بكتيريا صحراوية تساعد النباتات على التكيف مع الحرارة وشحّ المياه

علماء «كاوست» يكشفون عن «الحل السحري» للزراعة في هذا القرن

تستعين النباتات بمجموعةٍ من الكائنات الدقيقة في التربة
تستعين النباتات بمجموعةٍ من الكائنات الدقيقة في التربة
TT

بكتيريا صحراوية تساعد النباتات على التكيف مع الحرارة وشحّ المياه

تستعين النباتات بمجموعةٍ من الكائنات الدقيقة في التربة
تستعين النباتات بمجموعةٍ من الكائنات الدقيقة في التربة

اكتشف باحثو جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) أن البكتيريا الصحراوية يمكن أن تُمثل مُفتاح النجاة لتحسين صحة كلٍّ من النبات والإنسان، حيث تمكن الباحثون على مدار السنوات الثماني الماضية، من معرفة كيف تتفاعل الميكروبات مع النباتات الصحراوية بشكل ساعدها على البقاء حتى في الظروف الأكثر تطرفاً على الأرض، مثل الجفاف، أو فرط الملوحة، أو السخونة، وعملوا على استغلال الدور النافع لهذه الميكروبات لصالح نباتات المحاصيل، لتزدهر الزراعة في المناطق القاحلة، أو في ظل الظروف البيئية القاسية.
ميكروبات صحراوية
جمع البروفيسور هريبرت هيرت، أستاذ علوم النبات في «كاوست»، مع فريقه عدة آلاف من سلالات هذه الميكروبات من مختلف الصحاري في جميع أنحاء الشرق الأوسط، ضمن دراسة آليات بقاء النباتات التي تعيش في الظروف القاسية، وعملوا على تطبيق ما توصل إليه على نباتات المحاصيل. وجاء إنجازهم الرائد متمثلاً في الكَشْف عن أن كثيراً من الميكروبات التي تعيش في جذور النباتات الصحراوية تستطيع العيش لدى أكثر من مضيف، ثم نجحوا بعدها في نقل هذه الميكروبات إلى أنواعٍ أخرى من النباتات. وتعليقاً على هذا الإنجاز، قال الدكتور ماجد سعد، كبير الباحثين في مركز الزراعة الصحراوية بـ«كاوست»، إن أحد التحديات التي واجهت الفريق تَمَثل في كيفية إتاحة الميكروبات النافعة لصغار مزارعي الصحراء.
وللتغلُّب على هذا التحدي، طَوَّر الفريق تقنية تُمكِّن مجموعة مختارة من الميكروبات من تغطية البذور. وبتمويلٍ من الجامعة، وفَّر الفريق كمياتٍ صغيرة من البذور المغطاة بالبكتيريا لصغار المزارعين في السعودية، من أجل اختبار التقنية على أرض الواقع على بعض المحاصيل، مثل الخيار، والطماطم، والبرسيم الحجازي.
ويرى هيرت أن ميكروبات التربة النافعة هذه يمكن أن تكون «الحل السحري» للزراعة في هذا القرن؛ إذ ستساعد النباتات على النمو في ظروف الجفاف، والإجهاد الملحي، ودرجات الحرارة القصوى.
وشرح قائلاً: «تتكيف الميكروبات الصحراوية جيداً مع الظروف البيئية القاسية، مثل الحرارة، والملوحة المرتفعة. وهي تساعد النباتات الصحراوية على النمو في مثل هذه الظروف، إذ تمدُّها بالعناصر الغذائية، وتُحسِّن من قدرتها على تحمُّل درجات الحرارة المرتفعة وشُحّ المياه».
فعلى سبيل المثال، حدد فريق هيرت سلالة من البكتيريا تُعزِّز مقاومة النباتات للجفاف عن طريق تحسين كفاءة استهلاكها للمياه. وعن نِسَب التحسُّن المُتوقعة، عَلَّق هيرت قائلاً: «يمكننا تقليل استهلاك مياه الري بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المائة مع الحفاظ على معدلات الإنتاج». وعن أهمية هذا يقول هيرت موضحاً: «تُقدِّر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) أن المزارعين سيكون عليهم زيادة إنتاج الغذاء بنسبة 70 في المائة بحلول عام 2050؛ للوفاء باحتياجات سكان العالم، الذين تتزايد أعدادهم. وإذا كان بإمكانك تحسين إنتاجية المحاصيل، دون استخدام مبيدات الآفات أو الأسمدة الصناعية، فستكون هذه نقطة تَحَوُّلٍ جذرية». وأضاف الباحث: «نحن بحاجة إلى حلولٍ سريعة ومنخفضة التكلفة، وفي متناول مزارعي الكفاف، الذين يأكلون ما يزرعون». ويقول سعد إن أبحاثهم تساعد على مواجهة التحديات العالمية، مثل التغيُّر المناخي، والأمن الغذائي، والاستدامة، وإنها قد تثمر عن تطبيقاتٍ في المجال الصحي، من خلال ما يمكن أن تكشفه من أدواتٍ جينية، ومضاداتٍ حيوية جديدة، على سبيل المثال.
التأقلم مع الظروف القاحلة
من جانب آخر يعمل فريقٌ بقيادة البروفيسور دانييل دافونشيو، أستاذ العلوم البيولوجية بـ«كاوست»، على استغلال التنوع الميكروبي من أجل تعزيز نمو النباتات في التربة القاحلة. ويعكف الفريق حاليّاً على دراسة بيئة الكائنات الدقيقة في الأنظمة البيئية الصحراوية، خصوصاً الكائنات المرتبطة بالنباتات الصحراوية. وعن تأثير الميكروبات على النباتات، يقول دافونشيو: «تعمل الكائنات الدقيقة، إلى جانب التربة والمنطقة الملاصقة لجذور النباتات (الرايزوسفير)، وأيضاً منطقة الأنسجة النباتية (الإندوسفير)، بمثابة مجتمعاتٍ تفاعلية، تتضمن أنواعاً مختلفة من الميكروبات التي تتفاعل أيضاً مع النبات المضيف، ومصفوفة التربة، والعوامل البيئية المحيطة في شبكة معقدة من التفاعلات الجزيئية». ويبحث فريقه كيف يمكن لهذه التفاعلات الجزيئية أن تؤثر على استيطان الكائنات الدقيقة لجذور النباتات، وعلى نمو النباتات أيضاً. إضافة إلى هذا يدرس الباحثون حاليّاً العوامل البيئية، مثل درجة الحرارة، والرطوبة، والجفاف، ومستوى الملوحة، والخصائص الكيميائية عند مناطق التمَاس بين التربة والجذور، بالإضافة إلى أنواع النباتات، ومجتمعاتها الإيكولوجية.
على سبيل المثال، تعمل الباحثة رامونا ماراسكو، المتخصصة في البيولوجيا الدقيقة، على دراسة تَجَمُّعات المجتمعات الميكروبية في النباتات الصحراوية البرية والأنواع المُستزرَعة، مثل نخيل البلح، تحت الظروف المناخية المختلفة، وفي أنواعٍ مختلفة من الترب. وتكشف أبحاثها أنه رغم تَوفُّر مجموعة متنوعة من الكائنات الدقيقة، فإن نخيل البلح، مثل غيره من النباتات الصحراوية، دائماً ما يستعين بمجتمعاتٍ ميكروبية بالغة التشابه، تتشكّل من أنواع مختارة من مُحفزات نمو النباتات، تعمل على تخفيف الإجهاد الناتج عن الجفاف، على الرغم من تنوع الكائنات الدقيقة المتوفرة.
ومحفزات النمو، مثل السماد الطبيعي، تهدف إلى تسريع معدل نمو وانقسام الخلايا والاستطالة دون الإخلال بأفعالها الفسيولوجية الطبيعية.
ويقول دافونشيو عن ذلك: «هذا النوع من الاختيارات الثابتة تفرضه الظروف القاسية للتربة الصحراوية وللبيئات الصحراوية عموماً، التي تحدّ من الخيارات المتوفرة للنباتات».
وبينما يدرس الباحثون المجتمعات الميكروبية المُعقدة في التربة، والظروف القاسية للأنظمة الإيكولوجية الصحراوية، من المهم أن يُقيِّموا ويفهموا إيكولوجيا منظومة جذور النباتات على مستوى المجتمعات الميكروبية. وعن طبيعة ذلك يقول دافونشيو: «هناك تجري التفاعلات الخاصة بالكائنات الدقيقة المُحفزة لنمو النباتات، سواء الطبيعية منها أو المضافة، مثل الملقحات التي تتكون من كائنات دقيقة مفيدة، فتُحدِث بذلك تأثيراتها النافعة».
دروسٌ مستفادة
علاوة على ذلك، اهتم عالم البيولوجيا البروفيسور أليكساندر روسادو، وأستاذ علوم الأحياء بالجامعة بدراسة الميكروبات التي تعيش في كثير من الأنظمة البيئية بالسعودية، بما في ذلك الصحاري، والبراكين، وذلك من خلال أبحاثه على الكائنات التي تعيش في البيئات القاسية للغاية، مثل الكائنات التي تسمى مُحبات الظروف الصعبة أو «إكستريموفيل» (Extremophiles) والبيئات القاسية مثل الينابيع الساخنة، والمياه المالحة، والمستنقعات وغيرها. وقد كشف في أبحاثه عن عائلة من البكتيريا الصحراوية يمكنها أن تعيش على كمياتٍ ضئيلة من ثاني أكسيد الكربون، كما تستطيع امتصاص النيتروجين بكفاءة عالية.
يقول روسادو إن هذه الآليات الجديدة لتثبيت النيتروجين والكربون يمكن أن تساعدنا في ابتكار منتجات التقنية الحيوية الجديدة، بما يحقِّق الاستدامة في مجالات الطاقة الحيوية والزراعة.
وعن أهمية ذلك يوضح معقِّباً: «تطبيقات التقنية الحيوية الممكنة لهذه الآليات يمكن أن تشمل مزيداً من التطوير للنباتات المعدَّلة جينيّاً، القادرة على استهلاك النيتروجين، سواء في وجود كمياتٍ ضئيلة من الأسمدة الكيميائية، أو في عدم وجودها على الإطلاق».
إضافة إلى هذا، يهتم روسادو كذلك بالتطبيقات الممكنة لتلك الميكروبات في مجال استيطان الفضاء.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
TT

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

في الطب، لا تبدأ الحقيقة دائماً بما نراه... بل كثيراً بما لا يُعرض علينا أصلاً، فالأرقام، مهما بدت دقيقة، لا تحكي القصة كاملة، والخوارزميات، مهما بلغت من ذكاء، لا تُفصح عن حدودها بصراحة.

حين تعتمد أوروبا على الذكاء الاصطناعي

تقرير أوروبي

في هذا السياق، صدر تقرير حديث عن منظمة الصحة العالمية - المكتب الإقليمي لأوروبا، ونُشر رسمياً في 20 أبريل (نيسان) 2026، ليُقدّم أول صورة شاملة عن واقع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية داخل دول الاتحاد الأوروبي. لا بوصفه وعداً تقنياً، بل محاولة لقياس ما أصبح بالفعل جزءاً من الممارسة الطبية اليومية: مَن يستخدم هذه الأنظمة؟ كيف تُدمج في القرار السريري؟ وإلى أي حد يمكن الوثوق بها؟

ما الذي نقيسه... وما الذي يغيب عنا؟

لكن ما يلفت الانتباه في هذا التقرير، ليس فقط ما كشفه من أرقام بل ما تركه خارج القياس. فبينما يشير إلى أن نحو 64 في المائة من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص، خصوصاً في تحليل الصور الطبية، يظل السؤال الأعمق معلقاً: هل تكفي هذه المؤشرات لفهم ما يحدث فعلاً داخل غرفة القرار الطبي؟

في مقالات سابقة، كان السؤال: مَن يقرر؟ أما اليوم، فقد تغيّر السؤال: ماذا لا نرى؟

بين الانتشار والفهم... فجوة لا تُرى

لم يعد إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المستشفيات تحدياً تقنياً يُذكر؛ فالنماذج قادرة اليوم على تحليل آلاف الصور الطبية في لحظات، واقتراح مسارات تشخيصية بدقة لافتة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القدرة على الاستخدام، بل في القدرة على الفهم: ماذا تفعل هذه الأنظمة حين تعمل؟ وأين تتوقف حدودها؟

تفاوت الجاهزية البشرية والتنظيمية

يكشف تقرير منظمة الصحة العالمية عن تفاوت واضح بين الدول، لا في توفر التكنولوجيا، بل في جاهزيتها البشرية والتنظيمية؛خصوصاً في مجالات الحوكمة الأخلاقية، وتأهيل الأطباء، وإدارة البيانات. لكن هذا التفاوت الظاهر يخفي وراءه فجوة أعمق، لا تُقاس بسهولة.

إنها فجوة معرفية قبل أن تكون تقنية، فالذكاء الاصطناعي لا يعمل بمنطق الشك الذي اعتاد عليه الطبيب، ولا يعلن عن مناطق ضعفه كما يفعل العقل البشري حين يتردد. إنه يولد إجابات، لكنه لا يكشف عمّا استُبعد من الحساب، ولا عمّا لم يُمثَّل في البيانات أصلاً.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«الصمت الخوارزمي»؛ ليس بوصفه خللاً في الأداء، بل خاصية بنيوية في هذه الأنظمة: فراغ غير مرئي داخل القرار؛ حيث لا يكون الخطأ في ما قِيل، بل فيما لم يُطرح أصلاً.

هل يُقاس الطب بالخوارزميات وحدها؟

في بيئة طبية تتسارع فيها الأنظمة الذكية، يسهل اختزال جودة الرعاية الصحية في مؤشرات الأداء: دقة أعلى، وقت أقل، وقرارات أسرع. غير أن هذا القياس، على أهميته، يظل عاجزاً عن التقاط جوهر القرار الطبي. فالطب لا يقوم فقط على ما يُكتشف، بل على كيفية التعامل مع ما يظل غير محسوم.

الطبيب لا يعمل داخل معادلة مغلقة، بل داخل مساحة مفتوحة من الاحتمالات؛ حيث تُعاد صياغة القرار مع كل معلومة جديدة، ومع كل شك يظهر في الطريق. وهذا ما لا تعكسه المؤشرات الرقمية، ولا تُترجمه النماذج الحسابية بسهولة.

تفاعل الطبيب

التقرير الأوروبي يقيس مدى انتشار الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يقيس كيفية تفاعل الطبيب مع مخرجاته: متى يقبلها؟ ومتى يعيد تفسيرها؟ ومتى يختار أن يتجاوزها؟ هذه اللحظات -التي لا تُسجل في البيانات- هي التي تُشكّل جوهر الممارسة السريرية.

وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: كلما أصبحت الأنظمة أكثر دقة في الإجابة، ازدادت الحاجة إلى عقل قادر على إعادة طرح السؤال.

من يكتب القواعد... الإنسان أم الآلة؟

يُظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن الدول الأوروبية لا تتحرك بإيقاع واحد في تنظيم الذكاء الاصطناعي الطبي؛ فبعضها صاغ استراتيجيات وطنية واضحة، في حين لا يزال بعضها الآخر في طور البحث عن إطار ينظم ما يتسارع قبل أن يُفهم بالكامل.

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بوجود القوانين، بل بطبيعة ما نحاول تنظيمه. فالذكاء الاصطناعي لم يعد أداة ثابتة يمكن إخضاعها لقواعد جامدة، بل نظام يتعلم ويتغير، وتتشكل مخرجاته من تفاعل معقد بين البيانات والسياق وطريقة الاستخدام.

وهنا تظهر مفارقة تنظيمية عميقة: نحن نكتب قواعد لأنظمة لا تتوقف عن إعادة تشكيل نفسها. فالقانون يفترض ثبات السلوك، في حين تقوم هذه الأنظمة على التحول المستمر.

لهذا، لم تعد مساءلة الذكاء الاصطناعي مساءلة تحديد «من أخطأ»، بل فهم كيف تُشكّل القرار أصلاً، ومن أين بدأ مساره. إنها مساءلة لا تبحث فقط في النتيجة، بل في البنية التي أنتجتها، وهذا ما يجعلها أقرب إلى سؤال فلسفي منه إلى إجراء تنظيمي تقليدي.

أوروبا تتقدم... فماذا عن العالم العربي؟

ما يلفت النظر في تقرير منظمة الصحة العالمية ليس فقط ما حققته أوروبا، بل ما يكشفه ضمنياً عن موقعنا نحن في هذه الخريطة المتحركة. ففي العالم العربي، تبدو الصورة غير متجانسة، بل أقرب إلى تفاوت حاد بين دول تقود التجربة، وأخرى لا تزال في بداياتها الأولى.

المملكة تقود التحول حيث يلتقي الطب بالذكاء

في المقدمة، تبرز المملكة العربية السعودية نموذجاً يقود التحول في الذكاء الاصطناعي الطبي، ضمن رؤية استراتيجية واضحة ترتبط بـ«رؤية السعودية 2030»؛ حيث لم يعد الاستخدام مقصوراً على التجريب، بل أصبح جزءاً من البنية التشغيلية في المستشفيات، ومنصات الرعاية الافتراضية، وتحليل البيانات الصحية على نطاق واسع.

تلي السعودية كل من قطر والإمارات العربية المتحدة بخطوات متفاوتة؛ حيث تتشكل منظومات واعدة، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى التكامل الشامل الذي نشهده في التجربة السعودية.

أما بقية العالم العربي، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الدول، فتتراوح بين مراحل وضع الأسس الأولية للذكاء الاصطناعي الطبي، أو غيابه شبه الكامل عن الممارسة السريرية المنظمة. وهنا لا تكون الفجوة تقنية فحسب، بل فجوة في الرؤية والتخطيط والجاهزية البشرية.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسريع التبني فقط، بل في كيفية توجيهه. فالسؤال لم يعد: كم نظاماً نملك؟ بل: كيف نستخدمه؟ ومن يفسر نتائجه؟ وهل الطبيب العربي اليوم مُهيأ ليكون شريكاً في القرار، لا مجرد متلقٍ لمخرجاته؟

ما الذي لا يظهر في التقارير؟

ربما يكون أهم ما كشفه تقرير منظمة الصحة العالمية... هو ما لم يقله صراحة. فبين الأرقام، تختفي تفاصيل لا تُقاس: قلق طبيب شاب أمام توصية لا يفهم آليتها، أو مريض يبدأ موازنة ثقته بين الإنسان والنظام.

هذه المساحات غير المرئية ليست هامشية، بل هي التي تُشكّل جوهر القرار الطبي؛ حيث تتقاطع الدقة مع الشك، والتوصية مع المسؤولية.

الخلاصة: السؤال الذي تغيّر

في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُستخدم في الطب، بل في مَن يقود القرار حين يلتقي الإنسان بالخوارزمية.

في هذا العصر، لم تعد الأخطاء تختبئ فقط في القرارات الخاطئة، بل في القرارات التي لم تُتخذ، وفيما لم يُعرض أصلاً على طاولة التفكير السريري. ولهذا، لم يعد السؤال: هل أخطأ النظام؟ بل أصبح:

ما الذي لم نره... وكان ينبغي أن يكون جزءاً من القرار؟


«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)

كشفت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن تلسكوبها الفضائي الجديد «رومان» القادر على مسح أجزاء شاسعة من الكون بحثاً عن كواكب خارجية، وكذلك عن إجابات لأكبر الألغاز الفيزيائية المتمثلة في المادة والطاقة المظلمتين.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مدير «ناسا» جاريد آيزاكمان قوله أمس (الثلاثاء) من مركز غودارد التابع للوكالة في ولاية ماريلاند (شرق الولايات المتحدة)، إن هذا التلسكوب من الجيل الأحدث «سيوفِّر لكوكب الأرض أطلساً جديداً للكون».

وسيُنقل التلسكوب الذي يتجاوز طوله 12 متراً والمزوَّد ألواحاً شمسية ضخمة إلى فلوريدا، تمهيداً لإرساله إلى الفضاء في أقرب وقت مطلع سبتمبر (أيلول)، بواسطة صاروخ تابع لشركة «سبيس إكس».

وأُطلقت تسمية «رومان» على هذا التلسكوب الذي فاقت تكلفته 4 مليارات دولار، تيمناً بنانسي غريس رومان، إحدى أهم عالمات الفلك الأميركيات، والملقبة بـ«أم هابل»، نسبة إلى تلسكوب «هابل» الشهير التابع لـ«ناسا».

ومن نقطة مراقبة تبعد 1.5 مليون كيلومتر عن كوكب الأرض، سيمسح «رومان» مناطق شاسعة من السماء، بفضل مجال رؤيته الواسع الذي يفوق مجال رؤية «هابل» بأكثر من مائة مرة.

وقال مهندس الأنظمة في مهمة «رومان» مارك ميلتون، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن التلسكوب الجديد سيُرسِل إلى الأرض «11 تيرابايت من البيانات يوميّاً، ما يعني أن كمَّ البيانات التي سيوفِّرها في السنة الأولى وحدها يفوق ما جمعه تلسكوب هابل طوال فترة عمله» منذ دخوله الخدمة قبل 35 عاماً.

وتوقَّعت المسؤولة عن الأنشطة العلمية في «ناسا» نيكي فوكس، أن يتيح «رومان» بفضل عدسته الواسعة الزاوية «اكتشاف عشرات الآلاف من الكواكب الجديدة»، فضلاً عن «آلاف المستعرات العظمى» أي النجوم الضخمة التي شارفت دورة حياتها نهايتها.

لكنَّ «رومان» يهدف أيضاً إلى دراسة ما هو غير مرئي، أي دراسة المادة والطاقة المظلمتين اللتين يُعتقد أنهما تمثِّلان 95 في المائة من الكون.

وبفضل الأشعة تحت الحمراء، سيتمكَّن «رومان» من رصد الضوء المنبعث من أجرام سماوية قبل مليارات السنين، والعودة بذلك إلى الماضي، لفهم هاتين الظاهرتين الغامضتين بصورة أفضل.


دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
TT

دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)

خلصت دراسة قدمت في اجتماع الجمعية الأميركية لأبحاث السرطان في سان دييغو إلى أن التعرض للدخان الناتج عن حرائق الغابات يرتبط بارتفاع كبير في مخاطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان.

وحلل الباحثون بيانات عن انتشار الإصابة بالسرطان من تجربة فحص سرطان البروستاتا والرئة والقولون والمستقيم والمبيض، والتي تتعقب حالات التشخيص الجديدة بالسرطان لدى بالغين في أنحاء الولايات المتحدة ليس لديهم تاريخ سابق من الإصابة بالأورام الخبيثة.

ولتحديد مقدار التعرض لدخان حرائق الغابات، أجرى الباحثون تقييما للجسيمات الدقيقة والكربون الأسود في الجو باستخدام بيانات تلوث الهواء على مستوى سطح الأرض من الأحياء التي يعيش فيها المشاركون، إلى جانب صور الأقمار الصناعية التي ساعدت في حساب عدد الأيام التي تعرضت فيها مناطق إقامتهم للدخان.

ومن بين 91460 مشاركا تم تسجيل بياناتهم بين عامي 2006 و2018، ارتبط التعرض لدخان حرائق الغابات بشكل كبير بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة والقولون والمستقيم والثدي والمثانة والدم، ولكن ليس بسرطان المبيض أو الجلد.

ووجد الباحثون أيضا أن خطر الإصابة بهذه الأنواع من السرطان يزداد مع ارتفاع مستوى تلوث الهواء الناتج عن الحرائق.

وقال رئيس الدراسة تشي تشن وو من مركز السرطان الشامل بجامعة نيو مكسيكو في بيان «الرسالة الرئيسية هي أن دخان حرائق الغابات ليس مجرد مشكلة قصيرة الأمد تتعلق بالجهاز التنفسي أو القلب والأوعية الدموية. فقد ينطوي التعرض المزمن له أيضا على مخاطر الإصابة بالسرطان على المدى الطويل».

وأضاف «من الملحوظ أن زيادة خطر الإصابة بالسرطان قد تحدث حتى عند مستويات منخفضة نسبيا من دخان حرائق الغابات (الجسيمات الدقيقة) التي يتعرض لها السكان عادة».

وأشار وو أيضا إلى أن مصدر ومكونات دخان حرائق الغابات تختلف باختلاف المناطق الجغرافية، وقد تتأثر الصحة أيضا بالمركبات والتحولات الكيميائية التي تحدث للدخان أثناء انتشاره.