«حميدتي» في دارفور لتنفيذ قرارات التحقيق في أحداث «بليل»

على رأس وفد من «مجلس السيادة» وقيادات أمنية وعدلية رفيعة

محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أ.ب)
محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أ.ب)
TT

«حميدتي» في دارفور لتنفيذ قرارات التحقيق في أحداث «بليل»

محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أ.ب)
محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أ.ب)

تشهد ولاية جنوب دارفور اجتماعات مهمة تتعلق بتنفيذ قرارات لجان التحقيق في أحداث العنف القبلي الدامي الذي شهدته ولاية جنوب كردفان في الأشهر الماضية، وراح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى وآلاف النازحين، وهي الأحداث التي يواجه بعض الجنود التابعين لقوات «الدعم السريع» اتهامات بالضلوع فيها، أو بعدم التدخل لوقف نزف الدم بها.
ووصل نائب رئيس «مجلس السيادة الانتقالي»، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، إلى حاضرة الإقليم، نيالا، وبرفقته عضو «مجلس السيادة»، الهادي إدريس، ووفد عدلي مكوَّن من وزير العدل المكلف محمد سعيد الحلو، والنائب العام المكلف خليفة أحمد خليفة، ومن ممثلين عن جهازي الشرطة والمخابرات الوطنية، وممثل عن «حركة تحرير السودان»، وقيادات عسكرية وأمنية.
وقالت نشرة صحافية، أمس، إن زيارة «حميدتي» تهدف لمتابعة تنفيذ القرارات التي كان قد أصدرها في زيارته السابقة للولاية، فضلاً عن مراجعة النتائج التي توصلت إليها لجنتا التحقيق والحصر اللتان كوّنهما للتحقيق في الأحداث التي تعرضت لها منطقة بليل، في ولاية جنوب دارفور، نهاية العام الماضي.
وشهدت بليل، وهي منطقة إدارية في دارفور، في ديسمبر (كانون الأول) 2022، أعمال عنف قبلي دامية بين إثنية داجو الأفريقية وإثنية رزيقات العربية، راح ضحيتها 35 شخصاً بين قتيل وجريح، وأدت إلى نزوح أكثر من 16 ألف شخص، وإحراق نحو 18 قرية.
وإبان زيارته للولاية، التي أعقبت الأحداث مباشرة، شكل «حميدتي» لجنة تحقيق في الأحداث، بإشراف النائب العام، وأوكل لها سلطة حصر الخسائر، وتحديد المجرمين، متعهداً بتقديم كل مَن يثبت ضلوعه في تلك الأحداث إلى المحاكمة، وأرجأ توقيع اتفاق الصلح بين المجموعتين إلى ما بعد محاسبة الضالعين في الأحداث، مؤكداً أن تقديم المتهمين للمحاكمة سيوقف تكرار مثل هذه النزاعات الأهلية، بخلاف الإجراءات التي كانت تُتبع في النزاعات الأهلية؛ بدفع الديات وجبر الضرر.
ونقلت مواقع تواصل اجتماعي وقتها فيديوهات تشير إلى ضلوع رجال بثياب قوات «الدعم السريع» في الأحداث، والقتال إلى جانب قبائلهم، وهو ما اعتبره «حميدتي» دعاية ممن أطلق عليهم «أصحاب الأجندة»، وبناء على ذلك أمر بتوقيف كل مَن ظهر في تلك الفيديوهات من أفراد قواته، وأمر بوضعهم قيد الحبس لحين تسليمهم للجنة التحقيق للبت في أمرهم.
وانتقد «حميدتي» سلوك بعض أفراد قواته الذين ظهروا في الفيديوهات، وقال: «إنهم وقفوا يشاهدون الأحداث دون تدخل»، بيد أنه رجح أن تكون هناك جهات وأفراد صوروا تلك القوات لإلصاق التهمة بها، وهو ما يُنتظر أن تبت فيه لجان التحقيق.
وعادةً ما تُوجَّه أصابع الاتهام إلى رجال القوات الحكومية العاملة في إقليم دارفور، من جيش و«دعم سريع» ودفاع شعبي، بالانحياز إلى قبائلهم وبسلاحهم الحكومي، في حال نشوب نزاعات بينها وبين قبائل أخرى، وهو الاتهام الذي دأبت وسائط التواصل الاجتماعي على توجيهه إلى قوات «الدعم السريع»، نظراً لثقلها الأساسي في المجموعة العربية في الإقليم المضطرب.
وترجع جذور النزاعات العرقية في دارفور إلى عهد حكم الرئيس السابق عمر البشير وأنصاره من الإسلامويين، الذين استخدموا التناقضات العرقية والثقافية في الإقليم في حربهم ضد المجموعات المناوئة للحكومة والحركات المسلحة، وتصادف أنْ كان معظم حلفاء القوات الحكومية من مجموعة القبائل العربية في مواجهة الحركات المتمردة التي يغلب عليها الطابع الأفريقي.
وتُعدّ الأحداث التي يشهدها الإقليم حالياً ارتدادات للنزاع بين القوات الحكومية والحركات المتمردة الدارفورية في 2003، الذي أدى لمقتل أكثر من 300 ألف شخص، وتشريد الملايين داخلياً وخارجياً، وحَرْق آلاف القرى، وبسببه أرسلت الأمم المتحدة إلى الإقليم واحدة من أكبر بعثات حفظ السلام في تاريخ المنظمة الدولية، وهي بعثة «يوناميد» التي أنهت مهمتها بعد سقوط نظام البشير وتوقيع اتفاقية جوبا لسلام السودان.
ونتيجة لهذه الأحداث، أصدرت «المحكمة الجنائية الدولية» مذكرتَيْ قبض ضد الرئيس السابق عمر البشير، و3 من مساعديه، باتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم تطهير عرقي.
ولا تزال محكمة لاهاي تطالب بتسليم البشير ووزير دفاعه، عبد الرحيم محمد حسين، ووزير الدولة في الداخلية وقتها، أحمد هارون، في الوقت الذي سلم فيه علي كوشيب، الذي أطلقت عليه وسائل الإعلام الدولية لقب «زعيم الجنجويد»، نفسه طوعياً، ويخضع للمحاكمة الآن.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

ليبيا: تقرير أممي يتهم صدام حفتر بـ«تهريب النفط»... و«الاستقرار» تطعن

نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)
نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)
TT

ليبيا: تقرير أممي يتهم صدام حفتر بـ«تهريب النفط»... و«الاستقرار» تطعن

نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)
نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)

طعنت حكومة «الاستقرار» المكلّفة من مجلس النواب في شرق ليبيا، برئاسة أسامة حماد، الأربعاء، فيما ورد بتقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن مواطنين، ومؤسسات ليبية، معتبرة أن بعض الوقائع والاستنتاجات التي تضمنها التقرير «محل نزاع»، وتفتقر إلى أدلة قاطعة.

وكان التقرير الأممي، الصادر في أبريل (نيسان) الماضي، قد تناول شركة «أركينو» التي تأسست عام 2023 بوصفها شركة خاصة، ونسب إليها تصدير النفط الليبي خارج إطار «المؤسسة الوطنية للنفط»، مشيراً إلى أنها تخضع بصورة غير مباشرة لسيطرة الفريق أول صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي»، إلى جانب إبراهيم الدبيبة، مستشار الأمن القومي لرئيس حكومة الوحدة الوطنية في غرب البلاد.

وفيما لم ترد حكومة «الوحدة» على التقرير الأممي، فإن خطاباً وجّهه حماد إلى رئيس مجلس الأمن، وأعضائه، قال فيه إن حكومته تلقت «تظلّمات قانونية من مواطنين، ومؤسسات وردت أسماؤهم أو أُشير إليهم في التقرير»، موضحاً أن «المتضررين تقدموا بمستندات ووثائق رسمية إلى الجهات المختصة، من بينها مكتب النائب العام، للطعن في بعض الوقائع والاستنتاجات الواردة فيه، أخذاً في الاعتبار أن حكومة «الاستقرار» تعمل في نطاق سيطرة «الجيش الوطني» بشرق البلاد، وأجزاء واسعة من جنوب ليبيا.

رئيس حكومة الاستقرار الليبية المكلفة من البرلمان أسامة حماد (الصفحة الرسمية للحكومة)

ورأى حماد أن بعض ما تضمنه التقرير «لا يستند إلى أدلة كافية تبرر اعتماده كاستنتاجات نهائية»، مطالباً بإجراء مراجعة فنية وإجرائية مستقلة، للتحقق من سلامة مصادر المعلومات التي استند إليها التقرير، وتقييم مدى التزام فريق الخبراء بمبادئ الحياد، والاستقلالية، والنزاهة المهنية.

كما دعا إلى «تمكين جميع المتضررين من تقديم ردودهم، وأدلتهم، وإدراجها ضمن السجلات الرسمية، وإعادة فتح قنوات التواصل بين فريق الخبراء والأشخاص أو الجهات المعنية للنظر في تظلماتهم»، مطالباً «بعدم الاستناد إلى النتائج محل الاعتراض لاتخاذ أي تدابير، أو إجراءات دولية قبل استكمال مراجعة مستقلة».

وكان تقرير الخبراء المؤرخ في مارس (آذار) الماضي قد وجّه اتهامات لشخصيات سياسية وعسكرية من شرق ليبيا وغربها بـ«التطاول على المال العام»، وأعاد تسليط الضوء على شركة «أركينو»، متحدثاً عن عمليات تصدير للنفط خارج القنوات الرسمية، وعما وُصف بأنه «نهب واسع لإيرادات النفط»، و«استيلاء لافت على المحروقات».

وذكر التقرير، الذي اطلعت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، أن حجم وتنظيم عمليات تصدير النفط غير المشروعة، سواء الخام، أو المنتجات المكررة، بلغا مستويات غير مسبوقة خلال فترة الرصد، معتبراً أن «التدخل المباشر لكل من إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر أسهم في توفير مظلة من الإفلات من العقاب»، الأمر الذي أضعف قدرة «المؤسسة الوطنية للنفط» على حماية مصالح الدولة الليبية.

وأضاف التقرير موضحاً أن قطاع النفط والوقود بات محكوماً بمنظومة تقوم على الإفلات من العقاب، حيث جرى تمرير معاملات التصدير والاستيراد، واتفاقيات الاستغلال، وعقود الخدمات لخدمة مصالح شبكات متنافسة مرتبطة بجماعات مسلحة. كما أشار التقرير كذلك إلى أن شركة «أركينو» استُخدمت، بحسب وصفه، كـ«حصان طروادة» لتحويل أكثر من ثلاثة مليارات دولار خلال الفترة الممتدة من يناير (كانون الثاني) 2024 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وليست هذه المرة الأولى التي يرد فيها اسما صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة في تقارير أممية؛ إذ سبق أن وردا في تقرير صدر في فبراير (شباط) 2025، ضمن اتهامات تتعلق بتهريب النفط عبر نفوذ غير مباشر من خلال شركة «أركينو».

رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

وينظر مراقبون إلى رسالة حكومة حماد، التي لا تحظى باعتراف دولي، باعتبارها تحركاً استباقياً يهدف إلى «الحيلولة دون فرض عقوبات دولية على شخصيات ليبية، خصوصاً مع اقتراب جلسة مجلس الأمن الدورية بشأن ليبيا خلال الشهر الحالي، والتي من المقرر أن تقدم خلالها المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، إحاطة حول تطورات الملف الليبي».

وفي هذا السياق، رأى الخبير المتخصص في الشؤون الليبية، جلال حرشاوي، أن الرسالة تعكس حالة قلق متزايدة لدى عدد من الشخصيات المحسوبة على سلطات شرق ليبيا أو المقربة منها، في ظل تنامي احتمالات فرض عقوبات دولية، مشيراً لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هذا الاحتمال لم يعد يُنظر إليه بوصفه تهديداً نظرياً.

وسبق لتيتيه أن استندت في إحاطة أمام مجلس الأمن، خلال أبريل الماضي إلى «نتائج فريق الخبراء لتفسير تراجع قدرة الدولة الليبية على الحكم عبر مؤسسات موحدة، وخاضعة للرقابة»، محذرة من «استنزاف الثروة الوطنية في إطار اقتصاد سياسي مشوّه، يوظف عائدات النفط خارج آليات المساءلة».

وفي مارس الماضي، قدرت مجموعة «الأزمات الدولية» عائدات عمليات تهريب الوقود في ليبيا بأنها تدر ما بين 6 و7 مليارات دولار سنوياً، موضحة أن «هذه الأموال تُستخدم في تعزيز نفوذ النخب السياسية والعسكرية في شرق البلاد وغربها»، على حد قولها.


الجزائر وباريس ترسمان ملامح «التطبيع المشروط»

وزير الداخلية الفرنسي مستقبلاً نظيره الجزائري في باريس في الثاني من يونيو الحالي «وزارة الداخلية الجزائرية»
وزير الداخلية الفرنسي مستقبلاً نظيره الجزائري في باريس في الثاني من يونيو الحالي «وزارة الداخلية الجزائرية»
TT

الجزائر وباريس ترسمان ملامح «التطبيع المشروط»

وزير الداخلية الفرنسي مستقبلاً نظيره الجزائري في باريس في الثاني من يونيو الحالي «وزارة الداخلية الجزائرية»
وزير الداخلية الفرنسي مستقبلاً نظيره الجزائري في باريس في الثاني من يونيو الحالي «وزارة الداخلية الجزائرية»

دخلت مساعي التقارب بين الجزائر وباريس مرحلة جديدة، إثر الزيارة التي قام بها وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود إلى العاصمة الفرنسية يومي 2 و3 يونيو (حزيران) الحالي. والتي اتخذت أبعاداً سياسية بارزة تمثلت في استقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمس الثلاثاء، للوزير الجزائري في جلسة عمل رفيعة المستوى، تترجم الزخم الذي تشهده العلاقات الثنائية.

وأسفرت اللقاءات عن ضبط أولويات مشتركة تشمل محاربة المخدرات، وملاحقة الفارين من القضاء، ومكافحة التزوير، مع تعيين ملحق فرنسي أمني بالجزائر لتفعيل التنسيق المباشر.

الوفد الجزائري في أثناء المباحثات مع مسؤولي وزارة الداخلية الفرنسية «وزارة الداخلية الجزائرية»

وكتب وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز بحسابه بمنصة «إكس»، أن استقباله المسؤول الجزائري، الثلاثاء، بمقر وزارته، يأتي في سياق الزيارة التي قادته إلى الجزائر في فبراير (شباط) الماضي، مؤكداً «مواصلة تبادلاتنا بشأن القضايا الرئيسية ذات الاهتمام المشترك لبلدينا، بهدف تعزيز النتائج المحققة بالفعل في مجالات الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب، ومحاربة الجريمة المنظمة، وقضايا الهجرة، والحماية المدنية».

ورشة لتعديل «اتفاق 1968»

وفق مصادر جزائرية، توجت الزيارة باتفاق على تعزيز قنوات الاتصال وتجنيد القنصليات الجزائرية لرفع وتيرة ترحيل المقيمين بطرق غير قانونية، الذين صدرت بحقهم قرارات الإبعاد من التراب الفرنسي، مقابل تسهيل الهجرة النظامية. وأشارت نفس المصادر إلى اتفاق الطرفين على بدء ورشة عمل لتعديل «اتفاق عام 1968» التاريخي، بناء على مقترحات ملموسة ستقدمها فرنسا لاحقاً، تلبية لرغبة باريس في تقليص الهجرة العائلية.

جلسة عمل عقدها الرئيس الفرنسي مع وزير الداخلية الجزائري «الوزارة الجزائرية»

ويشمل الاتفاق قضايا العمل والتجارة والدراسة في الجامعات، و«لم الشمل العائلي» بالنسبة للجزائريين في فرنسا. وعاد الجدل حول هذه الوثيقة بقوة، خلال التصعيد الذي شهدته العلاقات الثنائية بعد اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء في صيف 2024. وشن تيار اليمين الفرنسي حملة كبيرة بهدف إلغاء الاتفاق، بدعوى أنه «تفضيلي» للجزائريين مقارنة ببقية الشعوب. كما أنه في نظر رافضيه، يعيق جهود الدولة في الحد من الهجرة.

من جانبها، أكدت الجزائر أن الجانب الفرنسي «أفرغ الاتفاق من محتواه» في السنين الأخيرة، بسبب عقبات إدارية حالت دون استفادة رعاياها من بنوده، خاصة ما تعلق بـ«لم الشمل العائلي».

وأفاد بيان صادر عن وزارة الداخلية الفرنسية بأن المباحثات السياسية والتقنية، التي أجراها نونيز مع سعيود، «أكدت وجود رغبة مشتركة لتعزيز التعاون الثنائي وفق أسس براغماتية وتدريجية، وموجهة نحو تحقيق نتائج ملموسة تخدم مصالح الطرفين». كما كرّس البلدان رسمياً استئناف الحوار بينهما، واتفقا على إعادة بناء آليات عمل حقيقية ودائمة بين الأجهزة الميدانية والتنفيذية حول أولويات محددة، مدعومة بأدوات للمتابعة تأخذ في الحسبان انشغالات كل جانب، وفق ما جاء في ذات البيان.

ورافق سعيد وفد أمني مهم متكون من مدير عام الشرطة علي بدوي، ومسؤولين في الأمن الداخلي، وأطر من الحماية المدنية.

الرئيسان الجزائري والفرنسي في أغسطس 2022 «الرئاسة الجزائرية»

وفي مضمار مكافحة الجريمة المنظمة، وتهريب المخدرات، وغسل الأموال، حدد الطرفان ثلاثة محاور عمل ذات أولوية قصوى، وهي مجابهة المؤثرات العقلية والمخدرات الاصطناعية، وملاحقة الفارين المتورطين في الجريمة المنظمة، بالإضافة إلى مكافحة الهجرة غير النظامية وتزوير الوثائق. ولتجسيد هذه المساعي، أعلنت باريس عن تعيين ملحق فرعي للأمن الداخلي ينتمي إلى سلك الدرك الوطني الفرنسي، وهي خطوة يراها مراقبون إشارات ملموسة تعكس الإرادة الفعلية لإعادة تفعيل مصلحة الأمن الداخلي في الجزائر بكامل طاقتها وعملها المعتاد.

شروط الجزائر ومطالب باريس

تم كذلك التطرق إلى التعاون في مجال مكافحة الإرهاب؛ حيث استؤنف تبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية، ومن المرتقب تكثيفه بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة، حسب مصادر صحافية. وقد أتاحت المباحثات تحديد المخاطر الناشئة والمشتركة بين البلدين، بهدف الاستباق الأمثل للتهديدات، وضمان مرونة وسلاسة تدفق الاستعلامات والمعلومات الاستخباراتية ذات الفائدة المشتركة للجانبين.

وزير الصناعة الجزائري سابقاً أحد أبرز المطلوبين قضائياً «الشرق الأوسط»

ووفق المصادر الجزائرية، فقد طرح سعيود خلال زيارته مطالب بلاده بدقة: تسليم مطلوبين لدى القضاء الجزائري بسبب تورطهم في قضايا «فساد» وفي «المساس بوحدة البلاد». وتشمل التهمة الأولى شخصيات بارزة في نظام الحكم في وقت سابق. فيما تتضمن الثانية معارضين يقيمون في فرنسا كلاجئين سياسيين.

من جهتها، طالبت باريس من الجزائر تسليمها عناصر من شبكة «مافيا دي زاد»، تعتقد أنهم يقيمون في ترابها، حيث يلاحقهم الأمن الفرنسي بجرائم تجارة المخدرات في مدن جنوب البلاد.

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي «الرئاسة الجزائرية»

وتتجاوز زيارة سعيود أبعادها البروتوكولية المعتادة لتكتسي دلالة سياسية خاصة، حسب المراقبين، إذ تأتي في سياق دبلوماسي تعكسه الرغبة المعلنة من العاصمتين لطي صفحة التوترات، التي ألقت بظلالها الثقيلة على العلاقات الثنائية خلال العامين الأخيرين. ومع ذلك، فإن مساعي التطبيع من المنظور الجزائري لم تعد مجرد هدف مبدئي، بل أضحت مساراً مشروطاً بالتزامات ملموسة من جانب فرنسا.

ومن الجزائر، ينظر إلى وجود وزير الداخلية في باريس كإشارة قوية تؤكد عزم سلطاتها على طرح تطلعاتها، وشروطها بشكل مباشر قبل أي تكريس نهائي للتقارب الثنائي، حيث تتطلع السلطات الجزائرية إلى نتائج ملموسة ترتبط بالملفات، التي طالما غذت التوتر بين البلدين. وخلف الشق الفني والأمني التقليدي، الذي تضمنته أجندة اجتماعات وزيري الداخلية، يبرز الرهان الحقيقي المتمثل في رسم أسس علاقة مستقرة ومستدامة.


أول رئيسة نادٍ رياضي بليبيا... «تمكين نسائي» وسط أزمات سياسية

رئيسة نادي «دارنس» انتصار شنيب (مجلس النواب الليبي)
رئيسة نادي «دارنس» انتصار شنيب (مجلس النواب الليبي)
TT

أول رئيسة نادٍ رياضي بليبيا... «تمكين نسائي» وسط أزمات سياسية

رئيسة نادي «دارنس» انتصار شنيب (مجلس النواب الليبي)
رئيسة نادي «دارنس» انتصار شنيب (مجلس النواب الليبي)

لم يعد حضور المرأة الليبية في الحياة العامة مقتصراً على تقلد مناصب وزارية وبرلمانية أو قيادة بلديات، رغم إرث الأزمات السياسية والأمنية الذي تواجهه البلاد منذ عام 2011، بل امتد إلى مجالات ظلت لعقود حكراً على الرجال، كان أحدثها رئاسة الأندية الرياضية.

وتصدر تولّي انتصار شنيب، عضو مجلس النواب، رئاسة نادي «دارنس» في درنة الأخبار باعتبارها أول امرأة تتقلد هذا المنصب في تاريخ البلاد، في سابقة ينظر إليها كخطوة جديدة على مسار تمكين المرأة، وسط أزمات سياسية وانقسام حكومي وعسكري ما زال مستمراً، منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي.

مهمة «استثنائية»

تبدو المهمة التي تنتظر شنيب «استثنائية»، من منظورها، ليس لأنها أول امرأة تتولى رئاسة نادٍ رياضي ليبي فقط، بل بسبب الإرث الثقيل الذي يحمله النادي العريق أيضاً. فقد تأسس «دارنس» عام 1958، وظل أحد أبرز أندية شرق البلاد، قبل أن تتعاقب عليه أزمات عصفت بمدينة درنة خلال السنوات الأخيرة.

وقالت شنيب لـ«الشرق الأوسط» إن النادي تأثر بسلسلة من المحطات الصعبة، بدأت بالظروف الأمنية التي شهدتها المدينة خلال سنوات سيطرة تنظيم «داعش» قبل تحريرها عام 2018، وانتهت بكارثة «إعصار دانيال» في سبتمبر (أيلول) 2023.

وأوضحت شنيب أن «أنشطة النادي تجمدت تحت وطأة هذه الظروف القاسية، وكان أقساها الإعصار الذي دمّر مقر النادي بالكامل، وأودى بحياة عدد من لاعبيه ومشجعيه والعاملين فيه، ما ضاعف حجم التحديات أمام الإدارة الجديدة».

علم نادي «دارنس» الليبي (الصفحة الرسمية للنادي)

وكانت الفيضانات المدمرة التي اجتاحت درنة في عام 2023 قد تسببت في انهيار سدين وخسائر بشرية ومادية واسعة، كما أدت إلى توقف نشاط النادي في الدوري الممتاز نتيجة الأضرار، التي لحقت بمنشآته قبل أن يستأنف نشاطه العام الماضي.

وترى شنيب أن النادي يمر بمرحلة تتطلب «إعادة تأسيس حقيقية من القواعد والركائز الأساسية»، مشيرة إلى أن خطتها ترتكز على إعادة هيكلة الجوانب الإدارية والمالية والبشرية، وبناء إدارة قادرة على استعادة الاستقرار، ووضع أسس تنموية طويلة الأمد. وقالت إن الهدف «لا يقتصر على تجاوز آثار الأزمة، بل يشمل استعادة المكانة التاريخية للنادي، ونطمح إلى أن يعود دارنس منافساً على لقب الدوري الليبي مستقبلاً».

ويحمل وصول البرلمانية الليبية، انتصار شنيب، إلى رئاسة «دارنس» دلالات تتجاوز الرياضة، في ظل حضور المرأة الليبية في بعض مواقع المسؤولية العامة، وثقل نسائي ديموغرافي ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.

يأتي ذلك وسط مناخ عام من الجمود السياسي والأزمات المعيشية، وفي بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً بين حكومتين: إحداهما في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى تسيطر على الشرق وأجزاء من الجنوب برئاسة أسامة حماد، وتحظى بدعم «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

تميز في ظروف معقدة

تبرز منذ عام تجربة الزائرة الفيتوري المقطوف، باعتبارها أول امرأة تُنتخب عميدة لبلدية في ليبيا بمدينة زلطن (على الحدود الليبية التونسية) نهاية عام 2024، قبل أن تلحق بها جميلة اللواطي في بلدية سلوق (شرق) مطلع العام الحالي.

ومن واقع تجربتها في الإدارة المحلية، أعربت المقطوف لـ«الشرق الأوسط» عن ثقتها في نجاح تجربة شنيب، عادّة أن «المرأة الليبية أثبتت قدرتها على تحمل المسؤولية في ظروف معقدة، والمساهمة في جهود الاستقرار وإعادة الإعمار».

وتستند المقطوف في هذه الثقة إلى تجربة تمكنت فيها من تنفيذ مشروعات خدمية وتنموية ظلّت متعثرة لعقود، مقرّة بتعاون حكومي من جانب سلطات في غرب ليبيا، شملت تطوير شبكات طرق والإنارة، وحفر آبار جديدة، وإعادة تأهيل محطة التحلية، إلى جانب إنشاء ورفع تصنيف مستشفى زلطن من مستشفى قروي إلى مستشفى عام، وتأسيس دار ضيافة لزوار المدينة، بل توفير أكثر من 600 فرصة عمل، وإطلاق برامج تدريب وتأهيل للشباب والنساء.

نادي «دارنس» بعد إعادة افتتاحه العام الماضي إثر ما تعرض له خلال «إعصار دانيال» (وكالة الأنباء الليبية)

ومع ذلك، أشارت أول عميدة بلدية إلى أن طريق المرأة الليبية ليس مفروشاً بالورود، مع الحاجة إلى «جهد مضاعف لاستكمال مشروعات البنية التحتية»، مشيرة إلى أنها تضطر إلى قطع 160 كيلومتراً بشكل متكرر بين زلطن وطرابلس لمتابعة الملفات الحكومية مع الوزارات في طرابلس، وحلّ مشكلات تراكمت وجعلت البلدية مهمشة. ومبرزة «استمرار تحديات تتعلق بخلافات مرتبطة بالحدود الإدارية لبلدية زوارة، رغم صدور حكم قضائي في هذا الشأن، إلى جانب حملات ممنهجة من الانتقادات والشائعات التي تستهدف عملها كأول عميدة بلدية».

ويحظى تمكين المرأة الليبية بدعم دولي متزايد، إذ دعا بيان صادر عن الأمم المتحدة هذا الشهر إلى تعزيز حضور النساء في مواقع صنع القرار التنفيذية والتشريعية، وإزالة معوقات تمكينهن الاقتصادي، وإشراكهن في صياغة سياسات الأمن الوطني وحماية حقوق الإنسان.

يأتي ذلك فيما تتولى النساء 5 حقائب وزارية، إلى جانب عضويتهن في مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، فيما شهدت السنوات الأخيرة وصول نساء إلى مواقع قيادية في الإدارة المحلية.

وتشكل النساء نحو 49.3 في المائة من إجمالي سكان ليبيا، إذ يبلغ عددهن نحو 3 ملايين و638 ألفاً و621 امرأة، من أصل 7 ملايين و384 ألفاً و208 نسمة، بحسب أحدث بيانات مصلحة التعداد والإحصاء الرسمية.

ومع ذلك، ترى الناشطة الحقوقية، انتصار القليب، أن وصول النساء إلى مواقع قيادية في البلديات والقطاع الرياضي، إلى جانب دورهن التنفيذي والتشريعي، «يعكس تحولاً تدريجياً في المجتمع الليبي، ويؤكد تنامي الثقة بقدرات المرأة على إدارة الشأن العام».

وقالت القليب لـ«الشرق الأوسط» إن «الليبيات أثبتن كفاءتهن في العمل وسط ظروف معقدة، رغم استمرار أزمات سياسية وأمنية واجتماعية»، مبرزة أن انتخاب «انتصار شنيب لرئاسة نادي دارنس، ومن قبلها وصول نساء إلى رئاسة بلديات ومناصب تنفيذية أخرى، يمثل مؤشراً على اتساع فرص تمكين المرأة، لكنه يتطلب دعماً مؤسسياً وتشريعياً لتعزيز مشاركتها في مختلف القطاعات، وقبل ذلك توحيد مؤسسات الدولة الليبية».