«فاشن ري إيماجيند»... وثائقي يكشف الوجه المُعقّد للموضة

أسبوع لندن لخريف وشتاء 2023 ينطلق برحلة بحث عن «الاستدامة بمفهومها المتكامل»

المصممة أيمي باوني في بيرو للبحث عن صوف الألبكا
المصممة أيمي باوني في بيرو للبحث عن صوف الألبكا
TT

«فاشن ري إيماجيند»... وثائقي يكشف الوجه المُعقّد للموضة

المصممة أيمي باوني في بيرو للبحث عن صوف الألبكا
المصممة أيمي باوني في بيرو للبحث عن صوف الألبكا

كلمة «استدامة» باتت مستهلكة. الكل يتحدث عنها، والقليل يطبقها. مُشكلتها أن كلاً يفهمها وفق هواه ويُغني عليها بالإيقاع الذي يناسبه. وهذا ما تؤكده المصممة أيمي باوني، مؤسسة علامة «ماذر أوف بيرل»، في فيلم يسجل رحلة بحثها عن «الاستدامة المتكاملة»؛ من المواد والخامات، إلى العمالة، وكيف يتم التعامل معها. بالنسبة إليها؛ من واجب المصمم أو الشركة المُنتجة أن تُعرّف المستهلك بمصادرها وكل مراحل إنتاجها وتوريدها إلى أن تصل إلى المحال لتصبح في متناول يده. مجرد القول إنها مصنوعة من مواد مستدامة أو أعيد استعمالها ليس كافياً. الفيلم الذي استغرق تصويره 5 سنوات، عُرض خلال «أسبوع الموضة البريطاني» في صالة خاصة لباقة من وسائل الإعلام والشخصيات المهتمة بالموضة، على أن يُعرض للجمهور في صالات السينما ابتداء من 3 مارس (آذار) المقبل، كما سيُبث على قناة «سكاي». «فاشن رياماجيند (Fashion Reimagined)» هو عنوان الفيلم، وهو برؤية المصممة أيمي من البداية إلى النهاية. «الشرق الأوسط» حضرت العرض الأول لتُصدم بحقيقة أن زواج «الموضة» و«الاستدامة» مُعقد للغاية. يتخلله كثير من التحديات، إن لم نقل العقبات. يلتقيان في الغاية؛ بحُب كل ما هو أنيق وجذاب، ويتباعدان في الوسيلة؛ أي التطبيق والتنفيذ.

باوني في حقول الأنديز

أيمي باوني حالياً واحدة من بين عدد قليل من المصممات المناهضات للموضة بثقافتها المبنية على الاستغلال. استغلال الطبيعة واليد العاملة على حد سواء، وبالتالي فإنها تعدّ هذا الفيلم جزءاً من مسؤوليتها لزيادة الوعي بمفهوم الاستدامة من كل زواياها ومفاهيمها. النتيجة التي توصلت إليها في هذه الرحلة أن الموضة لا تزال تحبو أولى خطواتها في هذا المجال... تترنح حيناً وتسقط كثيراً. فكرة الفيلم؛ كما تحكيها أيمي باوني، جاءت صدفة عندما فازت في عام 2017 بجائزة «أحسن مصممة صاعدة» من «مجلس الموضة البريطاني» ومجلة «فوغ». عند تسلمها الجائزة؛ تعهدت أمام الجميع بأنها لن تستعمل المنحة لتوسيع علامتها؛ بل لإنتاج تشكيلة مستدامة بالكامل، تتأكد فيها من مصدر الألياف، وطرق رعي ومعاملة الخرفان التي سيُجز صوفها ويغزل؛ إلى مدى توفر ظروف العمل الإنسانية للعاملين في حقول قطف القطن، وفي الغزل والنسيج... وغيرها.

تحرص باوني على أن تأتي كل قطعة بشكل مستدام قدر الإمكان

المخرجة بيكي هانتر، التي كانت تُصوّر الحفل لمصلحة شركة إنتاج، لم تُصدق خبراً. هي الأخرى كانت من أشد المهتمين بـ«الاستدامة» والمطالبين بأن تصبح جزءاً من حياتنا. سألت أيمي إن كان بإمكانها أن تُسجل هذه الرحلة في فيلم وثائقي. من دون تفكير وبعفوية؛ أو ربما كان رد فعل حماسياً بعد فوزها؛ وافقت أيمي. تعترف بأن تسجيل الفيلم لم يكن سهلاً، إلا إنها لم تندم على قرارها. كانت تؤمن بأن دورها في هذه الصناعة هو أن تُحدث تغييراً إيجابياً مهما كان بسيطاً.

أيمي باوني في مشغلها

الطريف في الأمر أن سيرة حياة أيمي ونشأتها لم تكن تشي بأنها ستدخل عالم الموضة. فقد وُلدت في قلب الريف البريطاني وعاشت في «كارافان» لفترة مع أختها. كان والداها ناشطين في مجالات إنسانية وحقوقية، ولا يؤمنان بالرأسمالية والحياة المادية. وهي صغيرة تعرّضت للتنمر بسبب مظهرها، مما دفع بها إلى أن تعمل في المساء بمجرد أن أسعفها الحظ، حتى تشتري ملابس وأحذية عصرية. هنا فقط تقبّلها زملاؤها في المدرسة، وهنا عرفت مدى قوة تأثير الموضة. عندما دخلت عالم الموضة تعرّضت لصراعات من نوع آخر. بغض النظر عن أنها ولدت وترعرعت في بيئة بسيطة للغاية لا تتوفر فيها أي كماليات، فإنها صُدمت لحجم الأضرار الجسيمة التي تُلحقها صناعة الأزياء والإكسسوارات بالعاملين فيها وبالبيئة. كل ذلك من أجل أن تُستهلك لموسم أو موسمين في أحسن تقدير، ثم يجري التخلص منها من دون رحمة. كمية الإنتاج هائلة تُقدر بنحو 150 مليار قطعة في العام، يكون مصير أغلبها إلى النفايات، هذا عدا ما تتطلبه عملية الإنتاج هذه من هدر واستنزاف موارد شتى؛ على رأسها المياه.
في السنوات الأخيرة، ورغم الضغوطات على صناع الموضة ومطالبة جيل الشباب بمراعاة البيئة وغيرها من القضايا الإنسانية، فإن الخطوات بهذا الاتجاه لا تزال في أولها، والطريق لإحداث تغيير شامل لا تزال طويلة؛ وفق الفيلم. كل لقطة فيه كانت مُعبّرة ومُثقلة بالمعاني والرسائل.

معطف من تشكيلتها الأخيرة وتظهر فيه لمسات اللؤلؤ والأكتاف المنسدلة التي تميزها

أخذنا إلى أوروغواي لزيارة عائلة أوتيغو، المعروفة بإنتاج صوف مستدام؛ حيث ترعى الأغنام في الحقول والهواء الطلق، ومنها إلى تلال وهضاب الأنديز في بيرو للتعرف على طرق غزل صوف الألبكا ونسجه. وأخيراً، وليس آخراً، إلى تركيا لزيارة مصنع «دينم» بطريقة مستدامة.
لكن باستثناء مصادر ومصانع قليلة، فإن الفيلم يكشف لنا عن أن كلمة «الاستدامة» أصبحت تستعمل على نطاق واسع وبشكل غير دقيق في كثير من الأحيان. فالكل ركب الموضة؛ بدليل أن عدد الأزياء والإكسسوارات التي تدّعي أنها مستدامة تتضاعف بشكل كبير منذ عام 2020، إلا إن هذا العدد المتزايد يثير الشكوك والتساؤلات... تقول أيمي باوني: «في عام 2017 رأينا بعض العلامات تستعمل عبارات مثل (الشفافية) مركّزين فقط على المصنع الذي يتعاملون معه. لكن ماذا عن المرحلة التي سبقت الوصول إلى المصنع؟ كيف قُطف القطن؟ وعلى يد من وكم أجورهم؟ كيف ترعى الأغنام والأبقار؟ وكيف جرت عملية جز صوفها ثم غزله ودباغة جلودها... وما إلى ذلك؟». هذه المراحل كانت من أكبر التحديات التي واجهت المصممة في رحلة بحثها عن «الاستدامة الكاملة». نجحت في الوصول إلى مصدر لتوفير صوف يخضع لمفهوم «الاستدامة» في أورغواي، إلا إنها فشلت في الوصول إلى من يغزله ويُصنعه في المكان عينه. كان عليها السفر إلى بيرو لتوفير ما تحتاجه، وهذا في حد ذاته مشكلة تُسبب التلوث.
تخرج من صالة العرض وأنت مُحبط؛ لأن طريق التغيير الإيجابي تبدو طويلة ومحفوفة بالتحديات، وفي الوقت ذاته تشعر بالأمل لوجود فئة تؤمن بالتغيير وتناضل من أجله. صحيح أن البنية التحتية لهذه الصناعة لا تزال في طور البناء، لكن في الوقت ذاته لم يعد من السهل الاختباء وراء أعذار واهية بالنظر إلى التطورات التي تشهدها صناعة الخامات والمواد المستدامة وزيادة وعي أصحاب مصانع الإنتاج والموردين بضرورة التغيير.
نقطة مهمة أخرى يثيرها الفيلم بتوجيهه أصابع الاتهام إلى المستهلك، وبأن جزءاً لا يستهان به من المسؤولية يقع عليه؛ لأنه الوحيد الذي بيده بأن يفرض التغيير على صناع الموضة، وأن يُخفف من الاستهلاك والجري وراء شراء الصرعات الموسمية.
لتأكيد صحة رأيها؛ استعانت بالأرقام، وبمقارنة بسيطة مع الجيل السابق، أكدت أننا نشتري ملابس وإكسسوارات أكثر من جيل الثمانينات بثلاث مرات. الخطير في الأمر؛ وفق ما جاء في الفيلم، أننا قد لا نلبس بعضها بتاتاً، أو نستعملها مرة أو مرتين على الأكثر، ليكون مصير 3 من بين 5 قطع نشتريها النفايات.
تقترح؛ في حلول أولية، شراء ما قلّ ودلّ، وارتداءه لمرات أو لسنوات كثيرة، أو شراء ملابس مستعملة. الأهم من هذا؛ أن نغير نظرتنا إلى الموضة بأن نضع الإنسان والبيئة في المرتبة الأولى.


مقالات ذات صلة

داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

لمسات الموضة داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

خرج المصمم الإيطالي داريو فيتالي من دار «فيرساتشي» بعد مجموعة واحدة. والآن عُيّن مديراً إبداعياً لخط «إمبوريو أرماني»،.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)

«عزة فهمي» تروي أخبار مصر بالمجوهرات

بالنسبة لها هناك قطع مجوهرات نختارها وأخرى هي التي تختارنا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة من عرض «رالف لورين» (أ.ب)

أسبوع نيويورك لربيع وصيف 2027 يبتسم من جديد

تزامُن انتعاش الأسبوع مع وصول ممداني إلى السلطة يجعل من الصعب فصل الموضة عن المدينة نفسها. كلاهما يتحرك بديناميكية ورغبة في استعادة المكانة المهمة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)

تعاون طال انتظاره... إيلي صعب و«إتش آند إم»

التجربةُ بالنسبة إلى إيلي صعب اكتشافٌ لقدرته على أن يمنح اسمه مساحة أكبر في الحياة اليومية...

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)

كريستينا ليون... طموح نحو العُلا بعد المتحف المصري

جمع المواهب الشابة بأسماء عالمية هو جوهر تجربة كريستينا ليون الشخصية، والمهنية، بوصفها راقصة باليه سابقة، عرفت عن قرب معنى أن تصنع الموهبة طريقها إلى الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)

داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
TT

داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

خرج المصمم الإيطالي داريو فيتالي من دار «فيرساتشي» بعد مجموعة واحدة. والآن عُيّن مديراً إبداعياً لخط «إمبوريو أرماني»، ومشرفاً على إكسسوارات «جورجيو أرماني»؛ مما يمنحه موطئ قدم أيضاً في قلب الخط الرئيسي والأهم.

ويُعدّ تعيينه أول تغيير كبير في القيادة الإبداعية لإمبراطورية «جورجيو أرماني» منذ تأسيسها عام 1975.

فقد ظل جورجيو أرماني يشرف شخصياً على التصميم والتنسيق والتوجيه الفني في مختلف أعماله حتى وفاته في سبتمبر (أيلول) 2025. ومنذ ذلك الحين، يتولى عدد من معاونيه وأفراد من عائلته، بينهم سيلفانا أرماني، رئيسة قسم الأزياء النسائية، وليو ديل أوركو، المسؤول عن الأزياء الرجالية، إدارة استوديوهات الشركة، في محاولة للحفاظ على استمرارية أعمال تبلغ قيمتها ملياري يورو.

من هو داريو فيتالي؟

داريو فيتالي... تجربة طويلة قبل دخوله «إمبوريو أرماني» (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

قبل «أرماني» و«فيرساتشي»، أمضى فيتالي 14 عاماً خلف الكواليس في «ميوميو»، حيث انتهى به الأمر إلى تولي منصب مدير التصميم والصورة للعلامة. وجاء رحيله عن «فيرساتشي» في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، بعد يومين من إتمام «برادا» استحواذها على دار الأزياء الإيطالية مقابل 1.25 مليار يورو.

قدّم مجموعة واحدة فقط، في ديسمبر الماضي، تضمنت تصاميم مرحة تتحدى القوالب التقليدية بألوانها الزاهية وتنسيقاتها المتعددة الطبقات؛ الأمر الذي أبعد «فيرساتشي» عن عنصر الإغراء الذي ارتبط بها وأعطى الأمل في عهد جديد.

وهذا ما صرّحت به سيلفانا أرماني، رئيسة تصميم الأزياء النسائية، وليو ديل أوركو، رئيس تصميم الأزياء الرجالية في «مجموعة أرماني» بالقول إن «إمبوريو أرماني» أكثر من مجرد خط أزياء؛ «إنها كيان نرتبط به بعمق، فقد تابعنا رحلتها وشاركنا فيها منذ بدايتها». ويضيفان أن تعيين فيتالي مهم جد؛ لأن المتوقع منه أن يُعبّر عن روحها باحترام وأصالة وفي الوقت نفسه ضخ دم جديد فيها، لا سيما أنه سيتمتع بمساحة شاسعة من الحرية للتجريب والابتكار.

«إمبوريو أرماني»... الخط الأصغر

يخاطب الخط عشاق الموضة ممن يتوقون لبصمات «أرماني» في التفصيل والدقة (إمبوريو أرماني)

تأسست «إمبوريو أرماني» عام 1981 لتقديم نسخة أعلى شباباً وعفوية، وأدنى مرتبة من خط الرفاهية الرئيسي؛ «جورجيو أرماني»، وبالتالي تستهدف قاعدة أوسع من عشاق الموضة. وقد توسعت لتضم بعض خطوط الشركة المتوسطة، بينها «أرماني جينز» و«أرماني كوليزوني»، بعد إعادة الهيكلة التي أجرتها الشركة عام 2017. ويأتي تعيين المصمم في وقت يواجه فيه هذا الخط ضغوطاً تجارية وحاجة إلى هوية أعلى تميزاً.

لكن اعتماد «إمبوريو» بدرجة أكبر على المنتجات ذات الأسعار الأدنى، إلى جانب شبكة توزيع تعتمد إلى حد كبير على المتاجر متعددة الأقسام ومتاجر الأزياء الرجالية الصغيرة التي تبيع علامات عدة، جعلها أكبر تعرضاً للضغوط التي أصابت القطاع المتوسط من سوق الموضة في السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها تراجع تجارة الجملة.

يتميز خط «إمبوريو أرماني» بالأناقة والتفصيل الإيطالي رغم سعره الأدنى من الخط الرئيسي (إمبوريو أرماني)

وخلال السنوات الأخيرة، حاولت الشركة إعادة «إمبوريو» إلى القيم الأساسية لـ«أرماني»: الأناقة غير المتكلفة. لتحقيق ذلك، جددت متاجرها الرئيسية، وقدمت عروضاً للأزياء ركزت على الأزياء المفصلة المريحة، بألوان متحفظة يغلب عليها الكحلي والرمادي المائل إلى البيج.

لهذا يُمثل وصوله بداية فصل جديد في تاريخ العلامة، ويفتح حواراً بين الابتكار والهوية، بما يعزز البنية الإبداعية للمجموعة ويدعم تطورها، مع الحفاظ على الرؤية الجمالية التي لطالما ميّزت اسم «جورجيو أرماني».


«عزة فهمي» تروي أخبار مصر بالمجوهرات

تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)
تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)
TT

«عزة فهمي» تروي أخبار مصر بالمجوهرات

تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)
تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)

على مدى 3 أيام، حوَّلت عزة فهمي متجراً لبيع الصحف والمجلات في لندن إلى معرض مصغر بعنوان «أخبار من مصر». كل ما فيه من تفاصيل يعكس اهتمامات المصممة الثقافية والفنية، بدءاً من اختيار المكان وصولاً إلى القطع والقصص التي يرويها المعرض.

تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)

فهي لم تختر إقامة المعرض في محلها الواقع في بيرلنغتون أركايد، ولا في فندق فخم، كما جرت عادة المصممين، بل أتت بفكرة مبتكرة حوَّلت من خلالها محلاً اعتاد الناس دخوله لشراء المجلات والصحف، الأجنبية في الغالب، إلى مساحة تُروى فيها قصص مصرية، تتلاقى من خلال مجوهرات ذات جذور تاريخية أدخلتها عزة فهمي إلى عالمها الخاص، في تماهٍ سلس بين الماضي والحاضر. لكن ما المصادر والقصص التي تقف وراء تلك القطع؟

يستعرض المعرض مجوهرات من مجموعات متنوعة (عزة فهمي)

تقول الابنة أمينة غالي، المسؤولة عن قسم التصميم حالياً، إن المعرض يستعرض هذه القصص، مع التركيز على مختلف المصادر الثقافية والتاريخية التي ألهمت مجوهرات الدار، بدءاً من الرموز المصرية القديمة، مثل زهرة اللوتس والجعران وعنخ، أو مفتاح الحياة، والكوبرا، وعين حورس، وغيرها، وصولاً إلى العمارة الإسلامية التي خلَّفتها حضارات كثيرة تعاقبت على مصر، ولا تزال حاضرة في المساجد والمعابد والقصور. وهي مصادر لا تتعامل معها عزة فهمي بوصفها مجرد عناصر زخرفية، بل تنطلق منها في رحلة طويلة من البحث والفهم.

ركن من المعرض تستعرض فيه رسمات ومصادر إلهام (عزة فهمي)

وعبر 3 فصول وغرف منفصلة خلف واجهة المحل، تنتشر صور ورسومات يدوية تشير إلى حرفية الصانع المصري، إلى جانب الدراسات المعمقة التي تجريها المصممة مع علماء المصريات والآثار، سعياً إلى فهم أعمق للرموز ومعانيها، ووضعها في سياقها الثقافي والتاريخي. وهذا الشغف بالبحث لا ينفصل عن علاقتها الشخصية بمصر، ولا عن الطريقة التي تنظر بها إلى تراثها وقصصها.

سوار يختزل الكثير من المعاني التاريخية والثقافية من كليوباترا إلى اليوم (عزة فهمي)

في أحد الأركان، مثلاً، يمكن الاستماع إلى صوت عزة فهمي نفسها وهي تحكي قصة حب لا تنتهي تربطها بمصر، قائلةً إنه «حب يجري في شرايينها». وتضيف أن مصر مصدر لا ينضب يُلهب خيال كل فنان، عبر شعرائها وموسيقييها وأيضاً حرفييها.

وتقول: «من هذا الوطن ورثنا عدداً لا يُحصى من القصص، قصص نواصل دراستها وإعادة تفسيرها ومشاركتها مع العالم»، ومن هذه الرؤية تحديداً ينطلق المعرض في رحلته.

مجوهرات عصرية لها جذور ثقافية وتاريخية (عزة فهمي)

فهو يأخذ الزائر في رحلة يتعرَّف خلالها على الرموز والمعارف الموروثة من الماضي، وصولاً إلى الروايات الشفهية، وذلك الشغف الواضح بالبحث والحرفية «فهما اللذان يُسهمان في حفظها واستمرارها، ثم انتقالها إلى الأجيال القادمة» وفق عزة فهمي.

ولعل هذا الاهتمام بالقصص الموروثة يفسر أيضاً علاقتها باللغة العربية. فمن يعرف عزة فهمي يعرف مدى عشقها للغة الضاد. تُبحر في قراءة أشعارها وتغوص في معانيها لتكون نقطة البداية لقطعة مجوهرات لا مثيل لها. قد تكون بيت شعر أو حكمة أو أمنية وما شابهها من كلمات تختزن شعوراً خاصاً.

لا تستعمل الرموز المصرية بوصفها عناصر زخرفية فحسب بل أيضاً لغة سردية (عزة فهمي)

ومن خلال المجوهرات التي تطرحها، تحرص الدار على أن تكون كل قطعة منها وسيلة لحفظ هذه القصص وإعادة روايتها، فهي «تبقى حيَّة فقط عندما نواصل نقلها إلى الأجيال القادمة بحب»، وفق قولها، مضيفة أننا نختار بعض هذه القصص، في حين بعضها يختارنا.


أسبوع نيويورك لربيع وصيف 2027 يبتسم من جديد

من عرض «رالف لورين» (أ.ب)
من عرض «رالف لورين» (أ.ب)
TT

أسبوع نيويورك لربيع وصيف 2027 يبتسم من جديد

من عرض «رالف لورين» (أ.ب)
من عرض «رالف لورين» (أ.ب)

ثمة شيء منعش في هواء أسبوع الموضة بنيويورك هذا الموسم. فالمدينة تعود إلى موعدها السنوي لربيع وصيف 2027 بنبرة أكثر تفاؤلاً وثقة. وطبعاً لا يمكننا تجاهل تأثير عمدتها زهران ممداني في زيادة هذه الثقة والتفاؤل. الرجل صاحب الابتسامة العريضة والضحكة التي تسبق أحياناً تصريحاته، وصل إلى سيتي هول حاملاً معه وعداً بمدينة أكثر حيوية. لم يُخيِّب الآمال لحد الآن، وهذه الحيوية انعكست على أسبوع سكنه الخمول في السنوات الأخيرة، وبدا فيها وكأنه يفقد ثقله في خريطة الموضة العالمية.

البرنامج الرسمي هذا الموسم أكثر امتلاءً وتفاؤلاً: نحو 70 عرضاً وتقديماً، مع عودة «تومي هيلفيغر» و«مونص» وآخرون إلى جانب أسماء جديدة مثل «كونر آيفز» و«ماغدا بوتروم» و«زالدي» ومجموعة من الأسماء الصاعدة التي تألقت مؤخراً.

واليوم، سيختتم المصمم توم براون الأسبوع، بعد غيابه عن عرض فبراير (شباط).

من عرض «كيد سوبر»... ألوان متوهجة وتصاميم تميل إلى السريالي (أ.ف.ب)

تزامُن هذه الحركة الجديدة التي يشهدها الأسبوع مع وصول ممداني إلى السلطة يجعل من الصعب فصل أسبوع الموضة عن المدينة نفسها. فبينما تتحرَّك هذه الأخيرة نحو ديناميكية ثقافية واجتماعية واقتصادي جديدة، تعمل صناعة الموضة على استعادة زخمها القديم، واسترجاع مَن هجروها من أبنائها إلى باريس بحثاً عن انتشار أكبر، مثل غابرييلا هيرست و«ذي رو» وغيرهما، مما جعل المدينة تفقد شيئاً من أهميتها في التقويم العالمي. لكن الصورة تبدو حالياً أقل قتامة وأكثر إيجابية.

ورغم أنه من السابق لأوانه الجزم بأن الأسبوع استعاد كامل عافيته هذا الموسم، يُمكن القول بأمان إن المزاج العام يُؤمن بأن القادم أفضل.

من عرض «برابال غورونغ» تصاميم تصب في خانة السهل الممتنع (أ.ف.ب)

جانب من الفضل يعود إلى زهران ممداني، الذي رفع الثقة بنيويورك، لكن السبب الرئيسي يعود إلى ما تشهده السوق الأميركية من نمو يجعل المصممين المخضرمين والشباب، على حد سواء، يرون أن المدينة باتت محطة مهمة يمكنهم الوصول من خلالها إلى العالم بسهولة. فالسوق الأميركية تُعدّ حالياً أكثر صموداً من أسواق أوروبية كانت إلى الأمس القريب مهمة؛ الأمر الذي يجعله مُغرياً لبيوت أزياء مهمة، مثل «شانيل» و«بالنسياغا» و«غوتشي» أقامت عروضاً في نيويورك هذا العام.

«رالف لورين» لا يقف عند الماضي

علامات أميركية كبيرة كثيرة استفادت من هذا النمو، وحققت إيرادات عالية، مثل «كوتش» و«رالف لورين» اللذين بدآ الأسبوع قبل انطلاق برنامجه الرسمي بيوم. فإيرادات «رالف لورين» المالية، مثلاً، تجاوزت هذا العام حاجز 8 مليارات دولار للمرة الأولى في تاريخ الشركة، لتصل إلى 8.1 مليار دولار، بزيادة 15 في المائة عن العام السابق. كان من الطبيعي وفق المتابعين أن يكون عرضه ممتعاً. لكن ما لم يكن متوقعاً أن يفاجئوهم بالجديد.

فالدار تحتفل بمرور 60 عاماً على تأسيسها، وبالتالي كان من السهل، ومن المتوقَّع، أن يتحول عرضها إلى استعراض لتاريخها من خلال استنساخ قطعاً من أرشيفها. لكن العكس حصل. لخَّصت فيه الدار المشكلة التي يمكن أن تواجه أي دار عريقة تتمسك بماضيها بطريقة عمياء، وفي الوقت ذاته، قدَّمت الحل بعدم اعتمادها عليه كليا وتحقيق التوازن.

يعتبر رالف لورين من بين أكثر المصممين الذين زيَّنوا ربطة العنق للمرأة (أ.ب)

يشرح ديفيد لورين، نجل المصمم وكبير مسؤولي العلامة التجارية والابتكار أن «هذا ليس عاماً للنظر إلى الوراء»، موضحاً أن والده كان يريد الحفاظ على الشرارة الأولى التي انطلقت منها الشركة، مع نفخ جمرها لمنحها المزيد من التوهُّج. ظهرت في المجموعة إشارتان لافتتان إلى ذلك الماضي. الأولى بدلتان نسائيتان صُنعتا في إيطاليا، في تحية إلى أول بدلة نسائية صممها رالف لورين. والثانية قميص وسترة من البروكار وربطة عنق عريضة تستعيد الذي ساهم في إطلاق خط «بولو» عام 1967. لكن الباقي كله كان موجهاً لامرأة من هذا الزمن.

لم تتجاهل «رالف لورين» ماضيها لكن لم تقف عنده (أ.ب)

تميزت المجموعة بروح مختلفة عما عودنا عليه: بناطيل واسعة منخفضة الخصر، وسترات أكثر رشاقة، وفساتين مسائية مفعمة بالرومانسية، وبدلات مصممة بدقة. طبعاً لم تتنصل الدار من جيناتها بالكامل، فقد حضر الدينم، لكن «مطلياً» أو معالجاً بتقنيات حديثة، مثله مثل بعض الأقمشة الأخرى التي خضعت لعمليات متطورة من الغسل والرسم اليدوي، فيما أدخلت عليها تأثيرات تجعلها تبدو وكأنها «فينتاج». أكّد رالف لورين أن المجموعة تدور حول «الابتكار والأصالة والشخصية».

تباينت تصاميم «رالف لورين» بين العملية والرومانسية (أ.ب)

أما قوتها بالنسبة للمستهلك، فتكمن في أنها لا تحتاج إلى تفسير. كل قطعة كانت تحكي قصتها وتسرد تاريخها مع الدار بأسلوب حيوي ومعاصر. وربما كان هذا هو التحدي الذي واجهته الدار في عامها الستين: الإبقاء على شخصيتها الأميركية واضحة وفي الوقت ذاته اعتماد لغة تصل لكل العالم والأعمار.

الأسلوب الأميركي... الحاضر القوي

لم تكن «رالف لورين» وحدها مَن أخذت هذا الاتجاه؛ فالعروض منذ بداية الأسبوع تشير إلى أنها رمت القتامة وراءها. «كوتش» التي تحتفل هذا العام بمرور 85 على تأسيسها، لم يتجاهل مصممها ستيوارت فيفيرز أن مكمن قوتها التجارية في أرشيفها وفي إكسسواراتها الجلدية تحديداً، وهو ما ترجمه في حقيبة جديدة «TurnLock Tote» استوحاها من تصميم يعود إلى السبعينات، لتتناسب مع أزياء سلسة وعملية.

دار «تومي هيلفيغر» هي الأخرى عادت إلى البرنامج الرسمي لنيويورك، بعرض في فندق «بلازا» قالت عنه في بيانها الصحافي إنه «أقرب إلى احتفال شخصي بنيويورك».

العارضة جيجي حديد وإطلالة من «تومي هلفيغر» (تومي هلفيغر)

تحوَّل الفندق الذي أقام فيه المصمم مع عائلته في سنوات سابقة إلى مسرح أعاد فيه واحدة من أكثر مفردات الموضة الأميركية وضوحا؛ الـ«بريبي». أسلوب لا يرتبط بالموضة الأميركية فحسب بل أيضاً بأسلوبه. قدَّمه هذه المرة بنسب وأحجام أكثر تحرراً وألوان أكثر جرأة، ظهرت في قمصان «أكسفورد» وبناطيل «تشينو» وقطع من التارتان و«تي - شيرتات» بولو. يشرح هيلفيغر أن نيويورك كانت ولا تزال مصدر إلهام لا ينضب بالنسبة له «فمنذ 40 عاماً، وأنا أستلهم من أسلوب أهلها، وتلك الطرق التي يتعاملون بها مع القطع الكلاسيكية، كل بأسلوبه الخاص».

العودة إلى التسعينات

دار «كالفين كلاين» تحت قيادة فيرونيكا ليوني الإبداعية، ظلت هي الأخرى وفية لأسلوب الدار المتميز بالخطوط البسيطة، لتكون واحدة من أكثر ما تم تقديمه طوال الأسبوع هدوءاً. تضمنت التشكيلة معاطف بسيطة وفساتين انسيابية مع استدعاء واضح لروح التسعينات التي ارتبطت تاريخياً باسمها، واستحضرت بشكل أو بآخر الراحلة كارولين بيسيت.

من عرض «مايكل كورس» (رويترز)

من جهتها، قدمت دار «مايكل كورس» عرضاً استند إلى الحداثة والفن، من دون أن تتحول الإحالات الفنية إلى استنساخ أو درس في تاريخ الفن. اكتفت باقتباس إشارات خفيفة تُرجمت بأسلوب يجمع النعومة بالقوة. ظهرت النعومة في التصاميم الأنثوية والمنسابة والقطع المنفصلة العملية، بينما ظهرت القوة في تصاميم مفصَّلة قال المصمم إنه استلهمها من صمود نيويورك بعد هجمات 11 سبتمبر، التي تتزامن ذكراها مع فعاليات الأسبوع في هذا الشهر من كل عام.

توري بيرش..المرح أولاً وأخيراً

التفاؤل والإيجابية اللذان تميزت بهما أجواء هذا الأسبوع ظهرا جليّاً في عرض «توري بيرش»، من خلال توليفة من الألوان تبرز فيها تدرجات المرجاني، والفيروزي، والبنفسجي، والأخضر الفاتح، والأحمر القرمزي، والأصفر الكريمي، في تباين لافت مع البني الداكن والألوان المحايدة الباردة.

من اقتراحات توري بيرش (توري بيرش)

لكن لم تنس المصممة أهمية الحفاظ على عملية التصاميم، وهو ما فسَّرته قائلة إن المجموعة تُزاوج بين «الأنوثة المترفة والعملية الأميركية مع لمسة شقاوة مستمدة من متعة الموضة نفسها وتلك المساحة التي تمنحها للعب بمفرداتها». هذه الشقاوة ظهرت في تطريزات معدنية، وسترات الصوف الطويلة بتفاصيل متموجة وملمس مخملي، إلى جانب الخيوط المنقّطة التي تضفي طابعاً مرحاً على القطع. كما تتزين الأوشحة والكرات الزخرفية بريش مصنوع يدوياً، وفق لمسات فنية، ليلتف حول الأكتاف أو الحقائب كلمسة احتفالية مفعمة بالحيوية.

إطلالة تجمع الكلاسيكي بالمبتكر (توري بيرش)

لكن، في المجموع، تميزت الأزياء بتنوع يجمع التصاميم المحاكة بطابع رياضي، والتنانير المنخفضة على الخصر، والبناطيل بخصر مشدود، والقمصان بجيوب خارجية، إلى جانب تفاصيل زخرفية أصبحت لصيقة باسم الدار. تأتي معاطف الأوبرا بقصة تحاكي المعاطف المطرية المريحة، فيما تنحرف الخياطة الحادة قليلاً عن توازنها المعتاد، لتكشف عن أناقة مدروسة بلمسات غير مألوفة.

من ناحية الأقمشة والخامات، فهناك اقتراحات كثيرة، تتباين بين أقمشة صوفية تظهر في تصاميم مستوحاة من الملابس الرجالية، ولمسات من الحرير كان الغرض منها التخفيف من صرامتها وخلق إحساس بالخفة. هناك أيضاً اقتراحات من القطن المعالج بتقنيات متطورة إلى جانب أقمشة جاكارد تحاكي ورق الجدران ببطانات من الحرير وخيوط فيل كوبيه، فضلاً عن حرير «كريب دو شين» بلمسته اللامعة.

الهشاشة والقوة كما ظهرت في عرض «كالت غايا» (كالت غايا)

ربما يكون عرض «كالت غايا» (Cult Giai) الأكثر قتامة من حيث فكرته، رغم أن هذه الفكرة لم تُترجم في الأزياء بشكل حرفي. قالت إنها مجموعة تتأمل في الحزن والصمود وما يمكن أن يحدث بعد الفقدان. تتحرك المجموعة بصرياً من الظلمة إلى الضوء؛ حيث تبدأ بألوان داكنة وترابية، ثم تتدرج نحو الأخضر والأزرق السماوي والأحمر، قبل أن تنتهي بدرجات وردية أكثر رقة ونعومة. مسار يشبه الانتقال من أرض قاحلة إلى واحة أو حديقة تتحول فيها الأورغنزا والحرير إلى أزهار نحتية مرسومة يدوياً. ورغم ما تحمله المجموعة من تناقض بين القوة والهشاشة، والقوة والنعومة، فإنها تؤكد أنه من رحم الألم يُولَد الجمال.