من لديه الوقت للأساتذة الكبار في عالم المزادات؟

هواة جمع الأعمال الفنية الأصغر سناً يبتعدون عن فنون الماضي القديم

من مزاد «كريستيز» لفن الأساتذة القدامى (كريستيز عبر نيويورك تايمز)
من مزاد «كريستيز» لفن الأساتذة القدامى (كريستيز عبر نيويورك تايمز)
TT

من لديه الوقت للأساتذة الكبار في عالم المزادات؟

من مزاد «كريستيز» لفن الأساتذة القدامى (كريستيز عبر نيويورك تايمز)
من مزاد «كريستيز» لفن الأساتذة القدامى (كريستيز عبر نيويورك تايمز)

صارت سوق الفن، مثل أي شيء آخر في ثقافتنا، أكثر تعلقاً بواقعيات الحاضر والمتزامن. تجسد ذلك التحول الجذري في ذوقيات اقتناء الأعمال الفنية من القديم إلى الحديث في مزاد دار «كريستيز» لأعمال كبار الفنانين، الذي أقيم في لندن في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي. فقد بلغ السعر الأعلى لهذه الليلة 3.6 مليون دولار للوحة «حفلة القراءة» من عام 1735م، وهي تُصور مشهداً لشابة أنيقة تقرأ بصوت عالٍ لصديقين أرستقراطيين في متنزه. ومن بين 11 عملاً فنياً معروفاً فقط من «صور الحياة العصرية» من إبداع الفنان جان فرانسوا دي تروي، أدى هذا العمل الرائع، الذي يستحق العرض بالمتاحف، إلى عقد مزاد علني مثير للإعجاب على ما يبدو للفنان.
لكن هذا السعر كان مماثلاً لرقم قياسي آخر، يبلغ 3.6 مليون دولار، الذي قُدّم في شهر مارس (آذار) للفنانة البريطانية فلورا يوخنوفيتش في اللوحة الفنية شبه المجردة بعنوان «الدافئ، والمبتل، والجريء»، المستوحاة من لوحة فرنسية أخرى من القرن الثامن عشر. وتحظى السيدة يوخنوفيتش بالإعجاب بسبب روائعها الزخرفية للغاية، التي تحمل عنواناً ساخراً على أساتذة عصر «الروكوكو» الكبار، وهي واحدة من عدة فنانات شابات صعدت أعمالهن إلى 7 شخصيات فنية في مزاد العام الماضي. وفي 2019، بيعت لوحات كبيرة جديدة من أعمال يوخنوفيتش بسعر 40 ألف دولار في معرض بلندن.

لوحة «حفلة القراءة» للفنان جان فرانسوا دي تروي حققت 3.6 مليون دولار في المزاد (نيويورك تايمز)

لم تصبح اللوحات الأوروبية، التي تعود إلى ما قبل 1850، مألوفة لدى هواة الجمع والاقتناء كما كانت من قبل. ومع ذلك، تأمل دارا «سوثبيز» و«كريستيز» في مقاومة هذا الاتجاه عندما تطرحان مجموعة كبيرة من لوحات الأساتذة الكبار بقيمة إجمالية تقدر بأكثر من 175 مليون دولار في نيويورك هذا الشهر.
توقعات دار «سوثبيز» كبيرة للوحة بيتر بول روبنز الفظيعة «سالومي» لعام 1609، وهي نجمة المزايدة في 26 يناير (كانون الثاني) لروائع فنون الباروك من مجموعة «فيش ديفيدسون». (ضمنت دار سوثبيز بيع اللوحة بما لا يقل عن 25 مليون دولار).
قال إريك توركوين، خبير الرسم المقيم في باريس، إنه في السنوات الأخيرة، ابتاع بعض الناس من «عالم الفن المعاصر» لوحات الأساتذة الكبار، فقد جذبتهم «صور العنف القوية للغاية» من عصر «الباروك»، لكنه أضاف يقول: «مشترينا أقل عدداً وأكثر ثراء».
قبل خمسين عاماً، عندما اشترى متحف متروبوليتان لوحة «خوان دي باريخا» للفنان دييغو فيلاسكيز مقابل 5.5 مليون دولار في دار «كريستي لندن»، وهو رقم قياسي لأي عمل فني في المزاد، كانت مبيعات أعمال الأساتذة الكبار هي صاحبة السيادة. وفي العام الماضي، كانت هذه الأعمال تمثل 4 بالمائة فقط من المزادات والمبيعات الخاصة في داري «سوثبيز» و«كريستيز»، بحسب البيانات التي قدمتها المكاتب الصحافية للشركات إلى صحيفة «نيويورك تايمز».
الآن، للفن المعاصر تأثير سائد، مما يعكس الاهتمامات الثقافية المتسارعة في مجتمعنا.
يقول الخبراء إن هواة جمع الأعمال الفنية الأصغر سناً كثيراً ما ينظرون إلى فنون الماضي القديم باعتبارها بعيدة وغير ذات صلة، ويجدون الجوانب الفنية لعملية البيع ثقيلة الظل ومنفّرة. يقول توركوين: «يصعب للغاية الاقتراب من الأساتذة الكبار بسبب مشكلة الحالة والإسناد». يميل المشترون اليوم إلى الاهتمام باللوحات التي يعدها الفنانون الذين تقل أعمارهم عن 45 عاماً، ولا تزيد على 400 عام.
يقول أندرس بيترسون، مؤسس شركة «أرت تاكتيك» لمحللي المزادات في لندن: «شهدنا على مدى السنوات الثلاث الماضية زيادة كبيرة في الطلب على الأعمال الفنية من قبل جيل أصغر سناً من الفنانين». وفي يناير نشرت شركة «أرت تاكتيك» تقريراً عن توقعات فناني «الجيل المقبل»، الذين يُعرفون بأنهم أصغر من 45 عاماً. فالأعمال التي يقوم بها فنانون أصغر سناً، ممن يُشاد بهم على «إنستغرام» مثل يوخنوفيتش، يجري «تقليبها» بشكل روتيني في المزاد العلني للعديد من مضاعفات أسعار معرضهم الأصلية. في العام الماضي، عرض كل من «سوثبيز» و«كريستيز» و«فيليبس» أعمالاً لعدد قياسي يبلغ 670 فناناً في هذا المجال الديموغرافي، محققة أكثر من 300 مليون دولار، وفقاً لتقرير «أرت تاكتيك».
يمكن النظر إلى ترسيخ فكرة «الحاضر / المتزامن / الآني» (كما تُطلق دار «سوثبيز» على فئة المزادات الأكثر حداثة)، بأنها مجرد منتج ثانوي للحياة الحديثة العصرية في القرن الحادي والعشرين. لكن بالنسبة لعلماء الاجتماع، فإن التغيرات في سوق الفن هي واحدة من عدة عناصر تعكس كيف تغيرت وتيرة واهتمامات ثقافتنا على مدى أكثر من 100 عام. في عام 1899، أظهرت دراسة «ثورستاين فيبلين» عالم الاجتماع والاقتصاد الأميركي البارز، بعنوان: «نظرية الطبقة المرفهة»، كيف أن وقت الفراغ والوفرة المفرطة، ما نسميه الآن «الترف»، منحا المكانة، أو «السمعة»، لأكثر الأفراد ثراء في أواخر القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة.
شاركت البروفيسورة جيانا إيكهارت، أستاذة التسويق في كلية كينغز بلندن، في تأليف ورقة بحثية عام 2020 بعنوان «حركيات جديدة للمكانة الاجتماعية والتفاوت»، تُلخص محاولات أكاديمية بالقرن الحادي والعشرين لتحديث أطروحة العالم فيبلين. وبالنسبة للسيدة إيكهارت، أسهمت التكنولوجيا في تسريع وتيرة الوجود المعاصر -الظاهرة المسماة «التسارع الاجتماعي»- التي تُغير بشكل عميق من التصورات البشرية لمرور الزمن.
قالت السيدة إيكهارت في مقابلة: «إذا نظرت إلى التنمية البشرية في الماضي، فقد مرت عشرات الآلاف من السنين لم تتغير فيها الأمور إلى هذا الحد. لم يتطور البشر بدرجة كافية حتى يتمكنوا من التجاوب مع التغيير الاجتماعي بهذه السرعة. وهذا من شأنه دفع الناس إلى منح قيمة لكل ما هو جديد بشتى الطرق المختلفة عن الماضي».
إذن، أين موضع فنون الماضي من ذلك؟
من الواضح أن أشهر الأسماء في تاريخ الفن لا تزال تحمل قيمة دائمة. في أمستردام، يحظى معرض «يوهانس فيرمير» المقبل في متحف «رايكس»، المقرر افتتاحه الشهر المقبل، باهتمام عام وكبير. لا تزال لوحة الأستاذ الكبير أغلى لوحة في المزاد في العالم، بعد مبلغ 450.3 مليون دولار الذي مُنح للوحة ليوناردو دافنشي «سالفاتور موندي» عام 2017. وفي العام الماضي، باعت دار «أرتكوريال» للمزادات في باريس لوحة «سلة الفراولة البرية»، من أعمال جان سيمون شاردان الرائعة، والتي يعود تاريخها إلى عام 1761، بقيمة 22.6 مليون دولار. وقد اشترى متحف «كيمبال» للفنون في تكساس تلك اللوحة، وعليه الانتظار حتى ديسمبر (كانون الأول) 2024؛ لمعرفة ما إذا كان من الممكن تصدير اللوحة إلى الولايات المتحدة، والتي صنفتها السلطات الفرنسية بأنها «كنز وطني».
السؤال المطروح في السوق الآن يدور حول ما إذا كانت فنون الماضي البعيد قد تعود من جديد. رغم كل الأحاديث المتفائلة عن هواة جمع الفنون المعاصرة الذين يعيدون اكتشاف الأساتذة الكبار، فهناك في الواقع القليل من الأحاديث حول روبنز، أو شاردان، أو دي تروي، التي سمعناها في معرض «أرت بازل» أو في معرض «فريز».
قالت السيدة إيكهارت: «من حيث فن الشراء الفردي، فإن الفن الذي يعكس الجديد سوف يوفر مكانة اجتماعية أعلى. وسوف ينعكس هذا في السعر أيضاً».

* خدمة «نيويورك تايمز»



جوان زيبق لـ«الشرق الأوسط»: إطلالة الممثل في الأغنية المصوَّرة تُضفي أبعاداً درامية

تصف ناصيف زيتون بأنه يمتلك حضوراً تمثيلياً لافتاً (جوان زيبق)
تصف ناصيف زيتون بأنه يمتلك حضوراً تمثيلياً لافتاً (جوان زيبق)
TT

جوان زيبق لـ«الشرق الأوسط»: إطلالة الممثل في الأغنية المصوَّرة تُضفي أبعاداً درامية

تصف ناصيف زيتون بأنه يمتلك حضوراً تمثيلياً لافتاً (جوان زيبق)
تصف ناصيف زيتون بأنه يمتلك حضوراً تمثيلياً لافتاً (جوان زيبق)

بعد غياب عن الساحة الدرامية، تعود الممثلة جوان زيبق عبر كليب أغنية «هدية» للفنان ناصيف زيتون، لتنضمّ إلى مجموعة من الممثلات الشابات اللواتي خضن تجارب مماثلة في الأعمال الغنائية المصوّرة، من بينهن جينا أبو زيد وجنيفر عازار.

وترى زيبق، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أنّ مشاركة الممثلين في الفيديو كليب تُضيف إليه بُعداً درامياً، وتمنح الجمهور فرصة لاكتشافهم بصورة مختلفة. وتقول: «ثمة فرق كبير بين حضور ممثلة وحضور عارضة أزياء في هذه الأعمال. فالممثلة تمتلك أدوات وتقنيات تساعدها على بناء شخصية وإيصال إحساس معين، فتصبح جزءاً من الحكاية، بينما تبقى العارضة، في غالبية الأحيان، عنصراً بصرياً يُكمِل صورة الأغنية». وتوضح أنها تلقَّت خلال المرحلة الماضية عروضاً للمشاركة في كليبات غنائية، لكنها فضَّلت التريُّث حتى العثور على عمل يحمّسها، فوافقت على عرض مخرج كليب «هدية» لما وجدته فيه من مساحة تمثيلية مختلفة. وتُضيف: «عندما اتصل بي المخرج محمد الدايخ ليُخبرني بمشروعه مع ناصيف زيتون، أعجبتُ بالفكرة فوراً. فأنا من المعجبين به، كما أرى في ناصيف نموذجاً ناجحاً للفنان الشاب».

وتتابع: «شعرت براحة كبيرة خلال التعاون معه، فهو لا يترك أي تفصيل من دون متابعة. فعينه ثاقبة، ويتمتّع بحسّ فني مميز. يهتم بكل شيء، من الماكياج وتسريحة الشعر إلى الأزياء والأداء التمثيلي».

ولا تستبعد زيبق خوض تجربة جديدة في عالم الفيديو كليب إذا وجدت عملاً ينسجم مع تطلعاتها. وعن الفنان الذي تتمنّى التعاون معه، تقول: «فضل شاكر، لكنني لا أعرف ما إذا كان فارق العمر سيشكل عائقاً أمام تجسيد قصة رومانسية. وربما يكون الأمر أسهل إذا أدّى شاكر الأغنية، فيما يجسد ممثلان قصتها. وهو أسلوب اعتمده عدد من الفنانين لتقديم فكرة مختلفة والابتعاد عن المَشاهد التقليدية».

أما عن تعاونها مع ناصيف زيتون وطبيعة شخصيته، فتصفه بأنه «خفيف الظلّ وعفوي في تعامله مع فريق العمل»، مضيفةً: «لفتتني أيضاً قدرته على التمثيل، فهو يؤدّي مشاهده بطبيعية وإحساس كبيرين».

لا تستبعد خوض تجربة جديدة في عالم الفيديو كليب (جوان زيبق)

ويلحظ متابعو الكليب حضور مَشاهد بدت وكأنها ارتجالية. فهل كانت جزءاً من النصّ أم وليدة اللحظة؟ تُجيب: «لمحمد الدايخ أسلوب يعتمده في أفلامه وبرامجه التلفزيونية. كان يشرح لنا المشهد وحيثياته، ثم يترك لنا مساحة للتصرف بحرّية، وهو ما منح العمل عفويته وقربه من الناس».

وترى أن أي دور تمثيلي يحتاج إلى تحضير، لكن طبيعة هذا التحضير تختلف باختلاف مساحة الدور: «الظهور في فيديو كليب يشبه التمثيل في فيلم قصير، لكنه لا يُقارن بالعمل في مسلسل درامي يمتد على حلقات طويلة».

وتؤكد أنّ مشاركتها في كليب «هدية» حقّقت لها انتشاراً واسعاً لم تكن تتوقّعه، وتقول: «جاءت ردود الفعل سريعة وعفوية. فالأغنية المصوّرة، بسبب تكرار عرضها أكثر من مرة يومياً، تُحقّق انتشاراً واسعاً خلال وقت قصير، وهو أمر يختلف عن الأعمال الدرامية التي يحتاج انتشارها إلى وقت أطول».

ومؤخراً، تابعت زيبق مسلسل «ممكن» من إنتاج شركة «الصبّاح»، بطولة نادين نسيب نجيم وظافر العابدين. وتبدي إعجابها بمخرج العمل أمين درة، كما تُثني على أداء أنجو ريحان ورلى حمادة. وتقول: «لفتني أداء أنجو ريحان كثيراً، فقد أثبتت أنها ممثلة مبدعة تمتلك طاقة تمثيلية صقلها المسرح. فهي تعرف متى وكيف تستخدم أدواتها لتلامس المُشاهد. فالمسرح يمنح الممثل نضجاً وخبرة ينعكسان على أدائه. كما أعجبت كثيراً بأداء رلى حمادة، التي أعدّها أيقونة في التمثيل اللبناني، وتعرف دائماً كيف تكسب ثقة الجمهور».

وعما إذا كانت تفكر في دخول عالم المسرح، تختم: «لا أزال بعيدة عن الخشبة، لكنني أتطلّع إلى الوقوف عليها قريباً. فالمسرح له متعته الخاصة التي أتمنّى أن أعيشها».


أي فرنسا ستكون إذا وصلت مارين لوبن إلى الإليزيه ؟

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
TT

أي فرنسا ستكون إذا وصلت مارين لوبن إلى الإليزيه ؟

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي

مع إعلان زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، مارين لوبن، ترشحها للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في ربيع 2027، دخل السباق إلى قصر الإليزيه مرحلة جديدة قد تكون الأكثر حساسية في تاريخ الجمهورية الخامسة. فالقرار لا يفتح الباب أمام تنافس انتخابي فحسب، بل يكرّس سابقة سياسية وقضائية تتمثل في خوض مرشحة مدانة باختلاس أموال عامة حملة رئاسية بعد أن أعادت محكمة الاستئناف إليها حق الترشح.

مارين لوبن وجوردان بارديلا في الذكرى العاشرة لاعتداء بشاحنة دهست مارة في مدينة نيس الجنوبية يوم 14 يوليو 2016 موقعة 86 قتيلاً ومئات الجرحى (أ.ف.ب)

وكانت محكمة باريس قد أدانت لوبن عام 2025 بتهمة اختلاس أموال مخصصة من البرلمان الأوروبي، وحكمت عليها بالسجن أربع سنوات، منها سنة تمضيها قيد الإقامة الجبرية مع سوار إلكتروني يضمن معرفة مكان وجودها، إضافة إلى غرامة مالية، وحظرها من الترشح للمناصب العامة لمدة خمس سنوات. غير أن محكمة الاستئناف خففت الحظر إلى خمسة عشر شهراً اعتبرتها مستوفاة، ومؤكدة ضرورة مراعاة «حرية الناخب في الاختيار»، وصون الإرادة الديمقراطية، الأمر الذي أعاد ابنة جان ماري لوبن إلى السباق الرئاسي من دون أن يبيّض سجلها القانوني الملطّخ.

*لوبن وبارديلا والمؤسسات

تشير استطلاعات الرأي إلى أن أي مرشح رئاسي من «التجمع الوطني» يحظى حالياً بنحو 40 في المائة من نيات التصويت في الدورة الأولى، وهو ما يجعل لوبن الأوفر حظاً لبلوغ الجولة الثانية، وربما الفوز بالرئاسة إذا عجز خصومها عن توحيد الصفوف خلف مرشح واحد.

لكن أهمية القرار القضائي لا تقتصر على الجانب القانوني، بل تمتد إلى طبيعة الخطاب السياسي الذي تتبناه لوبن التي سارعت إلى إعلان براءتها، والتأكيد على أنها ستواصل الطعن بالحكم، مقدمة نفسها ضحية للمنظومة السياسية، والقضاء، في خطاب يرى عدد من المراقبين أنه يستلهم الأسلوب الشعبوي الذي رسخه الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويقوم هذا النهج على التشكيك في المؤسسات عندما تصدر أحكاماً غير مرغوبة، وتصوير الملاحقات القضائية بوصفها استهدافاً سياسياً، وتحويل الإدانة إلى دليل على «اضطهاد» مرشح يقدّم نفسه على أنه يمثل إرادة الشعب.

ويرى محللون أن هذا التحول قد يغير طبيعة الحملة الانتخابية المقبلة، إذ يرجح أن تركز على مهاجمة المؤسسات والقضاء أكثر من التركيز على البرامج السياسية، ما ينذر بمزيد من الاستقطاب في مجتمع فرنسي يعاني انقسامات سياسية واجتماعية متزايدة.

ويُتوقع أن تعهد لوبن، إذا وصلت إلى قصر الإليزيه، بتنفيذ السياسات الداخلية الصارمة التي تنادي بها إلى جوردان بارديلا، رئيس حزبها الشاب (30 عاماً)، عبر تكليفه رئاسة الحكومة.

عرض جوي تقليدي خلال الاحتفال بذكرى الثورة الفرنسية يوم 14 يوليو (تموز) في جادة الشانزليزيه الفرنسية (أ.ف.ب)

وفي المقابل، لا يزال معسكر الوسط الذي يقوده الرئيس إيمانويل ماكرون يعيش مرحلة ضعف وتشتت بعد عشر سنوات في السلطة. فقد تزامنت نهاية ولاية ماكرون الثانية مع أزمات متلاحقة، من الحرب الروسية الأوكرانية، إلى التوترات عبر الأطلسي، مروراً بالتباطؤ الاقتصادي، وتصاعد السخط الشعبي. ولم تتمكن القوى الوسطية حتى الآن من إنتاج شخصية قادرة على منافسة لوبن بجدية، وهو ما يمثل أكبر نقاط القوة لدى زعيمة اليمين المتطرف.

*رئيسة التغييرات الجذرية؟

أما على صعيد السياسة الخارجية، فإن وصول لوبن إلى الرئاسة قد يمثل تحولاً جذرياً في توجهات فرنسا. ففي حين جعل ماكرون، منذ ولايته الأولى، من تعزيز الاتحاد الأوروبي، والدفع نحو استقلال أوروبي أكبر في المجال الدفاعي ركيزتين لسياسته، وأضاف إلى ذلك في ولايته الثانية دعم أوكرانيا، تتبنى لوبن رؤية أكثر تشككاً حيال الاتحاد الأوروبي، وترغب في إحداث تغيير جذري في بنيته الحالية، إذ تدعو إلى تقليص صلاحيات مؤسسات الاتحاد، ولا سيما المفوضية الأوروبية، والاستعاضة عن النموذج القائم بتحالف فضفاض بين دول ذات سيادة تتمتع باستقلال أكبر في اتخاذ قراراتها. كما تؤيد إنهاء العمل باتفاق «شنغن»، وإعادة فرض رقابة مشددة على الحدود الوطنية للحد من الهجرة. وإلى جانب ذلك، تسعى إلى خفض مساهمة فرنسا المالية في موازنة الاتحاد الأوروبي بصورة كبيرة.

الرئيس إيمانويل ماكرون... هل انتهت مرحلة الوسط؟ (د.ب.أ)

وتدعو لوبن إلى إعادة النظر في علاقة فرنسا بحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وتؤيد انسحاب باريس من القيادة العسكرية الموحدة للحلف، مع إبقاء عضويتها السياسية. وترى أن هذا الخيار يعزز استقلال القرار العسكري الفرنسي، ويمنح باريس حرية أكبر في رسم سياساتها الدفاعية، وهو ما يثير مخاوف لدى الحلفاء الأوروبيين من إضعاف دور فرنسا داخل الناتو في ظل التحديات الأمنية التي تواجه القارة.

وهي في موازاة ذلك تعارض تشديد العقوبات على روسيا، وتؤيد تقليص الدعم العسكري لأوكرانيا.

ولا يقتصر تأثير هذا التحول المحتمل على فرنسا وحدها، بل يمتد إلى أوروبا بأكملها، في وقت تواجه فيه القارة تحديات أمنية غير مسبوقة نتيجة الحرب في أوكرانيا، وعودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، واستمرار التوترات في الشرق الأوسط. لذلك ينظر كثير من القادة الأوروبيين إلى الانتخابات الفرنسية المقبلة باعتبارها محطة مفصلية قد تعيد رسم موازين القوى داخل الاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو.

*ماذا عن المرشحين الآخرين؟

يواصل زعيم اليسار الراديكالي (حزب «فرنسا الأبيّة») جان لوك ميلانشون استعداداته لخوض الانتخابات الرئاسية للمرة الرابعة، فيما يُنتظر ترشّح آخرين من اليمين التقليدي والوسط خلال الأشهر المقبلة. غير أن الانقسام العميق الذي تعيشه هذه القوى يمنح «التجمع الوطني» أفضلية واضحة، خاصة في ظل تنامي السخط الشعبي تجاه الأحزاب التقليدية التي فشلت في تحقيق إصلاحات حقيقية، وانتشال الاقتصاد من عثراته.

زعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون (أ.ف.ب)

والواقع أن أحداً لا يتوقع فوز ميلانشون بالرئاسة، لأن خطابه المتطرف -الذي لا يقل شعبوية عن خطاب «التجمع الوطني» إنما في الاتجاه المعاكس- لا يمكن أن يصل إلى اليمينيين، والوسطيين، وحتى اليساريين التقليديين مثل الاشتراكيين.

وإذا كان مشهد الترشّح غير واضح، فإن المؤكد هو أن الحملة الانتخابية ستُهيمن عليها ملفات الاقتصاد، وارتفاع تكاليف المعيشة، والهجرة، والأمن، وربما التغيّر المناخي، إلى جانب الجدل حول الإنفاق الدفاعي في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة. كما سيبقى ملف القضاء محوراً أساسياً بعدما أصبحت قضية لوبن نفسها جزءاً من المعركة السياسية.

ورغم أن التاريخ الانتخابي الفرنسي أظهر أكثر من مرة قدرة الأحزاب التقليدية على تشكيل «جبهة جمهورية» لمنع اليمين المتطرف من الوصول إلى قصر الإليزيه في الجولة الثانية، فإن الظروف الحالية تبدو مختلفة. فشعبية الأحزاب التقليدية تراجعت بصورة ملحوظة، فيما نجحت لوبن في توسيع قاعدتها الانتخابية، وتقديم نفسها بوصفها بديلاً للنخبة السياسية الحاكمة.

عشب يابس في محيط برج إيفل بباريس بسبب موجات الحرّ المتلاحقة (أ.ف.ب)

وبذلك لا تبدو انتخابات 2027 مجرد تنافس على رئاسة فرنسا، بل تعد استفتاءً على مستقبل الجمهورية الفرنسية، وموقعها داخل أوروبا، والعالم، في لحظة تتقاطع فيها الأزمات الداخلية مع التحولات الجيوسياسية الكبرى، وتجعل من نتيجة الانتخابات حدثاً تتجاوز تداعياته الحدود الفرنسية إلى القارة الأوروبية بأكملها، لا سيما فيما يخص مستقبل الاتحاد الأوروبي، ودور فرنسا داخل الناتو...

يقول معارضو مارين لوبن إنها «إذا دخلت قصر الإليزيه فإن ماريان ستنتحب»، فيما يقول مؤيدوها إن ماريان، رمز فرنسا منذ العام 1792، ستستعيد ألقها رمزاً للجمهورية، وقيمها...


سكالوني قبل نهائي المونديال: كل شيء في إسبانيا «يثير قلقي»

سكالوني يتحدث لوسائل الإعلام في المؤتمر الصحافي بنيوجيرسي (أ.ف.ب)
سكالوني يتحدث لوسائل الإعلام في المؤتمر الصحافي بنيوجيرسي (أ.ف.ب)
TT

سكالوني قبل نهائي المونديال: كل شيء في إسبانيا «يثير قلقي»

سكالوني يتحدث لوسائل الإعلام في المؤتمر الصحافي بنيوجيرسي (أ.ف.ب)
سكالوني يتحدث لوسائل الإعلام في المؤتمر الصحافي بنيوجيرسي (أ.ف.ب)

قال مدرب منتخب الأرجنتين ليونيل سكالوني الجمعة إن «كل شيء» في منتخب إسبانيا، منافسه في نهائي كأس العالم لكرة القدم في أميركا الشمالية الأحد في إيست راذرفورد بضواحي نيويورك، «يثير قلقه».

وأشاد مدرب «ألبيسيليستي»، الساعي إلى إحراز نجمة ثانية توالياً بعد تلك التي توج بها في قطر 2022، بالأداء الجيد لـ«لا روخا»، واعتماده على الاستحواذ على الكرة.

وقال في المؤتمر الصحافي الرسمي في نيويورك قبل يومين من المباراة النهائية على ملعب ميتلايف: «إنه فريق كبير، ومنتخب كبير، ويقدم مرحلة رائعة مع لويس (دي لا فوينتي)، وهذا يسعدني حقاً. لذلك، كل شيء في إسبانيا يثير قلقي».

وأضاف: «نحاول أن نصبح أقوياء بالكرة، وفي هذا الجانب نحن متشابهان بالفعل، لذا نأمل أن يكون عرضاً جيداً الأحد، والأهم أن يستمتع الناس به، وأن تكون مباراة كرة قدم جيدة».

وسيواجه سكالوني دي لا فوينتي الذي كان أستاذه في دورة تدريب المدربين التابعة للاتحاد الإسباني لكرة القدم، والتقى الاثنان مجدداً خلال فعالية مع المشجعين في مانهاتن، في حدث غير معتاد خلال كأس العالم، لكنه شائع في المسابقات الأميركية، وذلك قبل المؤتمر الصحافي للمدرب الأرجنتيني.

وقال: «تحدثنا، ولن أخبركم بما قلته له، لأننا كنا في وضع سريالي هناك في وسط... لكن هذه هي طبيعة كرة القدم التي نعيشها. ذهبت إلى هناك، لأنه كان سيحضر، ولهذا ذهبت، وإلا...».

وعاد سكالوني ليوجه كلمات الإشادة إلى ليونيل ميسي، قائد وروح المنتخب الأرجنتيني.

ويتقاسم صاحب القميص رقم 10 صدارة هدافي البطولة برصيد ثمانية أهداف مع الفرنسي كيليان مبابي. وبعد الفوز الدراماتيكي في نصف النهائي، عانق النجم مدربه وقال له: «تاريخ خالص».

وقال المدرب: «أن يتمكن من بلوغ نهائي كما فعل في هذه المرحلة من مسيرته، وهو في سن التاسعة والثلاثين، فهذا أمر لا يُصدق».

وأقر سكالوني بفخره لسماع تلك الكلمات من المهاجم، مضيفاً: «لهذا كنت أقول إن علينا أن نستمتع به، لأنه بعد ذلك يحدث ما حدث مع دييغو مارادونا، إذ افتقدناه بعد 10 أو 20 عاماً، أما هو فما زال هنا معنا، ويجب أن نقدر ما يقوم به، فالتاريخ والأسطورة هو، وكذلك هذه المجموعة من اللاعبين الذين منحونا سنوات رائعة».

وأكد سكالوني أن منتخبه يستعد للنهائي «بالطريقة نفسها» التي يستعد بها لأي مباراة أخرى، وأنهم يحاولون حتى تجنب التفكير في أهمية اللقاء من أجل التركيز بشكل أفضل.

واستبعد أن يكون خوض الأرجنتين نهائي كأس العالم قبل أربع سنوات في قطر ميزة لها، لأن اللاعبين الإسبان خاضوا أيضاً مباريات حاسمة على مستوى الأندية، والمنتخب.

وقال: «اللاعب ينسى ذلك، أو على الأقل لاعبونا ينسونه، ويكرسون أنفسهم للعب كرة القدم. لا أعتقد أن ذلك يمثل أفضلية، بل على العكس، فهما منتخبان يسعيان عندما ينزلان إلى الملعب إلى تقديم الأفضل عبر الكرة، ويصعبان الأمور من خلال تناقل التمريرات، واللعب المباشر».

لكنه لفت الانتباه إلى أن النجاحات الأخيرة للأرجنتين، بطلة كوبا أميركا مرتين وبطلة العالم، جعلت منتخب بلاده أكثر شهرة، وخضوعاً للدراسة من بقية المنتخبات.

وأضاف: «يجب الأخذ في الاعتبار أن المنافس يلعب أيضاً، ويتعرف أكثر فأكثر على طريقة لعبك، ونحن منتخب معروف إلى حد كبير الآن، والناس تعرف كيف نلعب، ولهذا فإن وصولنا إلى ما وصلنا إليه له قيمة مضاعفة».

وتابع: «لقد كان أمراً رائعاً، وبعد ذلك، كما نقول دائماً، يمكن أن نفوز، ونأمل أن نفوز، لكن إذا لم نفز، فأعتقد أن المسيرة كانت مذهلة، وشكلت مثالاً للجميع».