هل ينجو نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلي الأطول بقاء... هذه المرة؟

وسيلته «الخديعة السياسية»... واستثمر غياب المنافسين في «الليكود» والمعارضة

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يقف في الكنيست 27 مارس (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يقف في الكنيست 27 مارس (أ.ف.ب)
TT

هل ينجو نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلي الأطول بقاء... هذه المرة؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يقف في الكنيست 27 مارس (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يقف في الكنيست 27 مارس (أ.ف.ب)

ذات مرة، كانت برامج الأخبار في القنوات التلفزيونية الإسرائيلية تحرص على جلب «خبير في لغة الجسد» مرة في الشهر على الأقل، ليوضح للمشاهدين مدى صدق هذه الشخصية السياسية أو تلك من خلال قراءة تعابير وجهه وحركات جسده، لمعرفة إن كان صادقاً أم لا، وهل روايته أمينة أم يدير ألاعيب سياسية. لكن في السنوات الأخيرة، لم نعد نرى خبيراً كهذا، ليس فقط بسبب التقنين في المصروفات؛ بل لأن هنالك قناعة بغياب الحاجة لتحليل لغة الجسد لدى رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو. فهو أولاً مكشوف لهم تماماً، وماهر في تضليل خبير لغة الجسد، بل هو كالساحر الذي يتعاطى «خفة اليد» ويبهر مشاهديه.
السبب في هذا الانطباع، الجاد جداً، تمكنه من البقاء في الحكم أكثر من كل سابقيه من رؤساء الحكومات. والكثير ممن يعرفونه عن قرب، من سياسيين وخبراء، محليين وأجانب، كانوا يحتارون من هذه الظاهرة؛ إذ كيف يمكن لشخصية كهذه أن تهزم منافسين مثل شمعون بيرس، الشخصية الأسطورية؟ وكيف يمكن له أن يفوز بالحكم بعد أن قاد مظاهرات عنيفة ضد رئيس الوزراء المميز إسحق رابين أدت لاغتياله بيد يهودي متطرف؟ وكيف تصل شخصية مثله إلى الحكم بعد أن تراكمت ضده ثلاث لوائح اتهام بالفساد، ثم ينتخب من جديد؟
وقد روي عن رئيس الوزراء الأسبق، نفتالي بنيت، أن مسؤولاً غربياً رفيعاً سأله: «ما الذي يجعل شعباً يتميز بالنجاحات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية كالشعب اليهودي أن يضع في قيادته شخصية كهذه؟». وقبل عدة شهور، نشر شريط فيديو ظهر فيه حليف نتنياهو الأول اليوم، وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، يقول عن نتنياهو إنه «كذاب ابن كذاب»، فتساءل مراقبون: كيف يقف معه ويؤيده ويبني معه أقوى تحالف؟
فاز نتنياهو بمنصب رئيس حكومة في أول مرة، بخديعة توضح الكثير عن شخصيته. كان ذلك قبل 30 عاماً بالضبط. عندما خسر «الليكود» الحكم لصالح إسحق رابين واستقال إسحق شمير من رئاسة الحزب. وقتها، تنافس على المنصب نتنياهو «الأشكنازي»، ووزير الخارجية ديفيد ليفي المولود في مراكش. الاستطلاعات في حينها، أشارت إلى توازٍ في شعبيتهما مع تفوق طفيف لليفي. وفي عشية الانتخابات، أعلن نتنياهو أنه سيدلي ببيان خطير في التلفاز.
وبالفعل، في يوم 14 يناير (كانون الثاني) 1993، ظهر على الشاشة وهو يمسك بيد زوجته سارة. وأعلن وسط ذهول المذيعين والمعلقين والجمهور الواسع، أنه يريد أن يعتذر لزوجته بأنه خانها. وروى أمام المشاهدين ما يلي: هناك بمجموعة من المجرمين هددتني بأنني إذا لم أنسحب من التنافس على رئاسة الليكود، فسوف ينشرون شريطاً مصوراً يظهرني وأنا أخون زوجتي. وها أنا أقف أمام الجمهور وأعلن أنني ارتكبت فعلاً خطأ وأقمت علاقة قصيرة مع امرأة، وأعتذر لك وأطلب سماحك». وأضاف: «نحن نعرف من هو الذي يقف وراء هذه الفعلة ويستخدم أساليب التجسس هذه ويقتحم خصوصيات الناس، وأقول إنّ مكان هذا الشخص في السجن وليس في قيادة الدولة».
كان واضحاً أن نتنياهو يتهم ليفي بالابتزاز. وقد نجحت خطته. وفاز بـ52 في المائة من أصوات أعضاء الحزب (72705 أصوات من مجموع 139 ألفاً). وقد حققت الشرطة في الموضوع وأغلقت الملف بعد عدة شهور، من دون أن توجه أي تهمة أو ملاحظة لليفي. وفي حينه، اعترفت سارة بأنه لم تكن هناك أي رسالة تهديد. وبعد بضع سنوات تبين أن نتنياهو أبرم اتفاقاً مكتوباً لدى محام مع زوجته، بموجبه، توافق على الظهور معه في التلفزيون في تلك الليلة، وبالمقابل، يسجل نتنياهو باسمها كل أملاكه ولا يحمل بطاقة ائتمان، ويتعهد بأن يأخذها في أي رحلة عمل تدوم أكثر من يوم واحد.

تحريض على رابين

وكرئيس لليكود المعارض، أدار نتنياهو حملة تحريض دامية ضد رابين، بسبب اتفاقيات أوسلو. وبعد الاغتيال نجح في الحصول على منصب رئيس الحكومة، وبقي في المنصب ثلاث سنوات، لكنه خسر الحكم أمام إيهود باراك في سنة 1999. وخسر رئاسة الليكود أمام أرئيل شارون. لكنه لم يستسلم.
وعندما أقدم شارون على الانسحاب من غزة وإخلاء المستوطنين وهدم المستوطنات، ثم فكك حزب الليكود، عاد نتنياهو ليستغل الفرصة ويتولى رئاسة الحزب من جديد.
وفي 2009، قاد نتنياهو معركة ضد رئيس الوزراء إيهود أولمرت، مستغلاً مشروعه للسلام مع الفلسطينيين ليشن حملة شرسة. وفي المعركة ضد أولمرت اختار نتنياهو أن يكون في صف واحد مع النيابة والشرطة، اللذين اتهما أولمرت بالفساد. وقال أولمرت بعد حين إن الاتهامات ضده كانت بالشراكة بين اليمين بقيادة نتنياهو الذي أراد إجهاض عملية السلام، وجهات في القضاء تآمرت معه.

حلف مع الأحزاب الدينية

ومن بعد أولمرت، قام نتنياهو بتثبيت حكمه من خلال حلف مع اليمين الراديكالي ومع الأحزاب الدينية، والأهم، من خلال بث خطاب سياسي يعرف كيف يلهب الجماهير ويلامس مشاعرها، وفرت له مجموعة ضخمة من الجمهور الإسرائيلي تؤمن به وتثق بأقواله وتعبر عن إعجاب شبه أعمى به. على سبيل المثال، كان حليفاً للقضاء ودافع عنه ورفض العديد من الاقتراحات التي طرحها حلفاؤه في الائتلاف للإصلاح القضائي. ولكن، عندما وجهت ضده لوائح اتهام لم تكن لديه مشكلة في الانتقال إلى الطرف الآخر ومحاربة القضاء. وبذلك كسب تعاطف جمهور واسع؛ لأن المواطنين في إسرائيل يحملون رأياً سلبياً من المحاكم، فهي بطيئة في الإجراءات القضائية وتتصرف مع الناس باستعلاء.
ولا أقل أهمية في ذلك أن نتنياهو لا يجد قادة ذوي قامة ينافسونه، لا داخل حزبه ولا في المعارضة. لهذا بقي في السلطة وصاروا يلقبونه بالساحر.
بيد أن الخطة التي جلبها للانقلاب على الحكم ورد الفعل الجماهيري الضخم ضدها، ينشئان حالة جديدة في إسرائيل يمكنها أن توقف هذا المد في عمر نتنياهو السياسي. وقد أشارت استطلاعات الرأي الجديدة إلى احتمال ألا يصمد نتنياهو أكثر وأن يخسر الحكم هذه المرة.


مقالات ذات صلة

الحوار الداخلي في إسرائيل يصل إلى باب مسدود

شؤون إقليمية الحوار الداخلي في إسرائيل يصل إلى باب مسدود

الحوار الداخلي في إسرائيل يصل إلى باب مسدود

في الوقت الذي تدب فيه خلافات داخلية بين كل معسكر على حدة، أكدت مصادر مشاركة في الحوار الجاري بإشراف رئيس الدولة، يتسحاك هيرتسوغ، أن الطرفين المعارضة والحكومة «وصلا إلى باب مسدود». وأكد هذه الحقيقة أيضاً رئيس كتلة «المعسكر الرسمي» المعارضة، بيني غانتس، الذي يعد أكثر المتحمسين لهذا الحوار، فقال: «لا يوجد أي تقدم في المفاوضات».

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي حلفاء نتنياهو يحذرون من سقوط حكومته إذا تراجع عن خطته «الانقلابية»

حلفاء نتنياهو يحذرون من سقوط حكومته إذا تراجع عن خطته «الانقلابية»

في ظل تفاقم الخلافات في معسكر اليمين الحاكم في إسرائيل، ما بين القوى التي تصر على دفع خطة الحكومة لإحداث تغييرات جوهرية في منظومة الحكم وإضعاف الجهاز القضائي، وبين القوى التي تخشى مما تسببه الخطة من شروخ في المجتمع، توجه رئيس لجنة الدستور في الكنيست (البرلمان)، سمحا روتمان، إلى رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، (الأحد)، بالتحذير من إبداء أي نيات للتراجع عن الخطة، قائلا إن «التراجع سيؤدي إلى سقوط الحكومة وخسارة الحكم». وقال روتمان، الذي يقود الإجراءات القضائية لتطبيق الخطة، إن «تمرير خطة الإصلاح القضائي ضروري وحاسم لبقاء الائتلاف».

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي إسرائيل: «حزب الله» وراء انفجار قنبلة شمال البلاد الشهر الماضي

إسرائيل: «حزب الله» وراء انفجار قنبلة شمال البلاد الشهر الماضي

قال مستشار الأمن الوطني الإسرائيلي تساحي هنجبي أمس (الجمعة) إن «حزب الله» اللبناني كان وراء هجوم نادر بقنبلة مزروعة على جانب طريق الشهر الماضي، مما أدى إلى إصابة قائد سيارة في شمال إسرائيل، وفقاً لوكالة «رويترز». وقال الجيش الإسرائيلي إن قوات الأمن قتلت رجلا كان يحمل حزاما ناسفا بعد أن عبر على ما يبدو من لبنان إلى إسرائيل وفجر قنبلة في 13 مارس (آذار) بالقرب من مفترق مجيدو في شمال إسرائيل. وأوضح مسؤولون في ذلك الوقت أنه يجري التحقيق في احتمال تورط «حزب الله» المدعوم من إيران في الانفجار.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية إسرائيل تعتقل نائباً أردنياً بتهمة تهريب سلاح وذهب

إسرائيل تعتقل نائباً أردنياً بتهمة تهريب سلاح وذهب

أكدت مصادر أردنية، اليوم (الأحد)، اعتقال نائب حالي في إسرائيل بتهمة تهريب كميات كبيرة من السلاح والذهب بسيارته التي تحمل رقم مجلس النواب ورخصته، إلى الداخل الفلسطيني عبر الحدود، وسط تقديرات رسمية بأن تأخذ القصة أبعاداً سياسية. وفيما تحفظت المصادر عن نشر اسم النائب الأردني، إلا أنها أكدت صحة المعلومات المتداولة عن ضبط كميات من السلاح والذهب في سيارته التي كانت تتوجه إلى فلسطين عبر جسر اللنبي، وسط مخاوف من استغلال الجانب الإسرائيلي للقصة قضائياً، في وقت تشهد فيه العلاقات الأردنية الإسرائيلية توتراً أمام التصعيد الإسرائيلي، والانتهاكات المستمرة من قبل متطرفين للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس

«الشرق الأوسط» (عمّان)
المشرق العربي لبنان يعلن تقديم شكوى لمجلس الأمن بعد «الاعتداءات الإسرائيلية جوا وبرا وبحراً»

لبنان يعلن تقديم شكوى لمجلس الأمن بعد «الاعتداءات الإسرائيلية جوا وبرا وبحراً»

عقد رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي اجتماعا مع وزير الخارجية والمغتربين عبد الله بوحبيب، صباح اليوم (السبت)، لمتابعة البحث في الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب وموضوع الصواريخ التي أطلقت من الأراضي اللبنانية، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وأعلن بوحبيب، حسبما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» أنه تقرر توجيه رسالة شكوى إلى الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، عبر بعثة لبنان لدى الأمم المتحدة. ووفق الوكالة، «تتضمن الرسالة تأكيد التزام لبنان بالقرار الدولي 1701، كما تشجب الرسالة الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان جوا وبرا وبحرا».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

خامنئي: لا نريد الحرب وسنحاسب مثيري الشغب

 المرشد الإيراني يتحدث خلال اجتماع في طهران أمس (مكتب خامنئي - رويترز)
المرشد الإيراني يتحدث خلال اجتماع في طهران أمس (مكتب خامنئي - رويترز)
TT

خامنئي: لا نريد الحرب وسنحاسب مثيري الشغب

 المرشد الإيراني يتحدث خلال اجتماع في طهران أمس (مكتب خامنئي - رويترز)
المرشد الإيراني يتحدث خلال اجتماع في طهران أمس (مكتب خامنئي - رويترز)

اتَّهم المرشد الإيراني علي خامنئي الولاياتِ المتحدة بإشعال الاضطرابات في بلاده، مؤكداً في الوقت نفسه أنَّ طهران «لا تريد حرباً»، لكنَّها «لن تتسامح مع المجرمين في الداخل».

وقال خامنئي، في ثالث ظهور له منذ اندلاع أحدث موجةِ احتجاجات، إنَّ واشنطن أطلقت «الفتنة» بعد تحضيرات وأدوات عديدة لخدمة أهدافها الخاصة، لكنَّه أضاف أنَّ ذلك «لا يكفي»، وأنَّ على الولايات المتحدة «أن تحاسَب».

ونقل الموقع الرسمي لخامنئي قوله: «نعدّ رئيس الولايات المتحدة مجرماً بسبب الضحايا والخسائر، وبسبب الاتهامات التي وجهها إلى الشعب الإيراني». وأقرَّ خامنئي للمرة الأولى بأنَّ «آلافاً عدة من الأشخاص» لقوا حتفهم في الاحتجاجات.

من جانبه، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب لموقع «بوليتيكو»، أمس، إنَّ الوقت حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران، واتَّهم خامنئي بالمسؤولية عمّا وصفه بالتدمير الكامل لبلاده.


نتنياهو يعترض على تركيبة ترمب لـ«مجلس السلام»

امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يعترض على تركيبة ترمب لـ«مجلس السلام»

امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

أثار إنشاء مجلس السلام في غزة، بمبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، استياء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي عدّه متعارضاً مع السياسة الإسرائيلية.

وأعلن مكتب نتنياهو، أمس، ‌أنَّ إعلان ترمب تشكيل مجلس لإدارة غزة «‌لم يتم ‍بالتنسيق ‍مع إسرائيل، ‍ويتعارض مع سياستها».

وحسبما قالت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان، فقد تم تشكيل المجلس التنفيذي التأسيسي من قادة يتمتَّعون بالخبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية، وذلك بغرض تفعيل رؤية «مجلس السلام».

ويضمّ المجلس كلاً من: ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، واللواء حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير جاباي، وسيغريد كاغ.

من جهة أخرى، أعطت إسرائيل «حماس» مهلة شهرين لنزع سلاحها، ملوِّحة بالحرب مجدداً لتنفيذ هذه المهمة.


خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
TT

خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

أنعش تشكيل «لجنة التكنوقراط الفلسطينية» لإدارة قطاع غزة وعقد أول اجتماعاتها في القاهرة، الجمعة، آمال تحريك الجمود القائم بشأن ملف «إعادة الإعمار» بعد عراقيل إسرائيلية تسببت في عدم انعقاد «مؤتمر إعادة الإعمار» الذي كان مقرراً أن تستضيفه مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي حتى الآن، وسط رؤى مختلفة بشأن «الإعمار الجزئي» أو «الكلي» للقطاع.

وأكد رئيس اللجنة الفلسطينية علي شعث، في تصريحات إعلامية، الجمعة، أن أهم خطوة بالتزامن مع تشكيل اللجنة تمثلت في «إنشاء صندوق مالي خاص ضمن البنك الدولي، خُصص رسمياً لتمويل إعمار قطاع غزة وإغاثة سكانه».

وأوضح أن أولى الخطوات العملية الملموسة في خطة إعادة التأهيل والإعمار ستكون توريد وتركيب 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع (كرفانات) بشكل عاجل وغير آجل إلى القطاع، مشيراً إلى أن «الإسكان مهم جداً بعد دمار أكثر من 85 في المائة من المنازل» في غزة.

وما زال «إعمار قطاع غزة» يكتنفه الغموض مع مساعٍ إسرائيلية إلى «إعمار جزئي» في مناطق سيطرتها، وهو ما يتناغم مع موقف أميركي يتبنى هذا الخط، في حين قال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية تميم خلاف، في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، الشهر الماضي، إن مصر تهدف إلى «إطلاق مسار متكامل بشأن إعمار غزة».

وتسعى مصر لتفعيل أدوار اللجنة مع تمكينها من أداء عملها من داخل قطاع غزة. وتوقع وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن يتم الدفع بـ«لجنة إدارة غزة إلى داخل القطاع قريباً لإدارة الأمور الحياتية»، مشدداً، خلال مؤتمر صحافي أثناء استقباله نظيره البوسني إلمدين كوناكوفيتش، على «أهمية التزام إسرائيل بالانسحاب من قطاع غزة، ونشر القوة الدولية، والتعافي المبكر وإعادة الإعمار».

في حين أكد علي شعث خلال لقائه وأعضاء لجنته برئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، السبت، أن «أولويات اللجنة ترتكز على تحسين الوضع الإنساني المعيشي لمواطني القطاع»، مشيراً إلى أن «اللقاء ناقش الخطوات اللازمة لتسلّم اللجنة كافة مهامها بالقطاع».

عضو المجلس الثوري لحركة «فتح»، أسامة القواسمي، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن تشكيل «لجنة إدارة غزة» خطوة إيجابية تمثل تطبيقاً عملياً للمرحلة الثانية، مشيراً إلى أن السلطة الفلسطينية كانت أولوياتها تتمثل في عدم استئناف الحرب مرة أخرى، وتثبيت المواطنين في القطاع، ثم الاتجاه لخطوات إعادة الإعمار.

وأوضح أن مهام اللجنة واضحة، وتتعلق بالترتيبات الداخلية، وتحقيق استتباب الأمن، وتجهيز البنية التحتية الملائمة لإعادة الإعمار، إلى جانب إغاثة الشعب الفلسطيني في غزة، مضيفاً: «هناك تفاؤل فلسطيني بأن تكون المرحلة الثانية أخف وطأة على أهالي القطاع من الفترات السابقة. والآمال منعقدة على ألا يكون هناك عوائق من جانب إسرائيل».

وأشار إلى أن سياسة «الصبر الاستراتيجي» التي اتبعتها السلطة الفلسطينية، إلى جانب الدول العربية والأطراف الإقليمية، نحو الضغط على الولايات المتحدة الأميركية لدفع إسرائيل إلى «المرحلة الثانية»، ستكون حاضرة أيضاً بشأن تنفيذ باقي الاستحقاقات، ومنها إعادة الإعمار، مع الانفتاح على المجتمع الدولي للمساهمة في عملية التعافي المبكر، واستمرار تثبيت وقف إطلاق النار.

رئيس جهاز المخابرات العامة المصري اللواء حسن رشاد يستقبل رئيس «لجنة إدارة غزة» علي شعث في القاهرة السبت (مواقع إخبارية رسمية)

وكان رئيس «هيئة الاستعلامات المصرية» ضياء رشوان، أكد في تصريحات إعلامية الخميس، أن «لجنة إدارة غزة» ستتولى ملفَّي الخدمات والإعمار خلال المرحلة المقبلة.

وبدأت «لجنة التكنوقراط» الفلسطينية لإدارة غزة اجتماعها الأول في العاصمة المصرية يوم الجمعة، ومن المقرر أن تدير اللجنة مؤقتاً قطاع غزة تحت إشراف «مجلس السلام».

وأكد المحلل السياسي الفلسطيني المقيم في قطاع غزة، عماد عمر، أن الأيام المقبلة سوف تحدد مدى قدرة اللجنة على تنفيذ الاستحقاقات المتعلقة بتحسين الأوضاع على الأرض، في ظل استمرار إسرائيل في استهداف الفلسطينيين يومياً، مشيراً إلى أن بدء عمل اللجنة يعد «باكورة تفكيك أزمات الملف الإنساني مع تعنت إسرائيل في تطبيق البروتوكول الذي ينص عليه وقف إطلاق النار».

وينص «البروتوكول» الذي يعد ضمن متطلبات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، على «دخول 600 شاحنة يومياً من المساعدات الإغاثية والإنسانية، منها 50 شاحنة مخصصة للوقود، مع تخصيص 300 شاحنة من الإجمالي لمنطقة شمال غزة لضمان وصول الإغاثة لكافة الأنحاء».

وأضاف عمر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الانخراط في أي خطوات إجرائية تستهدف التمهيد لإعادة الإعمار، يبقى رهن الدور الأميركي لدفع إسرائيل نحو المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وبدء عمل باقي الهيئات المنوط بها إدارة القطاع، بما فيها «مجلس السلام» و«قوة الاستقرار»، مشيراً إلى أن مهمة «لجنة التكنوقراط» تتمثل في تقديم الخدمات، وتفكيك الأزمة الإنسانية، وإعادة تشغيل الصحة والتعليم، وإصلاح البنية التحتية، وضبط الأمن، وتأمين وصول المساعدات.

وأشار إلى أن الاختراق الآني بشأن إعادة الإعمار يمكن أن يتمثل في الضغط على إسرائيل لسماحها بدخول المعدات الثقيلة لإزالة الركام واستخراج جثامين الفلسطينيين، إلى جانب تهيئة البنية التحتية في الشوارع، وإيجاد حلول لأزمات الصرف الصحي.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتوقع عمل «لجنة إدارة غزة» من داخل القطاع قريباً (الخارجية المصرية)

وحذّر المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لخدمات دعم المشاريع، خورخي موريرا دا سيلفا، الخميس، من أن إعادة إعمار غزة لا تحتمل التأجيل، وذلك عقب عودته من مهمته الثالثة إلى القطاع الفلسطيني الذي دمرته سنتان من الحرب، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي قدّرت الاحتياجات بأكثر من 52 مليار دولار.

وكان المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، أعلن الأربعاء الماضي إطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، المكوّنة من 20 نقطة لإنهاء الحرب في غزة، وقال إنها «تنتقل من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، وتأسيس حكم تكنوقراط، والشروع في إعادة الإعمار».