الاتحاد الأوروبي يمدد العقوبات ضد موسكو ويحضّر لحزمة عاشرة

{البنتاغون}: أسلحتنا ليست سبباً في تصعيد الصراع... وبوتين يمكنه وقف الحرب غداً

وحدة قتالية أوكرانية في دونيتسك قريباً من باخموت ترد على النيران الروسية (أ.ف.ب)
وحدة قتالية أوكرانية في دونيتسك قريباً من باخموت ترد على النيران الروسية (أ.ف.ب)
TT

الاتحاد الأوروبي يمدد العقوبات ضد موسكو ويحضّر لحزمة عاشرة

وحدة قتالية أوكرانية في دونيتسك قريباً من باخموت ترد على النيران الروسية (أ.ف.ب)
وحدة قتالية أوكرانية في دونيتسك قريباً من باخموت ترد على النيران الروسية (أ.ف.ب)

قرر الاتحاد الأوروبي، الجمعة، تمديد تطبيق عقوباته على روسيا 6 أشهر، فيما يحضّر إجراءات جديدة ضد موسكو. وتمّ تشديد العقوبات، التي فُرضت عندما ضمت موسكو شبه جزيرة القرم الأوكرانية في عام 2014، إلى حد كبير بعد بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022. وتمّ تمديدها بشكل منهجي لمدة 6 أشهر على مدى الأعوام الثمانية الماضية.
فرض الاتحاد الأوروبي على روسيا 9 حزم من العقوبات منذ بداية الغزو، شملت استهداف صادرات النفط الرئيسية لروسيا، وقطع بنوكها عن نظام «سويفت» لتحويل الأموال، واستهداف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصياً.
وتعمل المفوضية الأوروبية حالياً على مقترحات بشأن حزمة عاشرة من العقوبات، لكن يزداد التوصل إلى اتفاق مشترك بين جميع الدول الأعضاء صعوبة، وفق مسؤولين أوروبيين. ودعت أوكرانيا إلى فرض عقوبات على قطاع صناعة الصواريخ الروسية وقطاع الطاقة النووية. ويسعى الاتحاد الأوروبي أيضاً إلى توسيع مدى العقوبات لتشمل بيلاروس حليفة موسكو.
ووجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مجدداً دعوة من أجل الحصول على مزيد من الأسلحة، بعيداً عن دبابات القتال الرئيسية التي تعهد حلفاؤه حالياً بإرسالها. وقال خلال خطابه المسائي عبر الفيديو: «لا يمكن وقف العدوان الروسي إلا بالسلاح الكافي. والدولة الإرهابية لن تفهم غير ذلك»، مشيراً إلى أحدث موجة من الهجمات. وتابع: «كل صاروخ روسي يطلق تجاه مدننا، وكل مسيرة إيرانية يستخدمها الإرهابيون هي حجة من أجل مزيد من الأسلحة».
وشكر زيلينسكي كندا على أحدث تعهداتها بتقديم دبابات، قائلاً: الآن، هناك 12 دولة ضمن ما وصفه بـ«تحالف الدبابات»، لكنّه أضاف أنّ «مفتاح» النجاح الآن هو «سرعة» عمليات التسليم و«حجمها»، في وقت تطالب فيه كييف بمئات الدبابات حتى تتمكّن من بدء استعادة الأراضي المحتلة في الشرق والجنوب. كذلك، طالب الرئيس الأوكراني بطائرات مقاتلة وصواريخ بعيدة المدى، وأسلحة يرفض الغرب تزويد أوكرانيا بها، خشية إثارة تصعيد عسكري.
وعلى الصعيد الميداني، أعلنت كلّ من كييف وموسكو أن معركة «شرسة» تهزّ مدينة فوغليدار التي تحاول القوات الروسية دخولها في شرق أوكرانيا، فيما تؤكد أوكرانيا أن الروس «يبالغون» في وصف انتصاراتهم. وأكّد رئيس إدارة الاحتلال الروسي في منطقة دونيتسك الأوكرانية دينيس بوشيلين، ليلاً، أنه «يتوقع وصول أنباء جيدة» من مدينة فوغليدار التي كان يسكن فيها نحو 15 ألف شخص قبل بدء الحرب. وقال لوكالة «ريا نوفوستي» للأنباء: «إن تطويق المدينة وتحريرها المقبل سيحلان بعض الأمور»، مؤكداً أن الانتصار قد يسمح «بتغيير ميزان القوى على الجبهة» من خلال فتح الطريق أمام هجوم على بلدتي بوكروفسك وكوراخوفي. وقال مستشاره إيان غاجين لوكالة «تاس»، إن «معارك جدية وعنيفة» جارية، وإن القوات الروسية «موجودة في الجنوب الشرقي وفي شرق المدينة».
ومن جهته، أكّد الناطق باسم الجيش الأوكراني في الشرق سيرغي تشيريفاتي، كما نقلت عنه الصحافة الفرنسية، حدوث «معارك شرسة» وإبعاد القوات الروسية. وقال لقناة تلفزيونية: «العدو يحاول بالفعل تحقيق النجاح في هذا القطاع، لكنه لم يتمكن من ذلك بفضل جهود قوات الدفاع الأوكرانية». وأضاف: «إن العدو يبالغ في نجاحه... أمام خسائره يتراجع».
أعلنت أوكرانيا، الأسبوع الماضي، أن الجيش الروسي قد كثّف هجماته في الشرق، خصوصاً في فوغليدار وباخموت التي تستهدفها القوات الروسية منذ أشهر رغم الخسائر الكبيرة. واستولت القوات الروسية وقوات «فاغنر» المسلحة مؤخراً على مدينة سوليدار، شمالي باخموت، في أول انتصار ميداني لها منذ عدة أشهر وسلسلة من النكسات. وحشدت روسيا مئات الآلاف من جنود الاحتياط والمدانين، في محاولة لاختراق الجبهة الأوكرانية وغزو المساحات المتبقية من منطقة دونباس.
والتقت وزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا بنظيرها الأوكراني دميترو كوليبا في مدينة أوديسا، يوم الخميس. وقال كوليبا إن الوزيرين اجتمعا في ملجأ مضاد للقنابل في المدينة الساحلية المطلة على ساحل البحر الأسود لأوكرانيا، بسبب صفارات الإنذار من الغارات الجوية. وذكر في تغريدة عبر «تويتر»: «ربما تكون هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي يعقد فيها وزراء خارجية محادثات في قبو دار الأوبرا. والسبب في ذلك هو دوي صفارات إنذار مرة أخرى بسبب تهديد من ضربة صاروخية روسية على أوديسا». وكتبت كولونا عبر «تويتر»: «بفضل صاروخ روسي، مررت بأول تجربة لعقد لقاء ثنائي دبلوماسي في ملجأ. كانت القهوة دافئة، شكراً»، وقالت لاحقاً إن الوزيرين تناولا خلال محادثتهما في الاجتماع «كل شيء». وتابعت: «ستستمر مساعدتنا في جميع المجالات، وطالما كان ذلك ضرورياً. شكراً على ترحيبكم الحار، ومهما استغرق الأمر، فسنقف إلى جانب أوكرانيا».
وقال كوليبا إنه يتطلع إلى مواصلة مناقشة دور فرنسا في تحالف الدبابات الدولي، وصادرات الحبوب، وصيغة السلام. وأضاف: «لا تزال الشراكة الأوكرانية الفرنسية حاسمة لإنهاء العدوان الروسي واستعادة السلام».
أكدت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أن الدعم الذي تقدمه واشنطن لكييف، وخصوصاً دبابات «أبرامز» ومنظومة الصواريخ الدفاعية «باتريوت»، لا يعد تصعيداً للصراع مع موسكو. وأضاف البنتاغون أن الصراع الذي بدأته روسيا قبل نحو عام، هو المسؤول عن هذا التصعيد المستمر من قبلها، ويمكن للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يتخذ قراراً ينهي الحرب غداً. جاء ذلك رداً على تصريحات الكرملين، أمس الجمعة، التي قال فيها إن الرئيس الأميركي جو بايدن يملك مفتاح إنهاء الصراع في أوكرانيا عن طريق توجيه كييف، لكن واشنطن لا ترغب حتى الآن في استخدامه. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف للصحافيين، في إفادة يومية: «مفتاح نظام كييف بيد واشنطن إلى حد كبير». وأضاف: «نرى الآن أن القائد الحالي للبيت الأبيض... لا يريد استخدام هذا المفتاح. فهو على العكس من ذلك يختار مسار ضخ المزيد من الأسلحة إلى أوكرانيا».
وصرحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، أمس الجمعة، بأن نتائج اجتماع حلف شمال الأطلسي (الناتو) في قاعدة رامشتاين الجوية، حيث تم البتّ في مسألة تزويد كييف بالأسلحة، تمثل دليلاً آخر على «عدم مسؤولية الغرب الكاملة ورغبته في تصعيد الصراع». وأضافت: «نتائج هذا الاجتماع تشهد، بشكل لا لبس فيه، على عدم مسؤولية الغرب، والرغبة في مزيد من تصعيد الصراع. إنهم لا يشعرون بالأسف على أي شخص على أراضي أوكرانيا. والآن من الواضح أنهم لا يشعرون بالأسف على مواطنيهم؛ لأن الدبابات لا تسير وحدها»، بحسب وكالة «سبوتنيك» الروسية للأنباء.


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟