أفريقيا تتألق في «أسبوع الموضة المراكشي»

الدورة الثانية تراهن على الشباب وسحر الأماكن

من عروض أسبوع الموضة في مراكش بدورته الثانية (تصوير: عبد الرحمن المختاري)
من عروض أسبوع الموضة في مراكش بدورته الثانية (تصوير: عبد الرحمن المختاري)
TT

أفريقيا تتألق في «أسبوع الموضة المراكشي»

من عروض أسبوع الموضة في مراكش بدورته الثانية (تصوير: عبد الرحمن المختاري)
من عروض أسبوع الموضة في مراكش بدورته الثانية (تصوير: عبد الرحمن المختاري)

كانت الدورة الثانية لأسبوع الموضة بمراكش مثيرة للجدل والحواس. ومِثل غيرها من عواصم العالم، تحلم المدينة منذ فترة بأن ترسخ اسمها بصفتها عاصمة موضة عالمية؛ أسوة بنيويورك وميلانو وباريس ولندن، ومؤخراً دبي. لا ترى أنها تختلف أو تقلّ عن أي بلد آخر أصبح له أسبوع موضة، فهناك المئات من الأسابيع حالياً إلى حد أن تواريخها وبرامجها تتضارب مع بعض، الأمر الذي يُفوّت عليها الشيء الكثير. في الوقت الذي أقيم فيه أسبوع مراكش مثلاً، كانت مدينة بورتو البرتغالية تشهد أسبوعها الخاص أيضاً، وهكذا.

توجَّه المصممون الشباب بخيالهم نحو أفريقيا حسب التعليمات (تصوير: عبد الرحمن المختاري)

المشرفون على أسبوع مراكش يعرفون أن الطريق طويل، والمنافسة شرسة، لكنهم يراهنون على سحر الأمكنة التي تحتضنها المدينة. يكفي أن يُذكر اسم مراكش حتى تقفز إلى الخيال صور حالمة وألوان دافئة طالما ألهمت مصممين كباراً، أهمهم إيف سان لوران، الذي ربما تدين له المدينة الحمراء بالكثير في مجال الموضة، وتشرشل الذي لا تزال لوحاته تزيِّن غرفته في فندق المامونية، هذا عدا أن صحراء أكافي بضوئها الذي يفتح النفس على التصوير الفوتوغرافي، لهذا فليس غريباً أن يراهن الأسبوع في هذه الدورة على هذه الأماكن، من صحارٍ وقصور وحدائق وساحات تُحوّل العادي إلى غير عادي. ما علينا سوى أن نعود بذاكرتنا إلى الوراء قليلاً لنتذكر عرض «ديور» في ساحة قصر البديع، الذي لا تزال أصداؤه تتردد كلما جرت الإشارة إلى الأماكن التي تشكل خلفيات مهمة لعروض الأزياء العالمية. في أسبوع مراكش الأخير كانت هذه الأماكن فرصة لكي يكتشفها الحضور أو يستمتعوا بجمالياتها. أما بالنسبة للأزياء التي جرى عرضها، فرغم أنها تنمّ عن خيال ورغبة في إثبات الذات، فإن وصولها إلى العالمية بمفهومها الصحيح ربما يحتاج إلى بنية تحتية قوية وأفكار أكثر عالمية.
منذ أول يوم للتظاهرة، احتضن فندق المامونية مؤتمراً صحفياً تقديمياً، في حين احتضن فضاء «هسبريس كوفي فاكتوري»، في اليوم الثاني، معرضاً لأعمال هيام رحماني؛ الفنانة التشكيلية المغربية المتخصصة في فن الخيوط. واحتضنت حدائق المنارة، في اليوم الثالث، عروض الأزياء الخاصة بالمواهب الشابة من مدارس الموضة، وفي اليوم الرابع عروض كارولين موسايمي ودار القفطان ورماضي إيربان بلدي ولين دو جور. في حين اختتم البرنامج بفضاء «ألكَمار كامب» بأكفاي، في ضواحي مراكش، بحفل لعروض كوفهري كوتير ونيل كرياسيون وغيثة الشرايبي وألفادي سايدنالي.

مال بعض المصممين الشباب إلى تطوير القفطان (تصوير: عبد الرحمن المختاري)

فضاءات لها خصوصياتها وتميزها الحضاري والجغرافي: حدائق المنارة، المعروفة بحدائقها الغنّاء وصهريجها الذي يعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي، وبقُبّتها الملكية التي تعود إلى القرن الثامن عشر، وفندق المامونية الشهير بما يحيط تاريخه الحديث من ثقل سياحي، فضلاً عن فضاء «ألكَمار كامب» بأكفاي، بتلاله الجرداء ومُناخه شبه الصحراوي، الذي يتحول ليلاً إلى لوحة شاعرية.
قارنت ماري بوغيرت، رئيس جمعية «مراكش فاشن ويك»، منظِّمة التظاهرة، بين الدورة السابقة ودورة هذه السنة، من حيث الفضاءات المحتضنة لفقرات التظاهرة، مشيرة إلى أن الدورة الأولى نُظّمت بقصر البديع وحديقة ماجوريل وغولف المعدن، في حين برمجت فقرات الدورة الثانية بفضاءات مغايرة، لها رمزيتها، أيضاً، مركزة على حدائق المنارة، حيث تطرقت إلى تيمة الماء التي تميِّز هذا الفضاء التاريخي. وشددت بوغيرت على أن من شأن هذه الاختيارات، على مستوى الفضاءات المستقبِلة لفعاليات التظاهرة، أن تُظهر ما تتميز به المدينة الحمراء من معالم أثرية وحضارية.
وكانت الدورة الأولى قد نُظّمت في أكتوبر (تشرين الأول) 2022، وعرفت نجاحاً، وفقاً لمنظِّميها الذين يقولون إن أسبوع الموضة في مراكش هو مشروع غير ربحي، هدفه الترويج للموضة المغربية عالمياً. ويشددون على أنه جاء ليستمر، لا أن يكون فرقعة موسم واحد.
كان المؤتمر الصحفي التقديمي للدورة الثانية مناسباً لإثارة موضوع أرخى بظلاله على انطلاق التظاهرة، يتمثل في احتضان مراكش، خلال الأسبوع السابق، تظاهرة شبيهة في موضوعها وتسميتها وعلامتها «إم إف دبليو»، تحت مسمى «أسبوع الموضة المغربي»، تضمَّن برنامجه عرض أزياء لمصممين من عدة دول، ومعرضاً للقفطان ومنتجات فنون الحِرف التقليدية المغربية، وتَواصل ما بين 8 و12 من الشهر نفسه. الفرق بين الاثنين أن الأسبوع الحالي هو أيضاً تظاهرة ثقافية يحتفي بشتى الفنون، مثل احتضانه معرض رحماني الذي أثرى الفعالية، وكانت له علاقة بالموضة، أو بالأحرى بالجانب الحرفي فيها. فالتجربة خاصة تقوم على الرسم بالخيوط، من خلال نسج لوحات فنية، جاءت ثمرة بحث وتخطيط يقومان على ما تراكم من تحصيل علمي ومن تقنيات مدروسة، تجمع بين الهندسة وضوابط الرياضيات، والمضمون التعبيري للممارسة الفنية.
يُنجز العمل الفني، وفقاً لقول رحماني، على لوحات خشبية يجري الاشتغال عليها بالخيط والمسامير وفق خصوصيات إبداعية تقوم على المعطيات الهندسية الدقيقة، تنطلق من الدائرة لتأخذ أبعاداً متنوعة تشترك في تناسق الألوان والظلال.
عن برمجة تنظيم معرض يتمحور حول الرسم بالخيوط والمسامير، أو «الفيلوغرافيا» أو «السترينغ آرت»، ضمن فعاليات تظاهرة تتمحور حول الموضة وعروض الأزياء، أشارت رحماني إلى أن الخيط يبقى مشتركاً بين المصممين والفن التشكيلي والمصنوعات التقليدية.
في جانب الأزياء كان الاحتفاء بأفريقيا حاضراً في معظم العروض المخصصة للمواهب الشابة، وهم: 16 مصمِّمة شابة تنافسن للحصول على ثلاث جوائز. وتقول الجمعية إنها رافقتهن على مدى شهرين لمساعدتهن على إنجاز تشكيلاتهن بالشكل المطلوب. عروض المصمِّمات الشابات أثارت الإعجاب، في معظمها. واختصرت بوغيرت انطباعات الحضور بقولها إن المشارِكات ينتظرهن «مستقبل باهر». أما الفنانة الخمليشي فتحدثت عن «شجاعة في الاختيار تثير الإعجاب»، مشيرة إلى الطرق التي توجَّه فيها هؤلاء الشباب بخيالهم نحو أفريقيا. كما انطلقت الفعالية في فضاءات مثيرة، اختتمت بحفل أُقيم بالمخيم السياحي «ألكَمار كامب»، على بُعد ثلاثين كيلومتراً من مراكش. كان مثيراً لما توفره مرتفعاته من إطلالة بانورامية على صحراء أكفاي. هنا كان مِسك الختام، من خلال عرض بنكهة الصحراء، وكان فرصة للاحتفال بالإبداع، وفي الوقت نفسه دعم قضية نبيلة تدعم جمعية «طفولة أمل المغرب»، التي أنشئت سنة 1995 بمراكش، وهي ذات منفعة عامة، تهدف إلى مساعدة الأطفال حديثي الولادة المتخلَّى عنهم إلى حين كفالتهم، والأطفال المعاقين غير المتكفَّل بهم بسبب إعاقتهم، والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، والأطفال المحتاجين إلى مساعدة، من قبيل الأدوات المدرسية والملابس والأدوية والتغذية، وغيرها.


مقالات ذات صلة

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

لمسات الموضة إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

خرجت دوقة ساسيكس من المؤسسة الملكية البريطانية بدرس مهم عن الموضة وكيف يمكن استعمالها لغةً صامتة... لكن بليغة.

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.