حديثة في الأنبار.. يحاصرها مسلحو «داعش» والدخول إليها والخروج منها جوًا فقط

سكانها يعزون صمودها إلى سدها الاستراتيجي المهم وقاعدة عين الأسد الجوية القريبة منها

صبيان في الفلوجة بعد حصولهم على مواد غذائية (واشنطن بوست)
صبيان في الفلوجة بعد حصولهم على مواد غذائية (واشنطن بوست)
TT

حديثة في الأنبار.. يحاصرها مسلحو «داعش» والدخول إليها والخروج منها جوًا فقط

صبيان في الفلوجة بعد حصولهم على مواد غذائية (واشنطن بوست)
صبيان في الفلوجة بعد حصولهم على مواد غذائية (واشنطن بوست)

تساقطت المدن المجاورة لهذه المدينة العراقية واحدة تلو الأخرى، الفلوجة والرمادي وهيت. وذبح مقاتلو «داعش» الآلاف مع إحكامهم قبضتهم على محافظة الأنبار الواقعة غرب العراق. مع ذلك، ظلت حديثة معقلاً للصمود.
ودفاعًا عن المدينة، خاضت قبائلها المحلية والجيش العراقي قتالاً ضاريًا في مواجهة هجمات مستمرة، وقد يكون الأهم من ذلك أن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والحكومة العراقية، أبدتا تصميمهما على الحيلولة دون سقوط السد الهيدروكهربائي الضخم الكائن قرب المدينة في أيدي المتطرفين.
لكن في المقابل، يعيش سكان حديثة في ظروف صعبة في ظل انعزالهم عن العالم الخارجي، بينما يركز «داعش» على المدينة باعتبارها هدفهم المقبل.
شكت إسراء محمد، 38 سنة، بينما كانت في انتظار وصول شحنة نادرة من المساعدات الغذائية، الأسبوع الماضي، قائلة: «يبدو وكأننا لا نعيش في العراق، فليس هناك دخول أو خروج من المدينة. ويبدو كما لو أننا نعيش في جزيرة معزولة».
ووجدت أول مجموعة من الصحافيين تتمكن من الدخول إلى حديثة منذ ما يزيد على عام، المدينة المحاصرة في حالة مزرية، فمع ارتفاع أسعار الغازولين لأكثر من أربعة أضعاف السعر الوطني، أصبحت الدراجات أكثر انتشارًا من السيارات في الشوارع. كما فر الأطباء، وأصبح من العسير العثور على عاملين بالحقل الطبي. أما الكهرباء فلا تتوفر بالمدينة سوى ثلاثة ساعات يوميًا فقط.
وبالنسبة لـ«داعش»، تعد حديثة بمثابة جائزة قيمة، مع ما تملكه من سد يمتد لمسافة تقارب 6 أميال؛ مما يجعله ثاني أكبر منتج للطاقة الكهربائية في البلاد. وفي آخر تسجيلاته المسموعة، حث «داعش» أبناء القبائل السنية في المدينة على الاستسلام، محذرًا من أن مسلحيه قد يقتحمون المدينة «في أية لحظة».
في المقابل، يقع المدافعون عن المدينة تحت وطأة ضغوط هائلة. ووصف اللواء علي دبون، من مركز قيادة الجيش عند قاعدة السد، أحدث هجوم شنه مسلحو «داعش» أوائل الشهر الحالي، واختلج صوته بالانفعال، بينما كان يتذكر كيف أن التنظيم المتطرف هاجم بـ37 سيارة مفخخة في المنطقة. وقال: «واجهت جميع القطاعات في المدينة مهمة صعبة، لكننا بذلنا مجهودًا استثنائيًا».
يذكر أن حديثة تقع في أعماق محافظة الأنباء التي يغلب السنة على سكانها، والواقعة على بعد نحو 150 ميلاً إلى الغرب من العاصمة بغداد. وشهدت المسافة بين المدينتين سلسلة من الغزوات الناجحة لـ«داعش»: الرمادي، عاصمة المحافظة، والفلوجة التي تحولت حاليًا لحصن منيع للتنظيم. كما سقطت هيت، أقرب المدن إلى حديثة، منذ 10 شهور؛ مما تسبب في قطع خطوط الإمدادات لحديثة القادمة من المناطق التي تسيطر عليها الحكومة. وإلى الغرب من حديثة، تمتد الصحراء باتجاه الحدود السورية، التي وقعت بأكملها تقريبًا الآن تحت سيطرة «داعش».
قالت إسراء، التي فرت من الفلوجة منذ عام ونصف العام، إنها وعائلتها الكبيرة المؤلفة من 23 شخصًا يحاولون الخروج من حديثة منذ 3 أشهر. إلا أن السبيل الوحيد للخروج من المدينة هو بطائرات عسكرية تنطلق من قاعدة عين الأسد المجاورة التي تمثل شريان الحياة للمدينة - ومن الصعب العثور على أماكن متاحة على متن هذه الطائرات. وقد تمكنت مجموعة من الصحافيين من دخول المدينة برفقة بعثة إغاثة، الأسبوع الماضي، خلال رحلة نظمها مكتب رئيس الوزراء حيدر البغدادي. وحسب عبد الحكيم الجغيفي، رئيس المجلس البلدي في حديثة، تضم المدينة حاليًا نحو 96.000 نسمة.
وقال: «الكثيرون يعانون بشدة جراء الحصار، بجانب الهجمات التي يشنها (داعش) طوال الوقت». وفي أبريل (نيسان) ومايو (أيار)، وصل سعر جوال القمح الذي يزن 50 كيلوغرامًا إلى مليون دينار، مما يعادل نحو 840 دولارًا.
من ناحيتهم، ذكر مسؤولون محليون أن الأسعار تراجعت مؤخرًا مع نجاح بضعة قوافل مساعدات من الوصول إلى حديثة. وقد تولت طائرة مروحية مرافقة كل قافلة عبر الجزء الأكثر خطورة من الطريق، الذي يمر بمدن يسيطر عليها «داعش».
مع ذلك، يشكو سكان المدينة من أنه لدى وصول المساعدات تحت حماية مقاتلين قبليين أو أفراد من الجيش، فإنها لا تصل إليهم، ويجري بدلاً من ذلك توزيعها على قبائل محلية بعينها أو بيعها في السوق السوداء. وفي هذا الصدد، قال سمير مشعل، 50 سنة: «من وقت لآخر، تصل إمدادات، لكن لا نحصل على أي شيء منها». ولهذا السبب، حرص عمال إغاثة ومسؤولون عراقيون على السفر مع القافلة التي قدمت للمدينة الأسبوع الماضي، حاملة 21 طنًا من الأغذية.
من ناحيته، قال مصطفى العبيدي، 26 سنة، الذي يعمل مع منظمة «متطوعين عراقيين» الخيرية: «جئنا هنا اليوم، رغم كل المخاطر، لرغبتنا في الوصول مباشرة إلى الأسر».
واصطف المئات من الرجال والنساء للحصول على دقيق وأرز ومعجون طماطم وزيت، الخميس الماضي. وكان اليوم شديد الحرارة لدرجة أنه تم إعلانه إجازة وطنية، مع تجاوز درجات الحرارة 50 درجة مئوية. وقال حيدر مجيد، مسؤول بمكتب رئيس الوزراء: «إنهم بحاجة لإمدادات غذائية وأدوية، لكن بسبب الحصار، هذه المرة الأولى التي نصل المدينة».
وبعد خسارة القوات الحكومية الرمادي في مايو الماضي، تزايدت الهجمات ضد حديثة بشدة، حسبما أوضح إبراهيم الجغيفي، المتحدث الرئيسي باسم مقاتلي القبائل في المدينة، ومع ذلك، تراجعت الهجمات مؤخرًا، حيث يبدو أن «داعش» انشغل في الدفاع عن الرمادي ضد هجمات مضادة.
يذكر أن قبيلة الجغيفي تزعمت القتال هنا، لكن أبناءها يدركون جيدًا السبب وراء تمكنهم من صد هجمات «داعش»، حيث وفر التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والجيش العراقي مساعدة محورية لهم نظرًا لما تحويه المدينة من سد استراتيجي وقربها من قاعدة «عين الأسد»، حيث يتمركز أكثر من 300 من قوات المارينز الأميركية في مهمة تدريبية. ويقول الجغيفي: «يتفق الجميع على أن هناك أمرين ساعدانا: وجود سد حديثة، وقاعدة عين الأسد».
ويتسم السد بأهمية كبيرة دفعت الحكومة الأميركية لتوسيع نطاق حملتها الجوية ضد «داعش» في سبتمبر (أيلول) للحيلولة دون سقوطه في أيدي المسلحين. حتى ذلك الوقت، كانت الضربات الجوية في العراق مقتصرة على المناطق الواقعة قرب جبل سنجار والمنطقة الكردية الواقعة إلى الشمال.
من جهته، يرغب «داعش»، الذي يواجه صعوبة في توفير الخدمات الأساسية في المناطق التي يسيطر عليها، في السيطرة على السد بهدف توفير إمدادات كهرباء للمناطق الخاضعة لـ«خلافته». وبخلاف الحال مع بعض المناطق الأخرى بالبلاد، أبدى التحالف الذي تقوده واشنطن «جدية» في حماية حديثة، حسبما ذكر الجغيفي، لكنه استطرد قائلاً إنهم «يظهرون فقط عندما تحتدم المعركة ويصبح الخطر وشيكًا للغاية».
من جهته، قال عواد خلف، ضابط بالشرطة المحلية: «لقد تعرضنا للنسيان، لكننا اتفقنا جميعًا على القتال حتى الموت».
وبالفعل، أكد الكثير من سكان المدينة أنه رغم الكثير من الصعاب، فإنهم لا يرغبون في مغادرة المدينة.

* خدمة: «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



بيان يمني يتهم ضباطاً إماراتيين بارتكاب انتهاكات جسيمة

لجنة يمنية حقوقية وثقت مراكز احتجاز غير قانونية في جزيرة سقطرى (إعلام حكومي)
لجنة يمنية حقوقية وثقت مراكز احتجاز غير قانونية في جزيرة سقطرى (إعلام حكومي)
TT

بيان يمني يتهم ضباطاً إماراتيين بارتكاب انتهاكات جسيمة

لجنة يمنية حقوقية وثقت مراكز احتجاز غير قانونية في جزيرة سقطرى (إعلام حكومي)
لجنة يمنية حقوقية وثقت مراكز احتجاز غير قانونية في جزيرة سقطرى (إعلام حكومي)

كشفت وزارة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان في اليمن عن تلقيها عدداً كبيراً من الشكاوى والبلاغات من مواطنين ومنظمات مجتمع مدني، تتضمن اتهامات بارتكاب جرائم خطيرة وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، نُسبت إلى مسؤولين وضباط إماراتيين، وعناصر تابعة لدولة الإمارات من الجنسية اليمنية، إضافة إلى مرتزقة أجانب، في تطور وصفته الوزارة بأنه بالغ الخطورة، ويمس جوهر سيادة القانون وحقوق المواطنين.

وأوضحت الوزارة، في بيان رسمي أن الانتهاكات المبلغ عنها شملت الاغتيالات، والاختطاف، والإخفاء القسري، والاحتجاز في سجون سرية، إلى جانب ممارسات تعذيب قاسية، مؤكدة أنها تابعت هذه الوقائع «ببالغ الاستنكار والأسى»، لما تنطوي عليه من خروقات جسيمة للقانون الوطني والمواثيق الدولية.

الحكومة اليمنية اتهمت قوات «الانتقالي الجنوبي» المنحل بارتكاب انتهاكات جسيمة (إ.ب.أ)

وأكد البيان أن ما كُشف عنه من انتهاكات ارتُكب خلال الفترة الماضية من قبل دولة الإمارات وأفراد وقوات وأجهزة تابعة لها، في وقت «كان يُفترض بدولة الإمارات احترام التزاماتها، واحترام سيادة الدولة اليمنية وأمن وسلامة مواطنيها، والمبادئ التي قام عليها تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، والتي كانت جزءاً منه».

وشدّدت الوزارة في الوقت ذاته على أن الجهات والأفراد اليمنيين المعنيين يتحملون مسؤولية مباشرة في حماية المواطنين وصون أمنهم وترسيخ النظام وسيادة القانون.

اغتيالات وسجون وتعذيب

وحسب البيان، تلقت الوزارة اليمنية شكاوى وبلاغات متعددة من مواطنين يمنيين ومنظمات محلية بشأن جرائم خطيرة، شملت الاغتيالات والاختطاف والإخفاء القسري والاحتجاز في سجون سرية والتعذيب، ارتكبها مسؤولون وضباط إماراتيون، إلى جانب عناصر يمنية تابعة للإمارات ومرتزقة أجانب.

كما أشارت الوزارة إلى أنها اطلعت على تقارير إعلامية وأخرى صادرة عن منظمات يمنية وإقليمية ودولية، كشفت جانباً من هذه الانتهاكات، بما في ذلك ما ورد في تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» الصادر في 30 يناير (كانون الثاني) 2026، بشأن السجون ومراكز الاحتجاز السرية التي كانت تديرها الإمارات في اليمن.

وأفادت الوزارة بأنها باشرت عمليات الرصد والتوثيق والتحقيق في هذه الانتهاكات، والتقت عدداً من الضحايا وذويهم والشهود، كما قامت بزيارة مواقع وصفتها بأنها «سجون سرية»، قالت إنها تمثل معتقلات تعذيب قاسية لا توفر أبسط الاحتياجات الإنسانية، وتتعارض مع الأعراف والقوانين ومبادئ الأخلاق والدين.

جنود جنوبيون يقفون حراساً خلال مسيرة مؤيدة لانفصال جنوب اليمن في مدينة عدن (إ.ب.أ)

وقال البيان اليمني إن هذه الانتهاكات تشكل خرقاً صريحاً للدستور والقوانين الوطنية النافذة، فضلاً عن تعارضها مع الالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان.

وشدّدت وزارة حقوق الإنسان في اليمن على أن دولة الإمارات ومسؤوليها وكل من تورط في ارتكاب هذه الجرائم «لا يمكن أن يكونوا فوق القانون أو بمنأى عن المساءلة»، مؤكدة عزمها استخدام جميع الأدوات والآليات التي يكفلها النظام القانوني اليمني.

وفي إطار مهامها، أعلنت الوزارة مواصلة جهودها في رصد وتوثيق الانتهاكات، واستقبال الشكاوى من الضحايا وذويهم عبر الآليات المعتمدة، بما في ذلك الخطوط الساخنة ومكاتبها في المحافظات، لتسهيل وصول المواطنين إلى العدالة.

وختمت بيانها بالتأكيد على أن الجرائم الجسيمة لا تسقط بالتقادم، وأن العدالة وحماية حقوق الإنسان وسيادة القانون مسؤولية وطنية لا تقبل المساومة أو التجزئة.


العليمي يؤكد التزام الدولة بحرية الصحافة وحمايتها

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي خلال استقباله رئيس تحرير «عدن الغد» (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي خلال استقباله رئيس تحرير «عدن الغد» (سبأ)
TT

العليمي يؤكد التزام الدولة بحرية الصحافة وحمايتها

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي خلال استقباله رئيس تحرير «عدن الغد» (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي خلال استقباله رئيس تحرير «عدن الغد» (سبأ)

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي أن حرية الصحافة، وحماية الصحافيين ستظلان التزاماً أصيلاً لقيادة الدولة، والحكومة، وركيزة أساسية من ركائز سيادة القانون، وبناء المؤسسات الوطنية الحديثة التي يتطلع إليها اليمنيون، محذراً من محاولات استنساخ انتهاكات الحوثيين التي حولت أجزاء واسعة من البلاد إلى واحدة من أسوأ البيئات لعمل الصحافيين في العالم.

وشدد العليمي على أن الكلمة الحرة تمثل جزءاً لا يتجزأ من حق المجتمع في المعرفة، وعنصراً محورياً في أي مسار جاد نحو الاستقرار، والسلام، مؤكداً التزام الدولة بتوفير بيئة آمنة للعمل الصحافي، وحماية المؤسسات الإعلامية من أي تهديد، أو ابتزاز، وردع الممارسات التي تسعى إلى فرض الرأي بالقوة، أو تقويض الحريات العامة، بما يتعارض مع الدستور، والقوانين الوطنية، والدولية.

جاءت تصريحات العليمي خلال استقباله، الاثنين، رئيس تحرير صحيفة «عدن الغد» فتحي بن لزرق، عقب تعرض مقر الصحيفة في العاصمة المؤقتة عدن لاعتداء مسلح، واقتحام عنيف، في حادثة أثارت قلقاً واسعاً في الأوساط الإعلامية، وأعادت تسليط الضوء على التحديات الأمنية التي تواجه العمل الصحافي في المناطق اليمنية.

إحدى صالات التحرير في مقر مؤسسة «عدن الغد» بعد تعرضها للتخريب (فيسبوك)

واستمع العليمي -بحسب الإعلام الرسمي- إلى تفاصيل حادثة الاقتحام، وما رافقها من اعتداءات أسفرت عن إصابة عدد من العاملين، وتدمير ونهب محتويات المقر، فيما اعتُبر انتهاكاً صارخاً لحرية الصحافة، والعمل الإعلامي، واستهدافاً مباشراً لحق المجتمع في المعرفة، والحصول على المعلومات.

مطالب بالمحاسبة

وأشاد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بالإجراءات الفورية التي اتخذها رئيس مجلس الوزراء وقيادة السلطة المحلية في عدن، مشدداً على ضرورة الإسراع في القبض على الجناة، وجميع المتورطين دون استثناء، وإحالتهم إلى القضاء لينالوا جزاءهم الرادع وفقاً للقانون، إلى جانب اتخاذ الترتيبات اللازمة لتوفير الحماية للمؤسسات الإعلامية والصحافيين، وجبر ضرر صحيفة «عدن الغد»، وتمكينها من استئناف نشاطها، وممارسة رسالتها المهنية بحرية، ومسؤولية.

وأكد العليمي أن احترام حرية الصحافة يمثل مؤشراً جوهرياً على جدية الدولة في استعادة الاستقرار، وبناء الثقة مع المجتمعات المحلية والدولية، مشيراً إلى أن الدولة ستظل منحازة للكلمة الحرة باعتبارها شريكاً في معركة استعادة مؤسساتها الوطنية، لا خصماً لها.

آثار من التخريب الذي تعرض له مقر مؤسسة إعلامية أهلية في عدن (فيسبوك)

وأشار إلى أن قيادة الدولة لم تصدر خلال السنوات الأخيرة أي إجراءات بحق الصحافيين، بل شددت على منع اعتقالهم، أو احتجازهم على خلفية الرأي، أو النشر، مؤكداً أن أي مساءلة قانونية يجب أن تتم حصراً عبر القضاء المستقل، ووفقاً للقانون، وضمانات المحاكمة العادلة، مع رفض قاطع لاستخدام السلاح أو القوة لإسكات الأصوات الإعلامية.

وكان مقر صحيفة «عدن الغد» في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن قد تعرض، الأحد، لهجوم مسلح، واقتحام عنيف نُسب إلى عناصر تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، حيث أفاد رئيس تحرير الصحيفة بأن ما بين 40 إلى 50 مسلحاً اقتحموا المبنى الواقع في حي التقنية بمديرية المنصورة.

وقام المهاجمون بتحطيم كامل محتويات المقر، بما في ذلك المكاتب، وأجهزة الحاسوب، والطابعات، والماسحات الضوئية، إلى جانب نهب معدات تقنية، وأرشيفية خاصة بالعمل الصحافي.

وأدانت نقابة الصحافيين اليمنيين ونقابة الصحافيين الجنوبيين الحادثة، ووصفتها بأنها «جريمة مكتملة الأركان»، وانتهاك صارخ لحرية الرأي والتعبير. كما وجّه رئيس الوزراء شائع محسن الزنداني وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية بفتح تحقيق عاجل وشفاف لكشف الجناة، ومحاسبتهم، مؤكداً رفض الحكومة لأي محاولات لترهيب الكوادر الإعلامية.


نهب الأراضي يُشعل غضباً واسعاً بمناطق سيطرة الحوثيين

مرتفعات جبلية استولى عليها الحوثيون في صنعاء (الشرق الأوسط)
مرتفعات جبلية استولى عليها الحوثيون في صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

نهب الأراضي يُشعل غضباً واسعاً بمناطق سيطرة الحوثيين

مرتفعات جبلية استولى عليها الحوثيون في صنعاء (الشرق الأوسط)
مرتفعات جبلية استولى عليها الحوثيون في صنعاء (الشرق الأوسط)

تشهد محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية موجة متصاعدة من الاستيلاء القسري على أراضي وممتلكات السكان، في سلوك ممنهج أشعل غضباً واسعاً ضد الجماعة الانقلابية وسط دعوات حقوقية لحماية الحقوق ومواجهة الانتهاكات ضد المدنيين.

وتتصدر صنعاء وإب وصعدة خريطة هذه الانتهاكات، وسط اتهامات للجماعة بتحويل الأراضي المنهوبة إلى مشروعات استثمارية تدر أرباحاً على قيادات نافذة ومشرفين محليين، مستغلين القوة المسلحة، ونفوذ القضاء المُسيّس لفرض الأمر الواقع.

مصادر مطلعة أفادت لـ«الشرق الأوسط» بأن نافذين حوثيين كثفوا خلال الأسابيع الماضية حملات منظمة لمصادرة أراضٍ تعود لمواطنين وأوقاف عامة وخاصة، مستخدمين آليات ثقيلة، ومرافقة مسلحة، وأوامر قضائية تُشرعن النهب، وتُغلق أي نافذة إنصاف أمام المتضررين.

وتؤكد المصادر أن هذه الحملات لا تقتصر على أراضٍ شاغرة، بل تمتد إلى منازل قائمة، ومزارع منتجة، ومواقع ذات طابع ديني واجتماعي.

الحوثيون يعتمدون سياسة البطش بالسكان لإجبارهم على التنازل عن ممتلكاتهم (إكس)

في صنعاء، فجّرت حادثة هدم منزل امرأة مسنّة في قرية «الظفير» بمديرية بني مطر غرب العاصمة المختطفة موجة غضب شعبي واسعة، حيث أقدم مشرف حوثي «أبو طارق» على تنفيذ عملية الهدم بالقوة، في خطوة وُصفت بأنها تمهيد مباشر لنزع ملكية الأرض والاستحواذ عليها.

وأظهرت مقاطع متداولة على منصات التواصل الاجتماعي صرخات المرأة في موقع الحادثة، في مشهد لخص حجم القهر الذي يعيشه السكان تحت وطأة هذه الممارسات.

وتزامنت الحادثة مع تركيز الجماعة على ما تُسميه «الأراضي البيضاء» في أطراف صنعاء ومحيطها، حيث يُمنع المالكون من التصرف بأراضيهم، أو يُطردون منها قسراً، قبل أن تُمنح لاحقاً لمستثمرين موالين، أو تُحوّل إلى مشاريع تجارية وسكنية.

ويقول حقوقيون إن هذا النمط يعكس سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الملكية العقارية بما يخدم شبكة المصالح الحوثية.

استهداف المقابر

وفي محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) اتخذت الانتهاكات بُعداً صادماً باستهداف المقابر، إذ شرع مشرف حوثي، حسب مصادر محلية، في الاعتداء على مقبرة قرية «السايبة» بمديرية النادرة شرق المحافظة، مستخدماً معدات حفر، وباشر بناء قواعد أسمنتية تمهيداً لتشييد «قاعة أعراس».

واتهم الأهالي قيادات حوثية محلية بالتواطؤ وتسهيل عملية الاستيلاء، في ظل صمت سلطات الجماعة رغم البلاغات المتكررة.

وسبقت ذلك حادثة أخرى تمثلت بسطو القيادي عبد الكريم الشامي على أرضية مملوكة للمواطن بشير الدلالي في مديرية المشنة وسط المدينة. وأفاد بلاغ متداول بأن الشامي، مدعوماً بمسلحين وآليات، هدم غرفة حراسة ودفن الطابق الأرضي لمبنى تكلّف إنشاؤه ملايين الريالات اليمنية.

سكان في إب اليمنية يتهمون الجماعة الحوثية بمواصلة بنهب أراضيهم (فيسبوك)

وأكد الدلالي امتلاكه وثائق ملكية تعود لأكثر من 35 عاماً، غير أن النافذ الحوثي سعى إلى مصادرة الأرض بزعم وثيقة مزورة صادرة في 2018. وتحدثت المصادر عن اعتداء جسدي وتهديد بالقتل والسجن تعرض له المواطن أثناء محاولته الدفاع عن ملكيته.

تجريف شامل في صعدة

أما في صعدة، معقل الجماعة الرئيسي، فقد اتخذت عمليات الاستيلاء طابعاً أوسع وأشد قسوة، شمل ذلك أراضي زراعية وممتلكات خاصة، وترافق مع تهجير قسري وترهيب ممنهج يمنع أي اعتراض أو لجوء فعلي للقضاء.

وكان أحدث هذه الوقائع قيام المشرف حسين مسفر الشاعر باستقدام جرافات ومسلحين لتطويق مساحات أراضٍ تعود لقبائل «وائلة» شرق المدينة، سبق الاستيلاء على أجزاء منها.

وجاءت هذه الاعتداءات رغم شكاوى متكررة رفعها الأهالي إلى مكتب زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، الذي كان قد وجّه بتشكيل لجان للنظر في القضية دون أن تُسفر عن نتائج ملموسة. وعلى وقع ذلك، دعا المتضررون وجهاء القبائل إلى موقف موحد للضغط، ووقف ما يصفونه بـ«العبث المنظم» بأراضيهم.

جرافة بجوار مبنى مكتب الأشغال الخاضع لسيطرة الحوثيين في صعدة (فيسبوك)

وتشير تقارير حقوقية محلية إلى أن مصادرة الممتلكات في صعدة وما جاورها تتم بوتيرة متسارعة، وغالباً ما تُمنح لمشرفين أو تُستخدم في مشاريع استثمارية وأمنية، في ظل غياب تام لأي مساءلة.

ويرى حقوقيون أن هذه الانتهاكات تُعد خرقاً صارخاً لحق الملكية الخاصة، وتُعمّق الأزمة الإنسانية والاقتصادية، وتهدد السلم الاجتماعي عبر تكريس شعور واسع بالظلم والاحتقان.

ويطالب ناشطون ومنظمات حقوقية المجتمع الدولي بالتحرك الجاد للضغط من أجل وقف هذه الممارسات، وفتح تحقيقات مستقلة، وضمان حماية ممتلكات المدنيين، محذرين من أن تحويل الأراضي المنهوبة إلى مصادر تمويل للجماعة يزيد من إطالة أمد الانقلاب.