الهند تسعى بدأب لفرض نفسها قوة عالمية مؤثرة

وسط التموضعات والتحالفات السياسية والاقتصادية المعقدة

اجتماع نيودلهي لوزراء خارجية «مجموعة العشرين» (رويترز)
اجتماع نيودلهي لوزراء خارجية «مجموعة العشرين» (رويترز)
TT

الهند تسعى بدأب لفرض نفسها قوة عالمية مؤثرة

اجتماع نيودلهي لوزراء خارجية «مجموعة العشرين» (رويترز)
اجتماع نيودلهي لوزراء خارجية «مجموعة العشرين» (رويترز)

تعيش الهند موجة نشاط دبلوماسي كبير، بعد استضافتها سلسلة من اللقاءات الدبلوماسية بالغة الأهمية، منها لقاء لوزراء خارجية «مجموعة العشرين»، ووزراء المالية، وكذلك لوزراء خارجية دول «الحوار الأمني الرباعي»، المعروف اختصاراً باسم «كواد»، بجانب «حوار رايسينا». وفي حين تحرص نيودلهي على تحقيق توازن دقيق للغاية ما بين تعزيزها روابطها مع الولايات المتحدة وحلفائها، وترددها تجاه انتقاد روسيا بسبب الحرب في أوكرانيا، اختتمت أخيراً فعاليتين على صلة بـ«مجموعة العشرين». وجاء هذا بمثابة اختبار للدبلوماسية الهندية، في وقت ينقسم العالم فيه إلى معسكرين. وجاء الانقسام بين دول غربية تقودها الولايات المتحدة والحلف الروسي - الصيني، ليقوّض محاولة الهند بناء إجماع داخل اجتماعات وزراء خارجية ومالية دول «المجموعة». وشهد «اجتماع نيودلهي» لـ«مجموعة العشرين»، الذي جمع ممثلين عن أكثر 20 اقتصاداً متقدماً على مستوى العالم، تبادل عبارات حادة بين وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، ووزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، وعدد من وزراء الخارجية حول أوكرانيا. وفي الوقت ذاته، استمر التوتر مع الصين بسبب ملحمة بالونات التجسس، مع أن رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، حث، في كلمته الافتتاحية، ورغم اعترافه بالانقسامات القائمة بين الدول الأعضاء في «المجموعة»، قادةَ الدول الأعضاء على التعاون بما يخدم مصالح العالم بشكل أوسع.
لقد توجه إلى الهند، التي تتقلد رئاسة «مجموعة العشرين»، هذا العام، أكثر من 40 مسؤولاً، بينهم وزراء خارجية جميع الدول الأعضاء تقريباً في المجموعة. وكانت هذه المرة الأولى التي يشهد فيها اجتماع وزراء خارجية «مجموعة» مثل هذا العدد الكبير من الدول. والملاحَظ هنا أن القيادة الهندية تحاشت حتى اللحظة توجيه انتقادات مباشرة لـ«الكرملين»، بسبب الحرب الدائرة في أوكرانيا، وقاومت ضغوطاً غربية لاتخاذ موقف حاسم إزاء الحرب. والمعروف أن روسيا والهند تتشاركان في علاقات تقوم على الثقة، تمتد لعقود، منذ تأسيس هذه العلاقات إبان حقبة «الحرب الباردة»، كما كانت روسيا صديقة للهند خلال سنوات الفقر الصعبة التي جابهتها الأخيرة في خمسينات وستينات القرن الماضي، ووفرت لها تكنولوجيا منعها عنها الغرب، في بعض الأحيان.

بلينكن (رويترز)

«مجموعة العشرين»
تجدر الإشارة إلى أن «مجموعة العشرين» شُكّلت أثناء الأزمة المالية الآسيوية، عام 1999، لتغدو منتدى لمناقشة القضايا الاقتصادية والمالية العالمية الملحَّة، وضمان التعاون بين الدول المتقدمة والنامية. وكان الهدف من تشكيل «المجموعة»، في بادئ الأمر، التعامل مع الأزمة المالية التي وقعت عام 1999، مع التركيز على وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية. إلا أنه، بمرور السنوات، اتسع جدول أعمال «المجموعة»، وغدت اليوم تتصدى لأزمات عدة، منها خطر أزمة الغذاء والنقص في الطاقة والتغيرات المناخية الحادة والجوائح الصحية... وأخيراً تداعيات الحرب الأوكرانية.
في المجمل، تتألف «مجموعة العشرين» من 19 دولة، فيها قرابة 85 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، و75 في المائة من التجارة العالمية. ولم يكن من المثير للدهشة أن يكون لقاء «المجموعة» في جزيرة بالي الإندونيسية، العام الماضي، الأضخم في تاريخها، وربما أكثر لقاءاتها من حيث المشاحنات والجدالات.

غياب البيانات المشتركة
في نيودلهي، رفضت روسيا والصين دعم «إعلان بالي»؛ ما ترك الهند في مواجهة مهمة شاقة تتمثل في محاولة تحقيق اتفاق حول قضية أوكرانيا، عبر محاولة تحقيق توازن دقيق بين الغرب، الذي يصر على توجيه انتقادات صارمة لموسكو، من جهة، وروسيا والصين، من جهة أخرى؛ إذ اعترض الصينيون والروس على فقرتين اقتُبِستا من الإعلان السابق لـ«المجموعة» في بالي العام الماضي. وتنص الفقرتان على أن «الحرب في أوكرانيا تسبب معاناة بشرية هائلة، وتفاقم النقاط الهشة في الاقتصاد العالمي»، بجانب التأكيد على الحاجة إلى الالتزام بالقانون الدولي، وعلى أن «استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية أمر غير مقبول». وفي أعقاب اللقاء، قال وزير الشؤون الخارجية الهندي، إس جيشينكار، معلّقاً: «كانت هناك خلافات حول الصراع بأوكرانيا تعذّرت تسويتها». وأضاف أنه بينما كان هناك إجماع حول «إعلان بالي»، شعرت بعض الدول بأنه لا يمكن الاستنباط منه، في إشارة إلى روسيا والصين. وتابع موضحاً أنه بينما كان هناك إجماع حول 95 في المائة من القضايا، لم يمتد هذا الإجماع ليشمل الفقرتين سالفتَي الذكر... «لم يكن الجميع متفقين حول هاتين الفقرتين». وبالتالي، انتهى الأمر بإصدار وثيقة نتائج.
من جهته، ردَّد أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأميركي، الموقف الهندي، فقال: «ما شهدناه وثيقة النتائج التي عكست ما جرى الاتفاق عليه بخصوص كثير من القضايا من قِبَل جميع وزراء الخارجية». وأردف أنه كان هناك إجماع واسع حول الحرب الروسية - الأوكرانية داخل «مجموعة العشرين» باستثناء دولتين وصفهما بـ«المنعزلتين» و«العنيدتين». وأشار صراحة إلى روسيا والصين باعتبارهما الدولتين المقصودتين.
ما يُذكر أنه، قبل اجتماع وزراء الخارجية، استضافت مدينة بنغالور، التي توصف بـ«سيليكون سيتي» الهند، اجتماعاً لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية. وفيه رفض الروس والصينيون أيضاً قبول اللغة المستخدَمة في الحديث عن الحرب الأوكرانية التي كان قد تم الاتفاق عليها منذ أكثر بقليل من 3 شهور في بالي. وعليه، شعرت وزيرة المالية، نيرمالا سيثارامان، بتقييد لم يمكّنها من إصدار سوى موجز ووثيقة نتائج، بدلاً من بيان مشترك. وعلقت على الأمر بقولها: «أحد النجاحات التي حققتها المفاوضات، خصوصاً فيما يتعلق بالموجز ووثيقة النتائج، الوصول لموقف مشترك تجاه لغة الدَّين... من المهم التأكيد على هذا الأمر، لأن الدول الضعيفة تتطلع نحو بعض الحلول للتخفيف من أعباء الديون عليها». ثم أضافت: «هناك 4 دول (تشاد وغانا وسورينام وسريلانكا) ستستفيد من وراء اتفاق (مجموعة العشرين) على لغة مشتركة إزاء تسوية الديون، وجارٍ العمل على هذا الأمر بالفعل فيما يخص هذه الدول».
وفي الوقت ذاته، لم يجرِ التقاط الصورة المعتادة للحضور في نيودلهي، مع رفض ممثلي «مجموعة الدول السبع العظمى» التشارك في إطار صورة مع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، وفق مصادر.
ويُعد هذا تكراراً لما حدث في اجتماع وزراء الخارجية في بالي عام 2022، وهنا قال المحلل سوشانت سارين معلقاً: «مع أن الاجتماعين شكَّلا بداية وعرة لفعاليات (مجموعة العشرين) في الهند، لا يزال الطريق طويلاً أمام قمة الزعماء في سبتمبر (أيلول). والحقيقة أن إخفاق المفاوضين الهنود في إقناع نظرائهم الروس والصينيين بالتوقيع على الإعلان المشترك الصادر في بالي يُعد انتكاسة، الأمر الذي يعني أن على نيودلهي بذل مجهود دبلوماسي كبير خلال الأشهر القليلة المقبلة، لضمان خروج قمة (مجموعة العشرين) ببيان مشترك في سبتمبر»، ثم أضاف: «تركت مشاعر الكراهية الموجودة في صفوف (مجموعة العشرين) الهند في موقف لا تُحسَد عليه، ويحتِّم عليها محاولة التوفيق بين مواقف من الواضح أنه من المتعذَّر التوفيق بينها». ولكن، في حين حولت موسكو موقفها تماماً تجاه «إعلان بالي» بخصوص أوكرانيا، تمكنت حكومة مودي من إنقاذ كلتا الفعاليتين، من خلال إصدار «وثيقة نتائج»، مع الإشارة إلى الاختلافات على نحو منفصل في وثيقة الموجز.
وحول هذا الجانب، قال كانوال سيبال، وزير خارجية الهند السابق: «رغم الصعاب، نجحت الهند في إنجاز مهمتها المستحيلة. ومع أن الاجتماع انتهى من دون إصدار بيان مشترك، جراء غياب الإجماع بين الأطراف المشاركة حول الصراع الأوكراني - الروسي، ظلَّت الهند قادرة على استغلال الحدث في استعراض نفوذها المتنامي عبر العالم. وإذا نحينا جانباً الخلاف بين الغرب، من جهة، وروسيا والصين، من جهة أخرى، حول إصدار بيان مشترك، فسنجد أن الهند تمكّنت من تحقيق إجماع حول جميع القضايا الأخرى تقريباً، بما في ذلك اتخاذ إجراءات لمكافحة التغيرات المناخية وحماية التنوع البيئي والقضايا المتعلقة بالنوع والتقنيات الجديدة الناشئة وما إلى ذلك. لقد كان ذلك بمثابة نصر دبلوماسي هائل للهند أظهرت خلاله براعة دبلوماسية هائلة بخروجها بوثيقة نتائج من كل من اجتماعي وزراء مالية (مجموعة العشرين) في بنغالور واجتماع وزراء خارجية (المجموعة) في نيودلهي. وبالفعل، اتفق وزراء مالية (مجموعة العشرين) على 15 من إجمالي 17 فقرة في وثيقة النتائج، واتفق وزراء خارجية (المجموعة) على 22 من 24 فقرة في وثيقة النتائج. وبالتالي، مسألة نجاح الهند في الخروج بنص مكتوب متفَق عليه تُعدّ في حد ذاتها دليلاً على مصداقيتها وقيمتها في إطار النظام العالمي الجديد».

لافروف (رويترز)

اللقاء الروسي - الأميركي: ما وراء دبلوماسية الهاتف
في سياق موازٍ، يهنئ المعلقون الهنود أنفسهم على ما يعتبرونه «نجاح» دبلوماسية بلدهم في تحقيق لقاء الوزيرين بلينكين ولافروف وجهاً لوجه، لأول مرة منذ اشتعال الحرب في أوكرانيا؛ إذ لم تكن بينهما حتى اللقاء سوى المحادثات الهاتفية. وهنا يقول البروفسور راجان كومار، من كلية الدراسات الدولية في جامعة جواهرلال نهرو، إنه «رغم تعذر الخروج بنتيجة من اللقاء، تبقى مثل هذه اللقاءات مهمة، لأنها تسهم في خفض درجات التوتر، وخلق مناخ مناسب لعقد مباحثات مستقبلاً. ومن المحتمل أن يكون اتفاق الرجلين نابعاً من عدم رغبتهما في إثارة ضيق نيودلهي... أو ربما رغب كل منهما في أن يظهر أمام جمهوره بمظهر المستعد للدخول في مباحثات من دون تفريط في أي من النقاط الجوهرية التي يتمسك بها. وعلاوة على ذلك، يشعر الرجلان بالقلق من أن أي تعطل خلال اجتماع (مجموعة العشرين) سيخلف تداعيات أوسع على قضايا أخرى، مثل الغذاء وإمدادات الطاقة والاتفاقات النووية والتغيرات المناخية».

اجتماع «كواد» على هامش أعمال «مجموعة العشرين»
> استضافت الهند أخيراً اجتماع وزراء خارجية «الحوار الأمني الرباعي» المعروف اختصاراً باسم «كواد»، وذلك على هامش اجتماعات «مجموعة العشرين». وخلال هذا الاجتماع وجه وزراء الخارجية انتقادات صريحة للصين، بسبب تموضعها العدواني على نحو متزايد ببحر الصين الجنوبي، ونفوذها المتزايد في المنطقة. كذلك أعلن عن تشكيل مجموعة عمل لمكافحة الإرهاب. والمعروف أنه، منذ سبتمبر (أيلول) 2019 وحتى مارس (آذار) 2023، التقى وزراء «كواد» 5 مرات على نحو شخصي، ومرة واحدة على نحو افتراضي. ومع ذلك، فإن وضع الهند في هذا الإطار لافت جداً؛ فهي، من جهة، الدولة الوحيدة غير الحليفة للولايات المتحدة داخل «كواد»، ومن جهة ثانية، تشارك تجمعات تقودها روسيا والصين، مثل «منظمة شنغهاي للتعاون» ومجموعة «بريكس» (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا).
البيان المشترك لاجتماع «كواد» ضمن (كما كان متوقَّعاً) إشارات ضمنية للتصرفات العدوانية من جانب الصين في منطقة جوارها. ونص على «أهمية الالتزام بالقانون الدولي، حسبما ورد في ميثاق الأمم المتحدة لقانون البحار، ومواجهة التحديات أمام النظام البحري القائم على القواعد، بما في ذلك داخل بحرَيْ الصين الجنوبي والشرقي». وتابع باسم الدول الأعضاء: «نعارض بشدة أي إجراءات انفرادية تسعى لتغيير الوضع القائم أو تأجيج التوترات بهذه المنطقة. ونعرب عن قلقنا العميق تجاه إضفاء صبغة عسكرية على الخلافات، والاستخدام الخطير لسفن خفر السواحل وميليشيا بحرية، وجهود تعطيل نشاطات دول أخرى في التنقيب لاستغلال مواردها الواقعة خارج سواحلها».
وبطبيعة الحال، رفض الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الصيني، البيان، وقال: «نعتقد أن التعاون بين دولة وأخرى ينبغي أن يكون متسقاً مع اتجاه السلام والتنمية، بدلاً عن إقامة كتل إقصائية».

مودي (د.ب.أ)

الهند و«جنوب» العالم و«مجموعة العشرين»
> بعد تولي الهند رئاسة «مجموعة العشرين»، أكدت القيادة في نيودلهي اعتزامها السعي لطرح آمال دول «الجنوب العالمي» المتعلقة بعدد من القضايا الاقتصادية المهمة، التي غالباً ما تتعرض للتهميش. ويُشار إلى أنه جرت العادة على استغلال مصطلح «الجنوب العالمي» للإشارة إلى الدول النامية أو تلك التي تجابه صعوبات اقتصادية.
والواقع، أن نيودلهي، راهناً، تطرح نفسها زعيمةَ الدول الناشئة والنامية، في حين تشهد أسعار الغذاء والطاقة ارتفاعاً عالمياً هائلاً، جراء الحرب الأوكرانية التي تعصف بالمستهلكين، ويكافح هؤلاء أساساً للتعامل مع ارتفاع التكاليف والتضخم. ويأتي هذا الموقف الهندي رغم أن كثيرين خالجهم، منذ بعض الوقت، اعتقاد بأن فكرة «صوت الجنوب» قد ولى عهدها، في ظل عالم متعولم باستمرار، وتسعى خلاله كثير من الدول النامية إلى تحطيم الحواجز بينها وبين الغرب.
لقد شكّلت هذه الفكرة بالذات محور الخطاب الافتتاحي الذي ألقاه رئيس الوزراء، ناريندرا مودي، خلال اجتماع «مجموعة العشرين»، عندما سلط الضوء على التحديات الاقتصادية الجوهرية التي تجابهها الدول النامية. ومما قاله مودي: «تكافح كثير من الدول النامية في وجه ديون غير مستدامة، بينما تحاول العمل على ضمان أمن الغذاء والطاقة لشعوبها. أضف إلى ذلك أن هذه الدول نفسها الأشد تضرراً من الاحترار العالمي الذي تقف خلفه الدول الأكثر ثراءً. ولذلك، تحاول الهند خلال فترة رئاستها أن يكون لـ(الجنوب العالمي) صوت. ولا يمكن لأي مجموعة أن تدعي لنفسها دوراً قيادياً عالمياً من دون الإنصات لأكثر مَن يتأثرون بقراراتها».
وما يستحق الإشارة إليه هنا أنه في يناير (كانون الثاني) 2023 أعلن مودي (رغم أنه زعيم لحزب قومي يميني متشدد لا علاقة له بالسياسات الاشتراكية) تأسيس «مركز الجنوب العالمي للتميز». كذلك تجدر الإشارة إلى أن القمتين المقبلتين لـ«مجموعة العشرين»، مقرَّر عقدهما في البرازيل (2024) وجنوب أفريقيا (2025)، الأمر الذي يوحي بأن هذه المنصة لن تخضع بسهولة للرؤية الغربية تجاه الشؤون العالمية.
وحالياً، تشعر دول عديدة بالضيق بسبب الضغوط التي يمارسها عليها الغرب، وترى وجود فرص اقتصادية في علاقاتها بروسيا. وحتى اللحظة، تجنبت أعداد متزايدة من دول أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية الضغوط الصادرة عن واشنطن لكي تقطع علاقاتها مع روسيا. وكان هذا الرفض والتجنب السبب وراء إطلاق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تصريحاته القوية بخصوص شعوره بـ«الصدمة» إزاء فقدان الغرب مصداقيته. وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية البرازيلي، ماورو فييرا، خلال «مؤتمر ميونيخ للأمن»: «لا يمكن أن نستمر في الحديث عن الحرب فقط».
ومن جهتها، قالت إليزابيث سيديروبولوس، رئيسة «معهد جنوب أفريقيا للدراسات الدولية» قبل وقت قريب: «ثمة شعور بأن الحلفاء الغربيين لأوكرانيا يحاولون اختطاف منتدى «مجموعة العشرين» على حساب قضايا جوهرية، مثل العمل على مكافحة التغيرات المناخية أو تناول قضايا التنمية بالقارة الأفريقية. وعليه، كان رد فعلهم على النحو التالي: «سنتخذ قراراتنا بأنفسنا... لا تضغطوا علينا».
من ناحية أخرى، كان مثيراً للاهتمام لقاء وزير الخارجية الصيني الجديد، تشين غانغ، ونظيره الهندي، جيشينكار، على هامش اجتماع «مجموعة العشرين» في نيودلهي. ورأى مراقبون في زيارة وزير الخارجية الصيني أنها قد تكون اختباراً لقدرة بكين على تحقيق توازن بين الغرب، بقيادة واشنطن، من جهة، وموسكو، من جهة مقابلة، في إطار حرب أوكرانيا. وتُعدّ زيارة تشين الأولى للوزير الصيني الجديد بعدما خلف سلفه وانغ يي، الذي زار الهند عام 2022، لكنه لقي استقبالاً فاتراً آنذاك بسبب غارات الصين عبر الحدود، ولم يصدر إعلان رسمي بخصوص الزيارة. ولم يتمكن الوزير الصيني السابق (يومذاك) من لقاء رئيس الوزراء الهندي، مودي.


مقالات ذات صلة

11 قتيلاً في تسرب للغاز بمنطقة صناعية بالهند

العالم 11 قتيلاً في تسرب للغاز بمنطقة صناعية بالهند

11 قتيلاً في تسرب للغاز بمنطقة صناعية بالهند

قتل 11 شخصاً بعد تسرب للغاز في الهند، حسبما أعلن مسؤول اليوم (الأحد)، في حادثة صناعية جديدة في البلاد. ووقع التسرب في منطقة جياسبورا وهي منطقة صناعية في لوديانا بولاية البنجاب الشمالية.

«الشرق الأوسط» (أمريتسار)
العالم الهند: مقتل 10 من عناصر الأمن في هجوم لمتمردين ماويين

الهند: مقتل 10 من عناصر الأمن في هجوم لمتمردين ماويين

قُتل عشرة من عناصر الأمن الهنود وسائقهم المدني في ولاية تشاتيسغار اليوم (الأربعاء) في انفجار عبوة ناسفة لدى مرور مركبتهم، حسبما أكدت الشرطة لوكالة الصحافة الفرنسية، متهمة متمردين ماويين بالوقوف وراء الهجوم. وقال فيفيكانند المسؤول الكبير في شرطة تشاتيسغار «كانوا عائدين من عملية عندما وقع الانفجار الذي استهدف مركبتهم».

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
يوميات الشرق «الصحة العالمية» تُحذر من دواء آخر للسعال مصنوع في الهند

«الصحة العالمية» تُحذر من دواء آخر للسعال مصنوع في الهند

قالت منظمة الصحة العالمية إنه تم العثور على مجموعة من أدوية الشراب الملوثة والمصنوعة في الهند، تحديداً في جزر مارشال وميكرونيزيا. وحذرت المنظمة من أن العينات المختبرة من شراب «غيوفينسين تي جي» لعلاج السعال، التي تصنعها شركة «كيو بي فارماشيم» ومقرها البنغاب، أظهرت «كميات غير مقبولة من ثنائي إيثيلين جلايكول وإيثيلين جلايكول»، وكلا المركبين سام للبشر ويمكن أن يكونا قاتلين إذا تم تناولهما. ولم يحدد بيان منظمة الصحة العالمية ما إذا كان أي شخص قد أُصيب بالمرض. يأتي التحذير الأخير بعد شهور من ربط منظمة الصحة العالمية بين أدوية السعال الأخرى المصنوعة في الهند ووفيات الأطفال في غامبيا وأوزبكستان.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
العالم الأمم المتحدة تتوقع تفوق الهند على الصين من ناحية عدد السكان

الأمم المتحدة تتوقع تفوق الهند على الصين من ناحية عدد السكان

أعلنت الأمم المتحدة اليوم (الاثنين)، أن الهند ستتجاوز الأسبوع المقبل الصين من ناحية عدد السكان، لتغدو الدولة الأكثر اكتظاظاً في العالم بنحو 1.43 مليار نسمة. وقالت إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة إنه «بحلول نهاية هذا الشهر، من المتوقع أن يصل عدد سكان الهند إلى 1.425.775.850 شخصاً، ليعادل ثم يتجاوز عدد سكان البر الرئيسي للصين». وطوال أكثر من مائة عام، كانت الصين الدولة الأكثر سكاناً في العالم، تليها الهند في المرتبة الثانية على مسافة راحت تتقلّص باطراد في العقود الثلاثة الأخيرة. ويأتي ذلك رغم غياب إحصاءات رسمية لعدد السكان في الهند منذ أواخر القرن الماضي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم اعتقال «انفصالي» من السيخ في الهند

اعتقال «انفصالي» من السيخ في الهند

أفاد مسؤول في شرطة ولاية البنجاب الهندية، اليوم (الأحد)، بأن قوات من الأمن ألقت القبض على «الانفصالي» المنتمي للسيخ أمريتبال سينغ، بعد البحث عنه لأكثر من شهر، في خطوة ضد إقامة وطن مستقل في الولاية المتاخمة لباكستان. وأدى بزوغ نجم سينغ (30 عاماً)، وهو واعظ بولاية البنجاب الشمالية الغربية حيث يشكّل السيخ الأغلبية، إلى إحياء الحديث عن وطن مستقل للسيخ. كما أثار مخاوف من عودة أعمال العنف التي أودت بحياة عشرات الآلاف في الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضي أثناء تمرد للسيخ. وقال مسؤول كبير بشرطة البنجاب لصحافيين: «ألقي القبض على أمريتبال سينغ في قرية رود بمنطقة موجا في البنجاب، بناء على معلوم

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.