الخردة الإلكترونية... غذاء للكائنات الدقيقة ومحفزات في صناعة الدواء

رسم توضيحي لنفايات إلكترونية يفوق حجمها سور الصين العظيم
رسم توضيحي لنفايات إلكترونية يفوق حجمها سور الصين العظيم
TT

الخردة الإلكترونية... غذاء للكائنات الدقيقة ومحفزات في صناعة الدواء

رسم توضيحي لنفايات إلكترونية يفوق حجمها سور الصين العظيم
رسم توضيحي لنفايات إلكترونية يفوق حجمها سور الصين العظيم

تخلّص البشر في عام 2021 مما يقدر بـ57.4 مليون طن من النفايات الإلكترونية، التي تفوق أثقل بناء أنشأه البشر في العالم؛ وهو سور الصين العظيم، وفق تقرير لمنتدى نفايات المعدات الكهربائية والإلكترونية «WEEE»، صدَر الخريف الماضي.
ووفقاً للتقرير، فإن جبل نفايات 2021 لم ينشأ من العدم، ففي عام 2019، أنتج البشر 53.6 مليون طن، بزيادة 21 % عن عام 2014، وإذا لم يتغير شيء، فمن المفترض أن يصل هذا الرقم إلى حوالي 81.6 مليون طن بحلول 2030، مما يعني أن النفايات الإلكترونية تتزايد بحوالي 3 إلى 4 % كل عام.
معادن نادرة
وبينما دعا التقرير لإعادة تدوير هذه النفايات لأهداف بيئية، حيث إن كل طن من نفايات الأجهزة الكهربائية والإلكترونية المُعاد تدويره يتجنب حوالي 2 طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، فإن هناك أهدافاً سياسية واقتصادية دفعت فِرقاً بحثية حول العالم لاقتحام هذا المجال.
ومن بين الأهداف السياسية كسر الاحتكار الصيني لإنتاج المعادن النادرة، التي تدخل في كثير من الصناعات، ويمكن استخراجها من الخردة الإلكترونية، كما أن هذه المعادن تستخدم كمحفزات للتفاعلات الكيميائية في الأبحاث العالمية.
والمعادن النادرة عددها 17 معدناً؛ مثل البلاديوم واللانثانم والسيريوم والنيوديميوم والإيتريوم، يأتي ما بين 90 و95 % من إنتاجها العالمي من الصين.
وتأسّس في 2018 مشروع «ريجين»، المموَّل من صندوق التنمية الإقليمية الأوروبية «ERDF»؛ بهدف كسر الاحتكار الصيني لإنتاج هذه المعادن، عن طريق إنتاجها من النفايات الإلكترونية، عبر طريقة مبتكرة توصّل لها باحثو المشروع الذي تشارك فيه 3 جامعات بالنمسا هي: «أي إم سي» للعلوم التطبيقية، و«الدانوب كريمس»، و«كارل لاندشتاينر»، بالتعاون مع الأكاديمية التشيكية للعلوم.
ووفق دراسة استعرضها الباحثون في مؤتمر المعهد القانوني للإيكولوجيا والإدارة البيئية «cieem»، في أبريل (نيسان) من العام الماضي، نجحت طريقتهم المبتكرة التي تعتمد على استخراج المعادن النادرة من الكائنات الدقيقة، بعد تقديم مسحوق الخردة الإلكترونية لها كغذاء، في استعادة المعادن بنسبة 83.5 %.
وشرح الباحثون، خلال المؤتمر، طريقتهم التي تعتمد على استخدام البكتيريا القولونية (Escherichia coli)، وعصيات القش (Bacillus subtilis)، لتقوم بالتغذية على الخردة الإلكترونية بعد تحويلها إلى مسحوق مُذاب في حمض النيتريك، حيث يعمل هذا الحمض كمصدر للنتروجين للكائنات الدقيقة، بعد ذلك تجري إضافة محلول مغذٍّ بتركيبة محددة بدقة إلى المسحوق المُذاب، ويجري التحكم في نمو الكائنات الحية عن طريق تعديل بعض العناصر مثل درجة الحرارة أو قيمة الأس الهيدروجيني أو تركيز الأكسجين في وسط المغذيات، وبعد هذه الخطوات، وعبر طريقة لفتح الخلايا ميكانيكياً، يجري استخراج المعادن الأرضية النادرة من البكتيريا.
بطاريات الليثيوم
ومن المعادن النادرة أيضاً الليثيوم؛ وهو معدن غير متجدد، لكنه شائع نسبياً، ويمكن العثور عليه في كل مكان تقريباً. ويستخدم الليثيوم على نطاق واسع في عدد من الصناعات، لكنه يشتهر بأهميته في إنتاج البطاريات القابلة لإعادة الشحن للسيارات الكهربائية، وأدى الاهتمام العام المتزايد بالمركبات الكهربائية كوسيلة لإزالة الكربون من وسائل النقل، إلى ارتفاع الطلب على الليثيوم.
ومع ذلك فشلت السوق في مواكبة هذا الارتفاع المفاجئ في الطلب، مما تسبَّب في نقص المعروض من الليثيوم، ليس بسبب الندرة ولكن نتيجة بطء وتيرة الاستخراج والتنقية، لهذا السبب يمكن أن توفر إعادة تدوير بطاريات الليثيوم أيون إمدادات إضافية من الليثيوم للسوق، مما يسمح للشركات بإنتاج بطاريات بسعر أقل.
وفي هذا الإطار توصّل فريق بحثي من الجامعة الأميركية بالقاهرة، يقوده ناجح علام، أستاذ علوم وهندسة المواد بالجامعة، في إعادة تدوير هيدروكسيدات «الكوبالت الثنائي» و«المنغنيز الثنائي» و«النيكل الثنائي» و«الليثيوم»، من بطاريات الليثيوم أيون، واستخدامها كأقطاب موجبة لبناء أجهزة تكثيف فائقة الأداء، وجرى الإعلان عن هذا الإنجاز في دورية «علم الكيمياء الكهربائية».
وقال علام، في تقرير نشره الموقع الإلكتروني للجامعة في يوليو (تموز) الماضي: «ستوفر هذه التكنولوجيا وسيلة جديدة للحصول على المواد الخام اللازمة لتصنيع أجهزة تخزين للطاقة التي ستفيد صناعة السيارات الكهربائية، وكذلك ستعظم الفائدة الاقتصادية للمخلفات الإلكترونية».
صناعة الدواء
وذهبت تقنيات إعادة التدوير أيضاً إلى منطقة غير معتادة؛ وهي صناعة الدواء، حيث جرى استخدام الذهب المستخلص من الأجهزة الإلكترونية كمحفز للتفاعل الكيميائي في صناعات الدواء. وغالباً ما تُصنع المحفزات الحالية التي تستخدم في التفاعلات الكيميائية من معادن نادرة يجري استخلاصها باستخدام عمليات تعدين باهظة الثمن ومستهلِكة للطاقة، لكن فريقاً بحثياً مشتركاً من جامعتي كالياري في إيطاليا، وإمبريال كوليدج لندن في بريطانيا، نجح في إنتاج أحد المحفزات من خام الذهب الموجود في النفايات الإلكترونية، واستخدامه في التفاعلات الخاصة بصناعة الأدوية، مما يقلل الحاجة إلى تعدين مواد جديدة، وجرى الإعلان عن هذا الإنجاز، في العدد الأخير من دورية «الكيمياء والهندسة المستدامة».
كان الباحثان أنجيلا سيربي وباولا ديبلانو، من جامعة كالياري، قد طوّرا طريقة منخفضة التكلفة لاستخراج الذهب والمعادن القيّمة الأخرى من النفايات الإلكترونية؛ مثل لوحات الدوائر المطبوعة «PCBs»، وبطاقات «SIM»، ومع ذلك فإن الذهب المنتَج من هذه العملية هو جزء من مركب جزيئي، ومن ثم لا يمكن إعادة استخدامه مرة أخرى للإلكترونيات دون استثمار الكثير من الطاقة للحصول على المعدِن الذهبي.
وسعياً لاستخدام هذا المركب من الذهب المستعاد، قام فريق البروفيسور ويلتون إيلي، وزميله البروفيسور كريس برادوك، من إمبريال كوليدج لندن، بالتحقيق فيما إذا كان يمكن استخدامه كعامل مساعد في تصنيع المركبات المفيدة، بما في ذلك المركبات الصيدلانية الوسيطة.
واختبر الفريق البحثي مركب الذهب في عدد من التفاعلات الشائعة الاستخدام في صناعة الأدوية، على سبيل المثال لصناعة الأدوية المضادة للالتهابات وتسكين الآلام، ووجدوا أن أداء مركب الذهب أفضل من المحفزات المستخدمة حالياً، كما أنه قابل لإعادة الاستخدام. ويقترح الباحثون أن جعل استعادة الذهب من النفايات الإلكترونية مجدياً اقتصادياً يمكن أن يخلق استخدامات للمكونات الأخرى التي يجري استردادها في هذه العملية، فعلى سبيل المثال، في هذه العملية يجري أيضاً فصل النحاس والنيكل، وكذلك البلاستيك نفسه، مع احتمال استخدام جميع هذه المكونات في منتجات جديدة.
ويعمل الفريق البحثي حالياً على توسيع هذا النهج ليشمل استعادة محتوى البلاديوم وإعادة استخدامه في المحولات الحفازة للسيارات المنتهية الصلاحية، وهذا أمر مُلح بشكل خاص؛ لأن البلاديوم يستخدم على نطاق واسع في التحفيز، وهو أغلى من الذهب.



أميركا تعتزم إنشاء «مستودع» لحفظ جينات الأنواع المهددة بالانقراض

«المستودع البيولوجي» سيكون بمثابة أرشيف محفوظ بالتبريد الشديد للأنواع المهددة بالانقراض (رويترز)
«المستودع البيولوجي» سيكون بمثابة أرشيف محفوظ بالتبريد الشديد للأنواع المهددة بالانقراض (رويترز)
TT

أميركا تعتزم إنشاء «مستودع» لحفظ جينات الأنواع المهددة بالانقراض

«المستودع البيولوجي» سيكون بمثابة أرشيف محفوظ بالتبريد الشديد للأنواع المهددة بالانقراض (رويترز)
«المستودع البيولوجي» سيكون بمثابة أرشيف محفوظ بالتبريد الشديد للأنواع المهددة بالانقراض (رويترز)

أعلنت شركة متخصصة في التكنولوجيا الحيوية ووكالة حكومية أميركية، الخميس، عن خطة لإنشاء أرشيف للخلايا الحية والجينات لكل ​الأنواع المحمية بموجب قانون الأنواع المهددة بالانقراض في الولايات المتحدة، وذلك في إطار مشروع يهدف إلى حماية ما يقرب من 2300 نوع من الحيوانات والنباتات التي تعد مهددة أو معرضة لخطر الانقراض.

وقالت شركة «كولوسال بيوساينس» ومقرها تكساس إنها توصلت إلى اتفاق مع هيئة الأسماك والحياة البرية الأميركية بشأن هذه ‌المبادرة الطموح للحفاظ ‌على التنوع البيولوجي.

وقال بن لام ​الرئيس ‌التنفيذي ⁠والمؤسس ​المشارك لشركة ⁠«كولوسال» إن المشروع المزمع، الذي يطلق عليه «المستودع البيولوجي»، سيكون بمثابة أرشيف محفوظ بالتبريد الشديد للأنواع المهددة بالانقراض.

وسيتم تخزين الخلايا الحية والأنسجة التناسلية والحمض النووي لهذه الأنواع للحفاظ على العينات قبل أن تنهار أعداد هذه الكائنات إلى درجة لا يمكن معها استعادتها. وقال لام، بحسب وكالة «رويترزر: «تدعم هذه المواد التكاثر بمساعدة تقنية، والإدارة ‌الجينية للمجموعات البرية، وإعادة ‌التوطين في المستقبل في حال انقراض ​نوع ما تماما. ‌ولأول مرة، لدينا التكنولوجيا التي تجعل ذلك ممكنا على ‌نطاق واسع».

وتصف «كولوسال» نفسها بأنها شركة مكرسة لهدف «إعادة الأنواع المنقرضة إلى الحياة». وأعلنت العام الماضي أنها بفضل تكنولوجيا الهندسة الوراثية نجحت في استعادة الذئب الرهيب، وهو كائن ‌مفترس منقرض يعود للعصر الجليدي.

وأوضحت أنها ستنفق عشرات الملايين من الدولارات لبناء وتشغيل «المستودع ⁠البيولوجي»، وأن ⁠مذكرة التفاهم لا تنص على التزام بتخصيص أموال اتحادية.

ومن المقرر أن يكون المستودع موردا عاما دائما يحتوي على عينات موحدة وبيانات حمض نووي متاحة للجميع، يمكن للعلماء في جميع أنحاء العالم الوصول إليها.

وقال مات جيمس كبير مسؤولي شؤون الحيوانات في كولوسال إن هيئة الأسماك والحياة البرية التابعة لوزارة الداخلية الأمريكية تقود هذه الشراكة وستحدد أولويات الحفظ وتوفر الشبكات الميدانية والسلطة التنظيمية التي تجعل جمع العينات ​على هذا النطاق ​أمرا ممكنا، مشيراً إلى أنه لم يتم تحديد موعد نهائي لإنجاز المشروع.


النرويج تمنع استخدام الأطفال للذكاء الاصطناعي في المدارس

النرويج تمنع استخدام الأطفال للذكاء الاصطناعي في المدارس
TT

النرويج تمنع استخدام الأطفال للذكاء الاصطناعي في المدارس

النرويج تمنع استخدام الأطفال للذكاء الاصطناعي في المدارس

أعلن يوناس غار ستور، رئيس وزراء النرويج، في 19 يونيو (حزيران) الجاري، حظراً شبه كامل لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي من طلاب المدارس الابتدائية، كما كتب جود كرامر(*).

استخدام التكنولوجيا في التعليم تحت إشراف المدرسين

منع... واستخدام تحت الإشراف

وتحدد المبادئ التوجيهية الجديدة للحكومة -التي سيتم تطبيقها في العام الدراسي المقبل بدءاً من شهر أغسطس (آب) المقبل- حجم استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي بما يتناسب مع أعمارهم ومستوياتهم الدراسية؛ إذ سيُمنع طلاب الصفوف من الأول إلى السابع (الذين تتراوح أعمارهم تقريباً بين 6 و13 عاماً) من استخدام هذه التكنولوجيا في المدرسة، بينما سيُسمح لطلاب المرحلة الثانوية الدنيا (الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و16 عاماً) باستخدام هذه الأدوات تحت إشراف دقيق من المعلمين. أما في المرحلة الثانوية العليا (للطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و19 عاماً)، فسيتعلم الطلاب كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مناسب استعداداً لدخول سوق العمل.

دراسة: المخاطر على الأطفال تفوق الفوائد

وقال ستور: «إن أهم شيء في المدرسة هو أن يتعلم أطفالنا القراءة والكتابة والرياضيات»، مضيفاً أن «الاستخدام غير النقدي للذكاء الاصطناعي يدفع الطلاب لتخطي خطوات تعليمية مهمة».

ولا تأتي مخاوف ستور من فراغ؛ فقد خلصت دراسة حديثة أجراها «مركز التعليم الشامل» التابع لمعهد بروكينغز -التي اعتمدت على مجموعات التركيز والمقابلات وآراء الخبراء لتقييم تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي على الأطفال- إلى أن المخاطر تفوق الفوائد. ووجدت الدراسة أنه عندما يلجأ الأطفال إلى الذكاء الاصطناعي بدلاً من صقل مهاراتهم في التفكير، فإنهم يعوقون نموهم المعرفي وقدراتهم على حل المشكلات.

التأثير السلبي على الوظائف المعرفية

في الوقت نفسه، تُظهر دراسة تلو الأخرى التأثير السلبي الذي يمكن أن يُحدثه استخدام الذكاء الاصطناعي -حتى لفترات قصيرة- على الوظائف المعرفية لدى البالغين، فما بالك بتطبيق المبادئ ذاتها على الأطفال.

زيادة التمويل في النرويج لطبع الكتب الورقية

وإلى جانب حظر معظم أشكال استخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس، أعلنت الحكومة النرويجية أيضاً عن خطط لزيادة التمويل المخصص للكتب الورقية في الفصول الدراسية، وذلك في خطوة معاكسة لاتجاه ساد لسنوات نحو تبني أدوات التعلم الرقمي.

نهج متباين حول العالم

في حين تتوخى النرويج الحذر بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم، تسير دول أخرى بسرعة في الاتجاه المعاكس.

بولندا أعلنت الأسبوع الماضي عن خططها لتجهيز 12 ألف مدرسة ابتدائية وثانوية بما تُعرف بـ«مختبرات الذكاء الاصطناعي» بحلول بداية العام الدراسي المقبل. ووفقاً للحكومة البولندية، ستضم كل مختبر -بالإضافة إلى أجهزة الكمبيوتر المحمولة- «وحدة مركزية تدعم خدمات الذكاء الاصطناعي، وأجهزة شبكة، وشاشة تفاعلية، وكاميرا مزودة بميكروفون، وبرمجيات متخصصة». وقال دونالد توسك، رئيس الوزراء البولندي، إن على الطلاب تعلم كيفية التحكم في الذكاء الاصطناعي «بدلاً من أن يتحكم هو فيهم».

دولة الإمارات العربية المتحدة

في الوقت نفسه يجري في الإمارات إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن المناهج الدراسية بدءاً من مرحلة رياض الأطفال. وقد صرحت وزيرة التعليم الإماراتية، سارة الأميري، لمنصة «سيمافور» (Semafor) بأن تعليم الذكاء الاصطناعي سيُدمج في جميع المدارس الحكومية وبعض المدارس الخاصة، مع تخصيص نحو 20 درساً لكل سنة دراسية، وصولاً إلى الصف الثاني عشر.

ورداً على المخاوف المحتملة بشأن منح الأطفال إمكانية وصول واسعة للتكنولوجيا، قالت الأميري: «وسائل التواصل الاجتماعي حقيقة واقعة، وكذلك استخدام الذكاء الاصطناعي حقيقة واقعة». وأضافت أن المعايير الجديدة للمناهج في الإمارات تهدف إلى إعادة جذب اهتمام الطلاب غير المتحمسين للدراسة، قائلةً: «أريد أن تكون التجربة ممتعة لهم».

اتجاه أوسع لفرض القيود على القاصرين

وبعيداً عن نطاق الذكاء الاصطناعي تحديداً، تأتي خطوة النرويج في سياق اتجاه عالمي لتقييد وصول القاصرين إلى التكنولوجيا.

ففي عام 2024، حظرت النرويج استخدام الهواتف الذكية داخل الفصول الدراسية، مما أدى إلى تحسن في الدرجات العلمية والصحة النفسية للطلاب، لا سيما الفتيات. كما أعلنت النرويج عن خطط لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن السادسة عشرة، مقتديةً في ذلك بالخطوة التي اتخذتها أستراليا أخيراً بحظر هذه المنصات لهذه الفئة العمرية.

وتزداد أيضاً عمليات التحقق من العمر لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تعمل دول -من بينها المملكة المتحدة- على منع الأطفال من الوصول إلى المنصات غير الملائمة. ومع ذلك، لا تزال هذه الإجراءات دون المستوى المأمول، إذ ترد تقارير عن تمكن أطفال من تجاوز أنظمة الحماية والفلترة باستخدام حيل بسيطة، مثل رسم شوارب على وجوههم أو استخدام أساليب للتنكر.

* مجلة «فاست كومباني».


هل يمكننا الوثوق بالصور العلمية في عصر الذكاء الاصطناعي؟

هل يمكننا الوثوق بالصور العلمية في عصر الذكاء الاصطناعي؟
TT

هل يمكننا الوثوق بالصور العلمية في عصر الذكاء الاصطناعي؟

هل يمكننا الوثوق بالصور العلمية في عصر الذكاء الاصطناعي؟

في أبريل (نيسان) 2026، لفتت أنظار الكثيرين صورةٌ للأرض وهي تتألق في الفضاء السحيق، مع امتداد لأفق القمر المليء بالفوهات في مقدمة المشهد. التقط رواد الفضاء هذه الصورة خلال مهمة «أرتيمس 2» التابعة لوكالة «ناسا». وبدت هذه الصورة واقعية وملهمة للكثيرين على الفور مثلها مثل الصورة الشهيرة «شروق الأرض» (Earthrise) التي التقطتها مهمة «أبولو 8»، كما كتبت د. نان لي(*).

أيُّ الصور حقيقية؟

ولكن، في ظل قدرة أي شخص تقريباً على اختلاق صورة مشابهة بصرياً في غضون ثوانٍ بمجرد كتابة وصف نصّي باستخدام الذكاء الاصطناعي، كيف يحدد الناس أي الصور هي الحقيقية؟

إن انتشار الصور العلمية المُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي في المجال العام لا يمثل مجرد مشكلة تتعلق بالمعلومات المضللة؛ فبصفتي باحثةً تدرس التواصل العلمي البصري وثقة الجمهور، أرى أن هذا الانتشار يسهم أيضاً في أزمة ثقة في العلم في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث بدأت الأدوات التي لطالما اعتمد عليها العلماء لإرساء المصداقية البصرية تفقد فاعليتها.

الصور المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تتغلغل في المجال العلمي

تُحدث أدوات الذكاء الاصطناعي بالفعل تغييراً في طرق إنشاء ومشاركة ونشر المواد البصرية العلمية.

إذ يستخدمها الباحثون لتوليد الرسوم التوضيحية، وإنشاء بيانات اصطناعية، وتعديل صور المختبرات، وإنتاج مواد تعليمية وتوعوية للجمهور.

طمس الحدود الفاصلة بين الرسم التوضيحي والتحسين البصري... والتلفيق

ورغم أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد العلماء على إيصال الأفكار المعقدة بطرق أكثر إبداعاً وكفاءة، فإن هذه الأدوات نفسها تطمس الحدود الفاصلة بين الرسم التوضيحي، والتحسين البصري، والتلفيق.

صورة «أبوللو8» التاريخية لـ«شروق الأرض» فوق القمر

سحب منشورات علمية بسبب الصور المولَّدة

في عام 2024، سُحبت ورقتان بحثيتان بعد نشر أشكال (رسوم بيانية أو صور) مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تحتوي على هياكل مستحيلة بيولوجياً. وفي أبريل 2026، سحبت «مجلة نيو إنغلاند الطبية» (New England Journal of Medicine) ورقة بحثية بعد اكتشاف التلاعب بصورة سريرية باستخدام الذكاء الاصطناعي.

وهذه مجرد حالات وصلت إلى علم الجمهور العام، ومن المرجح أنها لا تمثل سوى قمة جبل الجليد؛ فقد حذر الباحثون من أن المواد البصرية المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تشكل تهديدات متزايدة في المجالات التي تعتمد بشكل كبير على الأدلة البصرية، مثل علم المواد.

أنظمة الكشف عن الصور المزيفة... لا تزال متأخرة

بدأت دور النشر الأكاديمية في تبني أدوات للكشف عن محتوى الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، فإن الأنظمة المصمَّمة لكشف الصور المزيفة تظل دائماً متأخرة عن الأنظمة المصمَّمة لإنشائها؛ فعديد من أدوات الكشف لا تستطيع تحديد سوى أنماط الصور التي تدربت على التعرف عليها. ومع ظهور نماذج جديدة للذكاء الاصطناعي، يتعين على المطورين باستمرار الحصول على بيانات جديدة وإعادة تدريب أدوات الكشف لمواكبة هذه التطورات.

صور تشوه التفاصيل العلمية بشكل خفي ودقيق مع الحفاظ على مستوى من المصداقية

وتتمثل أكبر المخاوف في الصور التي تبدو واقعية، حيث تقوم بتشويه التفاصيل العلمية بشكل خفي ودقيق، مع الحفاظ على مستوى من المصداقية يكفي لاجتياز مرحلة المراجعة الأولية.

الثقة بالصور العلمية

تمتعت الصور العلمية بمكانة موثوقة على مدى عقود، ويعود ذلك جزئياً إلى صعوبة إنتاجها. كان إنتاج صور المجهر، والرسوم البيانية المناخية، وصور الفضاء يتطلب معدات باهظة الثمن، وموارد مؤسسية، وخبرات متخصصة. وقد افترض معظم الناس أن هذه الصور تمثل رصداً حقيقياً للواقع، نظراً لأن قلة قليلة فقط كانت قادرة على إنتاجها.

الذكاء الاصطناعي التوليدي يقوِّض معايير الصور العلمية

تشير الأبحاث في مجال التواصل العلمي -بما في ذلك أبحاثي الخاصة- إلى أن الناس يحكمون على الصور العلمية بالاعتماد على بعض «الاختصارات الذهنية»؛ فهل تبدو الصورة متطورة تقنياً؟ وهل تصدر عن مؤسسة موثوقة؟ وهل تتوافق مع ما أؤمن به مسبقاً؟ واليوم، يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي على تقويض هذه المعايير الثلاثة (أو الاختصارات الذهنية).

وفي الوقت الراهن، يمكن لأي شخص إنشاء صورة متقنة تبدو علمية بمجرد كتابة وصف نصي. كما أن الصور غالباً ما تنفصل عن مصدرها الأصلي عند تداولها عبر الإنترنت. وعندما تفقد الجودة البصرية والنسب إلى مؤسسة موثوقة قيمتهما كمؤشرات موثوقة للحكم على مصداقية الصور العلمية، يميل الناس إلى الاعتماد على شيء آخر: معتقداتهم المسبقة.

رفض الصور العلمية الحقيقية... بوصفها مولّدة

ونتيجة لذلك، أصبح من الممكن الآن رفض الصور العلمية الحقيقية التي تتحدى معتقدات الفرد القائمة بوصفها نتاجاً للذكاء الاصطناعي، في حين يتم قبول الصور الملفقة التي تؤيد تلك المعتقدات بسهولة كأدلة. وبهذه الطريقة، قد يعزز الذكاء الاصطناعي ما يُعرف بـ«التفكير المدفوع بالرغبة» (motivated reasoning)؛ أي ميل الناس إلى قبول ما يتفقون معه مسبقاً والتشكيك فيما لا يتفقون معه.

وتكتسب هذه التحولات أهمية بالغة لأن الصور لطالما كانت بمنزلة أدلة تدعم الادعاءات العلمية. فالجمهور غير المتخصص لا يعتمد على الصور لرؤية ما اكتشفه العلماء فحسب، بل أيضاً لتكوين رابط عاطفي واستشعار مصداقية العلم المعروض. وإذا توقف الجمهور تماماً عن الوثوق بالأدلة البصرية، فإن العلم سيفقد واحدة من أقوى أدواته للتواصل مع عامة الناس.

الشفافية: نعم... التقييد: لا

توفر أدوات الذكاء الاصطناعي مزايا حقيقية للباحثين عند عرض أعمالهم على جماهير متنوعة. وتكمن التحديات في استخدام هذه الأدوات في منع انتقال -ولو بشكل غير محسوس- مشكلة «نقص المصداقية» المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى المحتوى العلمي الذي تهدف تلك الصور إلى تبيانه.

يتمثل أحد المسارات العملية للمضي قدماً في أن يتعامل الباحثون مع «مصدر الصورة» -أي أصلها وكيفية إنشائها- بنفس القدر من الجدية التي يطبقونها عند التعامل مع مصدر البيانات العلمية.

اعتاد العلماء الإفصاح عن مصادر التمويل، ومنهجيات الدراسة، وتضارب المصالح؛ وقد بات من الضروري الآن تطبيق معايير مماثلة على الصور العلمية. هل استُخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء هذه الصورة أو تعديلها؟ هل هي نتاج رصد مباشر، أم محاكاة، أم رسم توضيحي؟ ماذا تمثل الصورة بالضبط، وكيف تم التحقق منها؟ وهل يمكن لباحثين آخرين إعادة إنتاجها؟ وإليك مثال؛ فلقد انتشرت على نطاق واسع صورة علمية غير دقيقة للغاية لجرذ، كانت قد نُشرت في إحدى المجلات العلمية.

تمنح الشفافية الجمهورَ السياقَ اللازم لتقييم ما يشاهدونه، لكنها قد لا تحسم كل الخلافات حول كيفية إنتاج الصور. فالاستخدام المسؤول للصور العلمية المُنتجة بالذكاء الاصطناعي يتطلب الصدق، والالتزام بالمعايير المهنية، والتطوير الجماعي لمعايير قائمة على الأدلة عبر مختلف المجالات العلمية.

لماذا تظل الصور الأصلية ذات تأثير قوي؟

تحمل الصورة الأصلية التي التُقطت عام 1968 لمشهد «شروق الأرض» (Earthrise) خلال مهمة «أبوللو 8» تأثيراً عاطفياً كبيراً؛ وكذلك الحال بالنسبة لصور مهمة «أرتميس 2» لعام 2026.

«الأصالة» تُجسد العلاقة الموثقة بين الصورة والعالم الواقعي

وما يضفي عليها هذه الأهمية ليس مجرد جمالها، بل ارتباطها الملموس بالواقع العلمي. فعندما ينظر الناس إلى صور الكواكب هذه، يدركون أيضاً وجود رواد فضاء، وكاميرات حقيقية، وبعثات موثقة، وعمليات رصد قابلة للتحقق تقف وراء تلك الصور. وبهذا المعنى، تُعد «الأصالة» علاقة موثقة بين الصورة والعالم الواقعي.

في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم يعد بوسع المؤسسات العلمية افتراض أن الجمهور سيثق تلقائياً بموادها البصرية؛ إذ باتت الثقة تعتمد الآن على الشفافية والتوثيق والتواصل الواضح بشأن كيفية إنتاج الأدلة البصرية.

ومن دون وجود مبادئ توجيهية ومعايير محددة، يواجه العلم خطر الانزلاق إلى عالم يصبح فيه الكل مشكوكاً في صحة صوره، وتفقد فيه أي صورة مصداقيتها الذاتية.

* أستاذة مشاركة في مجال التواصل العلمي بجامعة ويسكونسن-ماديسون، مجلة «فاست كومباني».