«براندو الشرق»: أثمان إيجاد النفس

مسلسل متعدّد الطبقات يتقن تمرير الرسائل

جورج خباز بشخصية المخرج الصاعد «يوسف تامر»
جورج خباز بشخصية المخرج الصاعد «يوسف تامر»
TT

«براندو الشرق»: أثمان إيجاد النفس

جورج خباز بشخصية المخرج الصاعد «يوسف تامر»
جورج خباز بشخصية المخرج الصاعد «يوسف تامر»

لا يُعرَض كل يوم عملٌ من صنف «براندو الشرق». النص (كتابة وسيناريو وحوار جورج خباز) لديه ما يقوله، والإخراج (أمين درة) يضاهي بأهميته المكتوب. خلف فكرة بسيطة مفادها أنّ مخرجاً صاعداً يبحث عن مموّل لفيلمه، طبقات تخبئ رواسب النفس البشرية وصراع الفرد مع هويته الخاصة وتلك التي يحاول الآخرون إلصاقها به. المسألة المعقّدة (النفس)، تتناولها الحلقات العشر («شاهد») بما يتيح إعادة التفكير بمكانة الإنسان وخصوصيته.
بعد لفّ ودوران، يتخللهما وقوع فظيع على عقلية المنتجين وشروط موافقتهم على تمويل فيلم يوسف تامر (خباز)؛ يحصر أحدهم، كِرمى عيون عشيقته السكرتيرة، شرط ولادة المشروع بإسناد إلى النجم الكبير خالد صلاح الملقّب بـ«براندو الشرق» دور البطولة. يؤدي هذه الشخصية الغامضة جهاد سعد؛ يتقنها بوجه بارد وملامح متقلّبة. وبنظراته يُبيّن ما وراء الصورة البرّاقة للمشاهير.
يتحرّك المسلسل (إنتاج «الصبّاح إخوان») ضمن إشكاليات لا يُسبب تداخلها ارتباكاً ولا يُحدث فوضى. المعضلة الكبرى (كما تتراءى في البداية) هي الأحلام المشروطة بموافقة رأس المال واسترضائه. فتنقُّل يوسف من منتج إلى آخر، وتكرّر العودة الخائبة، يجعلانه مادة للدعابة على لسانَي صديقَي الطفولة (إيلي متري وفؤاد يمين بأداء عفوي). يسخران من الأحلام، فيردّ بالتمسك بها. تدور نحو نصف الحلقات حول هذه المحاولات المبتورة المُستمدّة شعلتها من صوت الإرادة، إلى أن يلتقي يوسف حباً يهزّ كيانه.
إنه الحب المطهّر القادر على مصالحة النفس مع الأشياء النافرة حولها. هنا المعضلة الحقيقية، وما رحلة البحث عن منتج لفيلمه سوى ذريعة لبلوغها. على طريقه، وبينما يصطدم بـ«اللاءات» والاستهزاء والإدانة، يلتقي مَن ينقذه من التيه ويرتّب أحواله الداخلية وما تبعثر منذ الطفولة وسائر مراحل الحياة.
ميا سعيد ممثلة لبنانية تتحلّى بوجه عفوي مطلوب لأداء شخصية «لمى»، ابنة «براندو»، التوّاقة إلى الصدق ورفض أشكال الزيف. مشهد التطهّر ولحظة البوح بالحب، يرفع قيمة المسلسل. فهو ليس مشهداً لمغرومَيْن يتبادل أحدهما مع الآخر اعتراف «أحبكَ وأحبكِ». إنه غسل الروح المعذّبة والتشبّث بخشبة خلاصها. بينما دموعهما تغطي وجهيهما، يقدّم أمين درة واحداً من بديع لقطات الـ«ماستر سين» في الحلقة العاشرة.
من الطبقات الداخلية للنص، تطفو آثار العذاب النفسي المترتّبة على طفل يولد بعد طفل يموت، فيحمل اسمه وصورته وحاجة والديه إليه، وأيضاً ذنبه وندوب الخسارة. بسرد إنساني أليم، يُخبر يوسف المرأة التي قرّبته من حقيقته، عن حِمله الهائل جراء موت أخيه قبل ولادته. دوامة من نار تلتهم الحائمين حولها؛ من الأم التي ابتلعت حبوب الأعصاب فنامت إلى الأبد، والأب الهارب من ذاكرته بالارتماء على الكنبة وإدمان الكحول. من وحدته وأحزانه، يولد في يوسف فنانٌ يرى في السينما نجاته، فيتبع حلماً يقوده إلى كنزه الداخلي.
رغم البطولة البارزة لجورج خباز، تمرّ أسماءٌ يُحسِن المسلسل توظيفها ليُعادل حضورها بمشهد أو حلقة مساحة مُنصفة؛ فتكون لعادل كرم وزينة مكي وسعيد سرحان وعبد المنعم عمايري ومحمد عقيل أشكال من الإضافة القيّمة على المستويين الكوميدي والدرامي.
أسماء أخرى قدّمت أدواراً مؤثرة؛ والأثر يتعلق بالنوع والأداء. كميل سلامة بدور «والد يوسف»، برع في التنقّل بين الحالات النفسية. كانت له يد في تحطيم أحلام ابنه، إلى أن شاركه إيمانه بها، قبل التحوّل من إسداء النصيحة إلى تغيير الأحداث. طال غيابه ساعتين ذلك الصباح، بعدما ركب سيارة أجرة نحو «مقهى الأفندي» حيث يحتسي «براندو» قهوته ويقرأ الصحيفة. بأسهل مما نتصوّر، أقنعه بالتمثيل في فيلم وحيده، مُحققاً شرط المنتج لضخّ الأموال وتشغيل الكاميرات.
أهي ثغرة المسلسل، هذه الموافقة السريعة؟ لعلها تبدو كذلك ولو أنّ تبريرها سهل بالقول إنّ للفنانين أمزجة وربما صَدَف أنّ «براندو» بأحسن أحواله. ما يحوّلها حقاً إلى ثغرة هو ارتكاز حلقات بطولها وعرضها على كلام يسيء إلى النجم الكبير ويشوّه سمعته. فهو وفق نصّ خباز عديم الوفاء، يلعب القمار ولا يسدّد مستحقاته، خلافه محتدم مع الجميع، خصوصاً ابنته. يسكن برجه العاجي، ويصعب اختراقه. ثم بسحر ساحر، يقتنع برجل غريب يقول إنّ ابنه مخرج طموح والمنتج يشترط موافقته!
لا يمنح المسلسل إجابة نهائية متعلقة بحقيقة «براندو»، مكتفياً بالإشارة إلى الوجه الآخر للفنانين وما يتربّص خلف هالة النجومية (وهذا الأهم). هم ليسوا المثالية الطافحة على الشاشات والمقابلات الصحافية، وهذه رسالة صريحة تُضاف إلى رسائل المسلسل الكثيرة.
أمل عرفة بشخصية «سلوى» دليل على أنّ الممثل الشاطر يثبت شطارته وإن كان الدور ضئيلاً. المهم هو الاختيار الموفّق. في سلوى امرأة عاشقة تحرّكها الغيرة والخيبة. تُكنّ لزميلها في مستودع الإضاءة «يوسف» حباً يتقاطع مع تنهيدة سعاد حسني في الأفلام المصرية بالأبيض والأسود التي لا تكفّ عن مشاهدتها. عرفة واثقة من نفسها حدّ المرور بمشاهد أقل مما يحصل عادةً في حالة البطلة. قلْبُ الصداقة إلى حب لا يحدث بطلب أو استغاثة. إخفاقاتها العاطفية تُزيّن دورها وتمدّه بجرح الأنثى الصادقة.
حتى المارّون بمَشاهد متقطّعة لم يسجّلوا حضوراً عادياً. بل إنّ ممثلاً كطلال الجردي أحسنَ التألق ضمن مساحته، فشكّل اختزالاً لواقعية أنّ معايير تتحكم في عملية الإنتاج، هي ليست بالضرورة فنية. تلتحق بالمتألقين لورا خباز المُخترَعة على هيئة ضمير، تقيم في رأس «يوسف» وتُهدّئ تخبّطاته. تجيد الدور، كسنتيا كرم بكاركترها الغريب؛ المقتصرة، وأليكو داود، إطلالتهما الجيدة على بعض المَشاهد.
كان لا بدّ من تحقُّق حلم من اثنين، فالمرء لا يحصل على كل شيء. يُختم المسلسل بكلمة «أكشن» كبداية تنجم عن نهاية الحب. أمام كاميرا لمّاعة يحرّكها درة، تقول عينا جورج خباز الحزينتان الكثير عن رجل دفع غالياً ثمن إيجاد نفسه.


مقالات ذات صلة

بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

يوميات الشرق بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

تقدمت كريستين باومغارتنر، الزوجة الثانية للممثل الأميركي كيفين كوستنر، بطلب للطلاق، بعد زواجٍ دامَ 18 عاماً وأثمر عن ثلاثة أطفال. وذكرت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية أن الانفصال جاء بسبب «خلافات لا يمكن حلُّها»، حيث تسعى باومغارتنر للحضانة المشتركة على أطفالهما كايدين (15 عاماً)، وهايس (14 عاماً)، وغريس (12 عاماً). وكانت العلاقة بين كوستنر (68 عاماً)، وباومغارتنر (49 عاماً)، قد بدأت عام 2000، وتزوجا عام 2004.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق متحف «المركبات» بمصر يحيي ذكرى الملك فؤاد الأول

متحف «المركبات» بمصر يحيي ذكرى الملك فؤاد الأول

افتتح متحف المركبات الملكية بمصر معرضاً أثرياً مؤقتاً، اليوم (الأحد)، بعنوان «صاحب اللقبين فؤاد الأول»، وذلك لإحياء الذكرى 87 لوفاة الملك فؤاد الأول التي توافق 28 أبريل (نيسان). يضم المعرض نحو 30 قطعة أثرية، منها 3 وثائق أرشيفية، ونحو 20 صورة فوتوغرافية للملك، فضلاً عن فيلم وثائقي يتضمن لقطات «مهمة» من حياته. ويشير عنوان المعرض إلى حمل فؤاد الأول للقبين، هما «سلطان» و«ملك»؛ ففي عهده تحولت مصر من سلطنة إلى مملكة. ويقول أمين الكحكي، مدير عام متحف المركبات الملكية، لـ«الشرق الأوسط»، إن المعرض «يسلط الضوء على صفحات مهمة من التاريخ المصري، من خلال تناول مراحل مختلفة من حياة الملك فؤاد».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق وضع تسلسل كامل لجينوم «اللبلاب» المقاوم لتغير المناخ

وضع تسلسل كامل لجينوم «اللبلاب» المقاوم لتغير المناخ

قام فريق بحثي، بقيادة باحثين من المعهد الدولي لبحوث الثروة الحيوانية بكينيا، بوضع تسلسل كامل لجينوم حبة «فول اللبلاب» أو ما يعرف بـ«الفول المصري» أو «الفول الحيراتي»، المقاوم لتغيرات المناخ، بما يمكن أن يعزز الأمن الغذائي في المناطق المعرضة للجفاف، حسب العدد الأخير من دورية «نيتشر كومينيكيشن». ويمهد تسلسل «حبوب اللبلاب»، الطريق لزراعة المحاصيل على نطاق أوسع، ما «يجلب فوائد غذائية واقتصادية، فضلاً على التنوع الذي تشتد الحاجة إليه في نظام الغذاء العالمي».

حازم بدر (القاهرة)
يوميات الشرق «الوثائقية» المصرية تستعد لإنتاج فيلم عن «كليوباترا»

«الوثائقية» المصرية تستعد لإنتاج فيلم عن «كليوباترا»

في رد فعل على فيلم «الملكة كليوباترا»، الذي أنتجته منصة «نتفليكس» وأثار جدلاً كبيراً في مصر، أعلنت القناة «الوثائقية»، التابعة لـ«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية بمصر»، اليوم (الأحد)، «بدء التحضير لإنتاج فيلم وثائقي عن كليوباترا السابعة، آخر ملوك الأسرة البطلمية التي حكمت مصر في أعقاب وفاة الإسكندر الأكبر». وأفاد بيان صادر عن القناة بوجود «جلسات عمل منعقدة حالياً مع عدد من المتخصصين في التاريخ والآثار والأنثروبولوجيا، من أجل إخضاع البحوث المتعلقة بموضوع الفيلم وصورته، لأقصى درجات البحث والتدقيق». واعتبر متابعون عبر مواقع التواصل الاجتماعي هذه الخطوة بمثابة «الرد الصحيح على محاولات تزييف التار

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق مؤلفا «تحت الوصاية» لـ«الشرق الأوسط»: الواقع أصعب مما طرحناه في المسلسل

مؤلفا «تحت الوصاية» لـ«الشرق الأوسط»: الواقع أصعب مما طرحناه في المسلسل

أكد خالد وشيرين دياب مؤلفا مسلسل «تحت الوصاية»، أن واقع معاناة الأرامل مع «المجلس الحسبي» في مصر: «أصعب» مما جاء بالمسلسل، وأن بطلة العمل الفنانة منى زكي كانت معهما منذ بداية الفكرة، و«قدمت أداء عبقرياً زاد من تأثير العمل». وأثار المسلسل الذي تعرض لأزمة «قانون الوصاية» في مصر، جدلاً واسعاً وصل إلى ساحة البرلمان، وسط مطالبات بتغيير بعض مواد القانون. وأعلنت شركة «ميديا هب» المنتجة للعمل، عبر حسابها على «إنستغرام»، أن «العمل تخطى 61.6 مليون مشاهدة عبر قناة (DMC) خلال شهر رمضان، كما حاز إشادات عديدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي». وكانت شيرين دياب صاحبة الفكرة، وتحمس لها شقيقها الكاتب والمخرج خالد د

انتصار دردير (القاهرة)

حلّ لغز التفاف أصداف القواقع نحو اليمين أو اليسار

تمتلك غالبية القواقع أصدافاً تلتف نحو اليمين في حين يلتف عدد قليل منها نحو اليسار (دورية كارنت بيولوجي)
تمتلك غالبية القواقع أصدافاً تلتف نحو اليمين في حين يلتف عدد قليل منها نحو اليسار (دورية كارنت بيولوجي)
TT

حلّ لغز التفاف أصداف القواقع نحو اليمين أو اليسار

تمتلك غالبية القواقع أصدافاً تلتف نحو اليمين في حين يلتف عدد قليل منها نحو اليسار (دورية كارنت بيولوجي)
تمتلك غالبية القواقع أصدافاً تلتف نحو اليمين في حين يلتف عدد قليل منها نحو اليسار (دورية كارنت بيولوجي)

اكتشف باحثون جيناً معيناً يُحدِّد ما إذا كانت أصداف القواقع ستلتف نحو اليمين أم نحو اليسار؛ وهو اكتشاف قد يساعد في فهم الأسس الجينية التي تحدد «التماثل الجانبي» أو ما يُعرف بـ«اليدوية» في أجسام البشر.

ووفق نتائج دراستهم المنشورة، الجمعة، في دورية «كارنت بيولوجي»، نجح باحثون من جامعة نوتنغهام البريطانية وجامعة توهوكو اليابانية في حل هذا اللغز من خلال دراسة قواقع برية من نوع «إيهادرا» في اليابان، سعياً لفهم الأسباب التي تجعل إحدى القواقع تبدو كصورة مرآتية لأخرى.

وتوصل الباحثون إلى أن اتجاه الالتفاف، أو ما يُعرف بـ«التناظر المرآتي»، في صدفة القوقعة يعود إلى اختلافات طبيعية في جين مسؤول عن إنتاج بروتين يُدعى «الميوسين»، يساعد الخلايا على الحركة وعلى تغيير شكلها من خلال تفاعله مع بروتينات أخرى لتشكيل الهيكل الداخلي للخلية.

وأفادوا في بيان، الجمعة: «إن التناظر المرآتي في اللبنات الأساسية للحياة يؤدي إلى تكوين أجسام تتسم هي الأخرى بخصائص معينة، وهو الأساس الذي يفسر، على سبيل المثال، وجود القلب في الجانب الأيسر من جسم الإنسان، أو التفاف أصداف القواقع غالباً نحو اليمين».

وتكتسب هذه النتيجة أهميتها من كونها تساعد في فهم العوامل المشتركة التي تحدد كيفية تطور الجانبين الأيسر والأيمن لدى مختلف كائنات المملكة الحيوانية. كما تأتي في توقيت متزامن مع الإعلان عن حصول العلماء الذين كشفوا لغز نشوء «التناظر المرآتي» على جائزة نوبل الأسبوع الماضي.

التناظر المرآتي

ويعتقد الباحثون أن تغيرات طفيفة في بروتين «الميوسين» تؤثر في كيفية التفاف الخلايا، سواء باتجاه عقارب الساعة أو عكس اتجاهها، خلال المراحل الأولى من النمو. وهذا الالتفاف هو ما يحدد اتجاه التناظر المرآتي لصدفة القوقعة البالغة وأعضاء جسمها.

يقول البروفسور أنجوس دافيسون، المؤلف الرئيسي للدراسة: «تبيَّن أن تغييرات طفيفة في أحد جينات الميوسين تؤدي إلى ظهور قواقع ذات بنية معكوسة، كصورة في مرآة، ومع ذلك تظل هذه الحيوانات سليمة وقادرة على العيش بشكل طبيعي».

ورغم أن غالبية القواقع تمتلك أصدافاً تلتف نحو اليمين، فإن أصداف عدد لا بأس به منها تلتف نحو اليسار. وحتى الآن، لم يكن سبب ذلك معروفاً.

وعلى عكس القواقع، تُظهر جميع الحيوانات الأخرى تقريباً نمطاً ثابتاً من عدم التناظر؛ إذ يرتبط أي انعكاس نادر في مواقع أعضاء الجسم عادةً بحدوث مشكلات أثناء التطور الجنيني.

وفي المقابل، تتطور القواقع اليابانية، سواء تلك التي تلتف أصدافها نحو اليسار أو نحو اليمين، بشكل طبيعي وهي في المرحلة الجنينية، دون أي مؤشرات على وجود أمراض أو اعتلالات.

قارن الباحثون نتائجهم بتلك المتعلقة بقواقع البرك، التي تُعد فيها الأفراد ذات الالتفاف الأيسر نادرة؛ إذ تؤدي طفرة في جين مختلف إلى ظهور قواقع ذات أصداف تلتف نحو اليسار، لكنها تتسبب في الوقت نفسه في تطور غير طبيعي لهذه القواقع.

قال البروفسور دافيسون: «بما أن الحيوانات الأخرى تتبع عادةً مخططاً ثابتاً للجانبين الأيسر والأيمن في الجسم، فإن دراسة القواقع قد تساعدنا في فهم سبب غياب هذا التباين لدى هذه الحيوانات».


غسان سعد: دوري في «قساطل» قريب من حياتي

الممثل اللبناني في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل اللبناني في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

غسان سعد: دوري في «قساطل» قريب من حياتي

الممثل اللبناني في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل اللبناني في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

قال الفنان اللبناني غسان سعد، إن دوره في فيلم «قساطل» قريب من حياته، ومن علاقته بالعمل وأسرته وأهل قريته، موضحاً أن المخرج كريم قاسم استلهم تفاصيل الشخصية من معرفته به، وبقدرته على الجمع بين وظيفته في مصلحة المياه، واهتمامه بالمسرح والموسيقى مما جعل التجربة تتيح له التعبير عن مشاعر وخبرات عاشها بالفعل، بعدما وجد في طريقة المخرج ما يساعده على الظهور أمام الكاميرا بطبيعته.

وأضاف سعد، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن دخوله السينما جاء بالمصادفة، حين تعرف إليه قاسم خلال وجوده في القرية، إذ كان يشارك في النشاط المسرحي لفرقة تقدم عرضاً كل عام، موضحاً أن تعارفهما قاده إلى المشاركة في فيلم «موندوف»، قبل أن يتجدد التعاون بينهما في «قساطل»، بعدما أبدى المخرج سعادته بالتجربة الأولى ورغبته في تقديم عمل آخر معه.

وتدور أحداث «قساطل» حول موظف متقاعد في مصلحة المياه، يُستدعى للبحث عن قسطل مفقود يربك الحياة في قرية لبنانية، كما يعيش حزن فقدان صديق توفي بسبب تسرب غاز، لتتشابك مهمته مع علاقاته بأهل المكان وتفاصيل حياتهم اليومية.

ويُعرض الفيلم في «مهرجان الجونة السينمائي»، بعدما شهد عرضه العالمي الأول ضمن المسابقة الرسمية للدورة الستين من مهرجان «كارلوفي فاري» السينمائي الدولي في جمهورية التشيك.

وأوضح سعد أنه عمل نحو 35 عاماً في مصلحة المياه بمنطقة جبل لبنان، وأن خروجه من الوظيفة عام 2021 لم ينهِ صلته بالعمل، إذ ظل أهل القرية يستعينون به لخبرته ومعرفته بالشبكة، مشيراً إلى أن هذه العلاقة المستمرة كانت من التفاصيل التي عرفها المخرج عنه، فوجد في حياته مادة لفيلم يجمع بين مسؤولياته اليومية واهتماماته الفنية، التي حافظ عليها إلى جانب الوظيفة.

تقترب قصة الفيلم من حياة بطله الحقيقية (الشركة المنتجة)

ولفت إلى أن المسرح والموسيقى ظلا حاضرين في حياته طوال سنوات العمل، فكان يذهب نهاراً إلى مصلحة المياه، ويشارك ليلاً في البروفات المسرحية، مستفيداً من قدرته على تنظيم وقته، مؤكداً أنه يعزف الأكورديون بالسماع، من دون دراسة للنوتة الموسيقية، وأن كريم قاسم اهتم بالطريقة التي يوفق بها بين هذه الأنشطة، وبانتقاله من متابعة الخزانات ومحطة الضخ إلى الوقوف على المسرح.

وأشار إلى أن «خبرته بالعمل سهلت عليه أداء المشاهد المرتبطة بالمياه، لأنه يعرف كيف يصعد إلى خزان القرية، ويدير توزيع المياه ويشغل محطة الضخ ويتعامل مع الأهالي، موضحاً أن المخرج تابعه أيضاً في المنزل، وتعرف إلى تفاصيل حياته خارج الوظيفة، وهو ما جعله يشعر بأن الشخصية قريبة منه في تصرفاتها وكلامها، وأنه يستطيع استيعاب المواقف التي تمر بها من خلال خبرته الخاصة.

طريقة الأداء

وبيّن سعد أن قاسم كان يشرح له فكرة المشهد وما يريد الوصول إليه، ثم يتيح له التعبير بأسلوبه، مع توجيهات تضبط الأداء والتصرفات، مشيراً إلى أن هذه الطريقة ساعدته على الدخول في الموقف سريعاً، لأنه لم يكن يشعر بأنه مطالب بتغيير طبيعته، مع حرص المخرج على تجنب المبالغة.

وتابع أن مشاركة أشخاص من القرية ساعدت على خلق ألفة أثناء التصوير، لأنهم يعرفون بعضهم بعضاً، ويتحدثون بطريقة قريبة من حياتهم اليومية، موضحاً أن بعض المشاركين لم تكن لديهم خبرة سابقة في التمثيل، لكنهم تحمسوا للتجربة، وأن وجوده مع جيرانه وأصدقائه خفف شعوره بغرابة العمل أمام الكاميرا، مع بقاء الحاجة إلى الالتزام بتعليمات المخرج وما يتطلبه كل مشهد.

وعن أصعب لحظات التصوير، قال إن المشهد الذي استعاد فيه ذكرى والدته الراحلة كان الأكثر تأثيراً فيه، موضحاً أنه كان شديد القرب منها، وأن الحديث عنها أعاد إليه مشاعر لم يستطع التحكم فيها.

وأضاف أن دموعه انهمرت أثناء الأداء، حين وجد نفسه يتحدث عن رعاية الأم، وعن صعوبة أن يرد لها الأبناء ما قدمته لهم، فامتزج الموقف الذي يؤديه بذكرياته الشخصية.

يعرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان الجونة (الشركة المنتجة)

وأوضح أن تأثره في ذلك المشهد جاء تلقائياً، وأنه لم يخطط للبكاء أو لحركة بعينها، بل استجاب لما أثاره الحوار في نفسه، مشيراً إلى أنه يعتمد على إحساسه في التعامل مع هذه المواقف، وأن قرب الشخصية من حياته أتاح له استدعاء مشاعر يعرفها، من دون أن يحتاج إلى تصور تجربة بعيدة عنه.

وذكر أن زواج ابنته كان أيضاً من الوقائع التي انتقلت من حياته إلى الفيلم، بعدما لاحظ المخرج تأثره بالمناسبة وتعلقه بأبنائه، فبنى مشهداً يستفيد من تلك التجربة، مؤكداً أن جانباً كبيراً من الشخصية مستمد من قصصه وعلاقاته وتصرفاته في البيت والعمل، وأن معرفته بهذه التفاصيل منحته مدخلاً إلى الأداء، خصوصاً في المشاهد التي تمس علاقته بأسرته وما يشعر به تجاهها.

عنوان الفيلم

وأشار سعد إلى أن عنوان «قساطل» يرتبط مباشرة بالمهنة التي قضى فيها سنوات طويلة، موضحاً أن المخرج استوحاه من عمله اليومي مع الأنابيب وشبكة المياه، وهذه التفاصيل المألوفة بالنسبة إليه أصبحت جزءاً من حكايته على الشاشة، وأن ما أسعده في التجربة هو قدرة قاسم على ملاحظة جوانب من حياته والجمع بينها، من العمل الذي يعرفه جيداً إلى الموسيقى والمسرح وعلاقته بأبنائه.

وعن فوزه بجائزة أفضل ممثل في مهرجان «كارلوفي فاري»، قال سعد إنه تلقى الخبر في اتصال من كريم قاسم من جمهورية التشيك، ولم يصدق ما سمعه في البداية، حتى إنه سأله إن كان يمزح معه، موضحاً أن الجائزة كانت مفاجأة كبيرة له ولأسرته، وأن فرحته بها اقترنت بسعادته بنجاح الفيلم، بعدما بدأت علاقته بالسينما بلقاء عابر قاده إلى تجربتين متتاليتين مع المخرج.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


أسيل اليعقوب... تفكيك الذاكرة والتاريخ عبر الفن

أسيل اليعقوب وعملها الفائز بجائزة إثراء (إنستغرام)
أسيل اليعقوب وعملها الفائز بجائزة إثراء (إنستغرام)
TT

أسيل اليعقوب... تفكيك الذاكرة والتاريخ عبر الفن

أسيل اليعقوب وعملها الفائز بجائزة إثراء (إنستغرام)
أسيل اليعقوب وعملها الفائز بجائزة إثراء (إنستغرام)

يواصل مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي «إثراء» دعمه للحركة الفنية والإبداعية في العالم العربي من خلال «جائزة إثراء للفنون». وفي الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، أعلن المركز فوز الفنانة والكاتبة الكويتية أسيل اليعقوب بالجائزة في دورتها السابعة، خلال حفل أُقيم في مقره بمدينة الظهران.

ويحمل العمل الفائز عنوان «نباتات مجهولة»، ويستمر عرضه في متحف «إثراء» حتى مارس (آذار) 2027، إلى جانب الأعمال الفنية التي تأهلت إلى القائمة النهائية وحصلت على منح إنتاج.

يعكس عمل «نباتات مجهولة» انشغال أسيل اليعقوب بتاريخ المنطقة المادي والاجتماعي والثقافي، حيث تضع الروايات والذاكرة الثقافية تحت النقد والتحليل، مقدمةً أعمالاً تقف في مواجهة التصورات التاريخية السائدة.

عمل «نباتات مجهولة» (موقع الفنانة)

نباتات مجهولة

تَخْرُجُ منحوتات النباتات المجهولة من الأدراج، ومن سطح الخزائن الفولاذية المخصصة لحفظ الملفات. هذه النباتات مُنْتَجة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. يحوي التركيب الفني أيضاً، رسومات غرافيتية تحاكي الأسلوب التوثيقي للسجلات العلمية. تضع أسيل اليعقوب المتلقي أمام مقارنة بين النبات المتحرر من الأدراج التي تحفظ العينات النباتية وبين رسمه التوضيحي المعلّق على الجدار، لتفتح بذلك نقاشاً حول آليات التصنيف العلمي للنباتات وحدودها. ووفقاً للبيان الفني للعمل، يعتمد علماء النبات عند اكتشاف نوع جديد على مقارنته بالأنواع الموثقة سابقاً في السجلات العلمية، قبل منحه اسماً لاتينياً وإلحاقه بتوصيف جغرافي يحدد موطنه. كأن هوية النبات تختلط بهوية جديدة تحددها السجلات العلمية. تقدم الفنانة في شرح العمل مثالاً على زهرة الخزامى المعروفة في السعودية والكويت ومناطق أخرى، حيث تحمل الزهرة اسم «ديكسونيا»، وهو اسم أطلقه عليها عالم النبات البريطاني ويليام توريل، تكريماً للباحثة التي جمعت عيّنات الزهرة من منطقة الخليج وبعثت بها إلى الباحثين. كانت الزهرة حينها اكتشافاً جديداً بالنسبة إلى توريل، رغم أن لها اسماً محلياً وتاريخاً وعلاقة وثيقة بالناس والبيئة التي تنمو فيها. استقت أسيل من منهج التصنيف هذا، فكرة ابتكار نباتات هجينة متخيَّلة تجمع بين المحلي والغربي، رسمتها وصنفتها بدقة كأنها نباتات حقيقية، مشككةً فيما يمكن قبوله كحقيقة علمية في أرشيفات التصنيف النباتي لمنطقة الخليج، متسائلةً عمَّن يملك حق إطلاق المسميات وتحديد أبعاد المعرفة والتوثيق.

حياة معاكسة

ضمن اهتمام أسيل بالبحث في البيئة النباتية ومدى ارتباط وتفاعل الإنسان الخليجي معها، قدمت في عام 2018 بالتعاون مع الفنانة الكويتية علياء فريد، عملاً بعنوان «حياة معاكسة: حديقة نباتية مضيئة مخصصة للأشجار» وهو عمل تركيبي أُنْشِئَ خصيصاً لمركز جميل للفنون بدبي وعُرض على سطح المركز ممثِّلاً حديقة نباتية مجتمعية. يتألف العمل من نباتات وأشجار اصطناعية مضيئة موزعة على ست جزر، تحمل أسماء أحياء حضرية توجد بها هذه الأشجار، ومنها الشارقة، وتشونغشان في الصين، والأحمدي بالكويت. وتتنوع الأشجار الاصطناعية بين النخيل والصفصاف والزنبق والكرز وغيرها.

حياة معكوسة (موقع الفنانة)

يطرح العمل عدة مفارقات، فهذه الأشجار المضاءة اندمجت مع مكونات الأحياء والأماكن العامة في الدول الخليجية رغم أنها مستوردة من الصين. ومن ناحية أخرى يمكن النظر إليها على أنها محاولة لاستعادة علاقتنا بالطبيعة بعد أن سيطر التوسع العمراني على المشهد، إلا أنها ليست طبيعية. تتساءل أسيل أيضاً عن سبب ميلنا غير المفهوم لاستبدال الاصطناعي بالواقعي، مع أن الاصطناعي أقل استدامة من المكونات الطبيعية المنسجمة مع البيئة، وقد أثبت العمل الفني نفسه هذه الفكرة، فبعد مرور أقل من عام منذ عرض العمل، تعرضت أجزاءه إلى التلف بفعل حرارة الشمس.

مائة جندي

من الملاحَظ أن التركيز على المفارقات، وتسليط الضوء على التباين من خلال البحث التاريخي الذي تقدمه أسيل في أعمالها، هو أسلوب فني يميزها وتستعين به أيضا بوصفه أداة للسخرية، كما نرى في فيلم «مائة جندي يتشقلب» الذي عُرض لأول مرة على منصة الفن المعاصر بالكويت، عام 2020. الفيلم عبارة عن مونتاج جديد لمجموعة من المواد الأرشيفية التي جمعتها على مدار أربع سنوات، من نشرات الأخبار والمقابلات والإعلانات والمسرحيات والمسلسلات التلفزيونية والرسوم الكاريكاتورية وغيرها. يبدأ سرد الحكاية بمشاهد للحياة اليومية التي عاشها البريطانيون تحت شمس الكويت، تمهيداً لحدث إلغاء معاهدة الحماية البريطانية عام 1961 وإعلان استقلال الكويت. ثم تتسلسل أحداث دبلوماسية وتطورات عسكرية تمتد حتى وقتنا الحاضر.

شارة فيلم «مائة جندي يتشقلب» (موقع الفنانة)

يرافق الفيلم موسيقى من تأليف ملحنين كلاسيكيين مثل سيرغي بروكوفييف ومغنين مثل عبد الله الرويشد. اعتمدت الفنانة أسلوباً يمزج بين المشاهد الجادة، مثل لقطات اجتياح الكويت والمفاوضات، وبين لقطات مرحة، ومنها مقتطفات من الدور الشهير الذي لعبه الفنان عبد الحسين عبد الرضا لشخصية صدام حسين، ومقطع لمستر ريجيرز المقدم الأميركي المعروف لبرامج الأطفال، وهو يغني للجيرة الطيبة والأصدقاء. كما نلمس التباين بين المرئي والمسموع مثل شارة الفيلم، التي تقدم مشهداً من الرسوم المتحركة لمائة جندي يتشقلبون ويتكوم بعضهم على بعض، في حين تسمع وقع أقدام الجنود وهم يستجيبون للأوامر، كما نسمع إيقاعات المارشات العسكرية. هذا الأسلوب الذي اتبعته الفنانة يضع المتفرج أمام عرض يسخر فيه مشهد من آخر ويسخر فيه الصوت من الصورة. ينتهي الفيلم بمقاطع مؤثرة من أحداث سياسية ألمَّت بالمنطقة، مع ذكر المسافة التي يبعد بها كل بلد عن الكويت.