الراوي... قصة سقوط بغداد واللقاءات الأخيرة مع صدّام

وزير التجارة العراقي الأسبق يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن مشاهد «الجثث المحترقة» و«معركة المطار» وكيف سلّمه السوريون للأميركيين «يداً بيد»

محمد مهدي صالح الراوي
محمد مهدي صالح الراوي
TT

الراوي... قصة سقوط بغداد واللقاءات الأخيرة مع صدّام

محمد مهدي صالح الراوي
محمد مهدي صالح الراوي

كان محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي الأسبق ووكيل رئيس ديوان الرئيس الراحل صدّام حسين سابقاً، شاهداً على الغزو الأميركي لبلاده في 20 مارس (آذار) 2003. عاين بأم عينيه حملة «الصدمة والترويع» التي أعلنها الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش وتضمنت قصفاً عنيفاً للمنشآت العراقية، قبل تقدم القوات البرية نحو بغداد. يتذكر «الجثث المحترقة» التي نتجت عن القصف الأميركي. يتذكر الاجتماعات الأخيرة التي عقدها مع صدّام، قبل انهيار نظامه. ويتذكر مشاهدته الدبابات الأميركية وهي تدخل العاصمة العراقية. غادر الراوي بغداد بعد سقوطها في 5 أبريل (نيسان). ذهب إلى مسقط رأسه في راوة بمحافظة الأنبار قرب الحدود السورية. ومن هناك، دخل إلى سوريا نفسها حيث استقبله آصف شوكت، مسؤول الأمن السوري وزوج شقيقة الرئيس بشار الأسد. كان الراوي يعتقد أنه سيكون موضع ترحيب في سوريا. فهو من مهندسي عودة العلاقات العراقية – السورية، وكان مكلفاً من الرئيس صدّام بملف سوريا. لم يدم بقاؤه في سوريا طويلاً. أعاده السوريون إلى الحدود العراقية حيث تسلّمه مباشرة الجنود الأميركيون يداً بيد. فهو المطلوب رقم 35 على قائمة أبرز المطلوبين للولايات المتحدة من أركان حكم صدّام. وُضع في قائمة المطلوبين بملف «أسلحة الدمار الشامل» التي زعم الأميركيون أن صدّام يمتلكها وبرروا بها الغزو، من دون أن يجدوا دليلاً على وجودها. بعد 9 سنوات في المعتقل، أُفرج عن الراوي بعد أن أصدرت المحكمة الجنائية العراقية العليا حكماً ببراءته. «الشرق الأوسط» أجرت حواراً مع المسؤول العراقي الأسبق تحدث فيه عن ذكرى الغزو وكيف انتهى به المطاف في أيدي الأميركيين:
يتذكر الراوي بوضوح ليلة بدء الحرب، لكنه يؤكد أنها لم تكن مفاجئة. يقول: «لم يكن الغزو الأميركي للعراق وبداية الاعتداء الغاشم على بلدنا مفاجئاً للمسؤولين والوزراء والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية والتنظيمات الحزبية... كان الجميع متأهباً في تلك الليلة وحتى قبل أن يحصل القصف الجوي وتبدأ المعارك البرية. كانت الدولة والأجهزة الأمنية مستعدة على الأرض وفي كل الميادين لمواجهة العدو. وبالتالي لم نفاجأ بهذا الغزو غير المبرر. فقد كان هناك قرار أميركي مسبق باحتلال العراق تحت أي ذريعة».
ويتابع: «بالنسبة لي، بقيتُ في الوزارة مع زملائي. لم نترك مقراتنا، وكنا نتابع الأمور. فقد استبقنا الحرب بأن أمّنّا خزيناً من الغذاء الاحتياطي للمواطنين يدوم ستة أشهر. كان الهدف أن يكون لدى المواطنين ما يكفيهم عندما تندلع الحرب. وبالفعل أنجزنا هذه المهمة قبل أن يبدأ القصف الجوي على بغداد. بقينا في الوزارة أنا والمديرون العامّون والموظفون... كنا في الوزارة ليلة بدء القصف، ولم نغادر مكاننا. ولكن كان لدينا أيضاً مكان آخر احتياطي في ساحة عدن القريبة من موقع الوزارة. يقع هناك مقر إحدى شركاتنا التي تدير مخازن الدقيق والخبز. بقينا نتناوب بين مقر الوزارة والمقر الاحتياطي طوال فترة القصف الجوي والمعارك البرية وحتى احتلال بغداد. لم نغادر».

محمد مهدي صالح الراوي ضمن قائمة أبرز المطلوبين للولايات المتحدة من نظام الرئيس الراحل صدام حسين (غيتي)

ويتحدث الراوي عن آخر الاجتماعات التي حضرها للقيادة العراقية خلال الغزو وحتى سقوط النظام. يقول: «حضرت 3 اجتماعات بعد الغزو مع الرئيس الراحل صدّام حسين. الاجتماع الأول كان بعد أكثر من أسبوع من بدء القصف الجوي وانطلاق المعارك البرية. حضرت مع وزير النفط. كان الرئيس قد طلب منّي أن أُدخل مواد غذائية إلى مدينة بغداد تحسباً لأن تكون هناك معارك مع العدو داخلها. كذلك طلب من الدكتور عامر رشيد، وزير النفط، أن يكثّف الدخان المحترق من الوقود لحرف اتجاهات الصواريخ عن أهدافها المحددة. الاجتماع الثاني حضرته أيضاً مع وزير النفط، بعدما طلبنا الرئيس الراحل مجدداً. حضرنا وقتها اجتماع القيادة وكان الرئيس صدّام يتابع موضوع تأمين الغذاء داخل بغداد. فطمأنته وقلت له إننا أكملنا تجهيز 6 أشهر للمواطنين، ولذلك لا يوجد مبرر للقلق من هذا الجانب. كما أكدت له أنه لا سبب للقلق في بغداد تحديداً؛ إذ لدينا مخزون فائض من الأغذية يكفي أكثر من ستة أشهر. فقال: رغم ذلك، واصلوا جهدكم... كان هذا قبل أن تدخل الدبابات الأميركية إلى المدينة. الاجتماع الثالث كان في يوم 3 أبريل وحضره قادة عسكريون. وكان حاضراً (ابنا صدّام) قصي وعدي ووزير الدفاع (سلطان هاشم الطائي). كان القادة العسكريون يناقشون الوضع بعدما دخلت القوات الأميركية إلى بغداد، فطلب مني الرئيس الراحل أن أعاون الجيش في نقل السلاح. وبالفعل حضر عميد ركن من الحرس الجمهوري واستقر في إحدى شركات وزارة التجارة وهي الشركة العامة لتجارة الحبوب في باب المعظم بوسط مدينة بغداد إلى جانب المدير العام للشركة يوسف عبد الرحمن العاني. وحسب طلب ممثل الحرس الجمهوري، استمر نقل السلاح من مخازن العظيم ومن مخازن تكريت إلى المواقع المطلوبة. استمر النقل إلى أن احتُلت بغداد وتوقف العمل بعد دخول غوغائيين إلى مقر الشركة (بعد احتلال بغداد). كان هذا آخر اجتماع لنا بالرئيس صدّام».
هل ودّعكم صدّام في اللقاء الأخير؟ هل شعرتم بأنه سيكون لقاء الوداع؟ يرد الراوي بالقول: «لا أبداً. لم يكن أبداً هذا شعورنا. لم نشعر بأن الأمور ستنتهي إلى ما آل إليه الوضع. ونحن أدّينا واجبنا في وزارة التجارة حتى آخر لحظة في تأمين الغذاء للشعب العراقي منذ أن فُرض الحصار وعلى مدى أكثر من 13 عاماً وساعدنا أيضاً جهات أخرى بقدر ما نستطيع وبقدر ما كُلّفنا به كوزارة تجارة... طبعاً وزارة التجارة لديها أسطول كبير لنقل المواد، ولذلك طلب منا الرئيس الراحل أن ننقل السلاح. فلدينا قرابة 2000 شاحنة من الشاحنات الكبيرة القادرة حتى على نقل الدبابات... وبالفعل، جهزنا وزارة الدفاع بنحو 45 شاحنة لنقل الدبابات قبل أن تبدأ المعارك و2750 ماطوراً بثلاث عجلات».
وعندما يُسأل عن شعوره وهو يرى الدبابات الأميركية تدخل بغداد، يرد الراوي قائلاً: «طبعاً شعوري هو شعور شخص وطني يقاوم احتلالاً غاشماً لبلده من دون سبب... كانت مشاهد الدبابات وهي تدخل بغداد مؤلمة. ولكن لا المجتمع الدولي ولا المجتمع الإقليمي ولا حتى الجامعة العربية قامت بدور جدّي لمنع هذا العدوان. قمة شرم الشيخ أصدرت بياناً يدين أي عدوان على العراق، ولكن لم يكن هناك عمل فعلي لمنع وقوعه».
ويتحدث الراوي عن مشاهداته للقصف الذي استهدف بغداد مع بداية الغزو، فيقول: «كان القصف شديداً جداً وبخاصة على بغداد. طال الدمار الأبنية والمواطنين. كنت أرافق شاحنات الدقيق التي توصّل الدقيق إلى المخابز في مدينة بغداد. وكنت شاهداً في إحدى المرات على طائرات الأباتشي وهي ترشق المواطنين بطلقات نارية يميناً وشمالاً على طريق (الدورة – مسجد أم الطبول- المطار)، فحرقت السيارات المارة والسيارات الواقفة على جانبي الطريق. استُشهد مدير التعبئة والإحصاء التابع لوزارة التجارة، هو وزوجته. ذهبت بنفسي إلى مكان الحادث في سايلو الدورة. لاحظت الجثث وبعضها كان ما زال يحترق بعد الضربة. بعضهم كانوا ما زالوا أحياء داخل السيارات المحترقة. وجدت أن الموظف عندي واسمه نصرت هو وزوجته قد تفحما بشكل فوري في سيارتهما. شاهدت منظراً لا إنساني يخالف قواعد الحرب سبّبته الضربات الأميركية على مواطنين يسيرون في الشارع. المشهد لا يزال في ذاكرتي وكيف كان الضحايا يحترقون داخل سياراتهم وهم في النزع الأخير».
ويضيف موضحاً: «كان هذا الحادث بداية معركة المطار، حيث أُعلن قبل يوم أن القوات الأميركية دخلت المطار. ذهبتُ مع وزير النقل أحمد مرتضى، ونقلتْ وسائل الإعلام مشهد صعودنا إلى طائرة جامبو داخل المطار لإثبات عدم صحة الخبر الذي أطلقه الأميركيون. بعدها بيوم دخلت القوات الأميركية المطار وواجهت مقاومة شرسة من فصائل الحرس الجمهوري والحرس الخاص و(فدائيي صدّام) والمتطوعين العرب، وأُبيد معظم القوات المعادية وتقهقر المتبقي خارج المطار، مما دفع القوات الأميركية إلى استخدام أسلحة فتاكة محرّمة أبادت معظم المقاتلين وصهرت الدبابات في هجومها الثاني على المطار، ما مكّنها من احتلاله. ولقد سبق أن أبلغني مسؤول عربي كبير قبل ثلاثة أشهر من بدء العدوان على العراق بأنه علم من قائد القوات الأميركية الجنرال تومي فرانكس المكلف بقيادة جيش بلاده لاحتلال العراق، بأنه إذا نشبت الحرب فإن القوات الأميركية ستحتلّ العراق بكل الأسلحة المتاحة حتى وإن تطلب الأمر استخدام القنابل النووية الميدانية (التكتيكية). شدد (المسؤول العربي) على ضرورة الكشف عن أسلحة الدمار إذا كانت موجودة، فقد كان حريصاً على منع وقوع الحرب. فأكدتُ في اللقاء خلوّ العراق من أسلحة الدمار، وتم إيصال هذه المعلومات إلى الرئيس... والذي أُريد التأكيد عليه هنا أن الذي حصل في المعركة الثانية في المطار باستخدام أسلحة محرمة وفتاكة كان جزءاً من خطة غزو العراق المعدّة مسبقاً والتصميم على احتلاله».

سقوط بغداد... وسقوطه في أيدي الأميركيين

ويروي الراوي قصة خروجه من بغداد بعد احتلالها وكيف انتهى به المطاف في أيدي الأميركيين. فيقول: «لم نكن في الأساس نتوقع أن تُحتل بغداد وأن يُحتل العراق. لذلك لم تكن لدينا خطة، على الأقل كوزراء، للتعامل مع احتلال العراق. الذي حصل أنه بعد دخول القوات الأميركية إلى بغداد، اتصل بنا في يوم 9 أبريل سكرتير أمانة مجلس الوزراء الدكتور خليل المعموري وأبلغ ممثلي الوزراء الذين يستلمون التوجيهات من المجلس يومياً أو إيصال المعلومات إليه، بأن الوزراء يمكنهم أن يذهبوا إلى المكان الذي يرغبون فيه. مدينتي هي راوة وعائلتي وأهلي هناك. فاتجهت إلى راوة التي تبعد عن الحدود السورية نحو 100 كلم. عوائلنا الراويون موجودون في البوكمال وفي دير الزور وفي حلب. كان هناك تواصل منذ زمن طويل كعوائل على طول خط الفرات الأعلى (بين العراق وسوريا). فلما وصلت إلى راوة، أشاروا عليّ أن أذهب إلى سوريا لفترة أسبوعين وأراقب الموقف، علماً بأنني في الحقيقة لم أكن مهيئاً نفسياً للسفر إلى أي بلد خارج العراق ولا يوجد لديّ سوى جوازي الدبلوماسي. في اليوم التالي، اتجهت إلى سوريا مع أخي مزهر، ومعي المستشار في رئاسة الجمهورية عصام عبد الرحيم الراوي المشرف على نقطة طريبيل. وصلنا إلى سوريا، وفي الواقع لديّ علاقة قوية بالجانب السوري. فقد كنت عندما أطلب زيارة للرئيس بشار الأسد تتم تلبية الطلب. وقد أرسلني الرئيس الراحل صدّام مبعوثاً إلى الرئيس بشار حينما عُيّن رئيساً للجمهورية. وتم توقيع اتفاق للتجارة الحرة وفُتحت الحدود بحيث أصبح العراق وسوريا سوقاً اقتصادية موحدة وتم تشغيل أنبوب النفط الذي يعد خطوة مهمة في إطار الخروج من طوق الحصار عام 2000، وعلى هذا الأساس، حينما ذهبت إلى سوريا (بعد احتلال العراق) لم يكن لديّ قلق على أساس أنني أذهب إلى بلد أمتلك علاقة قوية به. استقبلني آصف شوكت في حينه وأبلغني أن أُحضر عائلتي إنْ رغبت، فقلت له: شكراً. أريد العودة للعراق، ولكن سأبقى في سوريا لأسبوعين كي أرى تطور الموقف في العراق، حسبما أبلغت مدير استخبارات دير الزور. في نفس الليلة، أخذَنا آصف شوكت إلى عشاء أنا والسفير العراقي... وتغيّر الموقف بالليل بعد العشاء».
يضيف الراوي شارحاً ما حصل معه: «نقلوني إلى شقة في المزة أنا وزملائي. كانت الشقة أقل ما يمكن أن نقول عنها إنها كانت وسخة جداً. ليس بها شيء. كان واضحاً أنها تعود لموظفي الاستخبارات العسكرية. لم يكن هناك شيء في الثلاجة. شعرنا بأن الاستقبال الأول كان جيداً قبل الظهر... ولكن في الليل كان الموقف قد تغيّر. ويبدو أنه تم اتخاذ قرار بتسليمي منذ ذلك الوقت. طلبنا مباشرة العودة إلى العراق. بعد يومين فرّقونا. اعتُقل أخي لدى استخبارات دير الزور، وأنا حجزوني في إقامة جبرية في قرية تسمى قرية الأسد، كما أعتقد، انتظاراً لاستكمال الترتيبات اللوجيستية للتسليم... سكنت في بيت وبقي برفقتي خمسة ضباط يراقبونني ولا يسمحون لي بأن أخرج منه. فكتبت رسالة إلى الرئيس بشار بيّنت فيها أنني فلان ابن فلان وأنني جئت إلى سوريا لمدة أسبوعين وشكرته على حسن الضيافة وطلبت العودة إلى العراق وإعلامي عن مصير شقيقي. كان هذا يوم 21 أبريل 2003 قبل يومين من تسليمي. يوم 23 أبريل جاءني العميد يونس مكلفاً من اللواء آصف شوكت وأخبرني بأنه حصلت موافقة (السيد الرئيس) على عودتك... الساعة 12 (ظهراً) غادرنا دمشق في سيارة أوبل ومعنا أحد موظفيه. وصلنا إلى قرب دير الزور فقلت رجاءً أن توقفني قليلاً في المدينة كي أرى أخي فلديّ حدس كبير أنه معتقل في دير الزور. وهذا الأمر كنت قد أوضحته في رسالتي إلى الرئيس بشار التي ذكرت فيها: أرجو إبلاغي عن مصير أخي لأنني فقدته في اليوم الثالث من مجيئي إلى سوريا. لدى وصولنا إلى البوكمال شكرت العميد يونس وقلت له: أمامنا مدينة القائم التي تسمى حصيبة، فاسمح لي أن أدخل إلى بلدي. فقال لي: لا تستطيع الدخول إلى بلدك من المنفذ الرسمي وإنما سيأتي نفس الشخص الذي أوصلك إلى دمشق من دير الزور في البداية، وهو العميد ركن نصيح، وهو سيوصلك إلى حصيبة وإنما عن طريق المهربين عبر الصحراء. فقلت له: ما السبب؟ أمامي القائم والمسافة قصيرة لا تستغرق أكثر من خمس دقائق سيراً على الأقدام وحالياً ليل والجو بارد، فلماذا تريدون إيصالي عبر طريق المهربين؟ فقال لي: هذا هو التوجيه. خرجتُ بالسيارة إلى الصحراء وكان معي العميد ركن نصيح من استخبارات دير الزور. بعد نحو 20 دقيقة، وصلنا إلى نقطة معينة. أطفأ الأضواء. مشينا في الظلمة. دخلنا إلى منخفض صغير وخرجنا في الأراضي العراقية. وجدت أمامي سبعة جنود أميركيين طلبوا منّا الوقوف ووجهوا البنادق الليزرية عليّ. فتوقفت. سلمني العميد ركن نصيح للأميركيين تسليم يد. كتّفوني ووضعوا قبعة على رأسي وأدخلوني إلى عربة همفي سارت في الصحراء العراقية نحو ربع ساعة. ثم دخلت مع السيارة في طائرة (تشينوك) وصلت إلى قاعدة يبدو أنها قاعدة الوليد قرب الحدود الأردنية. كانت هناك طائرة ثابتة الجناح تنتظرني، نقلوني بها إلى بغداد».
ويتابع: «وصلتُ قرابة العاشرة ليلاً، وبدأ التحقيق معي على مدى خمس ساعات. كان هناك مترجم لبناني يعمل مع المحقق الأميركي. قلت له إنني لا أحتاج إلى مترجم. فأنا خريج بريطانيا (لديه شهادة دكتوراه من جامعة مانشستر)، وأستطيع أن أتحدث معك بالإنجليزية. استمر التحقيق خمس ساعات. في الساعة الرابعة صباحاً نُقلتُ إلى غرفة كان فيها وزير التعليم العالي العراقي الدكتور همام عبد الغفور والدكتور سطام الكعود وشخص يدعى (أبو محمود الخلايلة) ينتمي إلى مجموعة أبو نضال الفلسطينية، وكان قد سلّم نفسه آنذاك وهو غير مطلوب للقوات الأميركية. أعطوني كيس زبالة أسود لاستخدامه كفراش، وكان الجو بارداً لكن نمنا أربعتنا على بطانية واحدة في هذه الغرفة من دون غطاء. في الصباح جاءني شخص وسأل: لماذا عدت؟ فقلت: طلبت من السلطات السورية -لم أقل من الرئيس بشار- أن أرجع إلى بلدي. سألني عن أمور أخرى مثل: مَن ذهب معك؟ فقلت: لم يذهب معي أحد. وبالطبع لا يمكن أن أبلغ عن زملائي. في اليوم التالي استدعاني رئيس المحققين في الاستخبارات العسكرية وقال لي إن واشنطن منزعجة جداً منك لأنك لم تقدم معلومات صحيحة. قلت له كيف؟ فقال: أنت تقول إنك ذهبت لوحدك إلى سوريا ولكن في الرسالة التي أرسلتها إلى الرئيس بشار الأسد كنت تسأل عن مصير أخيك مزهر مهدي صالح، إذن أنت لا تعطينا معلومات صحيحة. فقلت له: إن مزهر أخي رجل لا علاقة له بالسياسة وجاء معي ليخدمني، فلماذا أعطيكم اسمه؟ حتى رسالتي إلى الرئيس السوري وصلت إلى الأميركيين وعرضوها عليّ».
وعندما يُسأل الراوي عن فحوى رسالته إلى الرئيس السوري، يقول إنها تضمنت أموراً عدة بينها «موضوع يخص البلدين ومستقبل أمن سوريا. كان الرئيس صدّام قد كلفني بأن أبلغ الرئيس بشار بها. وقتها اجتمع مجلس قيادة الثورة والقيادة العراقية، وبعد انتهاء الاجتماع اتصل بي نائب رئيس الوزراء طارق عزيز، وقال لي إن الرئيس يقول إن هناك تهديداً على سوريا ونحن حاضرون أن نهيئ الجيش العراقي، فأبلغ الرئيس بشار بهذا الموضوع. اتصلت بالعميد ذو الهمة وقلت له إن هذه رسالة من الرئيس صدّام للرئيس بشار يقول فيها إن الجيش العراقي حاضر ومستعد لدعم سوريا في مواجهة أي تهديد بعدما سمعنا أن هناك تهديداً ضدكم. عاد العميد ذو الهمة بجواب بعد ساعة وشكر الرئيس صدّام، وقال: إن وضعنا حالياً جيد ولا نشعر بخطر، وسنبلغكم إذا احتجنا لأي شيء. انتهى الموضوع بالنسبة لي، ولكن الرئيس أرسل وزير الدفاع العراقي إلى دمشق وحرّك حينها الجيش باتجاهين؛ الأول التنف، والآخر البوكمال باتجاه سوريا لدعمها إزاء التهديد ضد سوريا من إسرائيل. كانت هذه الرسالة في الحقيقة مصدر التحقيق معي من الأميركيين الذي طلبوا معرفة السبب الذي دفع صدّام إلى أن يكلفني أنا بالذات بهذه المهمة، فقلت لهم: إنني الشخص المعنيّ بالعلاقة مع سوريا».
ويختم الراوي ذكرياته بالقول: «بعد انتهاء المحقق من أسئلته، وجّهت إليه السؤال التالي: لماذا جئتم لاحتلال العراق ولقد كانت علاقاتكم متينة معه في الثمانينات، وكنتم تقدمون له قرضاً سنوياً بمقدار مليار دولار، ووقّعت أنا مع وزير التجارة الأميركي اتفاقية واسعة للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتكنولوجي؟ فأجاب: جئنا لبناء الديمقراطية وسننسحب بعد إنجاز ذلك. أجبته: لن تؤسسوا ديمقراطية حقيقية في العراق ولن تنسحبوا منه وسيحكم العراق كل من المؤسسة الدينية والمؤسسة العشائرية، وسيتحول العراق، البلد الآمن، إلى بلد ينشأ فيه التطرف وسترتفع أسعار النفط إلى أعلى بكثير من الأسعار الحالية البالغة 20 دولاراً للبرميل، وستحصل حالة عدم استقرار في المنطقة. فانهيار العراق، عبر التاريخ، يقود إلى انهيار في المنطقة وستنشأ حالة عدم استقرار واضطراب تقود إلى اختلال في التوازن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط. والشعب العراقي شعب صعب المراس لم يحكمه عبر التاريخ سوى سرجون الأكدي وحمورابي وآشور بانيبال ونبوخذ نصر والحجاج وهارون الرشيد وصدّام حسين. وكان يسجّل جوابي. وكان ذلك في صباح يوم 25 أبريل 2003».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

ماكرون في دمشق... أول زيارة لرئيس غربي منذ فرار الأسد

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله في زيارة دولة إلى مطار دمشق الدولي في دمشق... 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله في زيارة دولة إلى مطار دمشق الدولي في دمشق... 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

ماكرون في دمشق... أول زيارة لرئيس غربي منذ فرار الأسد

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله في زيارة دولة إلى مطار دمشق الدولي في دمشق... 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله في زيارة دولة إلى مطار دمشق الدولي في دمشق... 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، إلى دمشق في زيارة غير مسبوقة، هي الأولى لرئيس دولة غربية كبرى إلى سوريا منذ تولي الرئيس أحمد الشرع السلطة أواخر عام 2024 بعد إطاحة نظام بشار الأسد، كما شاهد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية».

وخلال زيارته التي تستمر حتى الثلاثاء، سيدعو ماكرون، وفق ما أفاد قصر الإليزيه للصحافيين، إلى «سوريا حرة وتعددية تحترم جميع مكوناتها»، وتضطلع بـ«دور في تهدئة التوترات» في الشرق الأوسط.

الطائرة التي تقل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تهبط في مطار دمشق الدولي... سوريا 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

واستقبل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الرئيس الفرنسي عند وصوله إلى العاصمة السورية.

ولم تشأ فرنسا الإعلان عن زيارة ماكرون قبل هبوط طائرته، لأسباب أمنية على الأرجح، في وقت لا تزال سوريا تشهد تحديات عدة في إطار مساعيها لبسط الأمن والاستقرار بعد 13 عاماً من حرب أهلية دامية، وبُعيد تفجير استهدف مقهى في دمشق الخميس وأدى إلى مقتل عشرة أشخاص.

وكانت الرئاسة السورية أعلنت عن هذه الزيارة الأحد، دون أن تكشف عن موعدها.

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله في زيارة دولة إلى مطار دمشق الدولي في دمشق... 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وهذه أول زيارة لرئيس فرنسي إلى سوريا منذ زيارة الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي الثانية عام 2009، قبل قطيعة بين البلدين أعقبت قمع الحكم السابق الدامي للاحتجاجات التي اندلعت عام 2011، وسرعان ما تحوّلت إلى نزاع مدمّر أسفر عن مقتل أكثر من نصف مليون شخص.

ويُعد ماكرون أول رئيس دولة عضو في الاتحاد الأوروبي يتوجه إلى دمشق منذ إطاحة الأسد.

ووصفت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) الزيارة بأنها «تاريخية»، معتبرة أنها تشكّل «محطة مفصلية في مسار استعادة سوريا حضورها الدولي، وتجسد انتقال العلاقات السورية ـ الفرنسية إلى مرحلة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والشراكة المتكافئة».


سوريا تؤسس لمنظومة تعليم عالية في العلوم الأمنية والدفاعية

وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة يفتتح مبنى إدارة التجنيد والتعبئة بعد استكمال أعمال إعادة التأهيل (الدفاع السورية)
وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة يفتتح مبنى إدارة التجنيد والتعبئة بعد استكمال أعمال إعادة التأهيل (الدفاع السورية)
TT

سوريا تؤسس لمنظومة تعليم عالية في العلوم الأمنية والدفاعية

وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة يفتتح مبنى إدارة التجنيد والتعبئة بعد استكمال أعمال إعادة التأهيل (الدفاع السورية)
وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة يفتتح مبنى إدارة التجنيد والتعبئة بعد استكمال أعمال إعادة التأهيل (الدفاع السورية)

أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسومين، الأحد، بإحداث «الجامعة السورية للعلوم الأمنية» و«الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية»، في خطوة تهدف إلى تنظيم وهيكلة قطاع التعليم الأمني في سوريا، وتحويله إلى منظومة أكاديمية متكاملة، وممنهجة لتشكل نقلة استراتيجية في منظومة التعليم العالي المتخصص في العلوم الأمنية، والدفاعية.

تعد (الجامعة السورية للعلوم الأمنية) هيئة عامة علمية ذات طابع إداري متخصصة في العلوم الأمنية، بحسب نص المرسوم رقم (146)، وتضم ست مؤسسات تعليمية، وبحثية، وتدريبية، وهي: المعهد العالي للعلوم الأمنية، وكلية العلوم الأمنية، وكلية الأمن السيبراني، ومركز الدراسات والبحوث الأمنية، والمعهد التقاني للعلوم الأمنية، والمعهد التقاني للأمن السيبراني.

أما المرسوم رقم (147)، فقد نص على إحداث جامعة علمية متخصصة تعليمية وتدريبية في العلوم العسكرية تسمى (الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية).

وتتمتع الجامعتان بالشخصية الاعتبارية، والاستقلال المالي، والإداري، ويكون مقرهما الرئيس في مدينة دمشق، ويجوز إحداث كليات ومعاهد ومراكز تابعة لهما في دمشق، والمحافظات.

وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة قال إن المرسوم (147) «جاء ثمرة أشهر من العمل، والبحث، ومراجعة نماذج التعليم العسكري العربية، والإقليمية، وصولاً إلى رؤية وطنية تعيد تنظيم مسار التعليم العسكري، وتمنحه أفقاً أوسع».

وأوضح الوزير في منشور عبر منصة (إكس) أن الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية جمعت تحت إطار واحد «الأكاديمية العسكرية العليا، والكليات الحربية الجوية، والبحرية، والبرية، والمعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا، والمعاهد التقانية العسكرية، بما يحقق تكاملاً أكبر بين التأهيل العسكري، والاختصاص العلمي، والتدريب العملي».

فرع تدريب طرطوس بوزارة الداخلية (فيسبوك)

يعد استحداث الجامعة السورية للعلوم الأمنية خطوة نحو مأسسة العمل الأمني على أسس علمية، وأكاديمية، بحسب الخبير العسكري العقيد عماد شحود، الذي رأى في إحداث هذه الجامعة «أهمية كبيرة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن جامعات العلوم الأمنية معدودة، وأهميتها تتمثل في تخريج كوادر متخصصة بالأمن السيبراني، والأمن الجنائي، والقانون الدولي، وكافة العلوم التي تحتاجها المؤسسات الأمنية، والعسكرية.

واعتبر شحود أن عمل جامعة العلوم الأمنية يتكامل مع عمل الكليات العسكرية والأمنية التي تقوم بالتدريبات الميدانية، مشيراً إلى أنه في السابق كان لدى سوريا الأكاديمية العسكرية في حلب فقط، وتخرج مهندسين عسكريين، إلا أن الجامعة الأمنية المحدثة تدرس اختصاصات عديدة، وسترفد المؤسسات الأمنية بالخبراء.

ووصف الخبير العسكري المرسومين الرئاسيين بالـ«خطوة المتقدمة، والمهمة» في بناء الكوادر الأمنية، وسابقاً كانت الأجهزة الأمنية تعتمد في بناء كوادرها على الكليات العسكرية (الكلية الحربية في حمص، والكلية الجوية، أو البحرية)، ومعظم ضباط الأجهزة الأمنية في سوريا من خريجي تلك الكليات، وكان يتم فرزهم وانتقاؤهم للعمل في شعب وفروع الأجهزة الأمنية استناداً إلى اعتبارات معينة، أبرزها الولاء للسلطة.

وسيتوجه الاستقطاب لخريجي الجامعات الحكومية السورية من كليات الحقوق، والعلوم السياسية، والآداب، والهندسة التقنية. وكان يتم تأهيل وتدريب الأمنيين في مدرسة المخابرات العسكرية في نجها بريف دمشق، أو يتم إيفادهم إلى دول منها بريطانيا، وروسيا، وقبرص، للخضوع إلى دورات تخصصية لرفع كفاءتهم الأمنية، والأساليب المتطورة في الإدارة الأمنية. وحتى الهجانة والجمارك تعتمد على الكليات العسكرية في كوادرها، وكثيراً ما كانت تفتقر تلك الكوادر إلى الخبرات اللازمة، وفق الخبير عماد شحود.

اجتماع في الكلية الحربية بحمص (أرشيف وزارة الدفاع السورية)

ويأتي إحداث جامعتين للعلوم الأمنية والعلوم الدفاعية لينهي الأساليب التقليدية لتلقي العلوم الأمنية، ويحول العمل الأمني إلى تخصص أكاديمي مدني وعلمي مدروس. حيث لم تكن في سوريا «جامعة» تمنح درجات أكاديمية عليا (بكالوريوس، ماجستير، دكتوراه) في العلوم الأمنية. وبعد الإطاحة بالنظام السابق، وانهيار المؤسسات العسكرية، والأمنية، عملت السلطات الجديدة على بناء مؤسسات جديدة، وفتح باب الانتساب لقوى الأمن الداخلي، والجيش، والعمل على تأهيل المتطوعين في دورات تدريب تخصصية.

وفي عام 2025 تم إحداث الأكاديمية الوطنية للشرطة لتطوير مهارات القوانين، وحقوق الإنسان، والتحقيق الجنائي، والذكاء الاصطناعي كجزء من الهيكلة الجديدة.


هل تبدأ إسرائيل تسليم البلدات التجريبية إلى الجيش اللبناني؟

مسعفون وعناصر إنقاذ يعاينون السيارة التي استهدفت بغارة إسرائيلية في النبطية بجنوب لبنان وأدت إلى مقتل 4 أشخاص (أ.ف.ب)
مسعفون وعناصر إنقاذ يعاينون السيارة التي استهدفت بغارة إسرائيلية في النبطية بجنوب لبنان وأدت إلى مقتل 4 أشخاص (أ.ف.ب)
TT

هل تبدأ إسرائيل تسليم البلدات التجريبية إلى الجيش اللبناني؟

مسعفون وعناصر إنقاذ يعاينون السيارة التي استهدفت بغارة إسرائيلية في النبطية بجنوب لبنان وأدت إلى مقتل 4 أشخاص (أ.ف.ب)
مسعفون وعناصر إنقاذ يعاينون السيارة التي استهدفت بغارة إسرائيلية في النبطية بجنوب لبنان وأدت إلى مقتل 4 أشخاص (أ.ف.ب)

يتزامن الحديث عن استعداد إسرائيل لتسليم بلدتي فرون في قضاء بنت جبيل وزوطر الشرقية في قضاء النبطية، إلى الجيش اللبناني ضمن المرحلة الأولى من تنفيذ اتفاق الإطار، مع استمرار عملياتها العسكرية التي أدت الاثنين، إلى مقتل 4 أشخاص في النبطية الفوقا.

ويطرح هذا المشهد المتناقض تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تتجه إلى إعادة توزيع انتشارها، عبر التخلي عن بعض المواقع، مقابل الاحتفاظ بحرية العمل العسكري أو السيطرة العملياتية في مناطق أخرى.

وفي المقابل، تستعد الحكومة اللبنانية لمرحلة ما بعد الحرب، عبر تسهيل عودة الأهالي وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، فيما قدّرت التكلفة المباشرة الأولية للحرب بما بين 3 و4 مليارات دولار، من دون احتساب الخسائر الاقتصادية والأضرار غير المباشرة، ما يعكس حجم التحديات أمام عودة النازحين، واستعادة الحياة الطبيعية في الجنوب.

إعادة انتشار تجريبية... وتصعيد ميداني

وفيما يسود الترقب في لبنان لبدء الانسحاب، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بالاستعداد لتنفيذ أول انسحاب جزئي عبر تسليم بلدتي فرون وزوطر الشرقية إلى الجيش اللبناني ضمن «مرحلة تجريبية» لتطبيق اتفاق الإطار، عقب اجتماع للمجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينيت) برئاسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وذكرت «يديعوت أحرونوت» و«كان 11» أن ضباطاً من الجيشين الإسرائيلي واللبناني بدأوا، بوساطة أميركية، اتصالات لوضع معايير لما تصفه إسرائيل بـ«المنطقة الخالية من حزب الله»، بانتظار إعلان الجيش اللبناني جهوزيته للانتشار في المنطقتين وموافقة القيادة المركزية الأميركية.

مسعفون وعناصر إنقاذ في موقع استهداف سيارة بغارة إسرائيلية في النبطية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

غير أن هذه الأنباء تزامنت مع تصعيد ميداني واسع؛ إذ استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة على طريق دار المعلمين والمعلمات في النبطية الفوقا، ما أدى إلى مقتل 4 أشخاص، كما أفادت وزارة الصحة اللبنانية.

كما ألقت مسيّرتان قنبلتين على البلدة خلال أقل من ربع ساعة. ونفذ الجيش الإسرائيلي عمليات نسف في بنت جبيل وعيترون وحولا وبيت ياحون وكفرتبنيت والطيري وكونين، كما طال القصف المدفعي الإسرائيلي بلدة برعشيت تزامناً مع غارة من مسيرة.

وفي الميدان، توغلت دبابتا «ميركافا» وجرافة عسكرية من طراز «D9» من محيط ملعب بلدة حداثا باتجاه وسط البلدة، بينما أعلن الجيش الإسرائيلي فرض ما وصفه بـ«السيطرة العملياتية على البلدة، وتدمير أكثر من 90 بنية تحتية، والعثور على أكثر من 150 قطعة سلاح».

سموتريتش

في موازاة ذلك، أشار وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، أن «اتفاق الإطار يتيح لإسرائيل البقاء داخل منطقة أمنية بعمق يتراوح بين 8 و10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية إلى حين نزع سلاح (حزب الله)»، فيما قال رئيس الأركان إيال زامير، خلال جولة في قلعة الشقيف، إن «الجيش اللبناني مطالب بتنفيذ التزاماته بموجب الاتفاق، وإن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته، وسيكون مستعداً لاستئناف الهجوم إذا جرى انتهاك وقف إطلاق النار».

ويعزز هذا المشهد الانطباع بأن ما يجري لا يقتصر على انسحاب من نقطتين؛ بل قد يشكل بداية إعادة رسم لخريطة الانتشار الإسرائيلي في جنوب لبنان، تقوم على تسليم مواقع محددة للجيش اللبناني مقابل الاحتفاظ بمواقع أخرى وحرية التدخل العسكري، كلما رأت إسرائيل أن ذلك يخدم متطلباتها الأمنية.

آلية عسكرية إسرائيلية تناور داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

في السياق، قال العميد الركن المتقاعد الدكتور بهاء حلال، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحديث عن إعادة انتشار إسرائيلية في فرون وزوطر، بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية في مناطق أخرى مثل حداثا، لا ينبغي أن يُقرأ على أنه انسحاب حقيقي؛ بل بوصفه جزءاً من إعادة توزيع للانتشار يخدم أهدافاً استراتيجية بعيدة المدى، وإن المعيار ليس عدد الكيلومترات التي تتراجعها القوات؛ بل المواقع التي تحتفظ بها وقدرتها على التحكم بالنيران وجمع المعلومات وحرية التدخل».

السيطرة الانتقائية

وأضاف أن «ما يجري قد يعكس انتقالاً من الاحتلال المباشر إلى السيطرة الانتقائية، أو السيطرة على المجال العملياتي»، معتبراً أنّ «أي مرحلة تجريبية لانتشار الجيش اللبناني في فرون وزوطر، تمثل اختباراً عملياً لنموذج أمني جديد؛ إذ تقاس بنجاح الدولة في ملء الفراغ الأمني ومنع عودة التصعيد، لا بحجم إعادة الانتشار الإسرائيلية».

وأوضح أن اختيار فرون يرتبط بموقعها الجيوبوليتيكي المشرف على وادي الحجير، وبكونها أقل تعقيداً من القرى الحدودية، فيما تمثل زوطر عقدة انتقال بين الشريط الحدودي والعمق الجنوبي ومحور النبطية، ما يجعلها اختباراً لقدرة الجيش اللبناني على إدارة المجال الأمني خارج الحدود المباشرة.

شروط نجاح التجربة

ورأى أن نجاح التجربة يرتبط بأربعة عناصر: «قدرة الجيش اللبناني على الانتشار السريع وفرض الاستقرار، والتزام الأطراف بالترتيبات الأمنية، وفاعلية الآلية الأميركية والدولية في معالجة الخروقات الإسرائيلية، واستعداد إسرائيل للانتقال إلى مراحل لاحقة من إعادة الانتشار إذا نجحت التجربة، على أن يكون تقييمها من اختصاص الآلية الدولية، لا إسرائيل وحدها».

واعتبر أن «فرون وزوطر ليستا مجرد بلدتين؛ بل مختبر ميداني لنموذج أمني جديد يقوم على انتقال المسؤولية تدريجياً إلى الدولة اللبنانية تحت إشراف دولي، ونجاحه يبقى مشروطاً بوقف العمليات العسكرية والاغتيالات الإسرائيلية، ومنح الجيش اللبناني هامشاً كافياً لتنفيذ مهامه، واستمرار الضمانات الأميركية والدولية، لأن ما يجري اليوم ليس إجراءً تكتيكياً محدوداً؛ بل اختبار لقدرة الولايات المتحدة على فرض رؤيتها الاستراتيجية، ولقدرة الدولة اللبنانية على تثبيت سلطتها، ولقدرة المجتمع الدولي على تحويل التهدئة العسكرية إلى استقرار سياسي وأمني مستدام».

دبابة إسرائيلية تتمركز بمحاذاة الحدود اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ف.ب)

من جهة أُخرى، رأى العميد المتقاعد الدكتور خليل الحلو، أن أول عقبة تعترض تنفيذ الاتفاق الإطاري تتمثل في رفض «حزب الله» الانسحاب من المناطق الواقعة شمال نهر الليطاني، معتبراً أن ذلك يمنح إسرائيل الذريعة للاستمرار في عملياتها العسكرية داخل لبنان.

رفض «حزب الله»

أوضح الحلو لـ«الشرق الأوسط»، أن المنطقتين اللتين يجري الحديث عنهما بوصفهما بداية لتنفيذ الاتفاق؛ هما زوطر الشرقية شمال الليطاني، وفرون جنوبه، ورأى أن «إعلان الأمين العام لـ(حزب الله) رفض البحث في أي انسحاب شمال الليطاني يعني عملياً، وفق تقديره، أن تنفيذ الاتفاق يواجه مأزقاً منذ بدايته، لأن إسرائيل ستتمسك بموقفها القائل إنها ستواصل عملياتها طالما بقي الحزب موجوداً في تلك المناطق».

وأشار إلى أن «المعلومات المتداولة تفيد بأن رئيس لجنة آلية المراقبة الأميركية يجري اتصالات مع كل من إسرائيل والجيش اللبناني والحكومة اللبنانية، للبحث في آلية دخول الجيش إلى المنطقتين، لكنها لم تفضِ حتى الآن إلى نتيجة»، لافتاً إلى أن «موقف قيادة الجيش بعدم الدخول في أي اشتباك مع (حزب الله) يعني، إذا استمر الحزب برفض الانسحاب، أن تنفيذ الاتفاق سيبقى متعذراً».

ورأى أن استمرار الغارات والاغتيالات والعمليات الإسرائيلية يرتبط مباشرة بهذا الواقع، معتبراً «أن عدم تنفيذ الالتزامات المقابلة المنصوص عليها في الاتفاق يُبقي المبرر الذي تستند إليه إسرائيل لمواصلة عملياتها».

وتوقع الحلو أنّ «التصعيد مرشح للاستمرار ما دام ملف سلاح (حزب الله) لم يجد حلاً، أو ما لم يوافق الحزب على تسهيل تنفيذ الاتفاق»، معتبراً أن المعطيات الحالية تشير إلى وجود «طريق مسدود».