موسيقى فبراير... بين ورود الحب وسواد الزلزال

أنغام وناصيف زيتون
أنغام وناصيف زيتون
TT

موسيقى فبراير... بين ورود الحب وسواد الزلزال

أنغام وناصيف زيتون
أنغام وناصيف زيتون

خلَّفت كارثة الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا مطلع فبراير (شباط) الجاري آثاراً على الساحة الموسيقية، فارتأى عدد من فناني العالم العربي تأجيل حفلاتهم وإصداراتهم. غير أن النغمات الرومانسية وجدت طريقاً للاحتفاء بعيد الحب، فصدرت بعض الأغاني في المناسبة.

«خليني شوية معاك»... أنغام

وسط مهرجان من الأزهار أطلّت الفنانة المصرية أنغام عشية عيد الحب، مُطلقة أغنية «خليني شوية معاك». الأغنية التي تحتفي بقصة حب جميلة، كتب كلامها أمير طعيمة ولحّنها خالد عز، أما الفيديو كليب فمن إخراج عادل جمال. اعتمد الفيديو المرافق للأغنية البساطة، مكتفياً بورود الحب زينة، وقد رافق أنغام فيه الممثل اللبناني صالح عبد النبي.

لكن ما هي إلا أيام حتى انقلب الديكور الزهري سواداً؛ إذ أصدرت أنغام أغنية ثانية حملت عنوان «نسينا نعيش» من كلمات جمال الخولي وألحان سهم. في الفيديو كليب الذي وقّعه المخرج نفسه، تبدو الحكاية تتمّة لـ«خليني شوية معاك». لكن هذه المرة الصورة سوداء وبيضاء، أما الرومانسية فقد توارت لتحلّ مكانها الخلافات بين أنغام وعبد النبي الذي يتابع أداء دور حبيب أنغام.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by Angham (@anghamofficial)

«بطّمن عليك»... عمرو دياب

بأغنية تعيد إلى الأذهان كلاسيكياته المحبوبة، احتفى الفنان المصري عمرو دياب بعيد الحب. فور صدورها احتلّت «بطّمن عليك» مراتب متقدمة في عدد من الدول العربية، وهي من كلمات عزيز الشافعي وألحانه.
ولا تزال الأغنيات الثلاث التي أصدرها دياب مؤخراً: «مضحوك علينا»، و«سينغل»، و«ما تيجي نفك»، تحظى بعدد كبير من الاستماعات حسب قوائم تطبيق «أنغامي» المتفرّد منذ فترة بحصرية بث أغاني الفنان المصري.

«قادر أكمّل»... أحمد سعد

يواصل الفنان المصري أحمد سعد مسيرة النجاح الموسيقي، ومهما تنوّعت أمزجة الأغاني التي يقدّمها مؤخراً، فهو يلاقي إعجاب المستمعين. في «قادر أكمّل» التي كتبها أمير طعيمة ولحّنها سعد نفسه، يعتمد المزاج الهادئ. وقد بدا واضحاً أن مضمون الأغنية موجّه إلى زوجته؛ ففي فيديو نشره على «إنستغرام»، شاركته الإطلالة خلال أدائه مقطعاً من «قادر أكمل».

«يا غرام»... زياد برجي

إذا كانت كل أغنية يصدرها الفنان اللبناني زياد برجي هي بحد ذاتها مناسَبة للاحتفاء بالعواطف، فكيف بالحرِي تكون تلك الأغنية التي تصدر بالتزامن مع عيد الحب؟ كهدية للمغرمين، أطلق برجي أغنية «يا غرام» التي كتبها أحمد ماضي ولحّنها برجي خلال 13 ساعة حسبما أعلن. وفي حفله الذي أقامه بمناسبة عيد الحب، قدَّم برجي الأغنية للمرة الأولى على المسرح، شاكراً مَن شاركوه السهرة، على الرغم من الظروف الصعبة التي خلّفها زلزال تركيا وسوريا.


الفنان اللبناني زياد برجي
«حبيبي خلص»... هبة طوجي

كان الشهر حافلاً بالنسبة للفنانة اللبنانية هبة طوجي، على المستويين الشخصي والفني. فقد استقبلت مولودتها الجديدة ريتا آيا، وأطلقت أغنية «حبيبي خلص» التي وصفتها بالواقعية والصادقة. وفي فيديو نشرته عبر حسابها على «إنستغرام»، تحدّثت طوجي عن الأغنية قائلة إنها تهديها لكل امرأة تعرّضت للخيانة، أو الظلم، أو التحكّم من قبل شريكها.
تميّز الفيديو كليب الذي رافق «حبيبي خلص» بجرأته، وقد صُوّر في باريس، أما اللحن والكلام فهما من تأليف أنطوني خوري. والأغنية هي الثانية من ألبوم طوجي المرتقب الذي يعدّه ويشرف على تفاصيله الفنان والمنتج الموسيقي أسامة الرحباني.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by Hiba Tawaji (@hibatawaji)

«بديت أطيب»... ماجد المهندس

بالتوازي مع حملة تسويقية ضخمة شملت الرياض ودبي، أطلق الفنان ماجد المهندس ألبومه الجديد «بديت أطيب» من إنتاج شركة «روتانا». والألبوم الذي يضم 9 أغانٍ، تعاون فيه المهندس مع نخبة من الشعراء والملحّنين، معتمداً اللهجة الخليجية وإيقاعاتها في مختلف الأغاني.


غلاف ألبوم الفنان ماجد المهندس
«كون»... جوزيف عطية

بعد انقطاع 5 أشهر عن الإصدارات، وانشغاله بالحفلات والجولات العالمية، أطلق الفنان اللبناني جوزيف عطية أغنية جديدة بعنوان «كون». حمل العمل الطابع الكلاسيكي الهادئ الذي يميّز هوية عطية الغنائية. أما اللحن فهو لجمال ياسين ورامي شلهوب الذي تولّى كذلك كتابة الكلام. وقد نشر عطية عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي لقطات من خلف كواليس الفيديو كليب الذي أخرجَه سامي بساط.

«شكر خاص»... بهاء سلطان

في وقت لا تزال فيه أغنيته «بالراحة يا شيخة» تتصدر أرقام الاستماعات في معظم الدول العربية، أطلق الفنان المصري بهاء سلطان أغنية «شكر خاص» التي تعاون فيها مع الشاعر خالد تاج الدين والملحن وليد سعد.
وإذ يكثّف سلطان إصداراته واضعاً صوته على مجموعة من شارات المسلسلات وأغاني الأفلام، يستعد لإحياء حفل الشهر المقبل في الكويت، إلى جانب الفنان جورج وسوف.

«ستنتهي الحرب»... كارول سماحة

بعيداً عن الأغاني ذات الطابع العاطفي، أعلنت الفنانة كارول سماحة إصدار ألبوم يضم 12 أغنية من شعر محمود درويش. وقد افتتحت سماحة المشروع الذي يحمل عنوان «الألبوم الذهبي» بأغنية «ستنتهي الحرب»، مرفقة إياها بفيديو كليب من إخراج باسل ناصر.
وفي وقت واصلت فيه سماحة تشويق جمهورها إلى ما هو مقبل من أغانٍ، تضاربت المعلومات بشأن كلمات «ستنتهي الحرب»؛ إذ أكد عدد من الصحافيين ومتابعي الشأن الأدبي، أن القصيدة ليست من شعر درويش؛ بل متداولة تحت اسمه على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.


"الألبوم الذهبي"، كارول سماحة
«دنيا من السواد»... ناصيف زيتون

في رسالة إلى وطنه المنكوب، غنّى الفنان السوري ناصيف زيتون «دنيا من السواد»؛ العمل الذي ألّفه إيفان نصوح حمل معاني مؤثرة، وأُرفق بلقطات من مشاهد الزلزال الذي ضرب المنطقة.
ومنذ تلك الفاجعة، أوقف زيتون أنشطته على وسائل التواصل الاجتماعي، مكتفياً بنشر مقاطع من الأغنية. وهذه ليست المرة الأولى التي يتفاعل فيها زيتون غنائياً مع كوارث إنسانية، فقد سبق أن غنّى لبيروت بعد التفجير الذي أصابها في أغسطس (آب) 2020.

TQG... شاكيرا وكارول جي

على ضفة الموسيقى الغربية، واصلت الفنانة الكولومبية من أصل لبناني، شاكيرا، انتقامها الموسيقي من شريكها السابق ووالد طفليها، لاعب كرة القدم الإسباني جيرار بيكيه. وبعد الأغنية التي صدرت الشهر الماضي، تعاونت شاكيرا هذه المرة مع المغنية كارول جي. وتقول بعض كلمات الأغنية: «رؤيتك مع الفتاة الجديدة أوجعتني، أما الآن فقد نسيت ما عشناه معاً، وهذا ما يزعجك».

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by Shakira (@shakira)



«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.