الإعلام العربي... توصيات بـ«الجملة» لمواجهة «الهيمنة الرقمية»

خلال مؤتمره الثاني في تونس

رئيس اتحاد إذاعات الدول العربية محمد بن فهد الحارثي
رئيس اتحاد إذاعات الدول العربية محمد بن فهد الحارثي
TT

الإعلام العربي... توصيات بـ«الجملة» لمواجهة «الهيمنة الرقمية»

رئيس اتحاد إذاعات الدول العربية محمد بن فهد الحارثي
رئيس اتحاد إذاعات الدول العربية محمد بن فهد الحارثي

أسفر المؤتمر الثاني للإعلام العربي عن توصيات بالجملة لمحاولة الرد على تحدي «الهيمنة الرقمية العالمية» للإعلام التقليدي، وأيضاً على وسائل التواصل الاجتماعي وشركات إنتاج الفيديو وتوزيعها في الدول العربية وأغلب الدول النامية.
المؤتمر، الذي استضافته العاصمة التونسية، تونس، خلال يناير (كانون الثاني) الحالي، نظمه اتحاد إذاعات الدول العربية، وشاركت فيه نخبة من الخبراء والإعلاميين والوزراء ومسؤولي قطاعات الثقافة والإعلام وتكنولوجيا الاتصالات في العالم والمنطقة. وكان لـ«الشرق الأوسط» لقاءات على هامش المؤتمر مع محمد بن فهد الحارثي، رئيس المؤتمر ورئيس اتحاد الإذاعات العربية، والدكتورة حياة قطاط القرمازي وزيرة الثقافة التونسية، ورئيس الهيئة الوطنية للإعلام بمصر الوزير حسين زين، جرى خلالها التطرق لانشغالهم، والمؤسسات المشرفة على قطاعات الثقافة والإعلام وتكنولوجيا الاتصالات في بلدانهم، بظواهر خطيرة عديدة تسببت فيها «الهيمنة الرقمية العالمية». وأبرز هذه الظواهر «مظاهر الخلل» في شخصيات جيل من الطلاب والأطفال والشباب وجمهور مستهلكي المنتوجات في الدول الصناعية الأكثر تقدماً.

حسين زين

صيحات فزع
تلتقي هذه التحذيرات مع «صيحات فزع» مماثلة كانت قد صدرت عن خبراء من مؤسسات إعلامية آسيوية وأفريقية وإسلامية وأوروبية خلال يومين من الجلسات العلمية والورشات المفتوحة. وغدا التحدي الكبير في عالم الاتصال والإعلام الرقمي «ثقافياً مجتمعياً» و«أخلاقياً معرفياً»، مثلما ورد في مداخلات مندوبي منظمتي «اليونيسكو» و«الألكسو» وهيئات حماية المعطيات الشخصية، وسامي الهيشري ممثل الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب.
وإذ حذرت محاضرات الأكاديميين والإعلاميين العرب وممثلي شركات التكنولوجيا الرقمية العالمية، في المناسبة، من تراجع تأثير «وسائل الإعلام التقليدية» لصالح «شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الإعلام الجديد والفيديوهات غير المراقبة التي تصل يومياً إلى مليارات من الأطفال والشباب والكهول من الجنسين بلا رقي»، تقرر عرض توصيات هذا المؤتمر الإعلامي العربي الدولي الكبير على المؤتمر المقبل للقمة العربية المقرّر تنظيمها بعد سنة في العاصمة السعودية الرياض، كما أبلغ عبد الرحيم سليمان، المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية، «الشرق الأوسط».
وفي السياق ذاته، دعت وزيرة الثقافة التونسية حياة قطاط القرمازي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى تحرك عربي ودولي لوضع «سياسات واستراتيجيات مشتركة» في مواجهة التحديات الكبرى للعالم الرقمي ومواجهة جماعية لمعضلات «تنميط سلوك الأفراد» واستخدام المنصات الرقمية «وسيلة للهيمنة الثقافية» على الأفراد والمجتمعات، بحكم التداخل بين الإعلامي والثقافي في توجيه الرأي العام، مع فرضية تكريس «القطيعة مع الهوية الثقافية الوطنية».

حياة قطاط القرمازي

ارتفاع مداخيل شركات الإنترنت
من جانبه، أقرّ محمد بن فهد الحارثي، الرئيس التنفيذي للتلفزيون السعودي ورئيس اتحاد إذاعات الدول العربية، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، بكون كل من «الرقمنة والتحول الرقمي (سلاحاً ذا حدين). فهما من جهة، دعما جهود التقدم التكنولوجي والاقتصادي والعلمي... لكنهما في الوقت نفسه خلّفا تأثيرات جانبية عميقة سلبية. وبناءً عليه، لا بد من اعتماد استراتيجية حوكمة أسوة بما أقره الاتحاد الأوروبي من حوكمة لنموذج أمن البيانات واستخدام الذكاء الصناعي واستخدام سحابات البيانات، بالإضافة إلى أمن الشبكات والخطاب الاجتماعي وتكيّف وسائل الإعلام التقليدية».
وبالفعل، سجلت الورقة التي قدمها الحارثي بصفته رئيس المؤتمر، ووردت في عدد من مداخلات الخبراء العرب والآسيويين والأوروبيين، دراسات مقارنة مدعومة بالإحصائيات والجداول تكشف الارتفاع السريع في مداخيل شركات التكنولوجيا الرقمية العالمية، وتضخّم عدد المنخرطين بمقابل في خدماتها «الإعلامية» و«التثقيفية» و«الترفيهية»، وهو ما ساعدها كذلك في رفع مداخيلها من الإعلانات وتنويع مواردها المالية.

تعويضات مالية من المنصات العالمية
وحقاً، كانت حصيلة المؤتمر جملة من التوصيات العملية؛ بينها اعتماد استراتيجية وخطة عمل فورية لمعالجة الأبعاد الأمنية والسيبرانية والثقافية والأخلاقية والمالية لظاهرة الهيمنة الرقمية العالمية.
إذ أوصى المؤتمرون بإعداد دراسة فنية لجمع البيانات المطلوبة عن أنشطة الاقتصاد الرقمي في المنطقة العربية، وبناء قواعد بيانات إلكترونية متكاملة تحتوي على المعلومات والبيانات المتعلقة بالأنشطة في مجال الاقتصاد الرقمي لتحديد القيمة الفعلية للأنشطة الإعلاميّة للمنصات الرقمية العالمية في المنطقة العربية كلها، وعلى صعيد كل دولة عربية للوصول إلى النتائج الاقتصادية المرجوة. كذلك بين التوصيات «البراغماتية» تلك التي لديها صبغة مالية مثل مطالبة وزراء الإعلام والاتصال العرب والقمة العربية المقبلة بإقرار خطة تضمن إحداث «آلية لتعويض وسائل الإعلام العربية المنتجة للمحتوى بكل أنواعه عن الربح المالي الذي يذهب للمنصات الرقمية العالمية من خلال منصاتها وتطبيقاتها، بما يؤثر سلباً على الاستدامة المالية لوسائل الإعلام الإخبارية العربية».
وأوصى المؤتمر أيضاً بإيجاد آلية لتعويض الحكومات عن العوائد الضريبية الفائتة عما تجنيه المنصات الرقمية من أرباح من خلال نشاطاتها الإعلانية، وكان أيضاً بين التوصيات العملية «تسليع وبيع بيانات مستخدميها في المنطقة العربية للمعلنين كخطوة أولى في هذا الاتجاه».

الكشف عن المبالغ المستخلصة
وبالتوازي، أعلن المؤتمر أن بين الأمور التي ستحال إلى مؤتمر وزراء الإعلام العرب، ثم على قمة الرياض العام المقبل، «إلزام شركات التواصل الاجتماعي بوضع آلية شفافة وواضحة للكشف عن المبالغ المستخلصة من المستخدمين في كل دولة، أسوة بعملية التحاسب الضريبي للشركات الخاصة غير الرقمية».
وكشف رئيس هيئة المعطيات الشخصية الحكومية في تونس الوزير شوق قداش، أن من بين التوصيات المتفق عليها «إلزام شركات التواصل الاجتماعي باعتماد آلية الحفاظ على أمن وسرية بيانات المستخدمين في أيّ دولة وإثبات عدم استخدامها بطريقة غير شرعية وقانونية».
وتقررت أيضاً دعوة القمة العربية المقبلة إلى حث الدول العربية على «تفعيل قوانين محلية ملزمة تضمن سرعة استجابة شركات وسائل التواصل الاجتماعي في حذف المحتوى المخالف للقوانين الوطنية، مثل التحريض على العنف والكراهية، ونشر الأخبار المغلوطة والمضللة أو المحتوى المنافي للأخلاق والآداب الذي يؤثر سلباً على المجتمعات العربية، خصوصاً الأطفال والشباب، ويسهم في نشر ظواهر الإرهاب والتطرف الديني والعقائدي والجرائم الإلكترونية، مثل سرقة البيانات والابتزاز والتحرش الجنسي».

منصة لـ450 مليون عربي
واستكمالاً للتوصيات الخاصة بالإجراءات الوقائية ثقافياً وأخلاقياً ومالياً وأمنياً، أصدر المؤتمر توصيات عديدة لإحداث منصة أو منصات رقمية تدعم قدرات مؤسسات الإعلام العربي على الابتكار والتأثير إيجاباً بتكنولوجيا العصر ووسائل الإعلام الحديثة جداً في نحو 450 مليون مواطن عربي تجمعهم اللغة والمرجعيات الثقافية نفسها.
واعتبرت مداخلات قدمها خبراء من آسيا ومن منظمات أممية مثل «اليونيسكو» أن من بين نقاط القوة بالنسبة للمنصة - أو المنصات - الرقمية في المنطقة العربية أن جمهورها كبير يناهز 450 مليون مواطن يتكلمون لغة واحدة، بخلاف مناطق أخرى مثل الاتحاد الأوروبي الذي تستخدم دوله 24 لغة.
لكن من بين الخطوات التمهيدية المطلوبة في هذا السياق حسب المؤتمِرين، «تنظيم دور الجامعات العربية ومؤسّسات البحث العربي للإسهام في تطوير خوارزميات خاصة تتعلق بالأمن السيبراني وإيجاد منصة بحثية عربية لتشبيك الباحثين المهنيين بأمن المعلومات».
وفي هذا الإطار، أوصى ممثلو الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب وخبراء الأمن السيبراني في وزارات تكنولوجيا الاتصالات والمؤسسات الأمنية العربية بأن تقترن جهود «ردم الهوة الرقمية بين دول الشمال والجنوب باستراتيجيات أمنية واضحة، وبمخططات دقيقة لتحقيق الاستقلالية التكنولوجية والإعلامية الإقليمية، على غرار ما تقوم به بعض الدول والأقاليم في مجال الملاحة باستغلال الأقمار الصناعية مثلاً».



تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
TT

تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

تستضيف تونس، بين اليوم 21 سبتمبر (أيلول) الجاري و 24 منه، ملتقىً عربياً ودولياً ضخماً للإعلام والثقافة والصناعات السمعية البصرية. ويأتي هذا الحدث بمناسبة انعقاد الدورة السادسة والعشرين لـ«المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون»، بمشاركة نحو 500 إعلامي وفنان ومثقف وخبير ومهني من الدول العربية ومن أوروبا وآسيا وأفريقيا.

بهذه المناسبة، اعلن المهندس عبد الرحيم سليمان، المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية، خلال مؤتمر صحافي عُقد في تونس لتقديم الدورة، أن المهرجان، الذي ينعقد تحت شعار «نبض الصورة وصدى المستقبل»، يشهد هذا العام حضوراً عربياً ودولياً واسعاً، وبرنامجاً يجمع المسابقات الإذاعية والتلفزيونية وندوات الحوار وورش العمل ومعرض التكنولوجيا وسوق الإنتاج والفعاليات الثقافية والفنية.

وشارك سليمان في تقديم تفاصيل البرنامج مع عدد من مسؤولي المؤسّسات التونسية الشريكة، بينهم الرئيس المدير العام للتلفزة التونسية شكري بن نصير، والرئيسة المديرة العامة للإذاعة التونسية هندة بن علية الغريبي، ومدير عام مسرح أوبرا تونس العاصمة في «مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» سيف الله الطرشوني ممثلاً عن وزارة الشؤون الثقافية.

هذا، ويعكس تنوّع المشاركين طبيعة التحوّل الذي عرفه المهرجان على امتداد أكثر من أربعة عقود؛ فمن موعد ارتبط أساساً بالتنافس بين الإنتاجات الإذاعية والتلفزيونية العربية، اتّسعت التظاهرة لتصبح فضاءً مهنياً وفكرياً يلتقي فيه الإعلام مع الثقافة والتكنولوجيا والاتصال.

إعلان ندوة "البودكاست" في الملتقى (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

023 عملاً في المنافسة

حسب الأرقام التي قدّمها عبد الرحيم سليمان والقائمون على المهرجان، تتنافس في الدورة 320 مادة إعلامية، بينها 161 عملاً إذاعياً و149 عملاً تلفزيونياً، إضافةً إلى 10 أعمال ضمن مسابقة الإعلام الجديد المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتحافظ المسابقات، بذلك، على موقعها التقليدي في المهرجان بوصفها مناسبة لمعاينة جانب من اتجاهات الإنتاج العربي في الدراما والبرامج والأعمال الإذاعية والتلفزيونية. إلا أن إضافة الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي تكشف في الوقت نفسه عن محاولة لمواكبة بيئة إعلامية تتغير أدواتها بوتيرة سريعة.

ذلك أن المؤسسات الإذاعية والتلفزيونية لم تعد تعمل داخل الحدود التقليدية للبث. فالتلفزيون أصبح موجوداً على الهاتف والمنصّات الرقمية، والإذاعة وجدت امتداداً جديداً في «البودكاست» والخدمات الصوتية، بينما دخلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي غُرف الأخبار والاستوديوهات ومراحل الإنتاج وما بعد الإنتاج.

وهذا التحوّل يضع أمام الإعلاميين أسئلة تتجاوز التكنولوجيا ذاتها إلى المصداقية، وحقوق الملكية الفكرية، والتحقّق من المواد المنتجة آلياً، فضلاً عن المسؤولية التحريرية ومستقبل بعض المهن المرتبطة بإنتاج الصورة والصوت.

المحتوى في قلب النقاش

من ناحية ثانية، يخصّص البرنامج الفكري للمهرجان مساحة بارزة لمناقشة هذه التحوّلات، من خلال ندوات ولقاءات وورش عمل يشارك فيها خبراء وإعلاميون وأكاديميون ومهنيون عرب ودوليون. ولقد أوضح مسؤولو الدورة أن البرنامج يتضمن ثلاث ندوات حوارية رئيسية بمشاركة خبراء من قطاع الثقافة والإعلام عربيا ودولياً:

تتناول الأولى «البودكاست: اتجاهات المحتوى وقوة التأثير»، في وقت يشهد المحتوى الصوتي الرقمي توسّعاً ملحوظاً، سواء داخل المؤسسات الإذاعية التقليدية أو لدى المنتجين المستقلين. وحقاً، لا يمثل «البودكاست» مجرد صيغة تقنية جديدة للإذاعة، بل أعاد تشكيل العلاقة مع الصوت عبر الاستماع عند الطلب، ومنح المنتجين مساحة أكبر للتخصّص والسرد المطوّل والوصول إلى جماهير موزّعة جغرافياً خارج نطاق البث التقليدي.

أما الندوة الثانية فتناقش موضوع «الجمهور وصناعة المحتوى: من التلقّي إلى الشراكة». وهذا عنوان يلخص جانباً أساسياً من التحول الاتصالي الراهن، فالجمهور الذي كان يوجد في نهاية عملية الاتصال أصبح اليوم جزءاً منها؛ يختار ويعلّق ويشارك ويعيد توزيع المحتوى، وقد يتحوّل بنفسه إلى مصدر للمعلومة أو منتج للصورة والفيديو. ثم إن هذه العلاقة الجديدة تفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة التفكير في مفهوم الجمهور ذاته، وفي طرق قياس التأثير وبناء الثقة، خصوصاً مع انتقال جانب متزايد من استهلاك الأخبار والمحتوى إلى شبكات التواصل والمنصات الرقمية.

وأما الندوة الثالثة، فعنوانها «الإعلام السياحي: من ناقل للحدث إلى صانع للوجهة». وهي تفتح النقاش على وظيفة اتصالية أخرى للإعلام تتصل بصناعة صورة البلدان والمدن والثقافات. إذ إن المحتوى السياحي لم يعد مجرّد تقرير عن موقع أثري أو فندق أو مهرجان، وإنما أصبح جزءاً من منظومة اتصال متكاملة تتداخل فيها الصورة والسرد والتسويق الثقافي والمنصّات الاجتماعية.

المهندس عبد الرحيم سليمان (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

من الإعلام إلى المعرفة

إضافةً إلى ما سبق، يبرز في هذه الدورة أيضاً البعد المعرفي للمهرجان، إذ لا تقتصر اللقاءات المهنية على عرض التجارب، وإنما تتيح تبادل الخبرات بين هيئات البث العربية والخبراء والشركات وصناع المحتوى. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في قطاع تتغير فيه المهارات المطلوبة باستمرار. فالصحافي والمذيع والمخرج والمنتج باتوا يعملون في بيئة تحتاج، إلى جانب المهارات المهنية التقليدية، إلى فهم البيانات والمنصات والخوارزميات وأدوات الإنتاج الرقمي وسلوك الجمهور.

كذلك يتضمن البرنامج أنشطة مرتبطة بالتعاون في الصناعة السمعية البصرية بين الصين والدول العربية، ونقاشات حول الإبداع والتعاون العربي - الصيني في هذا المجال، بما يفتح نافذة على تجارب إنتاجية وتكنولوجية من خارج الفضاء الإعلامي العربي التقليدي. ويضيف هذا الحضور بعداً دولياً إلى المهرجان، إذ يغدو تبادل المعرفة مرتبطاً أيضاً بالتعرف إلى نماذج مختلفة في الإنتاج والتوزيع والتكنولوجيا، وليس فقط بتبادل البرامج بين المؤسسات العربية.

58 عارضاً من القارات الخمس

على صعيد موازٍ، يمثل معرض «الأسبو» للتكنولوجيا والتجهيزات الجانب الصناعي والتجاري للمهرجان. ووفق ما أعلنه سليمان، يشارك فيه 85 عارضاً من القارات الخمس موزعين على 110 أجنحة، إلى جانب سوق للإنتاج البرامجي ولقاءات مهنية. وتضع هذه المشاركة التكنولوجيا في قلب الحدث. فالصناعة السمعية البصرية أصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من الشركات المتخصصة في الكاميرات والاستوديوهات وأنظمة البث والأرشفة والمنصات والحوسبة والحلول الرقمية.

وتتيح مثل هذه المعارض للمؤسسات العربية الاطلاع على تطور أدوات الإنتاج والبث، لكنها توفر أيضاً مجالاً للقاء المباشر بين أصحاب التكنولوجيا وصناع المحتوى ومتخذي القرار داخل المؤسسات الإعلامية.

الثقافة والفنون جزء من المشهد

ولا ينفصل الجانب المهني عن البعد الثقافي والفني للمهرجان. فقد أعلن سليمان أن برنامج حفل الافتتاح، في المسرح الأثري بقرطاج، يشهد تكريم 12 شخصية فنية وإعلامية من تسعة بلدان عربية. وتضم قائمة المكرّمين شخصيات فنية من تجارب وأجيال مختلفة.

وفي المقابل، يحتضن مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة في 24 سبتمبر حفل الاختتام وإعلان نتائج المسابقات، إلى جانب عرض «سافر إليك وغنِّ» للمؤلف الموسيقي التونسي كريم الثليبي. وتتوزع فعاليات الدورة بين المسرح الأثري بقرطاج، والمدينة المتوسطية في ياسمين الحمامات، و«مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» في العاصمة، بما يربط المهرجان بعدد من أبرز الفضاءات الثقافية والسياحية التونسية.

الإعلام يناقش مستقبله

وبعد مسيرة تتجاوز أربعة عقود، لم تعد المنافسة محصورة بين المحطات الإذاعية والتلفزيونية، وإنما أصبحت مع منصات عالمية وشبكات اجتماعية ومؤثرين ومنتجين مستقلين، بينما منحت تقنيات الذكاء الاصطناعي الأفراد إمكانات لإنتاج النص والصورة والصوت كانت تحتاج قبل سنوات قليلة إلى مؤسسات وتجهيزات كبيرة.

وبوجود نحو 500 مشارك من العالم العربي وأوروبا وآسيا وأفريقيا، و320 عملاً متنافساً، وعشرات الشركات والعارضين، تتحوّل تونس لمدة أربعة أيام إلى مساحة للقاء بين الإعلام والثقافة والتكنولوجيا؛ وبين خبرة صنعت تاريخ الإذاعة والتلفزيون العربي، وجيل جديد يعيد تعريف معنى الصورة والصوت والجمهور في العصر الرقمي.


الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
TT

الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)

أفاد تقرير الأخبار الصادر عن هيئة الاتصالات البريطانية (أوفكوم) لعام 2026 بأن نحو خُمس البريطانيين (نحو 21 في المائة) باتوا يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي مصدراً للأخبار، وذلك بحسب استطلاع شمل 5397 بالغاً. وهذا أمر عدَّه خبراء «تحدّياً لمؤسسات إعلامية، ليس فقط لأن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي مصدراً للأخبار قد يحتوي على أخطاء تسهم في نشر معلومات مضللة؛ بل أيضاً لأن هذا السلوك لن يُحيل سوى نسبة ضئيلة جداً من النقرات إلى المصادر الأصلية، مما يسهم في تراجع حركة الزيارات على مواقع الناشرين».

التقرير الذي نُشرت نتائجه منتصف سبتمبر (أيلول) الحالي، ذكر أن استخدام الذكاء الاصطناعي للأخبار هو الأكثر انتشاراً عند الفئة العمرية من 25 إلى 34 سنة بنسبة 37 في المائة. ولقد تصدر «تشات جي بي تي» قائمة التطبيقات الأكثر استخداماً للاطلاع على الأخبار، إذ أفاد 13 في المائة من إجمالي المشاركين باستخدامه لمتابعة الأحداث الجارية خلال الشهر الماضي.

وفق تقديرات «أوفكوم»، تستحوذ محرّكات البحث ومجمّعات الأخبار الإلكترونية والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي، مجتمعة تحت مسمى «الوسطاء الرقميين» على 37 في المائة من إجمالي الوقت الذي تمضيه عينة البحث مع الأخبار، وهو ما يعادل 26 دقيقة يومياً من إجمالي 72 دقيقة يومياً يمضيها القراء في متابعة الأخبار يومياً، لتصبح بذلك أكبر شريحة منفردة. وفي المقابل، لا تتجاوز حصة مواقع الناشرين المباشرة 8 دقائق يومياً؛ أي 11 في المائة فقط من إجمالي الاستهلاك.

أما على صعيد منصات التواصل الاجتماعي، فقد تصدَّر «فيسبوك» قائمة استهلاك الأخبار بنسبة 39 في المائة من البالغين يليه «يوتيوب» بنسبة 33 في المائة.

فادي عمروش، الباحث المتخصّص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي رأى خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الناشرين يواجهون أزمة «عزوف» ليس للأخبار بل للمواقع الإخبارية المباشرة... «ولذا على المؤسسات الإعلامية أن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي اليوم كما تعاملت سابقاً مع محركات البحث، لكن مع فهم أن قواعد اللعبة تغيرت».

وأضاف: «في عصر محركات البحث كان الهدف من (SEO) واضحاً، وهو أن يظهر الخبر في (غوغل)، ثم يضغط القارئ على الرابط ويزور الموقع، أما اليوم فقد يسأل المستخدم (تشات جي بي تي) و(جيميناي) عن خبر معين ويحصل على ملخص كامل دون أن يزور الموقع الأصلي أصلاً».


السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
TT

السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)

أعلن وزير الإعلام السعودي، سلمان الدوسري، إطلاق «مهرجان ليونز الرياض»، الذي يجمع كبار مسؤولي التسويق وقادة الإبداع والوكالات والعلامات التجارية وصنّاع المحتوى والمواهب الصاعدة من المنطقة والعالم، وذلك خلال الفترة بين 6 و8 ديسمبر (كانون الأول) 2027، في مركز الملك عبد الله المالي «كافد» بمدينة الرياض.

ويأتي هذا الحدث، الذي تنظّمه شركة «تحالف»، بالشراكة مع وزارة الإعلام ومنظومة «ليونز» العالمية، بوصفه مهرجاناً إقليمياً متخصصاً يهدف إلى تبادل الخبرات، واستعراض أبرز الاتجاهات والتجارب المميزة في صناعة الإبداع والتسويق، مما يُعزّز مكانة السوق السعودية، عبر الاقتراب من أحدث الممارسات والمعايير والخبرات الدولية.

ويتناول برنامج المهرجان، على مدى 3 أيام، التميُّز الإبداعي والفاعلية والثقافة ومستقبل القطاع، بما يتيح لمواهب الشرق الأوسط وأفكارهم وأساليب سردهم، منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي، وسط مشاركة نخبة من الخبراء والقيادات من المنطقة والعالم تحت سقف واحد، ليُشكِّل جسراً مباشراً بين المواهب السعودية والإقليمية والشبكات والأسواق والخبرات الدولية.

تمكين المبدعين

من جانبه، أوضح وزير الإعلام أن «الإبداع وسرد القصص لهما جذور راسخة في السعودية وفي ثقافة الشرق الأوسط. واليوم، يبني جيل جديد على هذا الإرث بثقة وقدرة وطموح لرسم ملامح مستقبل هذه القصة»، مؤكداً أن «ليونز الرياض» يُمثِّل «فرصة للاحتفاء بما يميز إبداع منطقتنا، وتعزيز إسهامه في اقتصادنا وثقافتنا، وتمكين أصواتنا الإبداعية من الاضطلاع بدور أكبر في المستقبل».

يتيح المهرجان لمواهب الشرق الأوسط منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي (واس)

وأبان الدوسري أن المهرجان «يُجسِّد التقدم الذي تشهده صناعاتنا الإبداعية، والتزام السعودية برعاية المواهب والأفكار التي تقف وراءها»، حيث يُوفِّر فرصة لحضور الإبداع المحلي والمنافسة عالمياً، ويحفز الوكالات على تطوير أدواتها ومنتجاتها.

ويسهم «ليونز الرياض» في دعم نمو الاقتصاد الإبداعي في السعودية عبر استقطاب الخبرات والمواهب العالمية، ونقل المعرفة، وتنمية القدرات الوطنية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية، الأمر الذي يعكس مساعي الوزارة الهادفة إلى تمكين القطاع والعاملين فيه، وربطه بمراكز التأثير الدولية، بما يعزز نموه ويرفع تنافسيته عالمياً.

ويشكّل المهرجان منصة لتمكين المبدعين السعوديين وربطهم بالشبكات والأسواق الدولية، بما يدعم نمو المنشآت المحلية، ويعزز توطين الصناعات الإبداعية، وإسهام القطاع في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً؛ لتواصل الرياض ترسيخ مكانتها عاصمة للإبداع، ووجهة عالمية لصناعة القرار والفرص.

يفتح «مهرجان ليونز الرياض» آفاقاً جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية (واس)

وجهة دولية

بدوره، قال فيصل الخميسي، الرئيس المشارك لمجلس إدارة «تحالف» ورئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز، إن «المملكة رسَّخت سريعاً منذ إطلاق (رؤية السعودية 2030) مكانتها بوصفها إحدى أبرز الوجهات العالمية لاستضافة الفعاليات الدولية الكبرى، وأثبتت مراراً جاهزيتها لجمع العالم وتقديم فعاليات وفق أعلى المستويات».

وبينما أصبحت السعودية وجهة لمنصات دولية كبرى في التقنية والاستثمار والرياضة والترفيه والأعمال، يرى الخميسي أن قرار منظومة «ليونز» إطلاق المهرجان في الرياض «يمثل محطة مهمة أخرى في هذه المسيرة، ويعكس تنامي الأهمية الدولية للمملكة والإمكانات الإبداعية الاستثنائية للعالم العربي»، وهو ما يؤكد متانة السوق السعودية في خريطة الاقتصاد الإبداعي.

من ناحيته، ذكر فيليب توماس، رئيس مجلس إدارة «ليونز»، أن «الشرق الأوسط يدخل حقبة إبداعية جديدة لافتة»، مضيفاً: «فمن السينما والأزياء والألعاب والتصميم والترفيه إلى سرد قصص العلامات التجارية، نشهد موجة من الطموح والأصالة تقودها تركيبة سكانية شابة سريعة النمو».

يساهم «مهرجان ليونز الرياض» في خلق أثر يمتد إلى الشراكات والاستثمارات والوظائف والمعرفة ونمو الأعمال (واس)

منصة عالمية

ولفت توماس إلى «توسع القطاعات الإبداعية بوتيرة متسارعة، مع ظهور منصات ومواهب وأعمال جديدة»، مبيناً أن «الإبداع والتسويق يضطلعان بدور متزايد الأهمية في كيفية تعبير الدول والعلامات التجارية والمجتمعات عن نفسها على الساحة العالمية».

وتابع: «لطالما كانت ليونز منصة عالمية لأفضل ما في العالم من فكر إبداعي وفاعلية تسويقية»، منوهاً بأنهم يتيحون عبر «ليونز الرياض» الوصول للمعايير العالمية والرؤى المعرفية وفرص التعلم، و«نصل المواهب والطموحات الإقليمية بالخبرات والفرص العالمية، بما يدعم المرحلة المقبلة من نمو العلامات التجارية والأعمال والاقتصاد الإبداعي الأوسع نطاقاً».

ويأتي المهرجان ضمن سلسلة منصات إقليمية تكمل «كان ليونز»، بإتاحة مزيد من خبرات المنظومة العالمية المتخصصة في الإبداع والتسويق وصناعة المحتوى على مدار العام، وتعزيز الروابط بين المجتمعات المحلية والساحة الدولية، مما يمنح منطقة الشرق الأوسط نافذة جديدة للتأثير في حوارها.

وبينما يظل «كان ليونز» محور المنظومة الذي يجتمع فيه القطاع العالمي ويُعترف بالمعيار الدولي للتميز الإبداعي، صُمم «ليونز الرياض» ليجمع منظومة التسويق الأوسع في السعودية، وتنمية المواهب لتصبح أكثر تنافسية، وربط الأفكار الإقليمية بالشبكات والخبرات العالمية، وجعل الوكالات المحلية أكثر اتصالاً بالأسواق الدولية، بما يساهم في خلق أثر يمتد إلى الشراكات والاستثمارات والوظائف والمعرفة ونمو الأعمال.