عائشة السيفي: حاولت أن أجد صكّاً للقبول بي شاعرة داخل القبيلة

«أميرة الشعراء» تقول لمن هاجمها: الناس مقامات في التلقي

عائشة السيفي أول امرأة تحرز لقب «أميرة الشعراء»
عائشة السيفي أول امرأة تحرز لقب «أميرة الشعراء»
TT

عائشة السيفي: حاولت أن أجد صكّاً للقبول بي شاعرة داخل القبيلة

عائشة السيفي أول امرأة تحرز لقب «أميرة الشعراء»
عائشة السيفي أول امرأة تحرز لقب «أميرة الشعراء»

منذ اللحظة التي أعلن فيها فوز الشاعرة العُمانية عائشة السيفي بلقب «أميرة الشعراء» في الموسم العاشر، كأول امرأة شاعرة تحقق هذا اللقب، انهالت الانتقادات والاتهامات والتعليقات المتنمرة على الشاعرة وعلى برنامج «أمير الشعراء» ولجنة الجائزة، ومثلما بدا بعض المعلقين كأنهم ينساقون بخفّة خلف مقاطع مبتسرة من قصيدة الشاعرة في المسابقة، أظهر بعض الهجوم أيضاً «البنية الفولاذية لفريق يعتبر نفسه حارساً على بنية القصيدة التقليدية ومدافعاً شرساً أمام أشكال التحديث ومظاهر الحداثة».
أصدرت عائشة السيفي 4 مجموعات شعرية هي: «البحر يبدّل قمصانه» 2014، و«أحلام البنت العاشرة» 2016، و«لا أحبّ أبي» 2017، و«في الثلاثين من نخلها» 2022، وبالإضافة إلى الشعر، تنشر عائشة السيفي مقالات عبر مدونتها الإلكترونية «حريّة بثمن الخبز».
عن مسيرتها الشعرية، وكيف تقرأ تجربتها في برنامج «أمير الشعراء» حتى حصولها على لقب «أميرة الشعراء» ورؤيتها للقصيدة الحديثة... كان هذا الحوار معها:
> متى اكتشفتِ موهبتكِ كشاعرة، خصوصاً أننا نعلم أن دراستك وتخصصك في الهندسة المدنية والتنمية الدولية؟
- موهبتي بدأت عندما كنت في عمر العاشرة تقريباً، كنتُ أحبّ إلقاء الشعر منذ الصف الأول الابتدائي، وبدأت محاولاتي الشعرية واضحة في المراحل الأولى من دراستي، ولكني في بدايتها حاولت أن أجد صكّاً للقبول داخل العائلة بأن أكتب الشعر، فكتبتُ أول قصيدة وكان اسمها «الوردة البيضاء» وحاولتُ بعدها أن أكتب قصائد في القبيلة من أجل أن أحرز صكّ القبول العائلي.
قضيتُ حياتي وأنا أكتب الشعر وكنتُ أحرز الدرجات العالية في اللغة العربية تماماً مثلما أحرز الدرجات العالية في المواد العلمية مثل الرياضيات والفيزياء، وكانت ميولي علمية مثلما كانت ميولي أدبية أيضاً فدخلت المسار العلمي وتخصصت في المواد العلمية، وتخرجت بنسبة عالية، 99.7 بالمائة في الثانوية العامة، وكانت الخيارات أمامي مفتوحة، فاتخذتُ قرار الانخراط في كلية الهندسة، وكان خياراً - نوعاً ما - غير مقبولٍ على مستوى القبيلة وعلى مستوى المدينة، فالهندسة لم تكن اتجاهاً تتجه إليه النساء، ولكني رغبتُ في تجربته لرغبتي في استكشافه بعيداً عن التفكير النمطي.
> ما الذي يجمع بين الهندسة والشعر؟
- اكتشفتُ أن الهندسة تجتمع مع الشعر في جوانب كثيرة؛ فهي من الإنسان وإلى الإنسان، والهندسة نابعة من حاجات الإنسان في العيش، وهي تشهد محاولات الإنسان دائماً في تشكيل الأفكار الجديدة.
> لكنك ذهبتِ بعيداً في هذا المجال...
- نعم، بعد تخرجي من الجامعة التحقت بشركة هولندية متخصصة في الموانئ، ومنها تخصصت في هندسة الموانئ، تحديداً في تصميمها، وذرعتُ العالم بدءاً من هولندا ثم بريطانيا ثم في دول أخرى بأفريقيا وآسيا، وعدتُ إلى عُمان في 2019 لأتجه إلى القطاع اللوجيستي، ومؤخراً صرتُ أعملُ في جهاز البرنامج الوطني للاستثمار نائبة للرئيس.
> لكنك بدأتِ كشاعرة متأخرة نسبياً، بعد التخرج من الجامعة 2005...
- لم أبدأ متأخرة، ولكني احتجتُ لكثير من المراحل من أجل أن أخرج علانية، لأنني جئت من عائلة محافظة لا تخرج فيها النساء علناً ولا يفصحن في المنابر العامة عن الشعر. فبدأت بالتدريج لأنني أردت أن أحصل على صكّ القبول من العائلة، ثم من الدوائر الأوسع في مدينتي، وعمان تحديداً. فأخذت وقتي، وكانت هنالك مراحل استقلاليتي المادية وزواجي الذي قيضّ لي مساحة حرية أكبر في أن أتخذ قرارات الخروج بالمنابر العلنية، بالإضافة إلى أن عملي في الهندسة وسفري الكثير في السنوات الماضية أثّر على حضوري في المشاركات الشعرية العامة وفي حضور المؤتمرات والملتقيات الثقافية وكذلك في الأمسيات الشعرية.
> نشأتِ في نزوى، ماذا منحكِ المكان والبيئة والتراث... خصوصاً أننا نلحظ في نصوصكِ روحاً حديثة تنهل من التراث؟
- أنا متشبعة كثيراً بمدينتي نزوى، ببساطة شديدة قضيتُ أول 18 سنة من حياتي في نزوى، لم أغادرها سوى بضع مرات، وأجد في نزوى مساحة كثيرة تثير فضولي للكتابة عنها ككاتبة؛ ففي نزوى المكان، والقرية، والشجر، وفي نزوى الإنسان العميق، والتاريخ، وأجدُ فيها تفاصيل شعرية كثيرة لقصائدي، وأحسب أن نزوى كانت مادة خصبة لنصوصي، وهي أيضاً نابعة من بحثي عن النصّ وعن أصالة النصّ، وحديثي عن نزوى نابع من أن أكون مخلصة لجذوري التي سقت ينابيعي الشعرية الأولى، والتي من خلالها خرجت للعالم. أنا زرتُ العالم وعايشت حضارات مختلفة، ولم تزدني تلك الحضارات يقيناً إلا باعتزازي الكبير بجذوري التي خرجتُ منها إلى العالم.
«أميرة الشعراء»
> ماذا يعني لكِ الفوز بلقب أول شاعرة «امرأة» تفوز بلقب أمير الشعراء؟
- أنا دخلت المسابقة وعيني على الفوز... فمن اللحظة الأولى التي كان الجميع يسألني فيها، كنتُ أقول لهم: أنا دخلت البرنامج لأفوز! أردتُ أن أجعل من الفوز أمراً عادياً، أنا أتمنى أن أعيش حياة أجد فيها أن الفوز لامرأة أمر عادي بين الناس، أردتُ أن أعبّد الطريق لنساء أخريات، وأن أكون امتداداً لنساء أخريات سبقنني ولم يحظين بالفوز، لأنهنّ لم يجدن الإيمان الكافي بتجرتهنّ مثلما وجدتُ الإيمان الكافي بتجربتي، وأردتُ أن أصعد على المنبر لترى النساء وجوههن فيّ... بأن يجدن امرأة قادمة من قبيلة وقادمة من مجتمع محافظ ومتدين، وامرأة قادمة من دولة تعدادها السكاني قليل، وامرأة قادمة من دولة لا تسوّق كثيراً لتجاربها، وأتت من ظروف فيها كثير من التحديات، لكنها وقفت هناك لأنها تشعر بالجدارة. ما يعني لي أن هناك إرثاً أحمله أريد أن يستمر ويواصل بعد فوزي.
> صِفي لنا اللحظات الأولى لإعلان فوزكِ... كيف تلقيتِ الإعلان؟
- قبل اللحظات الأولى للفوز، كنتُ أشعر بأن السباق انتهى، وكنتُ أشعر تلك اللحظة بالسعادة الغامرة التي تدفعني (ربما) لأذرف الدموع لو لا أن قوتي كانت أكبر من أن أبكي علانية! وكنتُ أريد أن أستمتع باللحظة، وأكون مغمورة بها، فلم تكن الرحلة سهلة، فالرحلة كانت متعبة وصعبة. بالإضافة إلى صعوبة صناعة النصوص وتجويدها، كان عليّ أن أستثير الكثيرين لكي أجتذبهم للتصويت، ففي عُمان عموماً لا يتفاعل الناس كثيراً مع البرامج الجماهيرية، وتكون الصعوبة أكبر عندما يتعلق الأمر بالشعر، وتتضاعف الصعوبة عندما يتعلق الأمر بالتصويت لامرأة، فوضعتُ كل ثقلي التسويقي والجماهيري من أجل إقناع الناس بالتصويت ومن أجل حثهم على أهمية هذه المشاركة، وعلى طول التمثيل، وضرورة الإيمان بأن الفوز لا يتعلق فقط بهذه المرأة الشاعرة، ولكن بأجيال عليها أن تؤمن بأنها جديرة بالفوز، وأن هذا الفوز يفتح أبواباً كثيرة أبعد من مسألة حمل اللقب.
> كانت أمامك منافسة من شاعرة أخرى من الإمارات، هل تُغّير المرأة طعم المنافسة؟
- نعم تُغيّر المرأة طعم المنافسة، بطريقة ما، كنتُ ونجاة الظاهري من الإمارات، قريبتين طوال الرحلة، ولم تتسم المنافسة بطعم الغيرة، على العكس، كنا نحب لبعضنا ما نحبّ لأنفسنا، وعندما خرجت نجاة لمرحلة التصويت صوّتُ لها، وهكذا فعلت هي عندما خرجت لمرحلة التصويت صوتت لي، كنا ندعم بعضنا، ونفتخر بتجارب بعض، وكنا نمنح بعضنا ملاحظاتنا. لم أجد من نجاة إلا المساندة، والفرحة الكبيرة بفوزي، وحتى هذه اللحظة أنا على تواصل مستمر معها، وأجد أن أحد مكاسب المسابقة هذه؛ فوزي بصحبتها ورفقتها في هذه الرحلة.
> هناك من قال إن المزاج العام كان يتجه لفوز امرأة بهذا اللقب هذا العام، هل هذا صحيح؟
- عندما شاركتُ لم أكن أفكر إطلاقاً في المزاج العام، أعرف أن المزاج العام كان في يفكر في فوز امرأة منذ المواسم السابقة، وهنالك كثير من الآراء يشير إلى أنه آن الأوان لأن تفوز امرأة. بالنسبة لي، اشتغلتُ على نصوصي كثيراً واجتهدت، وواجهت تحديات، فقد خرجتُ لمرحلة التصويت في البرنامج، وكان هنالك احتمال كبير أن أغادر، كنتُ أقف مقابل التصويت لمنافسي الموريتاني، وأخرجتني لجنة التصويت، وبالتالي لو كان هنالك مزاج عام للفوز لكنتُ حصلت على بطاقة اللجنة خلال كل المراحل، في بعض المراحل كنت أقول إنني على وشك أن أخرج من السباق، وكانت الدرجات التي تفصلني عن الشاعر الموريتاني قليلة جداً، فنحنُ وضعنا في الاختبارات في كل مراحل البرنامج وكنت أجتهد من البداية إلى النهاية، وأحسب أن المزاج العام لفوز امرأة لن يقنع الناس بالتصويت، بل على العكس الناس سوف تصوت للنصّ الجدير، وهذا ما حدث، وأنا أعتبر أن هذا التبرير الذي يقوله الكثيرون انتقاص من جدارة التجربة الشعرية التي قدمناها نحنُ باستخدام أعذار من أجل التقليل من أهمية فوز امرأة بلقب هذا الموسم.
> يعتمد اختيار الفائز على التصويت، ونعلم أن حملة تصويت هائلة صُبّتْ لصالحك خصوصاً من سلطنة عُمان... كيف تقيمين هذا الإقبال الواسع للتصويت لك من الجمهور العماني؟
- نعم أردتُ منذ بداية اشتراكي في هذا البرنامج أن أدخل بكل الأدوات، وهذا هو الجانب الإداري داخلي، فأنا بمقدار ما أنا شاعرة، فأنا إدارية، اشتغلت بشكل مكثف على الأصوات كأنها حملة انتخابية، لأنني أردتُ أن أرفع الوعي داخل المجتمع العماني بأهمية المشاركة، وأردت أن أجعل من حملتي في هذا البرنامج مثل مرجع لحملات مقبلة في المستقبل. ومن النصائح التي أوصلتني والتي أثمنها كثيراً نصيحة من (الشاعر السعودي) الأستاذ جاسم الصحيح، عندما طلبتُ نصحه وأنا على وشك المشاركة في البرنامج، فقال لي: «عائشة النصّ الجميل ثم التصويت فالتصويت فالتصويت»، وبالتالي بقدر ما نؤمن بنصّ جميل يحوز على رضا لجنة التحكيم، وهذا ما اشتغلتُ عليه طوال فترة البرنامج، فأنا أيضاً مؤمنة بأن الجمهور عليه أن يقول كلمته.
> هل يفقد اللقب، أو تفقد الجائزة، مضمونها الأدبي بسبب اعتمادها على تصويت الجمهور؟
- أنا مؤمنة بأنه لو لم يكن هنالك جانب تصويت لبرنامج أمير الشعراء، لانتهى البرنامج وماتت جماهيريته، التصويت هو جزء أساسي من جماهيرية البرنامج، إذا أردنا أن نشرك الناس في اختيار الشاعر الذي يريدونه؛ فعليهم أن يكونوا جزءاً من عملية الاختيار هذه، وبالتالي فأن يوضع 60 في المائة من النقاط لاختيار لجنة التحكيم، و40 في المائة للجمهور، فإن ذلك يحث الناس على التفاعل مع الشعراء ويحثهم على أن يكونوا جزءاً أساسياً من عملية انتخاب الشاعر الذي تجمع الغالبية عليه.
> مثلما رحب عشرات الأدباء بفوزك باللقب، حظي هذا الفوز باعتراضات من نقاد ومثقفين... رغم أن بعضهم سحب رأيه بدعوى أنهم لم يقرأوا النصّ كاملاً... بالنسبة إليك، أين تضعين آراء المؤيدين والمعترضين على فوزك؟
- أنا أستشهد هنا بمثل يقول «bad publicity is good publicity»، ويعني أن «الجماهيرية السيئة هي جماهيرية جيدة»، فلم يحظَ نصّ شعري حديث بالتحليل والتفكيك مثلما حظي نص «أسئلة سقف الليل» (الذي ألقته الشاعرة في المسابقة) بسبب ما حظي به بداية بكثير من الذم، ثم لاحقاً تلقفه جمهور النقاد، وللأمانة لم أجد أي مقال نقدي وصل إلي إلا ما جعلني أبتسم كثيراً، لأن ما يعنيني هو رأي النقاد، أما الجمهور فلهم أن يقولوا ما يشاءون. أنا أتفق أنه ليس كل أحد يستمع بشكل جيد، ويتلقى النصوص الشعرية بحداثيتها كما كتبتها، وأؤمن بما قاله ابن خلدون: «الناس مقامات في التلقي»، والناس مقامات في تلقيهم لهذه النصوص، وربما كانت هذه المعضلة الكبرى التي كنا نواجهها عند تقديم النصوص: هل هي موجهة للجنة التحكيم أم هي للجمهور؟ وفي كثير من الأحيان عندما كنت أستشير زملائي الشعراء الذين شاركوا في مواسم سابقة بالبرنامج، كانوا يقولون لي هذا نصّ نخبوي جداً قد تفوزين فيه بأصوات لجنة التحكيم ولكنك ستخسرين الجمهور، وبالتالي كانت المعضلة كيف أقدّم نصاً غير مغرق في الجماهيرية، ولكن أيضاً غير مغرق في الرمزية وغير نخبوي... كيف أقدّم نصاً يمسك العصا من المنتصف؟
> بعض المعترضين، يرون أن شعركِ «حداثي» وهم لا يرون الشعر الحديث شعراً، وقالوا إن شعركِ «حداثي حتى لو صبّ في قوالب عمودية»، ما رأيك؟
- أنا ابنة عصري، ولدتُ في ثمانينات القرن الماضي، وأنا امرأة في الثلاثينات أعيش يومي، وأبني على ما قاله أجدادي، ثم أخرج منه ما يشبهني. فإذا كانت الحداثة أن أحدث ما ورثناه ونَبْنِي عليه فإنني أعتز بهذه الحداثة. أريد أن أقول إن العالم يتحرك بشكل كبير جداً، وعلى الشعر أن يواكب هذه الحركة الثقافية الكبيرة، وإلا لاتسعت الثغرة بيننا وبين العصر الحديث.
أنا ابنة عصري، وأكتب شعراً يشبه عصري، وأكتب شعراً يشبهني قبل كل شيء، وإن صُبَّ في قوالب عمودية، فإنه لا يهم القالب بقدر ما تهم الفكرة، وما يهم هو العمق الذي يتخذه النصّ، أما الأشكال فهي زائلة، فما تبقى في النهاية هو الفكرة والمجازات والصور الشعرية المتضمنة في النصّ.
> الناقد السعودي محمد العباس وصف المعترضين بأنهم «أنصار الشعر التقليدي» الذين عادوا إلى المشهد، «واستنهضوا قواهم التقليدية، ليعلنوا موت أي مظهر من مظاهر الحداثة الشعرية»، «فالشعراء التقليديون يعتبرون تقليديتهم سلطة بمعناها القمعي (...) ولذلك يمكن النظر إلى شراسة هجومهم»، ما رأيك؟
- أنا شاعرة تكتب الشعر فقط، أنا لستُ ناقدة، ولا أدعي ذلك، وأكتب الشعر بكل قوانينه، وعلى العكس لديّ نصوص يعدّها الحداثيون تقليدية جداً، كما أنّ لديّ نصوصاً أخرى يعدّها التقليديون حداثية جداً، ما أريد أن أقوله أن الجمال لا يتخذ شكلاً ولا لوناً، فالجمال يخاطب كل شرائح المجتمع وكل شرائح المتلقين، وأرى أنّ النصّ الذي كتبته كان نصاً لا يفكر في لقب أو اسم معين، سواء كان حداثياً أو تقليدياً، كان نصّاً كتبته في لحظته الشعرية، ولا أريد أن أحمله أي نوع من الألقاب، هو نصٌّ كتبتهُ وألقيته وأترك لجمهور النقاد أن يسموه كيفما شاءوا.
> كيف ترين أهمية الشعر الحديث في التجربتين الشعرية والإنسانية؟
- علينا أن نُلبس حياتنا ما يشبه محيطنا، على النصوص الشعرية اليوم ألا تتحدث عن البيد والقوافل والجِمال وبيوت الشعر وغيره، بل على النصوص الشعرية اليوم أن تلمس اليومي من حياة الناس، أن تشبه القهوة المختصة، أن تشبه الموسيقى، أن تشبه المعمار الحديث، وأن تشبه الإنسان الجديد بتحولاته... وإلا لكتبنا ونحن نقبع في قصور مشيّدة، لا يفهم المتلقي ما نريد أن نقوله، على الشعر أن يكون مطحوناً طحناً في تفاصيل الحياة اليومية للإنسان، وعلينا ألا ننفكّ من الكتابة عن كل قسوة الحياة وجمالها، وعن الحياة الإنسانية المعاصرة بكل تفاصيلها. وعلينا أن نقاتل لكي يكون الشعر حاضراً حضوراً عميقاً في حياة الناس، لأن الشعر اليوم لا تنافسه قوالبه التقليدية أو الحداثية، الشعر تنافسه بقية الفنون الإبداعية الأخرى السمعية والبصرية والأدوات الجديدة في وسائل التواصل الاجتماعي، وبالتالي علينا أن نغرس الشعر الحديث غرساً فيها، وأن نكيّف قصائدنا لتكون حاضرة في كل هذه المشاهد وتكون حاضرة في كل الأدوات التي توصل الشعر إلى كل إنسان يقف وراء الشاشات.

من نصوصها الشعرية

حفنةٌ من ترابِ دمي
خُذوا حفنَةً من تُرابِ دَمِي
وارحَلوا كالغُبارِ الخَفيفِ الذي يُحرِجُ الأرضَ في ليلَةِ العاصِفَةْ
واتْرُكوا لي الكمَنجَاتِ
كيْ أستَعينَ بها في ليَالي البُكاءِ التيْ تتفجَّرُ فيهَا القصَائدُ بالعاطِفَة ْ
لهذي البلادِ
سأترك قلبيْ يغنّي وحيداً...
كذئبٍ حزينٍ
لمَوتىً يُصيخُونَ خلفَ الأعَاليْ
لأصوَاتنَا... وضجِيجِ شِجَاراتنَا
واللّهاثِ السّريعِ
ولهفَتنَا للحيَاةِ
وأقدامنا الضّارباتِ على الأرصِفةْ

لهذي البلاد التماثيلُ
والجثث المستفزَّة بالموتِ
صوتُ النساءِ المصاباتِ بالليلِ
والشّرفاتُ التي لا تطلُ على البحرِ
والأغنياتُ التي لا تحبّ الموسِيقا
ولا صَوت فيروزَ
هذيْ البلادُ
لهَا حُزنُ أمطار سبتمبرَ الصائفَةْ

تريد البلادُ لقلبِي خَريفَاً عجُوزاً بلا حلمٍ
وَأمَّا أنَا فَأريدُ لقلبِي شتاءً يحِبُّ الشّتاءَ
ومدخَنةً
وهَواءً خفيفاً يجيءُ من البَحرِ نحوِي
يُداعبُ حُزنِي
ويُؤنسُ
وَحشَةَ أحلامي الخَائفَة ْ

تحبُّ البلادُ لهُ أن يعيشَ كبُندقةٍ
وأما أنا فأحبّ له أن يعيشَ كعصفورةٍ
سَارحاً في السمّاء البعيدةِ
منتشياً بالسّحابِ
تقول البلادُ وقد فردتْ لي يَديهَا: أحبَّ لقلبكَ ما لا تحبّ لعينيكَ أما أنَا فأقولُ أحبَّ لقلبكَ ما تشتهِي لصغيرٍ يربّي أغانيهِ في داخلكْ
أحبّ لهُ
جوعَكَ الشتويَّ/
البكاءَ الذيْ يتبعُ النشوةَ الأنثويّة/
حضناً بدفءِ ثمانين أمٍ/
حنينَاً يواسيْ أبوَّةَ قلبكَ/
جوقَة أوجاعِكَ النازفَةْ

[للبلادِ القصائدُ لي حُزنُها
للبلاد المواويلُ لي لحنُها
لبلاديْ النّخيلُ ولي طينُها
لبلادِي العيُون التي لا تنامُ
ولي رمشُ أعينها الواجفَةْ]

لبلادِي الحنينُ الطفُوليُّ
ليْ الدّمعَة الخائفَةْ

خذوا حفنةً من تُرَابِ دَمِيْ
وانثروهُ على أرضِ هذيْ البلادْ
وشطآنهَا
والتلالِ
وسكّانهَا
والرّمال التي لا تجفّ
ومرجانهَا
وحوَاري القرى النائياتِ
وغلمَانها
وحكايَات جدّاتنا الطّيباتِ
وقهوَة أيامنا المترفةْ

خُذوا حفنةً من ترابِ دميْ
لأقُولَ لهَا
اعبُرِي يا كَمنجَاتُ نَحوِي
لأبكِي عَليكِ
اعبُريْ نَحوَ قلبِي... وواسِيهِ
ضُمّيه بينَ فراغاتكِ الخشبيّة
ميليْ عليهِ بأوتاركِ الذهبيّة
ضمّيه كالطفلِ
يرقدُ مستسلماً
فيْ ذرَاعِ البلادِ
التيْ تركتْ حُلمهُ
مشرعاً
ليلَة العاصفَةْ

سيَبكِيْ قليلاً ولكِنْ سيَنسَى
إذا أبصرَ الله في روحهِ
وهيَ تطعَنُ
عتمَةَ ليلِ البلادِ
بوردَةِ أحلامِهِ الوارفَةْ


مقالات ذات صلة

مباحثات عمانية ـ إيرانية بشأن المستجدات الإقليمية

الخليج مباحثات عمانية ـ إيرانية بشأن المستجدات الإقليمية

مباحثات عمانية ـ إيرانية بشأن المستجدات الإقليمية

أجرى وزير الخارجية الإيراني حسين أميرعبداللهيان مشاورات مع نظيره العماني بدر البوسعيدي في مسقط، قبل أن يتوجه إلى بيروت لعقد محادثات سياسية. ووصل عبد اللهيان أمس إلى السلطنة في زيارة رسمية بدعوة من نظيره العماني لمتابعة المشاورات الإقليمية والمحادثات الثنائية، حسبما ذكرت وزارة الخارجية الإيرانية. وذكرت الخارجية الإيرانية أن عبداللهيان وصل إلى مسقط في زيارة رسمية بدعوة من نظيره العماني.

«الشرق الأوسط» (مسقط)
سلطان عُمان هيثم بن طارق مستقبلاً الأسد في مسقط أمس (رويترز)

زيارة خاطفة للرئيس السوري إلى مسقط

اختتم الرئيس السوري بشار الأسد، مساء أمس، زيارة قصيرة إلى مسقط، بحث خلالها مع السلطان هيثم بن طارق، سلطان عمان، العلاقات الثنائية والتعاون المشترك. وقالت وزارة الخارجية العمانية إن السلطان هيثم عقد مع الرئيس السوري جلسة مباحثات رسمية بقصر البركة جدد خلالها تعازيه في ضحايا الزلزال المدمِّر الذي ضرب بلاده وتركيا.

ميرزا الخويلدي (مسقط)
الخليج سلطان عُمان هيثم بن طارق التقى الرئيس السوري بشار الأسد في مسقط أمس (رويترز)

اختتام زيارة قصيرة للرئيس السوري إلى مسقط

اختتم الرئيس السوري بشار الأسد، مساء أمس، زيارة قصيرة إلى مسقط، بعد أن عقد لقاءات مع السلطان هيثم بن طارق؛ سلطان عُمان، في إطار زيارة العمل التي قام بها الرئيس السوري إلى السلطنة. وقالت وزارة الخارجية العمانية إن السلطان هيثم عقد مع الرئيس السوري جلسة مباحثات رسمية في «قصر البركة»؛ «جدد خلالها جلالته تعازيه ومواساته الصادقة لفخامة الرئيس الضيف وللشعب السوري الشقيق في ضحايا الزلزال المدمر الذي ضرب بلاده وجمهورية تركيا».

ميرزا الخويلدي (مسقط)
الخليج وزيرا خارجية السعودية وعمان لدى اجتماعهما في مسقط أمس (وكالة الأنباء العمانية)

السعودية وعُمان لاستمرار تنسيق المواقف في القضايا الإقليمية ومعالجة تحديات المنطقة

أكدت السعودية وسلطنة عُمان‬ عزمهما عقد الاجتماع الأول لمجلس التنسيق العُماني السعودي خلال العام الجاري، وأكد وزيرا خارجية البلدين خلال اجتماع تشاوريّ عُقد في مسقط‬ أمس استمرار تنسيق المواقف بشأن القضايا الإقليمية والتعاون البنّاء في معالجة التحديات التي تواجه المنطقة بجميع السبل والوسائل السلمية. وأجرى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله في مسقط، أمس مباحثات مع وزير الخارجية العماني بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي. وفي تصريح له، نقلته وكالة الأنباء العمانية أكدّ وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود أن «تفعيل مجلس التنسيق السعودي العُماني يمثل آلية مهمّة لتعزيز ال

ميرزا الخويلدي (الدمام)
الخليج «كبار العلماء» السعودية تُدين بشدة إقدام أحد المتطرفين في هولندا على تمزيق نسخة من المصحف

«كبار العلماء» السعودية تُدين تمزيق نسخة من المصحف في هولندا

أدانت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء بالسعودية، بشدة إقدام أحد المتطرفين في هولندا على تمزيق نسخة من المصحف الشريف في مدينة لاهاي الهولندية. وقالت الأمانة إن هذا التصرف الهمجي مدان، وهو إساءة إلى المسلمين كافة، داعيةً العالم أجمع إلى إدانة هذه التصرفات المتكررة، وسن الأنظمة والتشريعات التي تجرّمها، خدمةً للسلم والتسامح والتعايش. كما أدانت سلطنة عمان إقدام أحد المتطرفين في هولندا على تمزيق نسخة من المصحف الشريف في مدينة لاهاي الهولندية. وأعربت وزارة الخارجية العُمانية في بيان، اليوم، عن استنكارها وإدانتها لإقدام أحد المتطرفين في مدينة لاهاي على تمزيق نسخة من المصحف الشريف، وما يمثله ذلك من ا

«الشرق الأوسط» (مسقط)

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة
TT

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

تبدو كرة القدم، في ظاهرها، لعبةً بسيطةً إلى حد الخداع: كرة، ملعب، فريقان، مرميان، وتسعون دقيقةً يتعلّق بها ملايين البشر كما لو أن مصائرهم الشخصية تُحسم مع كل هجمة ضائعة أو هدف في وقت قاتل. هذه البساطة الظاهرية هي تحديداً ما يمنح الساحرة المستديرة قوتها، فكلما حاولنا النظر إليها باعتبارها ترفيهاً عابراً، عادت لتكشف شيئاً أعمق عن المجتمعات التي تصنعها وتشاهدها وتعيشها. في المدرجات، والشاشات، وطوابير التذاكر، والهتافات، والعنف أحياناً، والدموع التي تسبق صافرة النهاية، تظهر كرة القدم كمرآة كثيفة لتناقضات العالم الحديث: الدافعية للانتماء، والخوف من الآخر المختلف، وقوة السوق، وهشاشة الجماعات، وصعود القوميات، وتوق الإنسان إلى لحظة يشعر فيها أنه جزء من شيء أكبر من عزلته اليومية.

لذلك؛ يصعب فهم كرة القدم بوصفها رياضة محض. لقد أصبحت ظاهرةً اجتماعيةً كاملة، يقرأ من خلالها علماء الاجتماع ومؤرخو الثقافة والفلاسفة أسئلة الهوية والطبقة، والسلطة، والعنف، والذاكرة. فالملعب ليس مساحةً محايدةً تماماً، ولا المدرج تجمعاً بريئاً كلية من السياسة. هناك، داخل المستطيل الأخضر وحوله، تتقاطع مصالح الشركات الكبرى، ورغبات الدول في القوة الناعمة، وأحلام الجماهير العادية، ومخاوفها، وحنينها إلى شكل من أشكال التضامن الإنساني الذي صار عملة نادرة في زمن الرأسمالية المتأخرة.

تشتغل الملاعب الحديثة، في جانب من جوانبها، كمعابد علمانية. يدخلها الناس بقمصان بألوان محددة، ويرددون أناشيد محفوظة، ويرفعون شعارات ورموزاً، ويعيشون لحظات من الانفعال الجماعي يصعب القبض عليها ضمن مناحي الحياة اليومية ليذوب الفرد، ولو لحظياً، داخل جسد أكبر: جمهور يهتف بصوت واحد، ويغضب بصوت واحد، وينفجر فرحاً في اللحظة نفسها كتجربة نادرة للانتماء الحسّي المباشر.

لكن الطاقة نفسها التي تصنع هذا التلاحم يمكن أن تنقلب شيئاً أكثر ظلمةً. فالمدرج الذي يمنح الإنسان شعوراً بالانتماء قد يتحول أيضاً مساحةً للإقصاء عندما يغدو الهتاف الذي يوحّد الجماعة أداةً للعنصرية أو الكراهية أو العداء القومي. هذه المفارقة تجعل كرة القدم شديدة الالتباس: إذ هي تصنع تضامناً حقيقياً، وتستطيع أيضاً صُنع قبيلة مغلقة على ذاتها. وفي بعض السياقات، قد تتحول الروابط المتطرفة من جماعات تشجيع إلى تشكيلات ثقافية خشنة، تستبعد النساء، والمهاجرين، والأقليات، وكل من لا يطابق صورتها الضيقة عن «المشجع الحقيقي». هكذا يظهر تناقض جدلي آخر للعبة: قدرة الجماعة على احتضان الفرد، وقدرتها في الوقت نفسه على سحق الاختلاف.

حاول عدد من المفكرين فهم هذه الطاقة العميقة في اللعب. رأى المؤرخ الثقافي يوهان هويزنجا، في كتابه «الإنسان اللاعب»، أن اللعب ليس إضافةً ثانويةً إلى الثقافة، بل واحد من جذورها الأولى. فالإنسان، قبل أن ينظّم السياسة والقانون والفن، كان يلعب، ويضع قواعد، ويقبل بالدخول إلى زمن خاص ومكان خاص، حيث يصبح الفعل رمزياً ومحدوداً ومشحوناً بالمعنى. بهذا المنظور، لا تبدو كرة القدم مجرد تسلية، بقدر ما هي تمظهر حديث لغريزة قديمة: رغبة الإنسان في تحويل الصراع طقساً، والعنف شكلاً منظماً مقبولاً اجتماعياً.

في الاتجاه نفسه، ذهب عالم الاجتماع نوربرت إلياس، ومعه إريك دونينغ، إلى أن الرياضات الحديثة جزء من «سيرورة التمدن»، أي العملية الطويلة التي تعلّم فيها البشر ضبط العنف وتأطيره. فالمباريات الشعبية القديمة كانت، في كثير من صيغها، أقرب إلى معارك مفتوحة، تختلط فيها المنافسة بالفوضى والإصابات الجسدية. ومع تطور القوانين، والحكام، وحدود الملعب، تحوّل العنف صراعاً رمزياً مضبوطاً بوقت محدد وقواعد معلنة. غير أن ضبط العنف لا يعني اختفاءه. إنه يعود في هيئة توتر، وحماسة، وهتافات، ورغبة متدفقة لتحقيق الانتصار، وإثارة مكثفة يفتقدها روتين الحياة الرتيبة. لذلك؛ يصبح الملعب مكاناً يسمح للإنسان الحديث بأن يلامس شيئاً من طاقته الغريزية، من دون أن يخرج تماماً على نظام المجتمع.

تدرك الأنظمة السياسية هذه الطاقة جيداً. ولهذا لم تكن كرة القدم بعيدةً عن مشاريع الهيمنة وصناعة الشرعية. فاستضافة البطولات الكبرى صارت وسيلةً لتجميل صورة الدول، واستعراض قدرتها التنظيمية وقوتها الناعمة، وإخفاء أزماتها الحقوقية أو الاجتماعية خلف مشهد عالمي منظم ومبهر. يقدم التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك: من استغلال موسوليني لكأس العالم عام 1934 في إيطاليا لتقديم الفاشية كقوةٍ حديثة ومنضبطة، إلى توظيف المجلس العسكري في الأرجنتين لبطولة كأس العالم 1978 لتلميع سلطةٍ ديدنها القمع والاختفاءات، وصولاً إلى زمننا الراهن، حيث تستخدم دول وشركات وكيانات كبرى الرياضة وسيلةً لغسل السمعة وشراء القبول الدولي.

لا تعمل المؤسسات الرياضية الدولية خارج هذا المنطق. فـ«فيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم)، مثل غيره من الهيئات الكبرى، يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة، لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال، والسياسة، والرعاية، والمصالح.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كرة القدم كأداة سلطوية. ففي بيئات مضطربة، يمكن للملعب أن يتحول أيضاً مساحةً بديلة للتعبير والمقاومة. تجربة نادي أتلتيك بيلباو الإسباني، خلال الحقبة الفرانكوية، تقدم مثالاً فصيحاً. إذ حاولت السلطة المركزية فرض هويةٍ إسبانية موحدة وتجريف الخصوصيات اللغوية والثقافية، ليغدو ملعب «سان ماميس» ببيلباو مكاناً يحافظ فيه الباسكيون على شعورهم المتفرد بلغتهم وذاكرتهم وتاريخهم. ولم تكن سياسة النادي الاعتماد على اللاعبين ذوي الأصول الباسكية مجرد اختيار رياضي، بل كانت إعلاناً رمزياً عن خصوصية ثقافية ترفض الذوبان الكامل في المركز.

تكشف دراسات سوسيولوجية بإيران عن شكلٍ آخر من هذه المقاومة اليومية. فحرمان النساء لسنوات طويلة من دخول الملاعب لم يلغِ حضورهن في الثقافة الكروية. لقد دفعهن إلى اختراع مساحات بديلة: مجتمعات افتراضية، تجمعات خاصة، نقاشات عامة، وطرق ملتوية للمشاركة في لعبة تحاول السلطة احتكار فضائها ذكورياً، لتصبح كرة القدم اختباراً لحق الظهور، وحق الجسد في المكان، وحق الجماعة المقموعة بأن تقول: نحن أيضاً جزء من هذه الحكاية.

ترتبط كرة القدم الحديثة، في أصلها الاجتماعي، بالطبقة العاملة البريطانية خلال القرن التاسع عشر. فقد نشأت في ظل المدن الصناعية القاسية، حيث كانت المصانع تلتهم الوقت والجسد، وكان العمال يبحثون عن مساحةٍ ينفلتون فيها من رتابة الآلة وضغط العمل. الأندية المحلية لم تكن في بداياتها علامات تجارية، بل كانت امتداداً للحي، وللعائلة، وللمصنع، وللشارع، وارتبطت بالكرامة الشعبية، وبالذاكرة المشتركة، وبشعور الناس بأن هناك شيئاً يخصهم مقابل عالم لا يملكون فيه الكثير.

لكن العولمة الرأسمالية أعادت تشكيل هذه العلاقة جذرياً. فمنذ تسعينات القرن الماضي، وخصوصاً مع تضخم حقوق البث التلفزيوني ودخول المستثمرين والشركات الكبرى، تحولت كرة القدم صناعةً عالمية باهظة: ارتفعت أسعار التذاكر، وتغير شكل الجمهور، وصارت الملاعب أكثر أناقة وأقل شعبية في كثير من الأحيان، وجلس الأثرياء في المقصورات، وابتعدت عائلات كثيرة عن مدرجاتها القديمة، في حين صار المشجع التقليدي يراقب فريقه عبر اشتراكات مدفوعة. وهكذا تكرّس شرخٌ واضح بين من يرى النادي ذاكرةً وانتماءً، ومن يراه أصلاً مالياً قابلاً للبيع والشراء.

انقسم الخطاب الفلسفي المعاصر في مقاربة المنظومة الكروية بين تيارين شديدي التطرف والتباين. يتبنى التيار الأول قراءة شاعرية وجدانية، يمثلها المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني، الذي رأى كرة القدم لغة جسدية متكاملة تمتلك نحواً وصرفاً خاصين بها، واعتبر لحظة إحراز الهدف خرقاً شعرياً صاعقاً لشيفرة الواقع البليد، وانعتاقاً إنسانياً مفعماً بالخلود البدائي والجمال الخالص، مؤكداً أن الشغف الكروي يمنح الفرد فرصة لاختبار قيم الوفاء والتضحية الجماعية والثقافة الحرة بعيداً عن جفاف التنظير العقلاني الصارم.

 

اتحاد «فيفا» يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة... لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال والسياسة

في القطب المقابل، يقف تيار نقد بنيوي ينظّر للعبة بوصفها أداة تدجين وتجهيل ممنهج للجماهير. يتبدى هذا الموقف الراديكالي في أطروحات السوسيولوجي الفرنسي مارك بيرلمان الذي وصف كرة القدم بـ«الطاعون العاطفي»، معتبراً إياها منظومة بربرية حديثة تُنمّط العقول، وتنشر البلادة الفكرية، وتُلهي الطبقات الشعبية عن قضاياها المصيرية وصراعها الطبقي الحقيقي. يتلاقى هذا التحليل البنيوي مع الموقف التهكمي الشهير للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس الذي ربط بوضوح بين اتساع شعبية اللعبة وصعود الغباء الجمعي، واصفاً إياها بلعبة المغفلين التي تطرد الفكر النقدي المستنير لتستبدل به إثارة غريزية جوفاء تحاكي معارك الرومان القدامى في الكولوسيوم.

لكن بين تقديس بازوليني وازدراء بيرلمان وسخرية بورخيس، تضيع الحقيقة الأكثر تركيباً. كرة القدم ليست شعراً خالصاً، ولا وباءً خالصاً. إنها المجال الذي يتجاور فيه الشعر والوباء، الجمال والتدجين، الحرية والامتثال، الجماعة والغوغاء. من يراها خلاصاً شعبياً كاملاً يتجاهل ما فيها من عنف وشوفينية وتجارة. ومن يراها خداعاً كاملاً يتجاهل ما تمنحه لملايين الناس من ذاكرة وانتماء وفرح حقيقي. لذلك؛ يحتاج تحليل كرة القدم إلى عينين مفتوحتين معاً: عين ترى السوق والسلطة، وعين ترى الإنسان العادي الذي لا يجد في أسبوعه القاسي سوى تسعين دقيقةً يشعر فيها بأن قلبه يتحرك مع قلوب الآخرين.

من هنا يتوقف الأفق الأخلاقي للعبة مستقبلاً على قدرة الجماهير الواعية، وروابط المشجعين، والحركات الاجتماعية، على مقاومة تحويل كرة القدم سوقاً مغلقة أو أداة آيديولوجية. فالمعركة ليست بين حب اللعبة ورفضها، بل بين أشكال مختلفة من امتلاك معناها.

وستبقى كرة القدم واحدةً من أوضح التمثلات لتناقضات الحداثة. فيراقب الجمهور اللاعبين، وتراقب الشاشات الجمهور، وتراقب الشركات الجميع. وفي هذه الدائرة العاكسة، تكشف اللعبة الساحرة عن الصيغ التي تصنع بها المجتمعات هوياتها، وتدير غضبها، وتخوض معاركها الرمزية في فضاء يتأرجح بين صخب المدرجات وعزلة الشاشات.


نصب الخليفة في «قصر هشام» بالضفة الغربية

نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم
نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم
TT

نصب الخليفة في «قصر هشام» بالضفة الغربية

نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم
نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم

يقع قصر هشام على مسافة 5 كيلومترات إلى الشمال من مدينة أريحا، ويُعد اليوم من أهم المعالم السياحية في الضفة الغربية. يحتلّ هذا القصر موقعاً بارزاً في خريطة المنشآت المعمارية التي شيّدها خلفاء بني أمية في نواحٍ متعدّدة من بوادي بلاد الشام، ويتميّز بحلله الزينية المتنوّعة التي كشفت عنها سلسلة من حملات التنقيب المتعاقبة، أجرتها دائرة الآثار البريطانية حلال عهد الانتداب في خربة تُعرف باسم «خربة المفجر». نُقلت هذه اللقى إلى متحف أنشأته هذه الدائرة في القدس الشرقية، وأطلقت عليه اسم «متحف فلسطين للآثار». دخل هذا المتحف تحت إدارة المملكة الهاشمية الأردنية إثر نكبة 1948، وحافظ على اسمه إلى أن استولت الدولة العبرية عليه إثر هزيمة 1967، وأطلقت عليه اسم «متحف روكفلر»، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. في هذا المتحف الذي أُلحق بـ«متحف إسرائيل»، وبات مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية، تحضر حلل قصر هشام الأثرية، وتلمع بثرائها الفني، وأشهرها نصب ملكي كبير يبلغ طوله نحو متر ونصف المتر.

وصل هذا النصب مهشّماً من بين أطلال خربة المفجر، وتمثّل عند اكتشافه بقطعتين منفصلتين تمّ جمعهما لاحقاً، على ما تُظهر التقارير التوثيقية الخاصة بهذا الاكتشاف. يحضر الرأس في إحدى هاتين القطعتين، ويحضر في القطعة الأخرى النصف الأسفل من القامة المنتصبة على قاعدتها العريضة، وتجمع بين القطعتين كتلة مضافة صُنعت من مادة مغايرة، وفقاً للتقاليد العلميّة المتّبعة في ميدان حفظ الآثار. كتلة الرأس مهشّمة جزئياً، وقمّتها ضائعة. تساقط سطح الجبين، وتساقطت معه كتلة الأنف الناتئ، غير أن العينين حافظتا على تكوينهما بشكل شبه كامل، وهما ضخمتان ولوزيّتان، ويتوّسط كلّ منهما بؤبؤ جاحظ، يتكوّن من كتلة على شكل خاتم ناتئ، تلتف حول كتلة دائرية غائرة. الخدّان عريضان، وتحدّهما أذنان ظاهرتان، تتكوّن كلّ منهما من صيوان ناتئ يلتفّ حول تجويف غائر. الثغر ضائع، ويعلوه شارب مفتول عريض، يتكوّن من 3 خصل أفقية مقوّسة. تغيب الذقن تحت لحية بيضاوية كثيفة، صيغت خصلها على شكل سلسلة متراصة من الخيوط العمودية المتعرّجة.

القسم الأعلى من القامة مفقود، وما تبقى منه يكشف عن حزام عريض يلتف حول الخصر. القسم الأسفل وصل بشكل كامل، ويكشف عن عباءة طويلة فضفاضة تأخذ شكل مثلّث تحدّه بطانة عريضة، تعلوها سلسلة من الخواتم اللؤلؤية المتراصة. تعلو هذه العباءة بطانة مماثلة تنسلّ عمودياً، وتتقاطع مع بطانة الحزام الأفقيّة. تظهر القدمان في الأسفل، وتكشفان عن طرفي سروال فضفاض. هويّة هذا اللباس جليّة، وتتبع الطراز الساساني الشائع بشكل لا لبس فيه. ينتصب صاحب التمثال بثبات في وقفة ساكنة تخلو من أي حركة حية، ويحمل بيده اليسرى سيفاً قصيراً يتدلّى من وسط خصره، وفقاً لهذا الطراز الساساني المعهود. ترتفع هذه القامة الملكية فوق قاعدة عريضة، يزيّن واجهتها نقش تصويري ناتئ يمثّل أسدين رابضين، يدير كل منها ظهره في اتجاه الآخر. في المساحة الفارغة التي تفصل بين ظهري هذين الأسدين، تحضر وردة زخرفية تتكون من 5 بتلات متراصة، تشكّل قرصاً يعلوه شريطان نباتيان.

يتشابه هذا الأسدان حتى التماثل. القالب واحد، ويجسّد ليثاً يفتح شدقه إلى أقصى حدّ، ويُظهِر أنيابه، كأنه يزأر ويزمجر. فمه منفّذ برهافة بالغة، وقوامه شدق عريض يكشف عن أنياب مسنّنة. أنفه عريض وبارز، ويتميّز بفتحتيه الكبيرتين. عيناه لوزتان مجوّفتان فارغتان، يحدّ كل منهما إطار هدبي ناتئ. يعلو هاتين العينين حاجبان عريضان لكل منهما طرفان مقوّسان نحو الأعلى. تحيط بهذا الرأس المزمجر لبدة مكونة من خصل شعر متوازية، مع لحية مشابهة تشكّل عقداً حول الذقن. يجثو هذا الأسد على قائمتيه الخلفيتين، ويشرئب على قائمتيه الأماميتين المنتصبتين، وفقاً لطراز انتشر في العالم القديم، تبنّاه الأمويون ومن حكم من بعدهم، وشواهد هذه الاستمرارية عديدة ومتنوّعة، وترتبط كلها برمزية السلطة الحاكمة.

يحوي قصر هشام حماماً كبيرا، تتقدّمه شرفة عظيمة زيّنت بشبكة من النقوش والتماثيل، ويرى أهل الاختصاص أن موقع نصب الحاكم المنتصب فوق الأسدين الرابضين يعود في الأصل إلى مدخل هذه الشرفة. قيل إنّ هذا النصب يمثّل صاحب هذا القصر، هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية، غير أن الدراسات أظهرت أن حركة البناء استمرّت في هذا القصر بعد وفاة الخليفة إلى أن تعرّض لزلزال ضخم في سنة 746، والأرجح أن جزءاً من منشآته يعود إلى عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم بين عامي 743 و744. ومن هذا المنطلق، خرجت قراءة ثانية تقول إن صاحب النصب يمثّل الوليد بن يزيد، لا هشام بن عبد الملك، وهاتان القراءتان افتراضيّتان في غياب أي شاهد يحسم هذا الجدال.

يمثّل هذا النصب على الأرجح صورة رمزية للحاكم، تشابه في تكوينها الجامع الصور التي تزيّن المسبوكات الأموية. وفقاً لما نقله شمس الدين الذهبي في «سير أعلام النبلاء»، كان هشام «جميلاً أبيض مسمناً أحول خضب بالسواد»، أي أنه كان يصبغ شعره باللون الأسود. وكان الوليد بحسب الرشيد «من أجمل الناس، وأشعرهم، وأشدهم». لا نجد في هذا التمثال ما يشبه هذه الأوصاف؛ ما يعني أنه يجسّد صورة مثالية غير شخصية، لو افترضنا أنه يمثّل عاشر الخلفاء الأمويين، أو مَن حكم من بعده. في الخلاصة، يبرز هذا النصب بأسلوبه المتقن، ويشهد لتبنِّي الأموين طرزاً فنية سادت خلال العهود التي سبقت ظهورهم. تجدّدت هذه الطرز بشكل خلاّق في ميدان الفن الأموي المدني، وظهر هذا التجدّد في قوالب مبتكرة يزخر بها هذا الميدان المثير.


شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر
TT

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

يمثل كتاب «شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر» للناقد والأكاديمي والشاعر الأردني د.عبد الرحيم مراشدة، محاولة نقدية للربط بين جماليات الشعر وعمقه الثقافي، وفتح مسارات جديدة أمام قراءة الشعر العربي بوصفه مساحة تتقاطع فيها اللغة والفكر والذاكرة والحضارة.

يبحث الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن (2026) في 230 صفحة، في الطبقات العميقة للنصوص الشعرية العربية الحديثة، متجاوزاً القراءة الجمالية المباشرة نحو الكشف عن المرجعيات والأنساق الثقافية التي تتخفى داخل البناء الشعري، ويتتبع العلاقة بين الشعر والثقافة والتاريخ والفكر، ويقدم قراءة للنصوص الشعرية من منظور يكشف عما وراء اللغة الظاهرة من دلالات ورؤى ومهيمنات ثقافية.

في مقدمته، يشير مراشدة إلى أن موضوع الأنساق الثقافية أصبح يحتل مساحة بارزة في النقد الثقافي الحديث، سواء في الدراسات الغربية أو العربية، وأن هذا الاتجاه يتيح البحث عن الدلالات التي تتجاوز المستوى اللغوي والجمالي للنص، للكشف عن البنى الفكرية والتاريخية والحضارية الكامنة فيه، موضحاً أن النص الشعري لا ينفصل عن روافده الثقافية، إذ يتشرب التاريخ والتراث والأحداث والمرجعيات المختلفة، لتصبح جزءاً من تشكيله الفني والدلالي.

يضم الكتاب ثلاثة فصول هي: «الأنساق الثقافية: الرؤيا والتشكيل»، و«الصوفية والوجودية نسقاً ثقافياً: قراءة في قصيدتين من الشعر العربي الحديث»، و«النسق الثقافي الرحلي الوجداني»، وجميعها تقوم على دراسات نقدية تطبيقية تتناول نماذج شعرية عربية حديثة، تهدف إلى تقديم قراءة تتقاطع مع مناهج النقد المعاصر، وبخاصة النقد الثقافي، بما يحمله من اهتمام بالأنساق المضمرة والمهيمنات التي تعمل داخل النص وخارجه.

ومن أبرز النماذج التي يتوقف عندها د.عبد الرحيم تجربة الشاعر أدونيس، لا سيما مشروعه «الكتاب: أمس، المكان، الآن»، حيث يقرأ الناقد هذا العمل بوصفه نصاً إشكالياً يتجاوز الحدود التقليدية للأجناس الأدبية، ويعتمد على كثافة المرجعيات الثقافية والتاريخية والفكرية، موضحاً أن الشاعر كان دائم السعي إلى التجديد والتجاوز والتجريب، سواء في الشعر أو النقد، وأنه أسهم في نقل القصيدة العربية إلى فضاءات جديدة عبر محاولاته المستمرة لكسر القوالب التقليدية.

كما يتناول الباحث تجربة الشاعر الأردني طاهر رياض من خلال قصيدته «حلاج الوقت» التي يرى فيها المؤلف حضوراً واضحاً للمرجعيات الصوفية والفلسفية والوجودية، وكيف تتحول هذه المرجعيات إلى طاقة شعرية داخل النص، وإلى جانب ذلك يدرس مراشدة نماذج شعرية أخرى، منها قصائد للشاعرين نزار قباني وأدونيس، حيث يرصد حضور التاريخ والحضارة والفكر في نصوصهما، ويرى أن هذه الكتابات تمثل مرحلة من التحولات المهمة في الشعر العربي الحديث، سواء على مستوى اللغة الشعرية أو طرق التعبير أو الانفتاح على ثقافات متعددة، ويتوقف كذلك عند تجربة الشاعر الأردني عمر أبو الهيجاء في مجموعته الشعرية «وأقبل التراب»، بوصفها تجربة شعرية تتداخل فيها الذاكرة والمكان والقضية والبعد الإنساني، ويخصص د.مراشدة مساحة لدراسة شعر الناقد، والأديب الأردني ناصر الدين الأسد، متتبعاً حضور الذات والذاكرة والقيم الإنسانية في تجربته الشعرية، وما تحمله من ارتباط بالوجدان والطبيعة والرؤية الخاصة للعالم.