آلاف الضحايا بـ«مأساة الزلزال» في تركيا وسوريا

أبنية سقطت على سكانها وهم نيام... وحالة ذعر تسود دول المنطقة... وجهود واسعة لإنقاذ العالقين تحت الأنقاض

متطوعون ورجال إنقاذ فوق مبنى مدمَّر في ديار بكر بتركيا أمس (أ.ف.ب)
متطوعون ورجال إنقاذ فوق مبنى مدمَّر في ديار بكر بتركيا أمس (أ.ف.ب)
TT

آلاف الضحايا بـ«مأساة الزلزال» في تركيا وسوريا

متطوعون ورجال إنقاذ فوق مبنى مدمَّر في ديار بكر بتركيا أمس (أ.ف.ب)
متطوعون ورجال إنقاذ فوق مبنى مدمَّر في ديار بكر بتركيا أمس (أ.ف.ب)

أوقع زلزال مدمِّر ضرب تركيا وسوريا، ليلة الأحد وصباح الاثنين، مئات القتلى وآلاف الجرحى، وأثار ذعراً واسعاً بين مواطني البلدين وكذلك دول الجوار التي بلغها الزلزال بدرجات أقل، خصوصاً في ضوء الهزات الارتدادية التي تلته، في ظل جهود محلية، انضمت إليها فرق مختصة أجنبية، لإنقاذ الضحايا العالقين تحت أنقاض الأبنية المدمَّرة التي هَوَت على أصحابها وهم نيام. وأعلن الرئيس رجب طيب إردوغان الحداد الرسمي على الضحايا لمدة سبعة أيام.
وفي حين أعلن نائب الرئيس التركي فؤاد أوكطاي، ارتفاع عدد قتلى الزلزال في تركيا إلى 1541، أُفيد بمقتل أكثر من 960 شخصاً وإصابة 2400 آخرين على الأقل في أنحاء سوريا، في حصيلة غير نهائية أعلنتها وزارة الصحة السورية التابعة للنظام وفرق إغاثة في مناطق سيطرة المعارضة. وأعلن البيت الأبيض مساء أمس، إرسال فريقَي بحث وإنقاذ أميركيَّين بقوة 79 فرداً لكل منهما إلى تركيا وسوريا، فيما أعلنت بريطانيا إرسال فريق بحث وإنقاذ إلى تركيا فقط، مشيرةً إلى أن جهود الإنقاذ في سوريا يقوم بها الدفاع المدني (الخوذات البيضاء) الذي يتلقى دعماً مادياً من المملكة المتحدة.

رجال إنقاذ يبحثون عن ضحايا بين ركام أبنية في محافظة إدلب أمس (أ.ب)

وأعادت المأساة الجديدة إلى أذهان الأتراك «كارثة القرن العشرين»، وهو الاسم الذي لا يزال يُطلق على زلزال مرمة المدمر الذي وقع عام 1999. وضرب زلزال بقوة 7.8 فجر الاثنين تلاه زلزال بقوة 7.6 على مقياس ريختر، بلدتَي بازارجيك وألبيستان في ولاية كهرمان ماراش جنوب تركيا، لكنّ قوتهما التدميرية امتدت إلى 10 ولايات ووصلت إلى عدد من الدول المحيطة.
ومع الزلزال الأول فجراً، علا صراخ المواطنين الذين تمكنوا من الخروج من منازلهم قبل سقوطها عليهم. وحول الحطام والدمار، انتشر مئات المواطنين تملأ عيونهم الدموع لكنهم يتمسكون بالأمل في أن يخرج أحد من أفراد عائلاتهم سالماً من تحت الأنقاض، بينما انطلقت جهود الإنقاذ وإقامة الخيام لمساعدة من بقوا في العراء على الاحتماء بمأوى يقيهم موجة الصقيع والثلوج التي تضرب حالياً الكثير من مناطق تركيا.
وأفاق سكان 10 ولايات في جنوب وشرق وجنوب شرقي تركيا على زلزال مدمِّر لم تشهد له تركيا مثيلاً منذ عام 1939، حسبما أعلن الرئيس رجب طيب إردوغان من داخل مركز إدارة الكوارث الطبيعية والطوارئ، حيث ذهب لمتابعة تطورات الزلزالين اللذين خلّفا ألفاً و498 شخصاً وأكثر من 5 آلاف مصاب (في حصيلة غير نهائية)، بينما نجحت جهود الإنقاذ التي انطلقت على الفور، في انتشال نحو 3 آلاف شخص من تحت الأنقاض بينهم عدد من الأطفال.
وأكد خبراء وباحثون أتراك أن هذه تعد المرة الأولى التي يحدث فيها أن يقع زلزالان في مركزين مختلفين في الوقت ذاته وبهذه الدرجة من الشدة. وحسب إدارة الكوارث والطوارئ التركية وقع مركزا الزلزالين في بلدتي بازارجيك وألبيستان في ولاية كهرمان ماراش. وأكدت الإدارة، في بيان، أنه لا يوجد حالياً أي خطر بحدوث موجات تسونامي في سواحل البلاد شرق البحر المتوسط.
وبينما شهدت ولاية أضنة دماراً في الكثير من المنازل، إلا أن قاعدة «إنجيرليك» التي تستخدمها الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، ويوجد بها مئات الجنود الأميركيين وأسرهم، لم تتأثر أو تتعرض لأي أذى. كذلك لم تكن ولاية مرسين التي تقع بها محطة «أككويو» النووية لتوليد الكهرباء ضمن الولايات التي تأثرت بالزلزالين مثل كهرمان ماراش، وهطاي، وعثمانية، وأديامان، وأضنة (جنوب)، وديار بكر، وشانلي أورفا، وغازي عنتاب (جنوب شرق)، ومالاطيا (شرق). كما تأثرت مناطق شمال سوريا المتاخمة للحدود التركية، وشعر بالزلزالين سكان كل من سوريا ولبنان والعراق وفلسطين وبعض المناطق في مصر واليونان وقبرص وأرمينيا وجورجيا.
وقال نائب الرئيس التركي فؤاد أوكطاي، إنه تم إرسال وتشغيل 102 محطة بث متنقلة للهواتف المحمولة في المناطق المتأثرة بالزلزال. كما تم إغلاق مطارات هطاي وكهرمان ماراش وغازي عنتاب. وتم وقف إمداد مناطق عدة بالغاز الطبيعي. وذكر أوكطاي أنه يتم تنسيق المساعدات بإشراف إدارة الطوارئ والكوارث الطبيعية التركية وتوزيعها على المتضررين من الزلزالين، وتم إنشاء مناطق للإيواء السريع ويتم إمدادها باحتياجات المواطنين.
ودعا أوكطاي المواطنين إلى عدم استخدام سياراتهم والتجول في الشوارع، بغية إبقاء الطرق مفتوحة أمام حركة الكوادر المشرفة على عمليات الإنقاذ وسيارات الإسعاف. وحذّر من خطورة الهزات الارتدادية، مشيراً إلى أن بعض المباني تضررت، ومن المحتمل أن تؤدي الهزات الارتدادية صغيرة الحجم إلى تدميرها وسيتم فحص هذه المباني واحداً تلو الآخر بواسطة المهندسين المختصين.
- دمار كبير
وتَواصَل سقوط بعض المباني مع حدوث هزات ارتدادية، وشوهدت منازل من طوابق عدة تنهار في لحظة خلال البث المباشر للقنوات التلفزيونية من مواقع البحث والإنقاذ، ووصل تأثير الهزات إلى خارج نطاق مركز الزلزالين، وشعر السكان في قيصري (وسط تركيا) ومانيسا (غرب) بهزات قوية.
من جانبه، أعلن والي هطاي، الواقعة على الحدود مع سوريا، رحمي دوغان، أن الكثير من المباني دُمِّرت بسبب الزلزال بينها مستشفى الدولة ومساكن الشرطة في إسكندرون وأنطاكيا، مشيراً إلى أن هناك مشكلة في مدرج مطار هطاي منعت هبوط الطائرات.
كما دُمِّرت قلعة غازي عنتاب التاريخية جراء الزلزالين، وأظهرت لقطات بثتها وسائل الإعلام والمواطنين عبر وسائل التواصل الاجتماعي انهيار طرق رئيسية.
واشتكى بعض المواطنين في غازي عنتاب من تأخر وصول المساعدات عن طريق البلدية التابعة لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم. وانتشر على نطاق واسع فيديو لمدرب فريق هطاي سبور، فولكان ديميريل، وهو يوجه نداءً، وهو يبكي، بإرسال المساعدات من كل من يقدر على ذلك ليس فقط إلى هطاي ولكن إلى باقي الولايات.
كما تبحث فرق الإنقاذ تحت الأنقاض عن الغاني كريستيان آتسو (31 عاماً)، لاعب «هطاي سبور»، وعدد من زملائه المفقودين تحت حطام المباني. وسبق للاعب الوجود في صفوف ناديي تشيلسي ونيوكاسل الإنجليزيين، وانتقل إلى هطاي من «الرائد» السعودي الصيف الماضي، ومن بين المفقودين المدير الرياضي للنادي تانر صفوت، بينما تم إخراج لاعبين وأعضاء آخرين من الجهاز الفني من تحت الأنقاض في عملية إنقاذ دراماتيكية.


مقالات ذات صلة

ارتفاع حصيلة زلزالي فنزويلا إلى 1430 قتيلاً مع تواصل البحث عن ناجين

أميركا اللاتينية مبنى مدمر في كاتيا لامار جراء زلزالين في فنزويلا (أ.ف.ب) p-circle

ارتفاع حصيلة زلزالي فنزويلا إلى 1430 قتيلاً مع تواصل البحث عن ناجين

أفاد رئيس الجمعية الوطنية الفنزويلية خورخي رودريغيز بأن حصيلة الزلزالَين الشديدَين اللذَين ضربا فنزويلا الأربعاء ارتفعت، يوم السبت، إلى 1430 قتيلاً.

«الشرق الأوسط» (كاراكاس)
أميركا اللاتينية فرق الإنقاذ تبحث جاهدة عن ضحايا بين الأنقاض (أ.ب) p-circle

رئيسة فنزويلا بالوكالة تتحدث مع ترمب حول المساعدات مع تضاؤل العثور على ناجين

تُواصل حصيلة ضحايا الزلزالين اللذين ضربا فنزويلا الارتفاع، مسجلةً مئات القتلى وعشرات آلاف المفقودين، فيما أصبح الوضع أكثر صعوبة بمرور الوقت.

«الشرق الأوسط» (كاراكاس)
آسيا أشخاص في أحد شوارع بيشاور بباكستان بعد زلزال قوي ضرب أفغانستان المجاورة (رويترز)

زلزال قوي يهز أفغانستان ويشعر به سكان باكستان

هزّ زلزال قوي منطقة هندوكش في أفغانستان، اليوم (السبت)، محدثاً هزات شعر بها السكان في العاصمة كابل وحتى عبر الحدود في باكستان المجاورة.

«الشرق الأوسط» (كابل)
أميركا اللاتينية فريق إنقاذ هولندي يغادر مطار آيندهوفن متّجهاً إلى فنزويلا يوم 26 يونيو (إ.ب.أ)

زلزال فنزويلا يمتحن عقيدة «دونرو» في أميركا اللاتينية

زلزال فنزويلا يمتحن عقيدة «دونرو» في أميركا اللاتينية... نسخة مستحدثة لعصر التدخل في القارة ضد الأنظمة والحكومات اليسارية.

شوقي الريّس (مدريد)
أميركا اللاتينية أشخاص يمرون بسياراتهم أمام مبنى منهار بعد زلزال الأربعاء في لا غوايرا بفنزويلا (رويترز)

زلزال جديد بقوة 4.9 درجات يضرب فنزويلا

ضرب ​زلزال جديد الساحل الشمالي لفنزويلا، مساء الجمعة، ‌بعد ‌أيام ​من ‌وقوع ⁠زلزالين ​متتاليين دمرا مبان ⁠وأوديا بحياة ما يقرب ⁠من ‌ألف ‌شخص.

«الشرق الأوسط» (كراكاس)

كيف تعمل أنظمة الدفاع الجوي ضد المسيّرات؟

 الطائرات المسيّرة أصبحت أحد أبرز أسلحة الحروب الحديثة (رويترز)
الطائرات المسيّرة أصبحت أحد أبرز أسلحة الحروب الحديثة (رويترز)
TT

كيف تعمل أنظمة الدفاع الجوي ضد المسيّرات؟

 الطائرات المسيّرة أصبحت أحد أبرز أسلحة الحروب الحديثة (رويترز)
الطائرات المسيّرة أصبحت أحد أبرز أسلحة الحروب الحديثة (رويترز)

مع تحول الطائرات المسيّرة إلى أحد أبرز أسلحة الحروب الحديثة، لم تعد أنظمة الدفاع الجوي تعتمد على إطلاق الصواريخ فقط، بل أصبحت تستخدم منظومة متكاملة تبدأ برصد المسيّرة، ثم تتبعها، قبل اختيار الوسيلة الأنسب لضمان التصدي لهذه المسيرات قبل وصولها إلى مواقعها.

ويؤكد خبراء الدفاع أن صغر حجم المسيّرات، وانخفاض ارتفاع تحليقها، وتكلفتها المنخفضة، جعلت مواجهتها أكثر تعقيداً من التعامل مع الطائرات التقليدية.

فكيف تعمل أنظمة الدفاع الجوي ضد المسيّرات؟

أولاً: رصد المسيّرة

حسب شبكة «بي بي سي» البريطانية، فإن تعطيل أي مسيّرة يبدأ أولاً باكتشافها وتحديد هويتها، وهي مهمة ليست سهلة بسبب صغر حجمها وتصنيع كثير منها من مواد يصعب رصدها بالرادارات التقليدية.

وحسب تقرير لنادي ضباط بوتوماك (Potomac Officers Club)، وهو منظمة أميركية مخصصة لقادة وشركات قطاع المقاولات الحكومية والدفاع في منطقة العاصمة واشنطن، يتم رصد المسيّرات باستخدام مزيج من وسائل الاستشعار، تشمل الرادارات المتخصصة القادرة على اكتشاف الأجسام الصغيرة، وأجهزة التقاط الإشارات اللاسلكية، والكاميرات الحرارية لرصد حرارة المحركات والبطاريات، إضافة إلى مجسات صوتية ترصد صوت محركات المسيّرات.

والعام الماضي، بدأت بولندا ورومانيا نشر نظام دفاع أميركي جديد ضد المسيّرات الروسية يعرف باسم «ميروبس» (Merops، بعد سلسلة من الانتهاكات المتكرّرة للمجال الجوي التابع لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، والتي كشفت عن ثغرات أمنية في دفاعات الحلف وأثارت القلق في أوروبا.

وهذا النظام صغير الحجم بحيث يمكن تركيبه في الجزء الخلفي من شاحنة متوسطة. ويتميّز بقدرته على تحديد مواقع المسيّرات والاقتراب منها باستخدام الذكاء الاصطناعي، حتى في ظل تعطيل الاتصالات الإلكترونية أو أنظمة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، حسبما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

ثانياً: التتبع وتحديد مستوى التهديد

بعد اكتشاف الهدف، تبدأ أنظمة القيادة والسيطرة في متابعة مساره وسرعته وارتفاعه، مع تحليل ما إذا كان يشكل تهديداً حقيقياً أو مجرد جسم غير معادٍ، حسبما أكده تقرير «بي بي سي».

وتستخدم الأنظمة الحديثة تقنيات الذكاء الاصطناعي لتمييز المسيّرات عن الطيور والأهداف الأخرى، وتحديد أولويات التعامل معها إذا كان هناك أكثر من هدف في الوقت نفسه.

ثالثاً: التشويش الإلكتروني

توضح «بي بي سي» أن أكثر وسائل مواجهة المسيّرات انتشاراً هي التشويش الإلكتروني، إذ ترسل أجهزة متخصصة إشارات لاسلكية قوية على التردد نفسه الذي تستخدمه المسيّرة، ما يؤدي إلى قطع الاتصال بينها وبين المشغل.

ووفقاً لدان هيرمانسن، الرئيس التنفيذي لشركة «ماي ديفنس» الدنماركية المتخصصة في تصنيع معداتٍ تشويش على الطائرات المسيّرة، فإن هذه التقنية تنجح في التعامل مع ما بين 80 و90 في المائة من المسيّرات، حيث لا تسقط مباشرة، وإنما تبتعد عن المنطقة أو تهبط بطريقة آمنة، كما يمكن تعطيل إشارات الملاحة لمنعها من استعادة مسارها.

ووفقاً لوكالة «رويترز» للأنباء، فإن التشويش يخضع لقيود تنظيمية، خاصة بالقرب من المطارات والمنشآت المدنية، لأنه قد يؤثر في أنظمة الاتصالات والملاحة الأخرى.

رابعاً: الاعتراض المباشر

تشير «بي بي سي» إلى أن بعض المسيّرات الحديثة أصبحت تعتمد على كابلات الألياف الضوئية أو الطيران الذاتي، ما يجعلها أقل تأثراً بالتشويش الإلكتروني.

وعندما يفشل التشويش أو تكون المسيّرة في مرحلة الهجوم، تنتقل المنظومة إلى الاعتراض المباشر باستخدام الوسيلة الأنسب، والتي قد تشمل صواريخ قصيرة المدى أو مدافع سريعة الإطلاق أو مسيّرات اعتراضية تصطدم بالهدف أو تنفجر بالقرب منه أو أنظمة تعتمد على أشعة الليزر في بعض التطبيقات الحديثة.

وأوضحت وكالة «رويترز» أن اختيار وسيلة الاعتراض يعتمد على سرعة المسيّرة وحجمها والمسافة الفاصلة بينها وبين الهدف.


الكونغو الديمقراطية تصعّد ضد رواندا أمام «العدل الدولية»

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (صفحة الرئاسة على «إكس»)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (صفحة الرئاسة على «إكس»)
TT

الكونغو الديمقراطية تصعّد ضد رواندا أمام «العدل الدولية»

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (صفحة الرئاسة على «إكس»)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (صفحة الرئاسة على «إكس»)

لجأت الكونغو الديمقراطية، للمرة الثالثة، إلى تقديم دعوى ضد رواندا تتهمها فيها بدعم جماعات مسلحة لتنفيذ عمليات عسكرية على أراضيها، وسط مفاوضات جارية بين البلدين بشأن التطورات في شرق الكونغو.

تلك الخطوة، يرى خبير في الشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، ستصعّد الأمور بين البلدين، وتعقّد مسار التفاهمات خلال المفاوضات الجارية، مؤكداً أهمية العمل على مقاربة شاملة لحل الأزمة بحضور كل الدول المعنية.

تحرك كونغولي جديد

وقالت حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية، الجمعة، إن البلاد رفعت دعوى ضد ​رواندا أمام محكمة العدل الدولية بشأن دورها في الصراع المستمر ‌منذ فترة طويلة في شرق البلاد، وفقاً لـ«رويترز».

وهذه هي المرة الثالثة التي تحاول فيها ​الكونغو الديمقراطية ⁠رفع دعوى ضد رواندا أمام محكمة العدل الدولية، التي تُعدّ أعلى محكمة تابعة للأمم المتحدة وتختص بالفصل في الصراعات بين الدول والنظر ⁠في الانتهاكات ​المزعومة للمعاهدات الدولية، وسبق أن سحبت السلطات في كينشاسا ​الدعوى الأولى في 2001 لإعطاء مساحة للدبلوماسية، ورفضت محكمة العدل الدولية الدعوى الثانية في 2006 لعدم اختصاصها بالنظر فيها ​آنذاك.

واتهمت حكومة الكونغو رواندا، في بيان الجمعة، بانتهاك الاتفاقات الدولية، ومنها تلك المتعلقة بالإبادة الجماعية والتمييز العنصري والتعذيب، وإرسال قوات ​ودعم وتوجيه جماعات مسلحة لتنفيذ عمليات عسكرية غير ​مشروعة على أراضيها في أعقاب جرائم الإبادة الجماعية التي وقعت ⁠في رواندا عام 1994، مطالبة محكمة العدل الدولية بأن تأمر رواندا بوقف ​الانتهاكات المزعومة ومنح تعويضات للبلاد ولضحاياها.

ولم يصدر أي رد حتى الآن من حكومة رواندا، التي سبق أن نفت باستمرار المزاعم بأنها تدعم جماعات متمردة ناشطة ​في الكونغو.

ووفق «رويترز»، أكدت محكمة العدل الدولية، المعروفة أيضاً باسم «المحكمة ‌العالمية»، ⁠أنها تلقت طلباً من الكونغو برفع دعوى قضائية، وسبق أن انحاز خبراء الأمم المتحدة والحكومات الغربية إلى الكونغو الديمقراطية في إثبات مسؤولية رواندا عن تقديم الدعم إلى حركة «23 مارس» المتمردة، وهي جماعة مسلحة رئيسية في شرق ​البلاد.

وتعود جذور هذا ​الصراع المستمر منذ ⁠عقود إلى الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 وفرار فلول القوات المرتبطة بالإبادة عبر الحدود إلى ​شرق الكونغو.

تشيسيكيدي خلال ترؤسه اجتماعاً للحكومة في منتصف يونيو الحالي (صفحة الرئاسة الكونغولية على «إكس»)

ويرى المحلل في الشؤون الأفريقية، الدكتور محمد تورشين، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن لجوء جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى محكمة العدل الدولية تصعيد جديد رغم أن هذا المسار لن يكتمل مجدداً، خصوصاً أنه يقتضي موافقة الطرف الآخر، وهي رواندا، في القبول بالإجراءات والقرارات التي تُتخذ من قِبل المحكمة.

ويعتقد تورشين أن استمرارية التصعيد في الكونغو وفي المنظمات الدولية ستترتب عليها بلا شك العديد من التبعات على مسار السلام، وتصعيد كل من «الجبهة الوطنية لتحرير رواندا»، وكذلك حركة «23 مارس» العمليات في البلدين، خصوصاً أن رواندا لم توقف دعمها للحركة المتمردة في الكونغو، وفي الاتجاه الآخر لا تزال «الجبهة الوطنية لتحرير رواندا» حاضرة ومدعومة من الحكومة الكونغولية.

مستقبل المفاوضات

ويأتي الموقف الكونغولي غداة استضافة لندن، الخميس، مفاوضات العاصمتين الجارتين كيغالي وكينشاسا، برعاية أميركية-قطرية-أفريقية بعد نحو شهرين من الجمود في تطبيق مسار السلام الذي رعته واشنطن والدوحة العام الماضي، خصوصاً مع تصاعد العمليات العسكرية وتفاقم الأوضاع الإنسانية مع انتشار فيروس إيبولا في شرق الكونغو الديمقراطية.

وعقدت لجنة الإشراف على اتفاق السلام بين الكونغو الديمقراطية، وجمهورية رواندا، اجتماعها السادس في لندن، بمشاركة ممثلين عن البلدين، إلى جانب دولة قطر والولايات المتحدة، وتوغو بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي، ومفوضية الاتحاد الأفريقي.

وأعربت اللجنة، حسب بيان لـ«الخارجية القطرية» مساء الخميس، عن قلقها البالغ إزاء تصاعد القتال، وتأثير الهجمات بالطائرات المسيّرة على المدنيين، ومسار السلام، وتفاقم الوضع الإنساني في شرق الكونغو الديمقراطية، بما في ذلك استمرار تفشي فيروس إيبولا.

وجاء الاجتماع بعد شهرَين من الاجتماع الخامس في واشنطن، الذي تلاه تصاعد عمليات القتال، وعقد اجتماع اللجنة بعد نحو أسابيع قليلة من فرض واشنطن عقوبات أميركية جديدة على «قادة التمرد» في شرق الكونغو المدعمين من رواندا.

ولم تنجح الكونغو الديمقراطية في اقتناص سلام كامل بعد جولات تفاوض في عام 2025، وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي، والكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، قد وقّعوا في واشنطن، نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما.

وجاء التوقيع بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، بالإضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي، فيما لم تسفر محادثات في 2026، كان آخرها في أبريل (نيسان) الماضي بسويسرا، عن تقدم بعد.

وفي ضوء تلك التطورات، يعتقد تورشين أن الوصول إلى تفاهمات من شأنها أن تُفضي إلى تحقيق سلام حقيقي هو أمر في غاية الصعوبة في الوقت الحاضر رغم عودة مباحثات السلام مجدداً خصوصاً أنها لم تحقق الكثير من النجاحات بعد، مما سيجعل الوضع شائكاً للغاية، ومسألة التوصل إلى اتفاق سلام ستكون بعيدة المنال حالياً.

وشدد تورشين على «أن السلام في منطقة البحيرات العظمى بحاجة إلى مقاربة شاملة يتم إشراك دول المنطقة كافّة فيها، وهي المنطقة التي تشهد تداخلاً قبلياً وإثنياً، ونعني بذلك رواندا، والكونغو، وبوروندي، وأوغندا»، مؤكداً وجوب حضور كل هذه الدول في هذا الأمر لمعالجة هذه المسائل بشكل جاد، وتحقيق السلام أو الأمن الإقليمي في إطار المحافظة على مصالح تلك المجموعات الموجودة.

Your Premium trial has ended


حلول بسيطة ومنخفضة التكلفة لتبريد المدن في ظل الحرّ الشديد

مياه نافورة تروكاديرو قرب برج إيفل في باريس تحولت إلى مسبح (رويترز)
مياه نافورة تروكاديرو قرب برج إيفل في باريس تحولت إلى مسبح (رويترز)
TT

حلول بسيطة ومنخفضة التكلفة لتبريد المدن في ظل الحرّ الشديد

مياه نافورة تروكاديرو قرب برج إيفل في باريس تحولت إلى مسبح (رويترز)
مياه نافورة تروكاديرو قرب برج إيفل في باريس تحولت إلى مسبح (رويترز)

من المظلات وأجهزة رشّ المياه في الشوارع إلى النباتات المتسلقة، يؤكد خبراء أن ثمة حلولاً بسيطة وسريعة ومنخفضة التكلفة لمكافحة موجات الحر في المدن، إلى جانب زراعة الأشجار ومشاريع التجديد العمراني الكبرى.

يقول المخطط المُدني الفرنسي والمتخصص في التكيف مع التغير المناخي كليمان غايار، إن التحدي الذي تواجهه المدن يكمن في «جعل المساحات العامة أكثر راحة وسهولة للاستخدام خلال موجات الحر»، معتبراً أنّ ذلك يتطلب زيادة المساحات المظلَّلة.

ويضيف لوكالة الصحافة الفرنسية: «إما أن تسمح طبيعة التربة بذلك، وفي هذه الحالة ينبغي إعطاء الأولوية لزراعة الأشجار، وإما أن يمكن تركيب أشرعة تظليل عن طريق تثبيتها على الواجهات القائمة».

كثيرون لجأوا إلى النوم في الحدائق العامة بباريس هرباً من القيظ (رويترز)

وقد أعيد إحياء هذه الحلول التي تعود إلى القرن التاسع عشر بعد تطويرها، وانتشرت في مدينة تولوز بجنوب غربي فرنسا، حيث تفيد البلدية بأنها ساعدت على خفض الحرارة «بما يتراوح بين درجة واحدة وخمس درجات».

إلا أن هذه الأشرعة لا تخلو من السلبيات، من بينها خطر اقتلاعها خلال العواصف، وإعاقة وصول فرق الإطفاء إلى الواجهات، فضلاً عن احتمال الحد من التبريد الليلي إذا لم تكن منفذة للهواء.

يتجه بعض المدن إلى ابتكار حلول هجينة. ففي مدينة كوير (جنوب شرقي فرنسا) أطلقت البلدية مشروع «مدينة منخفضة الحرارة صيفاً»، متخذةً مجموعة من التدابير من بينها مظلات بسيطة للحد من الإشعاع الشمسي، ومظلة شمسية كهروضوئية مُصممة لتوليد الكهرباء لصالح مركز ثقافي.

ويتيح استخدام النباتات المتسلقة، مثل نبات الجنجل أو اللبلاب الخماسي الأوراق، توفير الظل على مساحات واسعة، سواء على الواجهات أو على الأسلاك ممتدة بين المباني.

وتقول لوينا تروفي، مديرة المشاريع في مركز الدراسات والخبرات بشأن المخاطر والبيئة والتنقل والتخطيط (سيريما): «إن عدداً متزايداً من المجموعات المحلية بات يختار نباتات مثل القفزات، لما توفره من ظل سريع، نظراً إلى كونها نباتاً سريع النمو».

وتُشكل إدارة الموارد المائية أيضاً أداة أساسية في هذا المجال.

امرأة تحمي رأسها من الشمس بواسطة مروحة يدوية خارج قصر باكنغهام في لندن (إ.ب.أ)

في ليون (جنوب شرقي فرنسا)، يهدف مشروع «أشجار المطر» إلى تعزيز تسرب مياه الأمطار في أماكن سقوطها، من أجل إنشاء نقاط تبريد.

مقاعد مبردة

ولبلوغ هذا الهدف، توسّع المدينة الحفر المحيطة بالأشجار الموجودة، كما أًعيد تصميم شبكة الطرق لتجميع مياه الأمطار وتوجيهها نحو الأشجار عبر خنادق امتصاص ومجارٍ نباتية، بدلاً من تصريفها في شبكة الصرف الصحي.

يقول المندوب العام لجمعية المدن والأقاليم المستدامة الفرنسية سيباستيان ماير: «إن أولى المشكلات في هذا التكيف هي المياه، فمن دونها لا توجد نباتات. ولا يزال يتعيّن إحراز تقدم في التعامل مع مياه الأمطار بوصفها مورداً مهماً وليست مخلّفات، إذ تسهم في الحفاظ على المساحات الخضراء وتبريد المدن عبر عملية النتح التبخري».

ومن بين الحلول الأخرى أنظمة الرذاذ والمقاعد المبردة، التي تحافظ على برودتها عن طريق سحب الهواء من باطن الأرض، مثل الهواء الموجود في المحاجر ثم إعادة توزيعه.

وأظهرت تجربة أُجريت في باريس أن رشّ الشوارع بالماء يمكن أن يسهم بشكل ملحوظ في خفض حرارة الأسطح، لا سيما عندما يتم ذلك في نهاية اليوم لزيادة أثر التبخر.

ويقول غايار: «سنستخدم هذه الطريقة في الشوارع الضيقة، فكلما ضاق الشارع، كان أكثر راحةً خلال النهار، ولكن يصعب تصريف الحرارة ليلاً».

ويؤكد غايار أن الباحات الداخلية تبرز ضمن الحلول «منخفضة التقنية».

ويشير إلى أن «هذه الأفنية المظللة تعمل كمصائد للهواء البارد. فكلما ضاق الفناء، زادت برودته نهاراً، إذ تنخفض الحرارة فيه بما يصل إلى 9 درجات مئوية عن الخارج»، مع العلم أن التوسع العمراني قد قلّل انتشارها.

يتبرّدون بالماء قرب الكولوسيوم في روما (رويترز)

وتواجه هذه الحلول بدورها حدوداً واضحة في ظل موجات حرّ متزايدة التكرار والطول والشدة، مما يعرّض الأشجار أيضاً لحالة من الإجهاد المائي.

يدعو بعض الخبراء إلى اتباع مقاربة تشمل المساحات العامة والخاصة على السواء.

ويقول سيباستيان ماير: «بعد اعتماد استراتيجيات للتكيّف في المساحات العام التي تمثّل نحو 20 في المائة من مساحة المدن، تشكل المرحلة التالية نهجاً تشاركياً يشمل 80 في المائة، أي الشركات المالكة للعقارات، ومؤسسات الإسكان الاجتماعي، وجمعيات مالكي الوحدات السكنية، والهيئات الدينية».

Your Premium trial has ended