قصف عنيف على مدن أوكرانية... والعالم ينتظر «الهجوم الشامل»

رسالة بوتين أمام الهيئة التشريعية تحدد ملامح التطورات المقبلة

وحدة مقاتلة من حرس الحدود الأوكراني في غرفة العمليات في باخموت (أ.ف.ب)
وحدة مقاتلة من حرس الحدود الأوكراني في غرفة العمليات في باخموت (أ.ف.ب)
TT

قصف عنيف على مدن أوكرانية... والعالم ينتظر «الهجوم الشامل»

وحدة مقاتلة من حرس الحدود الأوكراني في غرفة العمليات في باخموت (أ.ف.ب)
وحدة مقاتلة من حرس الحدود الأوكراني في غرفة العمليات في باخموت (أ.ف.ب)

مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لاندلاع المعارك في أوكرانيا، بدا أن التصعيد الميداني المتسارع في الأيام الأخيرة، يسابق تحضيرات طرفي النزاع لإطلاق مرحلة جديدة في الصراع، تتوقع أوساط روسية أن تكون حاسمة، لجهة محاولة رسم خريطة «شبه نهائية» لمناطق النفوذ على الأرض.
وتزامن الإعلان صباح الجمعة عن هجوم صاروخي روسي عنيف على عدة مدن أوكرانية، مع الكشف عن موعد إلقاء الرسالة السنوية للرئيس فلاديمير بوتين أمام الهيئة التشريعية الروسية. وأفاد الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف بأن بوتين سوف يلقي كلمته في 21 فبراير (شباط) الجاري، وهو الموعد الذي يصادف الذكرى السنوية الأولى لإعلان روسيا الاعتراف رسمياً بـ«استقلال» دونيتسك ولوغانسك، قبل أن يتم إطلاق «العملية العسكرية الخاصة» لـ«تحرير» المنطقتين بعد ذلك بثلاثة أيام في 24 فبراير. وقال بيسكوف إن كلمة الرئيس الروسي سوف تخصص لـ«الوضع الراهن»، بما في ذلك «سير العملية العسكرية الروسية الخاصة بأوكرانيا والوضع الاقتصادي وغير ذلك من القضايا الاجتماعية».
كان الإعلان عن توقيت الرسالة السنوية للرئيس لافتاً، وكذلك لفت الأنظار أكثر طبيعة المدعوين لحضور هذه المناسبة. وخلافاً للعادة في سنوات سابقة عندما تتم دعوة الدبلوماسيين الأجانب وحكام الأقاليم وكبار مسؤولي الدولة وممثلي الطوائف الدينية إلى جانب أعضاء غرفتي البرلمان (النواب والشيوخ)، فإنه «نظراً لحساسية الوضع هذا العام، سوف تتم دعوة فئات جديدة لحضور خطاب الرئيس، بمن فيهم عدد من المشاركين في العملية العسكرية الروسية الخاصة بأوكرانيا».

إذن، ينتظر أن يقدم الرئيس «جردة حساب كاملة» للعمليات العسكرية خلال عام، وأن يكون هذا الموضوع الأبرز، وأن يقدم رؤيته لمسار المعارك في المرحلة المقبلة، فضلاً عن شروطه للتسوية السياسية التي ما زالت بعيدة.
في إطار جردة الحساب سوف يكون على بوتين، كما يقول خبراء، أن يقدم أمام الحضور وأمام الأمة الروسية كلها، رزمة «إنجازات» هذه الحرب التي بدأت قبل عام. يربط بعض الخبراء ذلك باحتدام وتيرة المعارك وتوسيع الهجمات بشكل قوي في منطقة دونباس خلال الأسابيع الماضية. يقول بعضهم إن بوتين «يحتاج لتقديم إنجاز واضح ومحدد»، لأن مجريات القتال خلال عام كامل لم تأتِ بالنتائج المرجوة، إذ لا يزال نصف دونيتسك تحت سيطرة الجيش الأوكراني، وأجزاء مهمة من لوغانسك، وكذلك لم تتقدم القوات الروسية كثيراً في زابوروجيا التي ما زالت تشهد معارك ضارية في محيطها، وفي خيرسون تراجعت موسكو الخريف الماضي تحت ضغط الهجوم الأوكراني المضاد. هذه المناطق الأربع التي ضمتها موسكو قبل أشهر، شكلت أصلاً عنوان العملية العسكرية الرئيسي الذي تمحور حول «إنقاذ دونباس» ومحيطها ومنع التهديد الحاصل على شبه جزيرة القرم انطلاقا من أراضي أوكرانيا.
إذن، مع ربط التصعيد القوي أخيراً بحاجة الكرملين إلى «إنجاز المهمة» أو جزء كبير منها على الأقل، يتوقع خبراء أن تكون المرحلة المقبلة حاسمة لجهة تحديد السقف الأدنى المقبول من جانب الكرملين، الأمر الذي يعني «تحرير الأراضي الروسية الجديدة» نهائياً على الأقل، أو الذهاب نحو معركة شاملة تهدف إلى إجبار الأوكرانيين على «الاستسلام» في حال فشلت هذه المهمة.
في هذا الإطار، جاء تكثيف النشاط العسكري الروسي بالتزامن مع تكثيف تحركات الرئيس فولوديمير زيلينسكي في أوروبا للحصول على أسلحة ومعدات ثقيلة. وقبل عودة الأخير من جولته الأوروبية، كثفت موسكو هجماتها بشكل قوي في مسعى لتوجيه رسالة واضحة إلى الغرب بأن تسليح أوكرانيا لن يغير كثيراً من المعادلات التي رسمها الكرملين على الأرض.
صباح الجمعة، أعلن عن سماع دوي انفجارات ضخمة في كييف وخاركوف، وتم الإعلان عن إنذار غارات جوية في جميع أنحاء البلاد. وفقاً لرئيس بلدية خاركيف، إيغور تيريكوف، في الساعة 11:00 بتوقيت موسكو، كانت هناك ضربة أخرى للبنية التحتية الحيوية للمدينة. كما أفادت وسائل الإعلام الأوكرانية عن انفجارات في منطقتي أوديسا وبولتافا. ووفقاً للسلطات المحلية، تتعرض مناطق دنيبروبتروفسك وكيروفوغراد وأوديسا وفينيتسا وبولتافا وكريفوي روج وكريمنشوك لإطلاق نار. وتم تنشيط عمل الدفاعات الجوية في منطقتي لفيف وإيفانو فرانكيفسك.
هو هجوم جوي شامل تقريباً استهدف كل مناطق أوكرانيا من الشرق في خاركيف إلى أقصى الغرب في أوديسا جنوباً ولفيف شمالاً، ومن كييف إلى كل مناطق الوسط. يتزامن ذلك، مع تسريع وتيرة تطويق أرتيوموفسك (باخموت) كما قال إيغور كيماكوفسكي، مستشار حاكم دونيتسك المعين من جانب موسكو. قال المسؤول إن جميع الطرق بالقرب من أرتيوموفسك (باخموت) تخضع لسيطرة القوات المسلحة الروسية، وتابع: «لقد تم الإعلان بالفعل عن تحرير كراسنايا غورا، ما يعني أننا نقوم بالفعل بقصف جميع الطرق من هذه التلال. ومن الواضح أنه توجد طرق أخرى بخلاف الطرق الرئيسية، حيث يمكنك التحرك على طول أحزمة الغابات، وعلى طول الطرق الترابية، أي أنه ما زالت هناك طرق للإمدادات والتعزيزات والذخيرة، لكن جميع الطرق الآن تخضع لسيطرة نيران القوات المسلحة الروسية». ويرى كيماكوف أن التشكيلات الأوكرانية سوف «تقع في دائرة العمليات قريباً، وسيكون مصيرها تسليم مدينة أرتيوموفسك».
وكان حاكم دونيتسك دينيس بوشيلين قد قال، في وقت سابق، إن القتال بدأ بالفعل في ضواحي أرتيوموفسك، كما ذكرت «بلومبرغ» يوم الخميس، نقلاً عن ممثلين للولايات المتحدة وسلطات الاتحاد الأوروبي، أن الدول الغربية تنصح كييف بمحاولة كسب الوقت، وتجميع قواتها في انتظار وصول دبابات «ليوبارد» الموعودة، من أجل شن الهجوم في الربيع، والتضحية بأرتيوموفسك في المرحلة الحالية.
يتوقع خبراء عسكريون أن سقوط باخموت سوف يعني تقدماً سريعاً في مناطق سهلة ومكشوفة وراء المدينة المحصنة، ما يعني تقريب موسكو من تحقيق هدف «تحرير دونيتسك» بالكامل. في الوقت ذاته، تواصل موسكو شن عمليات قوية في محيط زابوروجيا وعلى أطراف خاركيف. وفي حين أن الأنظار في العالم تتجه نحو استعدادات جارية للسيناريو الآخر الذي يتحدث عن هجوم شامل في الربيع، لم يعد يخفى أن المعركة الأساسية لروسيا قد بدأت بالفعل منذ أسابيع، وفي حال نجحت موسكو في إنجاز أهدافها الحالية لن تضطر إلى الذهاب نحو توسيع المعركة وفقاً لذلك السيناريو. الأمر الآخر المرتبط بهذا الموضوع الذي لن يغيب بالتأكيد عن خطاب بوتين، يتعلق بالتسليح الغربي لأوكرانيا، موسكو تسابق الزمن قبل وصول المعدات الثقيلة والدبابات وربما الطائرات الهجومية أيضاً، لكنها في الوقت ذاته تستعد لرد حاسم وقوي في حال شعرت بتهديد المعدات الغربية على مناطق العمق الروسي، في هذه الحال لم يتردد ديمتري ميدفيديف الذي بات مسؤولاً أخيراً عن المجمع الصناعي العسكري الروسي في تذكير العالم بالقبضة النووية، لأن «الدول العظمى النووية لا يمكن أن تهزم إذا واجهت تهديداً مصيرياً».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز) p-circle

مسيَّرات أوكرانية تهاجم مصنعاً روسياً لوقود الصواريخ

كشف مسؤول ​في جهاز الأمن الأوكراني، اليوم السبت، عن أن طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت ‌مصنعاً لإنتاج مكونات ‌وقود ‌الصواريخ ⁠في ​منطقة ‌تفير غرب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».