الجزائر لتأسيس قاعدة تعاون اقتصادي واستثماري مع السعودية

سفيرها في الرياض لـ«الشرق الأوسط»: تنفيذ أكثر من 30 اتفاقية لرفع العلاقات الثنائية

الدكتور محمد علي بوغازي السفير الجزائري لدى السعودية خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: علي الظاهري)
الدكتور محمد علي بوغازي السفير الجزائري لدى السعودية خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: علي الظاهري)
TT

الجزائر لتأسيس قاعدة تعاون اقتصادي واستثماري مع السعودية

الدكتور محمد علي بوغازي السفير الجزائري لدى السعودية خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: علي الظاهري)
الدكتور محمد علي بوغازي السفير الجزائري لدى السعودية خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: علي الظاهري)

في وقت شهدت فيه العلاقات السعودية الجزائرية تطوراً ملحوظاً، تجلّت في المستوى الرفيع للتشاور والتعاون بين الجزائر والرياض، وترجمتها الزيارات المتبادلة لمسؤولي البلدين على أعلى المستويات، أكد دبلوماسي جزائري أن بلاده تخطط حالياً لتأسيس قاعدة للتعاون الاقتصادي والاستثماري مع المملكة.

- تنسيق دولي
وقال الدكتور محمد علي بوغازي، السفير الجزائري لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط»، إن الجزائر والسعودية تتقاسمان معاً وجهات النظر حول العديد من الملفات السياسية والاقتصادية، ما سمح للبلدين بالتنسيق حيالها في المحافل الدولية على غرار منظمتيْ (أوبك) و(أوبك بلس).
ولفت بوغازي إلى دعم الجزائر للمملكة لتنظيم معرض إكسبو 2030، حيث أعلن وزير الخارجية السعودية دعم بلاده ترشّح الجزائر للعضوية غير الدّائمة لمجلس الأمن الدولي للفترة 2024 و2025، متنبئاً بتطور العلاقات مستقبلاً، ومشيراً إلى أنها قوية ومتنوّعة في شتى المجالات.
- الارتقاء بالتعاون
وتابع: «من جهتنا، سنسعى إلى بذل قصارى جهدنا في سبيل رفع علاقات التعاون بين بلدينا إلى أعلى المستويات؛ إذ تجاوز عدد الاتفاقيات الموقعة بين البلدين الـ30 اتفاقية، تغطي مجالات متنوعة منها الاقتصادية والتجارية، منها (إنشاء الشركة المختلطة للاستثمار، ومجلس رجال الأعمال المشترك)، بجانب اتفاقيات في مجال الثقافة والأرشيف».
وزاد: «سنسعى ضمن هذا المنظور إلى الارتقاء بالتعاون الاقتصادي بين بلدينا الشقيقين إلى مستوى طموحات البلدين، لذلك فإن أولى أولوياتنا حالياً هو العمل على تكثيف الزيارات المتبادلة بين المستثمرين ورجال الأعمال من كلا البلدين، وتشجيعها من أجل بحث سبل تأسيس قاعدة للتعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين».
- زيادة التجارة
ومع ذلك، أقرّ بوغازي بأن حجم التبادل التجاري، لا يعكس المقدرات الهائلة المتوفرة لدى البلدين، ولا طموحات قيادتهما في بلوغ مستوى أعلى مما هو عليه الأمر الآن، في ظل إمكانيات البلدين وفرص تعاون متاحة كثيرة غير مستغلة... سنسعى إلى تحريكها مستقبلاً مع الجانب السعودي لزيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين بما يعود بالفائدة عليهما».
وأشار بالقول: «في هذا المقام، صدر قانون جديد للاستثمار والنصوص التطبيقية له، والذي يمنح مزايا كثيرة، ويوفر تسهيلات كثيرة للمستثمرين المقيمين وغير المقيمين... الظروف مواتية جداً لرجال الأعمال السعوديين لخوض تجربة استثمارية في الجزائر، في قطاعات واعدة على غرار الفلاحة والصناعة والسياحة والمناجم والطاقة، يمكن من خلال ما هو متاح من فرص من خلق قوة اقتصادية واستثمارية هائلة بين البلديْن».
وأضاف في السياق: «سنعمل مع السعوديين على تذليل الصعوبات لتنفيذ المشاريع الاستثمارية النّاضجة، ومرافقتها... بجانب العمل على تنفيذ العديد من الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين في مجال التعاون الاقتصادي والاستثماري... توجد عدة مشاريع بعضها جاهز للتوقيع والآخر قيد الدراسة».
- المبادرات الجديدة
وشدد على رغبة بلاده بالتعاون في المبادرات السعودية الجديدة؛ كالاقتصاد الأخضر والطاقة النظيفة والبيئة والمناخ، مبيناً أن بلاده أولت اهتماماً خاصاً بالطاقات المتجددة، مشيراً إلى إنشاء الجزائر دائرة وزارية خاصة بها تتولى تسيير هذا القطاع الواعد في بلاده، لما تزخر به من إمكانيات معتبرة غير مستغلة.
ويعتقد أن السعودية تشارك الجزائر في العديد من الميزات، وتملكان قدرات تنافسية كبيرة في ظل تمتع البلدين لعدد ساعات إشماس كبير سنوياً، ورياح مناسبة لتوليد الطاقة، فضلاً على وجود مساحات شاسعة من الأراضي في البلدين يمكن تخصيصها لإقامة مشاريع طاقوية نظيفة، ما يجعل منهما بلدين لهما قدرات إنتاجية كبيرة من الطاقة النظيفة.
ولفت بوغازي إلى أن سياسة البلدين في مجال تطوير هذا القطاع تنسجم مع التوجهات العالمية لمواجهة التغيرات المناخية، التي باتت أحد أهم انشغالات العالم اليوم، مؤكداً أن البلدين يملكان رأسمال، مادياً وبشرياً، يسمح بالمضي في هذا الاتجاه، وإقامة مشاريع مشتركة بقطاع يحظى باهتمام عالمي كبير.
- أزلية العلاقات
ووفق بوغازي، فالعلاقات الثنائية لم تمر بأي حالة فتور، حيث دعّمت السعودية رحلة استقلال الجزائر مالياً وسياسياً ودبلوماسياً، ودوّلت القضية الجزائرية على مستوى هيئة الأمم المتحدة، ولم يكن مرّ على الثورة إلا شهران، مستطرداً: «تعلمون أن البدايات في تاريخ الثورات عادة ما تكون مرحلة للترقب وربما للتشكيك، لكن موقف المملكة كان حاسماً».
ويتذكر الشعب الجزائري، بحسب بوغازي، أن الملك سلمان بن عبد العزيز كان يومها أميراً لمنطقة الرياض، أصدر مرسوماً في أبريل (نيسان) سنة 1960، يدعو فيه أهل الرياض للتبرع للثورة الجزائرية، بالإضافة إلى رئاسته اللجنة الرئيسية لجمع التبرعات لفائدة الثورة التحريرية المجيدة.
واستطرد: «تواصلت العلاقات بين البلدين منذ فجر الاستقلال في نمو مطرد، مروراً بمرحلة بناء الدّولة الجزائرية وتعزيز استقلالها إلى وقتنا الحاضر، بعد أن وجدت الأرضية معبّدة للدّفع بالعلاقات الثنائية إلى آفاق أرحب في شتى الميادين».


مقالات ذات صلة

«عام الذكاء الاصطناعي» في السعودية... دفع قوي لاقتصاد البيانات

خاص العاصمة السعودية الرياض (واس) p-circle 01:53

«عام الذكاء الاصطناعي» في السعودية... دفع قوي لاقتصاد البيانات

مع تسارع السباق نحو الاقتصاد الرقمي ودخول العالم مرحلة جديدة تقودها الخوارزميات، تتجه السعودية إلى ترسيخ موقعها لاعباً مؤثراً في مستقبل التقنيات المتقدمة.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد مهندسون في حقل الشيبة (أرامكو)

«أرامكو»... صلابة أداء 2025 تتقاطع مع جاهزية استثنائية لمواجهة أزمة مضيق هرمز

بينما اختتمت «أرامكو السعودية» عام 2025 بسجل مالي قوي فإن ما حققته بالأيام الماضية في ظل تعطل المضيق يعكس المرونة التي تتمتع بها ومتانة مركزها المالي

عبير حمدي (الرياض) دانه الدريس (الرياض)
الاقتصاد الناصر يتحدث في مؤتمر «سيرا ويك» (أرشيفية - أ.ف.ب)

رئيس «أرامكو»: «عواقب وخيمة» على أسواق النفط إذا استمر إغلاق مضيق هرمز

قال الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو السعودية»، أمين الناصر، يوم الثلاثاء، إن استمرار إغلاق مضيق هرمز قد يُفضي إلى عواقب وخيمة على أسواق النفط العالمية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شعار «أرامكو» (رويترز)

إليك تفاصيل توزيعات «أرامكو» لعام 2025... إجمالي 85.5 مليار دولار

كشفت النتائج المالية السنوية لشركة «أرامكو» لعام 2025 عن استمرار الشركة في نهجها القوي لتعزيز القيمة للمساهمين

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الناصر يتحدث في أحد المؤتمرات (رويترز)

الناصر: «أرامكو» في موقع ريادي بفضل تدفقاتها النقدية القوية في 2025

أكد الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو السعودية»، المهندس أمين الناصر، أن الشركة اختتمت عام 2025 بتحقيق نمو قوي وتدفقات نقدية متميزة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

المسيّرات تحصد أرواح السودانيين وتمتد إلى البنى التحتية

صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان
صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان
TT

المسيّرات تحصد أرواح السودانيين وتمتد إلى البنى التحتية

صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان
صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان

واصلت الطائرات المسيّرة القتالية التابعة لطرفي الحرب في السودان حصد أرواح المدنيين في مناطق متفرقة من البلاد، في ظل تراجع ملحوظ للعمليات البرية المباشرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، ولجوء الطرفين بصورة كبيرة إلى الضربات الجوية باستخدام الطائرات من دون طيار.

وخلال الأيام القليلة الماضية، أسفرت هجمات متفرقة عن مقتل ما لا يقل عن 49 شخصاً وإصابة العشرات، في وقت تبادل فيه طرفا النزاع الاتهامات باستهداف المدنيين والبنية التحتية. ففي ولاية غرب كردفان، قُتل 40 شخصاً على الأقل، غالبيتهم من النساء، إثر استهداف طائرة مسيّرة شاحنة محلية تُعرف باسم «دفار» كانت تقل عشرات المواطنين في طريقهم لتقديم واجب العزاء، على الطريق الرابط بين مدينتي أبو زبد والفولة.

وقال مصدر طبي في مستشفى أبو زبد إن الضحايا كانوا متجهين إلى الفولة للمشاركة في مراسم عزاء، مشيراً إلى أن عدداً من القتلى ينتمون إلى أسرة واحدة.

وأوضح أحد سكان المنطقة، أن الشاحنة كانت تقل أقارب وجيراناً من مجتمع محلي واحد، مضيفاً أن بعض العائلات فقدت أكثر من فرد في الهجوم، وجرى دفن عدد من الضحايا في مكان واحد.

طفل وسيدة أصيبا جرّاء هجوم بطائرة مسيرة في الأبيض بشمال كردفان 12 يناير (رويترز)

واتهم تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)، الذي تقوده «قوات الدعم السريع»، الجيش السوداني بالمسؤولية عن الهجوم. وقال التحالف في بيان صحافي إن منطقة السنوط ومناطق من بادية الحوازمة في كردفان تعرضت «لهجوم بطائرة مسيّرة استهدف مدنيين كانوا في طريقهم لتقديم التعازي»، مضيفاً أن «الجرائم ضد المدنيين العزل مستمرة حتى خلال شهر رمضان»، ومؤكداً احتفاظه بحق الرد على ما وصفه بـ«الاعتداءات».

في المقابل، أعلنت شبكة أطباء السودان، الأربعاء، مقتل 9 أشخاص بينهم طلاب وكادر طبي وإصابة 17 آخرين جراء قصف بطائرة مسيّرة قالت إن قوات الدعم السريع نفذته على قرية شكيري بولاية النيل الأبيض. وذكرت الشبكة في بيان أن الهجوم استهدف مدرسة ثانوية في القرية والمركز الصحي الوحيد في المنطقة، مشيرة إلى أن المنطقة «لا يوجد بها أي وجود عسكري». وعدّت أن استهداف منشآت مدنية تضم طلاباً وكوادر طبية بواسطة طائرات مسيّرة يمثل «استهدافاً متعمداً للمدنيين العزل وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني».

من استهداف سابق لشاحنات إغاثة في شمال كردفان (متداولة)

وفي ولاية جنوب كردفان، أفادت شبكة أطباء السودان بمقتل 7 أشخاص بينهم طفل وإصابة 13 آخرين جراء قصف مدفعي استهدف أحياء سكنية في مدينة الدلنج. ونسبت الشبكة الهجوم إلى قوات تحالف «تأسيس» الذي يضم «قوات الدعم السريع» والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبد العزيز آدم الحلو. وقالت الشبكة إن القصف شمل مناطق مأهولة بالسكان، وأسفر عن سقوط ضحايا مدنيين بينهم ثلاث نساء، وأثار حالة من الذعر وسط السكان. وفي ولاية النيل الأبيض أيضاً، تعرضت مدينة كوستي ومحطة الكهرباء الحرارية في أم دباكر لهجمات متكررة بطائرات مسيّرة خلال الأيام الثلاثة الماضية، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن مناطق واسعة في الولاية. وذكرت مصادر محلية أن 7 أشخاص أصيبوا جراء هجوم نفذته مسيّرات الأحد الماضي في المدينة، فيما سُمعت أصوات انفجارات قوية وتصاعدت ألسنة اللهب عقب الضربات. وقالت «قوات الدعم السريع» إن طائراتها المسيّرة استهدفت مخازن أسلحة وذخائر ووقود تابعة للجيش السوداني في كوستي، تستخدم في دعم عملياته العسكرية. في المقابل، قالت سلطات المدينة إن الهجمات شملت منشآت مدنية وألحقت أضراراً بالبنية التحتية.

نازحون سودانيون من الفاشر في بلدة طويلة شمال دارفور يوم 11 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

من جهتها، أدانت وزارة الخارجية السودانية في بيان بأشد وأقسى العبارات ما وصفته بالاعتداءات على الأعيان المدنية والبنية التحتية بالطائرات المسيّرة في مدن الأبيض بولاية شمال كردفان وكوستي في ولاية النيل الأبيض والدلنج في جنوب كردفان. وعدت الوزارة أن هذه الهجمات تمثل «تصعيداً خطيراً ونمطاً متكرراً من الجرائم التي ترتكبها (قوات الدعم السريع) ضد المدنيين ومقدرات الشعب»، مضيفة أن استهداف المدنيين والمنشآت المدنية يعد «انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني والأعراف والمواثيق الدولية». وطالبت الحكومة السودانية المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس الأمن باتخاذ «موقف واضح وحازم يدين هذه الجرائم بشكل صريح»، واتخاذ إجراءات فعالة لوقف الهجمات وضمان محاسبة المسؤولين عنها.

تراجع المعارك الميدانية

وتشير التطورات الميدانية في الأشهر الأخيرة إلى تراجع القتال البري المباشر بين طرفي النزاع، مقابل توسع استخدام الطائرات المسيّرة في تنفيذ الهجمات، سواء ضد مواقع عسكرية أو مناطق مدنية.

ويستخدم الجيش السوداني طائرات مسيّرة إيرانية من طرازي «مهاجر 6» و«شاهد»، وأخرى تركية من طرازي «بيرقدار» و«بيرقدار أكينجي»، إضافة إلى مسيّرات انقضاضية قصيرة ومتوسطة المدى.

في المقابل، تستخدم «قوات الدعم السريع» طائرات مسيّرة صينية الصنع من طرازي «CH-3» و «5CH-9» إلى جانب مسيّرات انقضاضية مختلفة المدى، فيما تحدثت تقارير أخيراً عن حصولها أيضاً على عدد من الطائرات المسيّرة التركية من طراز «بيرقدار».

واندلع القتال بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، وتحول سريعاً إلى حرب واسعة النطاق امتدت إلى معظم أنحاء البلاد، وأسفرت حتى الآن، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية، عن مقتل ما لا يقل عن 40 ألف شخص وتشريد نحو 12 مليوناً داخل السودان وخارجه.


برلمانيون يرسمون «خريطة طريق» للإطاحة برئيس «النواب» الليبي ونائبيه

برلمانيون ليبيون خلال اجتماع في بنغازي الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)
برلمانيون ليبيون خلال اجتماع في بنغازي الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)
TT

برلمانيون يرسمون «خريطة طريق» للإطاحة برئيس «النواب» الليبي ونائبيه

برلمانيون ليبيون خلال اجتماع في بنغازي الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)
برلمانيون ليبيون خلال اجتماع في بنغازي الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

دخلت الأزمة السياسية في ليبيا منعطفاً جديداً من التصعيد البرلماني، حيث يواجه رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح أكبر تحدٍّ لسلطته منذ سنوات، بعد إعلان عشرات النواب عن «خريطة طريق» للإطاحة به، وتفعيل الدورة البرلمانية.

ولم يعلق صالح أو الناطق باسمه على هذا التحرك، الذي اعتبره مراقبون «أكبر تحدٍّ سياسي يواجهه صالح منذ سنوات»، حيث يسعى النواب لاستعادة سلطة المجلس الجماعية من قبضة «القرارات الفردية».

وفي غياب رئيس البرلمان ونائبيه فوزي النويري ومصباح دومة، أعلن عشرات الأعضاء، مساء الثلاثاء، عن إطلاق ما وصفوها «خريطة طريق لإصلاح المجلس»، تهدف بشكل مباشر إلى إنهاء سيطرة صالح على رئاسة المجلس، وتفعيل نظام «الدورة البرلمانية» لانتخاب هيئة رئاسة جديدة.

رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح (المكتب الإعلامي للمجلس)

وشهدت الجلسة التشاورية الثانية من نوعها لأعضاء المجلس في مقره بمدينة بنغازي (شرق) غياباً لافتاً لصالح ونائبيه، بينما أكد النواب أن هذه الخطوة «تؤسس لعهد جديد ينهي السياسات الفردية»، وطالبوا بـ«إصلاح البرلمان، باعتباره ضرورة ملحة لمواجهة حالة التفرد في تحديد جدول الأعمال وتعطيل الجلسات لشهور».

وقرر النواب تفعيل اللائحة الداخلية لإجراء انتخابات لهيئة رئاسة المجلس واللجان النوعية الدائمة، وفق دورة برلمانية محددة، وطلبوا عقد جلسة رسمية مكتملة النصاب في 30 من الشهر الحالي لبدء تنفيذ «الخريطة». كما أعلن الأعضاء اتفاقهم على «إلغاء أي قرارات صدرت بطريقة فردية»، وعلى رأسها «ضريبة السلع»، التي أثارت جدلاً واسعاً.

وقال رئيس اللجنة المالية عمر تنتوش إن قرار إلغاء الضريبة المفروضة على بيع السلع بات «محسوماً» بإجماع أكثر من 60 عضواً، مشيراً إلى أن تأخر عقيلة صالح في إصدار القرار، رغم الاتفاق المسبق، هو ما فاقم حالة الاستياء داخل أروقة البرلمان.

يشار إلى أن أزمة «ضريبة السلع» في البرلمان الليبي، التي بدأت منذ الشهر الماضي، تتعلق بخلاف حول الجهة المسؤولة عن تمرير الضريبة على بيع السلع الأساسية في البلاد، داخل البرلمان نفسه. وقد أدى هذا الخلاف إلى رفض العديد من النواب للمشروع، معتبرين أنه قرار منفرد لم يُتخذ بالإجماع، ما أثار جدلاً واسعاً حول الشفافية، وطريقة اتخاذ القرارات المالية في المجلس، وفتح الباب نحو الحديث عن تغيير عقيلة ونائبيه فوزي النويري ومصباح دومة.

وزيرة العدل الليبية حليمة إبراهيم خلال زيارة سابقة إلى أحد سجون طرابلس وقتما كان نجيم مديراً له (وزارة العدل)

وتزامن هذا الحراك مع أزمة حقوقية وأمنية فجّرها قرار حكومة «الاستقرار»، برئاسة أسامة حماد في شرق البلاد، بتعيين الفريق أسامة الدرسي لرئاسة جهاز الشرطة القضائية، وهو الذي عمل سابقاً رئيساً لجهاز الأمن الداخلي.

لكن المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان رفضت القرار، معتبرة أن «إعادة تدوير الدرسي وتكليفه بمهام جديدة يمثلان إخلالاً فاضحاً بالتزامات الحكومة حيال سيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان»، مشيرة إلى أن سجلّه يتضمن «174 واقعة اعتقال تعسفي وإخفاء قسري شملت سياسيين وحقوقيين وإعلاميين، بالإضافة إلى 3 حالات وفاة تحت التعذيب، والتنكيل داخل المعتقلات التابعة له».

في شأن حقوقي أيضاً، طالبت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، المعنية بحقوق الإنسان، السلطات في غرب ليبيا بتسليم مدير إدارة العمليات السابق بجهاز الشرطة القضائية أسامة نجيم، المعروف بـ«المصري»، للمحكمة الجنائية الدولية على وجه السرعة، مع التعاون الكامل بشأن المطلوبين الآخرين، الذين يُعتقد أنهم موجودون في البلاد.

ويُعرف نجيم بأنه كان مديراً لسجن في طرابلس، وقد أوقفته السلطات الإيطالية في يناير (كانون الثاني) 2025 بموجب مذكرة من المحكمة الجنائية الدولية، بتهم تشمل القتل والتعذيب والاغتصاب بحق معتقلين في سجن معيتيقة، قبل أن تُفرج عنه بعد يومين وتعيده إلى طرابلس.

وفي الوقت ذاته، شكك حقوقيون ونشطاء ليبيون في رواية السلطات بشأن حجز نجيم، مشيرين إلى «مشاهدات متطابقة»، تشير إلى ظهوره طليقاً في طرابلس، رغم إعلان النيابة العامة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أنها باشرت التحقيق معه وأحالته إلى القضاء.

إلى ذلك، تفجرت مواجهة علنية بين مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، عبر بيان فند فيه أرقام الإيرادات النفطية الموردة إليه خلال فبراير (شباط) الماضي، في خطوة تعكس «أزمة ثقة متصاعدة بين قطبي المال والطاقة في البلاد».

وأكد المصرف أن إجمالي الإيرادات النفطية الفعلية، التي وصلت إلى خزائنه للشهر الماضي، بلغت 906 ملايين دولار فقط، موزعة بين 705 ملايين دولار إيرادات خام و201 مليون دولار إتاوات، وهو رقم يقل كثيراً عما أوردته تقارير المؤسسة التي أشارت إلى إجمالي إيرادات يقارب 1.8 مليار دولار. ودعا المصرف وزارة المالية والجهات الرقابية لمراجعة سجلاته رسمياً للتحقق من صحة بياناته، مشدداً على أن المصرف الليبي الخارجي «يقوم بخصم قيم المحروقات قبل إحالة المبالغ النهائية للمركزي»، ما قد يفسر «الفجوة المالية» الكبيرة بين ما تعلنه المؤسسة كإنتاج، وما يتسلمه المصرف كإيراد صافٍ.

وكانت المؤسسة الوطنية للنفط قد أعلنت أن إجمالي الإيرادات النفطية المحصلة خلال الشهر الماضي بلغ نحو 1.001 مليار دولار، منها 295.6 مليون دولار لتغطية جزء من تكاليف توريد المحروقات، بينما جرى تحويل 705.4 مليون دولار إلى المصرف المركزي، وفق الترتيبات المالية المتفق عليها.


الغلاء يضاعف معاناة الأُسَر الليبية مع اقتراب عيد الفطر

ليبيون في إحدى الأسواق (أ.ف.ب)
ليبيون في إحدى الأسواق (أ.ف.ب)
TT

الغلاء يضاعف معاناة الأُسَر الليبية مع اقتراب عيد الفطر

ليبيون في إحدى الأسواق (أ.ف.ب)
ليبيون في إحدى الأسواق (أ.ف.ب)

مع اقتراب عيد الفطر، تتفاقم معاناة الأسر الليبية، في ظل ارتفاع قياسي في أسعار مستلزمات العيد، ولا سيما ملابس الأطفال، ما يزيد الضغوط المالية على المواطنين، في ظل استمرار صعود سعر الدولار، ويحوِّل فرحة العيد إلى عبء إضافي على ميزانياتهم.

وفي إحدى أسواق طرابلس، شكا المواطن حميد الشويل من أن شراء ملابس العيد لطفل واحد قد يكلف نحو 500 دينار، وهو مبلغ يراه كثيرون مرتفعاً مقارنة بمتوسط دخل الأسر. وقال الشويل إن «بعض البضائع القديمة التي كان سعرها في الأيام العادية يقارب 150 ديناراً، تضاعف قبل العيد ليصل إلى نحو 300 دينار». (الدولار يساوي 6.36 دينار في السوق الرسمية، و10.77 دينار في السوداء).

وحتى الأسواق الشعبية التي كانت تشكل ملاذاً للعائلات الباحثة عن أسعار أقل: «لم تعد بعيدة عن موجة الغلاء خلال موسم العيد» حسب الشويل.

جُل الليبيين باتوا يشتكون من ارتفاع الأسعار قبيل حلول العيد (أ.ف.ب)

هذه الارتفاعات في الأسعار رصدها رئيس «اتحاد جمعيات حماية المستهلك»، أحمد الكردي، الذي أشار في حديثه مع «الشرق الأوسط» إلى «ارتفاع شديد في أسعار لوازم العيد، من أحذية وملابس؛ خصوصاً للأطفال والنساء»، في مقابل ذلك تبرز محاولات لاحتواء هذا الغلاء «عبر تخفيضات في أسعار الزي الوطني الرجالي».

غلاء وضعف رقابة

ولا تختلف الصورة كثيراً في مدن أخرى؛ حيث يقول المواطن علي مفتاح، من بني وليد (غرب)، إن الليبيين اعتادوا تقريباً على ارتفاع الأسعار قبل الأعياد، بنسبة تصل إلى 25 في المائة سنوياً. ويوضح أن «بعض العائلات تحاول تفادي هذه الزيادة بشراء احتياجات العيد قبل شهر من رمضان، ولكن ذلك لا يمنع استمرار ارتفاع الأسعار في الأسواق في ظل ضعف الرقابة».

وتروي نور محمد جانباً آخر من معاناة العائلات الكبيرة، وتقول إن تكلفة الملابس أصبحت «خيالية»؛ خصوصاً للأسر التي لديها 5 أو 7 أطفال. مضيفة أن: «أقل سعر لطقم ملابس لطفل واحد قد يبدأ من 200 دينار، دون احتساب الأحذية وبقية المستلزمات»، ما يجعل الفاتورة النهائية ثقيلة على كثير من الأسر.

ولا تتوفر أرقام رسمية حديثة عن معدل التضخم في ليبيا خلال الأشهر الأخيرة، إلا أن آخر بيانات المصرف المركزي أظهرت ارتفاعه بنسبة 1.5 في المائة على أساس سنوي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. في حين أظهر مؤشر «هانكي» الأميركي لشهر فبراير (شباط) الماضي أن ليبيا احتلت المرتبة الرابعة عالمياً بين الدول الأعلى تضخماً، بمعدل بلغ 56.3 في المائة سنوياً.

وتزامن ذلك مع ارتفاع حاد في سعر صرف الدولار مقابل الدينار الليبي؛ حيث سجل خلال الشهر زيادة تقريبية بنسبة 11.5 في المائة، ما يعكس ضغوطاً ومخاوف متصاعدة على القوة الشرائية للمواطنين، وهي شكاوى رآها الخبير الاقتصادي، الدكتور يوسف يخلف مسعود: «منطقية» في ضوء غياب آليات الرقابة الفاعلة.

ويصف بعض المواطنين دورة المصاريف السنوية بأنها لا تكاد تنتهي، بدءاً من نفقات شهر رمضان إلى مصاريف عيد الفطر، ثم عيد الأضحى، وبعدها الاستعداد للعام الدراسي، في وقت تتراوح فيه رواتب كثير من الموظفين بين 1500 و2000 دينار، بينما يفتقر آخرون إلى دخل ثابت من الأساس.

ورغم هذه الضغوط، يقول مواطنون إنهم يحاولون قدر الإمكان ألا يحرموا أطفالهم من فرحة العيد، حتى وإن اضطروا إلى تقليص مصاريف أخرى. فبالنسبة لهم، تبقى ابتسامة الصغار صباح العيد سبباً كافياً لتحمل هذه الأعباء.

محاربة الاحتكار

يحذِّر رئيس «مجلس المنافسة ومنع الاحتكار» في ليبيا، الدكتور سلامة الغويل، من أن موجة ارتفاع الأسعار مع اقتراب عيد الفطر مرشحة لمزيد من التصاعد، مؤكداً أن الزيادات الحالية «حقيقية وليست مؤقتة». وأوضح الغويل لـ«الشرق الأوسط» أن المجلس يسعى إلى تفعيل التشريعات المنظمة لضبط الأسواق والحد من الممارسات الاحتكارية، غير أن الانقسام السياسي والوضع الاقتصادي الهش «يعرقلان هذه الجهود، ويجعلان مهمة ضبط الأسعار أكثر صعوبة».

في المقابل، تحاول السلطات في غرب ليبيا التخفيف من آثار الضغوط المعيشية؛ حيث أعلنت حكومة «الوحدة» إنهاء إجراءات صرف منحة اجتماعية للزوجة والأولاد ضمن برامج الدعم الاجتماعي.

وعلى الصعيد الرقابي، شدد المجلس الأعلى للدولة، خلال ختام جلسة تشاورية، على ضرورة تكليف لجان مختصة لمتابعة الإجراءات والسياسات التي يتخذها المصرف المركزي، بما يضمن الشفافية والانضباط المالي، ويحول دون أي ممارسات قد تسهم في زيادة معدلات التضخم أو تعمق أزمة سعر الصرف.

غير أن رئيس «مجلس المنافسة ومنع الاحتكار» حذَّر أيضاً من أن «سيطرة بعض التجار، بدعم من مجموعات مسلحة، على مفاصل القرار المالي في غرب البلاد، قد تضع أي محاولات لاحتواء الأسعار محل شك»، وسلَّط الضوء أيضاً على «فوضى الاعتمادات المستندية وأزمة شح الدولار، إلى جانب عمليات التهريب إلى بعض دول الجوار، وهي عوامل تزيد الضغط على السوق وترفع الأسعار؛ خصوصاً مع ازدياد الطلب قبل العيد».

وزيرة الشؤون الاجتماعية بحكومة الوحدة وفاء الكيلاني خلال اجتماع في العاصمة الليبية طرابلس الثلاثاء (صفحة الوزارة)

ولم تغفل تقديرات المسؤول الليبي انعكاسات التصاعد المستمر للتوترات الإقليمية، بما في ذلك الحرب الإيرانية؛ إذ يرى الغويل أنها «تشكل عاملاً رئيسياً في رفع تكاليف الشحن والطاقة عالمياً». وأوضح أن هذا الارتفاع ينعكس مباشرة على أسعار الواردات التي تعتمد عليها السوق الليبية بشكل كبير، مما يفاقم الضغوط التضخمية، ويحد من القدرة الشرائية للمواطنين.