلك تأتي من ناحية العمليات المالية الصغيرة التي تتيح للمجرمين الوصول إلى نقاط الضعف الخفية في النظام المصرفي من أجل تحريك أموالهم بصورة عصية على الكشف بشكل كبير، ولبعض الوقت على أدنى تقدير.
والاتهامات الموجهة أخيرا من قبل وزارة العدل الأميركية بحق أنتوني أر. مورغيو ويوري ليبيديف تتصل بعمليات القرصنة على بنك «جيه بي مورغان تشيس» حيث تمت سرقة المعلومات المتعلقة بنحو 83 مليون حساب من حسابات عملاء البنك. ويواجه الرجلان اتهامات بتأسيس شركة غير قانونية لنقل الأموال باستخدام عملة بيتكوين الإلكترونية لمساعدة القراصنة على غسل الأموال المتحصل عليها من طلبات الفدى المفروضة على الشركات المهددة بشن هجمات إلكترونية عليها. والجزء الغريب من الخطة ظهر في الشكوى الحكومية المتعلقة بإحكام السيطرة على اتحاد ائتماني صغير في ولاية نيوجيرسي للمساعدة في تحريك العائدات عبر النظام المصرفي.
تكمن المشكلة لدى أي شخص متورط في الجرائم المالية في الخروج بالأموال من الولايات المتحدة من دون أن يترك وراءه أثرا، فيمكن استعادة تلك الأموال في وقت لاحق. حمل الأموال النقدية يعد من المخاطر الكبيرة، ولذا فإن العثور على وسيلة ما داخل النظام المالي لنقل الأموال بطريقة إلكترونية هو السبيل الوحيدة الحاسمة.
وفقا للشكوى المذكورة فإن السيدين مورغيو وليبيديف أخفيا شركة نقل الأموال الخاصة بهما والمعروفة باسم «كوين إم إكس» تحت ستار مؤسسة وهمية باسم «نادي المقتنيات». ويزعم الموقع الإلكتروني خاصتهما بالسماح لأعضاء النادي بالمتاجرة في السيارات، والطوابع البريدية، والتذكارات الرياضية، مع حصول النادي على نسبة 15 في المائة من المعاملات. عمل السيد مورغيو على فتح الحسابات في بنكين لنقل الأموال من معاملات عملة بيتكوين الإلكترونية على موقع «كوين إم إكس» إلى حسابات مصرفية في قبرص وجزر فيرجين البريطانية، مستخدما النادي المذكور واجهة لتبرير حجم المعاملات الضخم.
ومن خلال استخدام الحسابات، احتاج المتهمان إلى تجنب المواجهة مع ضوابط مكافحة غسل الأموال المعمول بها في البنوك. وفي رسالة بالبريد الإلكتروني، مرفقة بالشكوى الحكومية، يبلغ السيد مورغيو أحد عملاء «كوين إم إكس» بعدم إرسال مبلغ 100 ألف دولار بالتحويل البنكي نظرا لأن المبلغ سوف يلفت نظر المراقبين في البنك. وفي مرثية مؤكدة ومتكررة من قبل أولئك الذين يحاولون غسل الأموال، كتب السيد مورغيو يقول: «إذا لم تكن الولايات المتحدة قد تضررت بشدة بسبب تلك العمليات، ما اضطررنا لسلوك ذلك الطريق».
تقدر الشكوى الحكومية نقل نحو مليون دولار عبر الحسابين المصرفيين المذكورين، وهو ليس بالمبلغ التافه، ولكنه لا يكاد يكفي لإجراء عملية انتقال غير مشروعة بالشركات التجارية الرئيسية، وخصوصا إذا كانت المعاملات تُجرى بمبالغ صغيرة بما فيه الكفاية لتجنب إثارة التساؤلات بشأنها. والخطوة التالية في البرنامج والمذكورة في الشكوى كانت خطوة مبتكرة بحق: الدخول إلى النظام المصرفي عن طريق السيطرة على الاتحاد الائتماني. قد تسبب المراقبة نوعا من القلق لدى العميل المصرفي الاعتيادي، ولكن إذا سيطرت على إحدى المؤسسات المالية، فلا حاجة لديك للقلق من قواعد وضوابط غسل الأموال. سيطر السيد مورغيو والسيد ليبيديف على اتحاد ائتماني صغير في مدينة جاكسون بولاية نيوجيرسي يُعرف باسم «مساعدة الآخرين في الإفادة من الاتحاد الائتماني الفيدرالي» في مايو (أيار) 2014 عن طريق رشوة أحد المديرين التنفيذيين هناك. وتم تعيين المديرين الجدد ذوي الصلة بالسيدين مورغيو وليبيديف في مجلس الإدارة الجديد. وباعتبار الحجم الصغير للاتحاد الائتماني المذكور، حيث لا يتجاوز عدد الأعضاء 200 عضو، مع عمليات مصرفية متواضعة، لم تكن مفاجأة ألا تكون هناك ضوابط لغسل الأموال مفروضة على ذلك الاتحاد الائتماني الصغير نظرا لعدم حاجته إليها.
بعد تولي السيد مورغيو مسؤولية الاتحاد المذكور، تم فتح حساب لمعالجة المدفوعات، ومن خلاله تم نقل ما يقرب من 30 مليون دولار من التحويلات المصرفية. وبالنسبة لاتحاد ائتماني لا تتجاوز ودائع أعضائه حد 200 ألف دولار، لفتت التحويلات الكبيرة انتباه إدارة الاتحاد الائتماني الوطني، وهي الهيئة المنظمة للاتحادات الائتمانية الفيدرالية الأميركية. وجهت إدارة الاتحاد الائتماني الوطني الأمر للاتحاد الائتماني الصغير بإيقاف التحويلات وإقالة المديرين الجدد. ولكن خلال بضعة أشهر من عام 2014 كانت هناك حالات دخول غير مقيدة إلى النظام المصرفي الأميركي بهدف نقل الأموال من دون أي قلق حيال ضمانات مكافحة غسل الأموال.
وسواء كانت عملية مصرفية عالمية على غرار «سيتي غروب» أو عملية صغيرة ومتواضعة مثل الاتحاد الائتماني في نيوجيرسي، لا يزال احتمال تنفيذ عمليات غسل الأموال قائما. يمكن للأموال أن تتحرك وتتدفق في أي مكان، وهناك خطر من أن عائدات الجرائم المالية يجري غسلها عبر النظام المصرفي الأميركي.

* خدمة «نيويورك تايمز»



البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
TT

البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)

أكد جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، أن ما تشهده المنطقة من تحديات متصاعدة لم يعد مجرد ظرف عابر، بل يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة دول المجلس على حماية مكتسباتها، وضمان استمرارية قطاعاتها الحيوية بكفاءة وثبات.

وشدَّد البديوي، خلال الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي، الخميس، على مواصلة دول المجلس بعزم وثبات تعزيز التكامل الاقتصادي، في إطار السعي الحثيث نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية الخليجية، وترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً رائداً في المجالات الاقتصادية والتنموية.

وأوضح الأمين العام أن «الاجتماع ينعقد في مرحلة دقيقة أعقبت الاعتداءات الإيرانية السافرة التي استهدفت دول الخليج»، منوهاً بأنها «تفرض الانتقال من مستوى التنسيق التقليدي إلى مستوى أعلى من التكامل العملي والاستجابة الفاعلة».

ولفت البديوي إلى أن بناء اقتصاد قوي ومستدام لا يتحقق إلا من خلال التعاون المشترك والتكامل الموحد بين دول الخليج التي تواصل التصدي للتحديات الاقتصادية العالمية، والعمل بكل جدية لتسريع تنفيذ المشاريع التنموية.

من الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأبان الأمين العام أن دول الخليج تسعى بشكل حثيث لتحقيق رؤى وأهداف قادتها في تعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي بشكل عام، والتجاري بشكل خاص، من خلال تذليل العقبات وزيادة التبادل التجاري بينها، وتعمل على تحسين تدفق السلع والخدمات نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية المنشودة.

وأفاد البديوي بأن الناتج المحلي الإجمالي حقّق بالأسعار الجارية لدول الخليج نحو 2.4 تريليون دولار أميركي في عام 2025؛ ليحتل المرتبة العاشرة عالمياً من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، مضيفاً أن حجم التجارة البينية بينها والمقاسة بلغ بإجمالي الصادرات السلعية البينية في عام 2024 أكثر من 146 مليار دولار، بنسبة نموٍّ سنوي بلغت 9.8 في المائة، و«هو ما يؤكد تنامي قوة التبادل التجاري الخليجي واتساع نطاقه».

من جانب آخر، أكد الأمين العام أهمية العمل لتذليل جميع المعوقات، وتقريب وجهات النظر في الجوانب المتعلقة باتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج والمملكة المتحدة؛ تمهيداً للتوقيع عليها خلال الفترة القريبة المقبلة، بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة والرؤية الموحدة لنمو اقتصادي مستدام ومزدهر.

جانب من اجتماع وزراء التجارة بدول الخليج وبريطانيا عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأوضح البديوي أن الاجتماع المشترك المهم بين مجلس التعاون والمملكة المتحدة، عبر الاتصال المرئي، الخميس، «يعكس الالتزام المشترك بتعزيز التعاون الاقتصادي، ويُجسِّد عمق ومتانة العلاقات التاريخية الراسخة التي تربط بين منطقتينا»، مشيراً إلى أن شراكتهما واصلت نموها من حيث القوة والنطاق.

وأشار إلى التقدم الكبير المحرز في مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة، وقال البديوي إنه يأتي «نتيجةً للتواصل الجاد والبنّاء، ورغم ما تحقق من إنجازات كبيرة»، مضيفاً أن «العمل جارٍ للمضي قدماً نحو اتفاقية تُحقّق المنفعة المتبادلة، وتوفر فرصاً اقتصادية ملموسة تعزز الشراكة الاستراتيجية».

إلى ذلك، أكد الأمين العام أن التعاون الصناعي بين دول الخليج حقق تقدماً ملحوظاً، تمثل في تعزيز التكامل، وتطوير السياسات والاستراتيجيات المشتركة، ودعم سلاسل الإمداد، فضلاً عن توحيد المواصفات القياسية وتشجيع الاستثمارات الصناعية؛ بما يسهم في تنويع الاقتصادات الخليجية ورفع تنافسيتها إقليمياً ودولياً.

عُقِد الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي بدول الخليج عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وقال البديوي، خلال الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي الخليجية، عبر الاتصال المرئي، الخميس، إن «للجنة دوراً محورياً في تعزيز العمل الخليجي المشترك، من خلال تنسيق السياسات الصناعية بين دول المجلس، وتوحيد الجهود بما يدعم تحقيق التكامل الصناعي المنشود».

وأضاف أن اللجنة «تسهم في تعزيز المكانة الدولية للقطاع الصناعي الخليجي عبر قدرته التنافسية، وفتح آفاق أوسع للتعاون والشراكات العالمية؛ بما يعكس الإمكانات المتنامية لدول المجلس، ويعزز حضورها الفاعل في الاقتصاد الصناعي العالمي».

وفي السياق ذاته، أشار الأمين العام إلى ترحيب المجلس الأعلى بدورته السادسة والأربعين، ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بمقترح عقد منتدى ومعرض «صُنع في الخليج»، خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل؛ بهدف إبراز القدرات الصناعية المتميزة في دول الخليج، وتعزيز التكامل الصناعي.


لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
TT

لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)

قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إن مجلس الإدارة قرر اليوم الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة دون تغيير. وأوضحت أن البيانات الواردة جاءت متوافقة إلى حد كبير مع التقييم السابق لتوقعات التضخم، غير أن مخاطر ارتفاع التضخم وتراجع النمو قد تصاعدت. وأكدت التزام البنك بتوجيه السياسة النقدية بما يضمن استقرار التضخم عند هدفه البالغ 2 في المائة على المدى المتوسط.

وأضافت: «لقد أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مما دفع التضخم إلى الارتفاع وألقى بظلاله على المعنويات الاقتصادية. وتعتمد تداعيات هذه الحرب على التضخم متوسط الأجل والنشاط الاقتصادي على شدة ومدة صدمة أسعار الطاقة وحجم آثارها غير المباشرة والثانوية. وكلما طال أمد الحرب واستمرت أسعار الطاقة مرتفعة، ازداد التأثير المحتمل على التضخم الأوسع والاقتصاد ككل».

وتابعت: «نحن في موقع جيد لإدارة حالة عدم اليقين الحالية. فقد دخلت منطقة اليورو هذه المرحلة من ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم وهي قريبة من هدفنا البالغ 2 في المائة، كما أظهر الاقتصاد مرونة خلال الفصول الأخيرة. ولا تزال توقعات التضخم طويلة الأجل مستقرة نسبياً، رغم أن التوقعات قصيرة الأجل ارتفعت بشكل ملحوظ».

وقالت لاغارد: «سنواصل متابعة الوضع من كثب، وسنتبع نهجاً يعتمد على البيانات ومن اجتماع لآخر لتحديد الموقف المناسب للسياسة النقدية. وستستند قرارات أسعار الفائدة إلى تقييمنا لتوقعات التضخم والمخاطر المحيطة بها، في ضوء البيانات الاقتصادية والمالية الواردة، إضافة إلى ديناميكيات التضخم الأساسي وقوة انتقال السياسة النقدية. ونحن لا نلتزم مسبقاً بمسار محدد لأسعار الفائدة».

النشاط الاقتصادي

أظهر اقتصاد منطقة اليورو بعض الزخم قبل الاضطرابات الحالية، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.1 في المائة في الربع الأول من 2026، مدعوماً بالطلب المحلي ومرونة سوق العمل، وفق تقديرات «يوروستات». إلا أن التوقعات لا تزال شديدة عدم اليقين، وترتبط أساساً بمدة الحرب في الشرق الأوسط، وتأثيرها على الطاقة وسلاسل الإمداد.

وتشير البيانات إلى أن الصراع بدأ يضغط على النشاط الاقتصادي، مع تباطؤ النمو وتراجع ثقة المستهلكين والشركات، وظهور ضغوط على سلاسل التوريد. ومن المتوقع أن تستمر تكاليف الطاقة المرتفعة في الضغط على الدخل والاستهلاك والاستثمار، رغم بقاء البطالة منخفضة نسبياً ودعم بعض القطاعات عبر الإنفاق العام والاستثمار.

وفي هذا السياق، شددت لاغارد على ضرورة تعزيز اقتصاد منطقة اليورو مع الحفاظ على متانة المالية العامة، مؤكدة أن الاستجابات لصدمات الطاقة يجب أن تكون مؤقتة ومحددة الهدف.

التضخم

ارتفع التضخم إلى 3 في المائة في أبريل (نيسان) مقابل 2.6 في المائة في مارس (آذار) و1.9 في المائة في فبراير (شباط)، مدفوعاً أساساً بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، حيث قفز تضخم الطاقة إلى 10.9 في المائة. في المقابل، تراجع التضخم الأساسي قليلاً إلى 2.2 في المائة، مع استقرار نسبي في المؤشرات الأساسية وتوقعات بتراجع ضغوط الأجور خلال 2026، بينما تبقى التوقعات طويلة الأجل قريبة من هدف 2 في المائة. ومن المتوقع أن تُبقي أسعار الطاقة التضخم مرتفعاً في المدى القريب، مع ازدياد مخاطر انتقال آثارها إلى الأسعار والأجور إذا استمر ارتفاعها.

تقييم المخاطر

قالت لاغارد إن مخاطر النمو تميل إلى الجانب السلبي، في ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط وما تسببه من ضغوط إضافية على الاقتصاد العالمي، إلى جانب حالة عدم الاستقرار في البيئة الاقتصادية الدولية. كما أن استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة قد يؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار، مع احتمال تفاقم هذه الضغوط في حال إغلاق طرق شحن رئيسية أو تدهور الأسواق المالية أو تصاعد التوترات التجارية والأزمات الجيوسياسية، ولا سيما الحرب في أوكرانيا.


ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الرئيسي في الولايات المتحدة، خلال مارس (آذار) الماضي، إلى أعلى مستوى له منذ نحو ثلاث سنوات، مدفوعاً بارتفاع حادّ في أسعار البنزين، في إشارة جديدة إلى أن الحرب الإيرانية بدأت تضغط على تكلفة المعيشة، وتؤخر أي توجه نحو خفض أسعار الفائدة من قِبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وأفادت وزارة التجارة، يوم الخميس، بأن مؤشر الأسعار الذي يراقبه «الاحتياطي الفيدرالي» ارتفع بنسبة 0.7 في المائة خلال مارس، مقارنة بشهر فبراير (شباط)، مسجلاً تسارعاً ملحوظاً عن الشهر السابق. وعلى أساس سنوي، صعدت الأسعار بنسبة 3.5 في المائة، وهي أكبر زيادة منذ قرابة ثلاث سنوات، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

أما التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، فقد ارتفع بنسبة 0.3 في المائة على أساس شهري، وبنسبة 3.2 في المائة على أساس سنوي، متجاوزاً قراءة فبراير البالغة 3 في المائة.

ويعكس هذا التسارع ابتعاد التضخم مجدداً عن هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، ما يدعم توجه البنك المركزي للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، بعد سلسلة تخفيضات العام الماضي، في ظل استخدام السياسة النقدية لمواجهة ضغوط الأسعار.

وأظهر التقرير أن أسعار البنزين قفزت بنحو 21 في المائة، خلال مارس، مقارنة بالشهر السابق، وهو ما شكّل المحرك الأساسي لارتفاع التضخم.

ورغم ذلك، يُولي «الاحتياطي الفيدرالي» اهتماماً أكبر بمؤشرات التضخم الأساسي، إذ يُعد مدى انتقال صدمة أسعار الطاقة إلى باقي مكونات الأسعار عاملاً حاسماً في تحديد مسار السياسة النقدية المقبلة.

وقال رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، في مؤتمر صحافي: «ندرك تماماً أن ارتفاع أسعار البنزين يضغط على المستهلكين في مختلف أنحاء البلاد، وهذا يؤثر عليهم سلباً».

في السياق نفسه، أظهر التقرير ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 0.9 في المائة خلال مارس، مدفوعاً جزئياً بارتفاع الأسعار، لكنه أشار أيضاً إلى زيادة في الإنفاق الحقيقي بعد احتساب التضخم، ما يعكس استمرار مرونة المستهلك الأميركي، رغم الضغوط المتزايدة.