لبنان: الفراغ يهدد مواقع حساسة أهمها حاكم «المركزي» وقيادات عسكرية وأمنية

حكومة تصريف الأعمال ستلجأ للتعيينات رغم الألغام السياسية

صور رؤساء جمهورية سابقين في القصر الرئاسي في بعبدا (إ.ب.أ)
صور رؤساء جمهورية سابقين في القصر الرئاسي في بعبدا (إ.ب.أ)
TT

لبنان: الفراغ يهدد مواقع حساسة أهمها حاكم «المركزي» وقيادات عسكرية وأمنية

صور رؤساء جمهورية سابقين في القصر الرئاسي في بعبدا (إ.ب.أ)
صور رؤساء جمهورية سابقين في القصر الرئاسي في بعبدا (إ.ب.أ)

تتسارع وتيرة انهيار المؤسسات في لبنان الواحدة تلو الأخرى، ما يجعلها عاجزة عن إدارة الأزمات التي تتخبط بها منذ ثلاث سنوات. ويبدو أن الفراغ القاتل لا يقتصر على رئاسة الجمهورية والحكومة، ولا على البرلمان المصاب بشلل العجز عن سن القوانين بعدما تحول إلى هيئة انتخابية مع سريان الشغور في قصر بعبدا. لكن الأخطر من ذلك أن الفراغ بات يهدد مواقع حساسة في الدولة تقف على تماس يومي مع مصالح الناس، على رأسها مركز حاكم مصرف لبنان الذي يشغر في الأول من أغسطس (آب) المقبل بانتهاء ولاية رياض سلامة، والمدير العام للأمن العام مع إحالة اللواء عباس إبراهيم إلى التقاعد بعد شهر ونصف الشهر، بالإضافة إلى مديرين عامين سيغادرون مواقعهم بعد أشهر.
وتتسع دائرة الخوف لدى اللبنانيين من امتداد الفراغ إلى العام المقبل، ليصيب أيضاً قيادة الجيش اللبناني مع إحالة العماد جوزيف عون إلى التقاعد، ومؤسسة قوى الأمن الداخلي والنيابة العامة التمييزية بإحالة اللواء عماد عثمان والقاضي غسان عويدات إلى التقاعد أيضاً، وهذا سيرفع بالتأكيد منسوب المواجهة السياسية بين مكونات السلطة الحالية، إذا ما حاولت حكومة تصريف الأعمال التصدي لهذه الاستحقاقات الداهمة، سواء عبر تعيين بدلاء عمن سيحالون إلى التقاعد أو التمديد لهم. ويجزم الوزير السابق نقولا نحاس، مستشار رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، بأن «معركة الفراغ الرئاسي لن تنسحب على مجلس الوزراء، وأن رئيس الحكومة سيقوم بواجباته بإجراء التعيينات التي تقع في صميم الحدود الضيقة لتصريف الأعمال».
وتتوزع المواقع الأساسية في الدولة اللبنانية على 179 وظيفة من الفئة الأولى أو ما يعادلها، وستصبح العشرات منها شاغرة هذا العام، يضاف إليها المواقع التي شغرت في النصف الثاني من العام الماضي، وعجزت السلطة السياسية عن إجراء التعيينات لملئها، إثر إخفاقها بتشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات البرلمانية التي حصلت منتصف شهر مايو (أيار) الماضي.
ويلفت الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين إلى أن «73 وظيفة عامة ستؤول إلى الفراغ خلال هذا العام، وهذا من شأنه أن يرتد سلباً على أداء تلك المؤسسات». وعدّد شمس الدين، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أبرز الوظائف التي يحال شاغلوها إلى التقاعد «وتبدأ باللواء إبراهيم في الثاني من مارس (آذار) المقبل، ثم مدير الإدارة في الجيش اللبناني العميد مالك شمص، يليهما سلامة مطلع أغسطس المقبل، ثم قائد وحدة الدرك في قوى الأمن الداخلي العميد مروان سليلاتي في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل». ويشير إلى أن «العجز عن انتخاب رئيس للجمهورية هذا العام سيفاقم الأزمة بشكل أكبر ويدفع نحو فراغ أكبر، إذ إنه في العام المقبل (2024) يحال إلى التقاعد كل من العماد جوزيف عون، واللواء عثمان، والنائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات ومديرين عامين في وزارات وإدارات متعددة».

النزف الحاصل في مؤسسات الدولة لم يبدأ مع انتهاء عهد الرئيس ميشال عون، بل أسست له الخلافات السياسية بين الأخير وميقاتي، إذ أخفقا في تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات، وهذا الخلاف شرع الأبواب أمام خلو مراكز أساسية من رؤسائها، منها على سبيل المثال موقع رئيس الأركان في الجيش اللبناني بعد إحالة اللواء أمين العرم إلى التقاعد، وعضوية المجلس العسكري الذي كان يشغله العميد ميلاد إسحق، ومدير عام وزارة الشباب والرياضة إثر تقاعد المدير السابق زيد خيامي، ومدير عام مجلس الجنوب جراء تقاعد هاشم حيدر، بالإضافة إلى الفراغ في المديرية العامة لوزارة الشؤون الاجتماعية، ورئاسة هيئة التفتيش القضائي.
القلق من بلوغ لبنان سيناريو الفراغ الكلي في مؤسسات الدولة المالية والعسكرية والقضائية والإدارية، والوصول إلى مرحلة قاتمة تنذر بتحلل هذه المؤسسات، لا ينتاب ميقاتي الذي، وبحسب المقربين منه، «لن يستسلم لواقع أخذ البلد إلى التدمير الشامل وهو عازم على التصدي لمثل ذلك انطلاقاً من واجبات مجلس الوزراء في ضرورة الانعقاد وإجراء التعيينات اللازمة».
ويشير نحاس إلى أن «المادة 62 من الدستور واضحة، وهي تنص على أنه عند شغور موقع رئاسة الجمهورية، تناط صلاحيات الرئيس بمجلس الوزراء، ثم إن المادة 64 من الدستور تقول إن (الحكومة تمارس صلاحياتها بالإطار الضيق)، وعندما يشغر موقع حساس يكون تعيين من يشغله في صلب (الإطار الضيق)، ويصبح وجوباً على الحكومة أن تجتمع وتمارس صلاحياتها».
وأكد نحاس في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «رئيس الحكومة ملزم بتطبيق الدستور وبدعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد، وإلا سيخضع للمساءلة والمحاكمة إذا لم يمارس هذه الصلاحيات». وقال: «بالتأكيد لن يقف الرئيس ميقاتي مكتوف اليدين عندما يشغر أي موقع حساس، بل سيسارع إلى وضع جدول الأعمال ويطلع الوزراء عليه، وكل من لا يشارك يتحمل المسؤولية، ونحن لا نرغم أحداً على المشاركة».
وإذا كان اجتماع مجلس الوزراء السابق الذي خصص للبت بملفات إنسانية منها شراء الأدوية لمرضى السرطان، وصرف المخصصات المالية للمستشفيات، وإقرار تعويضات مالية للمؤسسات العسكرية والأمنية، فإنه عمق الخلاف بين «التيار الوطني الحر» (برئاسة النائب جبران باسيل) ورئيس الحكومة، وكذلك هدد بالإطاحة بالتفاهم بين «التيار» و«حزب الله»، وبالتالي فإن أي قرار للحكومة بتعيينات في المواقع الحساسة خصوصاً المسيحية منها، سيفجر العلاقة بين كل هذه المكونات.
غير أن مستشار ميقاتي ذكر بأن «تظهير الخلاف وكأنه بين رئيس الحكومة والتيار الوطني الحر خطأ، لأن المشكل الحقيقي بين هذا التيار والدستور». ويضيف نحاس «عندما يرفض جبران باسيل اجتماع مجلس الوزراء بغياب رئيس الجمهورية، هذا يعبر عن موقف سياسي وليس عن موقف دستوري، والهدف منه التحكم بمفاصل الدولة والإمساك بالقرار السياسي». ويختم نحاس بالقول: «رئيس الحكومة سيقوم بواجباته بعيداً عن كل المعارك السياسية، كما أن معركة الفراغ الرئاسي لن تنسحب على مجلس الوزراء».
ستكون لأي خطوة حكومية تذهب باتجاه التعيينات وتتجاهل الفيتو الذي يضعه «التيار»، كونه الفريق المسيحي الأكثر حضوراً داخل الحكومة، تداعيات سلبية منها إمكانية التحرك في الشارع، لكن تداعيات تفريغ المؤسسات من رموزها سيكون لها الوقع الأسوأ، وفي القراءة القانونية لإمكانية حصول تعيينات ومدى صوابيتها.
ويعتبر عضو مجلس شورى الدولة السابق القاضي المتقاعد زياد شبيب أن «تقدير ما إذا كان يجوز اتخاذ قرارات مماثلة يحصل بتاريخ اتخاذها، أي عند استحقاق التعيين، وهذا الأمر رهن بالضرر الذي يلحق بالمصلحة العامة في حينه، بفعل الشغور الذي يطال هذا المنصب أو ذاك». ويقول شبيب في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «إذا نظرت إلى الموضوع من خارج السياق الحالي والأزمة المستمرة تجد أن القانون احتاط للشغور بأي موقع بارز في الدولة، بمعنى أنه إذا انتهت ولاية حاكم البنك المركزي هناك نائب أول ونائب ثانٍ وثالث للحاكم، يفترض بأحدهم أن يسير الأمور إلى حين تعيين حاكم جديد، وكذلك في قيادة الجيش فإذا أحيل القائد على التقاعد يحل مكانه رئيس الأركان، أو الضابط الأعلى درجة في المجلس العسكري».
أما بما يخص موقع المدير العام للأمن العام، فيلفت شبيب إلى «تجربة سابقة عندما أحيل المدير العام الأسبق اللواء وفيق جزيني على التقاعد، تسلم المهام خلفاً له ضابطان من المديرية على مرحلتين إلى أن تم تعيين اللواء عباس إبراهيم»، معتبراً أن «الحديث عن هذه السيناريوهات يبقى مجرد فرضية. أما إذا حصلت بالفعل فتقدر في حينها الأولويات التي تقلل من الضرر الذي يلحق بالمؤسسة وبمصلحة الدولة ككل».
وينيط الدستور بالحكومة اجتراح الحلول التي تحول دون وصول المؤسسات إلى التفكك. ويشدد شبيب، الذي شغل موقع محافظ بيروت لست سنوات، على أن «الحكومة الحالية عليها أن تأخذ المبادرة وتقوم بإجراء تعيينات ولو كانت حكومة تصريف أعمال، ويبقى قرارها خاضعاً للطعن أمام القضاء الإداري (مجلس شورى الدولة)، الذي يقرر ما إذا كان قرار التعيين داخلاً في إطار تصريف الأعمال الذي نص عليه الدستور، ويقرر بالتالي إبطال هذا القرار أم لا».
ومنذ انتهاء الحرب الأهلية انتقلت مراكز مهمة في الدولة كان يشغلها مسيحيون إلى طوائف أخرى، أبرزها منصب المدير العام للأمن العام الذي آل إلى الطائفة الشيعية، والنائب العام التمييزي الذي أسند إلى قاضٍ من الطائفة السنية، ومنذ سنوات تتمسك الطائفة الشيعية بحقيبة وزارة المال للاستئثار بالتوقيع الثالث على المراسيم والقرارات الحكومية إلى جانب رئيس الجمهورية الماروني ورئيس الحكومة السني، وتعليقاً على ذلك لم يُخفِ شبيب أن «هناك انطباعاً أو شعوراً لدى تلك الشريحة من اللبنانيين (المسيحيين) بأن الذين انتصروا في الحرب الأهلية من ميليشيات وقوى رأسمالية عمدوا إلى تقاسم إرث المارونية السياسية، بفعل تعديل موازين القوى، وهذا المسار مستمر منذ التسعينات حتى الآن».
وشدد على أن «الحل لا يكون بالمضي بهذا المسار، بل بالعودة إلى الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني التي أقرت في الطائف، وثبتت المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في مرحلة انتقالية يليها إلغاء الطائفية السياسية، وأكدت على اختيار أصحاب الكفاءة والجدارة من ضمن المناصفة». ورأى أن «خوف البعض في هذا الشأن لا يمكن تجاهله لأن تجارب الـ30 سنة الماضية خالفت الدستور، وكرست انتصار ميليشيات الحرب ليس على الشركاء في الوطن بل على الدستور وأحكامه أيضاً».
وخاض التيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل، وبدعم مطلق من الرئيس السابق ميشال عون، معركة إقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وتعيين بديل عنه من المحسوبين على عون وفريقه مع بداية النصف الثاني من ولاية عون، وتحديداً مع اندلاع انتفاضة 17 أكتوبر 2019، وقد جنّد عون وباسيل كل طاقاتهما للتخلص من سلامة عبر تحريك الدعاوى القضائية ضده في لبنان ودول أوروبية، ومطاردته من قبل المدعية العامة في جبل لبنان غادة عون وتنفيذ مداهمات طالت منزله ومكتبه داخل البنك المركزي في محاولة لاعتقاله وزجّه في السجن، وشن حملات سياسية وإعلامية في الداخل والخارج تستهدفه شخصياً، إلا أن كل هذه المحاولات باءت بالفشل، بدليل أن عون رحل عن قصر بعبدا وبقي رياض سلامة في موقعه، ورغم المآخذ على السياسة المالية التي انتهجها سلامة، فإن مرجعيات دينية وسياسية مسيحية تخشى انتهاء ولايته قبل انتخاب رئيس للبلاد وتشكيل حكومة جديدة وانتظام عمل الدولة، بما يسمح بتعيين حاكم جديد للبنك المركزي، وينطلق هذا الخوف من ذهاب سلامة إلى منزله ليتسلم مهامه نائبه الأول وسيم منصوري وهو شيعي محسوب على رئيس مجلس النواب نبيه بري، وترجح مصادر مطلعة أن يصبح التمديد لرياض سلامة «مطلباً مسيحياً بمعزل عن موقف التيار الوطني الحر، حتى لا يخسر المسيحيون موقعاً أساسياً ومهماً في السلطة كما خسروا غيره من المواقع في السنوات الماضية».
إلى جانب التعيينات والألغام السياسية التي تحيط بها، ثمة استحقاق مهم وأساسي ينتظره اللبنانيون في أواخر شهر مايو المقبل، هو انتخابات المجالس البلدية والاختيارية التي أرجئت من العام الماضي إلى العام الحالي، لكونها تزامنت مع موعد الانتخابات البرلمانية، وعجز الدولة على إجرائهما في سنة واحدة، ولن يكون هذا الاستحقاق سهلاً في ظل المعوقات السياسية والمالية والأمنية التي تواجه الحكومة، والتي ستقابل برفض سياسي لإجرائها في ظل غياب رئيس الجمهورية، وإمكانية عرقلتها عبر امتناع وزراء التيار الوطني الحر عن مواكبتها وعدم توقيع مرسومها، إلا أن مصدراً حكومياً أكد لـ«الشرق الأوسط»، أن حكومة تصريف الأعمال «تعد العدة لهذا الاستحقاق، وستجريه في موعده بدءاً من 31 مايو المقبل».
وذكر أن «الدعوة للانتخابات البلدية والاختيارية تصدر بقرار عن وزير الداخلية يدعو فيه الهيئات الناخبة لاختيار ممثليها في البلديات والمخاتير، ولا تحتاج إلى المرسوم الذي تحتاجه الانتخابات البرلمانية». وأفاد المصدر الحكومي بأن «كل ما تحتاجه الانتخابات البلدية رصد الأموال المؤمنة عبر الموازنة، أو عبر قانون يقره البرلمان يجيز عبره فتح اعتماد إضافي في الموازنة لتأمين مصاريف الانتخابات».
وكان عضوا كتلة «اللقاء الديمقراطي» النائبان بلال عبد الله وهادي أبو الحسن، تقدما منتصف شهر أكتوبر الماضي باقتراح قانون معجل مكرر، يرمي لإيجاد حل ظرفي لحالة الشغور في المواقع العسكرية والأمنية، بسبب إحالة الضباط الذين يشغلونها على التقاعد، وإلى حين إيجاد مخرج لأزمة ترقية الضباط العالقة بسبب خلافات رئيس الجمهورية السابق ميشال عون ورئيس البرلمان نبيه بري حولها، وتشمل بشكل أساسي أعضاء المجلس العسكري في الجيش اللبناني سواء من أحيلوا على التقاعد أواخر العام الماضي أو الذين بصدد مغادرة مراكزهم هذا العام، إلا أن هذا الاقتراح سقط ولم يأخذ طريقه للإقرار.
كما رفض وزير الدفاع الوطني موريس سليم، اقتراحاً قدمه قائد الجيش جوزيف عون يقضي بتأجيل تسريح رئيس الأركان اللواء أمين العرم والمفتش العام في المجلس العسكري اللواء ميلاد إسحاق، بسبب الخلافات السياسية.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

الرئيس الفلسطيني يصدر قراراً بنشر مسودة الدستور المؤقت

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
TT

الرئيس الفلسطيني يصدر قراراً بنشر مسودة الدستور المؤقت

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)

أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس قراراً، اليوم الاثنين، بنشر المسودة الأولى لمشروع الدستور المؤقت لدولة فلسطين، وإتاحتها للاطلاع العام عبر المنصة الإلكترونية المخصصة للجنة الوطنية لصياغة الدستور، وفي وسائل النشر التي تقررها اللجنة.

وذكرت «وكالة الأنباء الفلسطينية» أن القرار يهدف إلى توسيع نطاق المشاركة المجتمعية في صياغة الوثيقة الدستورية، من خلال دعوة المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني والقوى السياسية والخبراء والأكاديميين إلى تقديم ملاحظاتهم ومقترحاتهم على المسودة، خلال فترة تمتد إلى 60 يوماً من تاريخ نشر القرار.

وبحسب القرار، ستتولى لجنة التنسيق والصياغة المنبثقة من لجنة إعداد الدستور المؤقت تسلم الملاحظات وتنظيمها ودراستها، حيث سيتم تصنيفها إلى ملاحظات جوهرية تتعلق بالمبادئ الدستورية، وأخرى فنية مرتبطة بالصياغة والتنظيم، تمهيداً لإدخال التعديلات اللازمة بما يحقق المصلحة العامة والتوافق الوطني.

وأشارت الوكالة إلى أن اللجنة ستعد تقريراً مفصلاً بنتائج دراسة الملاحظات والتوصيات، ليُرفع إلى الرئيس الفلسطيني لمناقشته واعتماده قبل إعداد النسخة النهائية من مشروع الدستور.


هل ينجح اندماج «قسد» في مؤسسات الدولة أم دونه عوائق؟

غراف لخطة تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية»
غراف لخطة تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية»
TT

هل ينجح اندماج «قسد» في مؤسسات الدولة أم دونه عوائق؟

غراف لخطة تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية»
غراف لخطة تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية»

هل سيطبق الاندماج بين «قوات سوريا الديمقراطية» ومؤسسات الدولة السورية بسلاسة، أم سيعوقه عائق؟ وهل ستتخلى «قسد» فعلاً عن سلطة خبرتها لأكثر من عشر سنوات من النفوذ العسكري، والمدني في بعض مناطق سوريا؟ هل سينجح اتفاق 30 يناير (كانون الثاني) برعاية من واشنطن، وأربيل بكل أبعاده؟ أم بشكل جزئي يخص نقاطاً معينة فقط؟

بالنظر إلى آراء الذين تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، هناك توجه يرى أنه عند الانتقال من النص إلى التنفيذ ستبدو فرص النجاح محدودة، بينما يرى توجه آخر أنه لا يوجد سبب حقيقي يدعو إلى الاعتقاد بفشل مسيرة اندماج المؤسسات العسكرية والمدنية لـ«قسد» في مؤسسات الدولة السورية، طالما أنها تمت برعاية إقليمية، ودولية.

بداية المسار مشجع مع تسليم الدولة لمطار القامشلي الدولي، وحقل الرميلان النفطي، دون التوقف عند إنزال علم، أو توقيف أفراد، فالطرفان من حيث المبدأ يريدان للتجربة أن تنجح، فالسوريون يترقبون توحد سوريا مرة أخرى، وعودة الاستقرار، وانتعاش الاقتصاد، أما التفاصيل المتبقية فلا تزال تحمل التساؤلات عن إمكانية تنفيذها، وستؤجل الأجوبة عليها لحين أزوف الاستحقاق.

مصلحة متبادلة

خورشيد دلي... محلل سياسي كردي سوري

واضح أن تنفيذ الاتفاق بدأ يشق طريقه على أرض الواقع، وهناك أسباب كثيرة تقف وراء ذلك، أهمها أن الاتفاق احتوى على خريطة طريق واضحة، وعلى خطوات متسلسلة. والأهم وجود مصلحة متبادلة لكل من الحكومة السورية و«قسد»، وهي مصلحة تكمن في تحقيق هدف الإدارة السورية الجديدة المتمثل بتوحيد سوريا، فيما مصلحة «قسد» تكمن في بقاء قواتها قوة محلية تساهم في إدارة المناطق الواقعة تحت نفوذها، وبما يؤمن ذلك مشاركة الكرد في الحياة السورية في المرحلة المقبلة.

يتابع دلي أن الأبعد من المصلحة المتبادلة لدمشق و«قسد» فإن هذا الاتفاق يحظى بدعم دولي، وإقليمي، وعربي. وهو في الأصل جاء نتيجة جهود دبلوماسية مكثفة لكل من واشنطن، وباريس، وأربيل، ما يحقق للاتفاق نوعاً من الرعاية، والمظلة، والضمانة لنجاحه.

وعليه يمكن القول إنه لا يوجد سبب حقيقي يدعو إلى الاعتقاد بفشل مسيرة اندماج المؤسسات العسكرية والمدنية التي تعبر عن تجربة «قسد» في مؤسسات الدولة السورية. وما سبق، لا يعني عدم بروز تحديات هنا أو هناك، وهي تحديات ربما تتعلق ببعض التفاصيل، لكن مجيء الاتفاق على النحو المذكور، وفي ظل ظروف ميدانية وسياسية مغايرة، يوفر إمكانية تجاوز أي عقبة، أو إشكالية قد تظهر هنا، أو هناك.

الباحث خورشيد دلي يرى أن تنظيم النفوذ في الاتفاق «لا ينص على تخلي (قسد) و(الأسايش) عن نفوذهما، ودورهما». وإنما ينظم هذا النفوذ في إطار هيكلة القوات ضمن وزارتي الدفاع، والداخلية، مع الإشارة إلى أن الاتفاق يعطي دوراً أساسياً لقوات «الأسايش» (الأمن الداخلي الكردي) في المرحلة المقبلة. فيما ستتم إعادة النظر في دور «قسد» كقوة عسكرية، حيث ستتنظم في فرقة عسكرية مؤلفة من ثلاثة ألوية في محافظة الحسكة، ولواء رابع في كوباني يتبع إدارياً القيادة الأمنية في حلب. وستنسحب القوات العسكرية لـ«قسد» والجيش السوري من المدن إلى أماكن متفق عليها في الشدادي، وجبل كوكب.

مرافقة مركبات عسكرية أميركية لحافلات تنقل معتقلي تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق في مدينة القامشلي السورية 8 فبراير (رويترز)

ويبدو أن المطلوب من العملية التنظيمية هذه خلق آلية جديدة لمحاربة تنظيم «داعش» التي تولت الحكومة السورية مسؤولية محاربتها بعد انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة التنظيم... وهنا تبرز أهمية دمج قوات «قسد» في الجيش السوري على اعتبار أنها قوات لها تجربة طويلة في محاربة التنظيم، وتتمتع بخبرة كبيرة في مقارعة خلاياه بالتعاون مع التحالف الدولي.

كما أن بقاء قوات «الأسايش» و«قسد» -حتى لو أن الأخيرة أطلقت على نفسها اسماً آخر- يشكل عامل ثقة مهماً لسكان المناطق الكردية بوصفها قوات تعبر عنها، وتتشكل من أبنائها، ويحقق رؤية سياسية نحو سوريا منشودة ليست فيها سياسة إقصاء للمكون الكردي. ولعل ما سيعزز هذا المسار السياسة الانفتاحية التي يبديها الرئيس الشرع تجاه القضية الكردية في سوريا، لا سيما بعد المرسوم ١٣ الذي أصدره بهذا الخصوص. وفي ظل ما سبق يمكن الحديث عن بقاء دور أساسي لقوات «الأسايش» و«قسد» في تلك المناطق، مع هيكلة وآلية لعملها ضمن المؤسسات العسكرية والأمنية السورية التي ستصبح هذه القوات جزءاً منها.

معوقات في التطبيق

سامر الأحمد... صحافي وباحث سوري مختص بتطورات الشرق السوري

أعتقد أن الاتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة عاملين حاسمين، الأول: التحول في ميزان القوة الميداني في الجزيرة السورية، مع تقدم الجيش السوري بدعم واضح من قطاعات واسعة من الأهالي، في ظل رفض متراكم لوجود «قسد» بسبب سجلها الأمني، والانتهاكات المستمرة. والثاني: التغير في الموقف الدولي، لا سيما الأميركي، حيث تراجع الغطاء السياسي، والعسكري عن «قسد»، بالتوازي مع انخراط دمشق في مسار التعاون مع التحالف الدولي.

من حيث المبدأ، الاتفاق -كما وُصف دولياً– يمثل فرصة تاريخية لـ«قسد» للانتقال من كيان عسكري-أمني خارج الدولة إلى إطار وطني جامع، كما أنه يفتح باباً حقيقياً أمام المكوّن الكردي السوري لنيل حقوقه ضمن الدولة السورية، بعيداً عن الصيغ الفوقية المفروضة بالقوة.

لكن عند الانتقال من النص إلى التنفيذ، تبدو فرص النجاح محدودة، فالبنية الفعلية لـ«قسد» لا تزال، إلى حدّ كبير، خاضعة لتأثير حزب «العمال الكردستاني»، الذي يحتفظ بمفاصل القرار الأمني، والعسكري. ومن هذا المنظور، فإن الاندماج يعني خسارة الحزب لأهم ساحة نفوذ إقليمي، وفقدان مصادر تمويل، وحركة استراتيجية، ما يجعله غير متحمس لتطبيق الاتفاق فعلياً.

آثار المعارك مع «قسد» في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب يوم 12 يناير 2026 (أ.ب)

العائق الأساسي لا يكمن في غياب النوايا لدى بعض القيادات السورية داخل «قسد»، يقول الأحمد، بل في افتقارهم للقدرة على اتخاذ القرار النهائي. وتتمثل أبرز معوقات التطبيق في ملفات جوهرية، مثل تسليم السلاح الثقيل، وضبط معبر سيمالكا، وخروج القيادات والعناصر الأجنبية التابعة لحزب «العمال»، والانسحاب من المدن، وحصر الانتشار في المناطق ذات الغالبية الكردية.

في هذا السياق، نحن أقرب إلى تكرار تجارب سابقة، مثل اتفاق الشيخ مقصود، واتفاق ١٠ مارس (آذار)، حيث جرى استنزاف الوقت دون تنفيذ كامل. لذلك، ورغم أن خيار المواجهة العسكرية ليس مرجحاً على المدى القريب، فإنه يبقى احتمالاً قائماً ليكون أداة ضغط ميداني إضافية لفرض تنفيذ الاتفاق، وليس بالضرورة خيار حرب شاملة.

إلى جانب ذلك، تبدو الدولة السورية حاسمة في خيار استعادة السيطرة الكاملة على محافظة الحسكة، بوصفها جزءاً لا يتجزأ من السيادة الوطنية، سواء تم ذلك عبر المسار السلمي، وتنفيذ الاتفاق، أو عبر الخيار العسكري في حال فشل التطبيق. المؤشرات السياسية والميدانية الحالية توحي بأن هذا التوجه يحظى بتفهم، يدعمه الضغط الشعبي الداعي للخلاص من سلطة وهيمنة حزب «العمال» ومؤسساته الأمنية في الحسكة، وأيضاً بدعم ضمني من أطراف دولية فاعلة ترى في إنهاء فواعل ما دون الدولة خطوة ضرورية لإعادة الاستقرار، وضبط الحدود، وتوحيد المرجعية الأمنية والعسكرية في المنطقة.

البحث عن شركاء مدنيين

حسين جلبي... كاتب صحافي

من الصعوبة بمكان تصور قبول حزب «العمال الكُردستاني» واستطالاته السورية من قوات «قسد» وغيرها بالواقع السوري الجديد بسهولة، وتسليمه بفقدان جميع امتيازاته من سلطة، ونفوذ، ومال، وحيز جغرافي، وحاضنة خاصة؛ بين ليلة وضحاها، في الوقت الذي تُعتبر فيه تجربة الإدارة الذاتية «منجزه الوحيد الذي يتباهى به»؛ بعد نصف قرن من العمل العسكري الدموي والدعائي الصاخب، وحقله الذي طبق فيه أفكار زعيمه أوجلان، والآيديولوجيا التي يؤمن بها، رغم أن تلك التجربة هي في الأساس منحة قسرية من نظام الأسد، وجد نفسه مرغماً على تقديمها للحزب على خلفية الثورة الشعبية عليه.

هذه المنحة من نظام الأسد تمت بناءً على اتفاق تسلم وتسليم غير معلن للمنطقة بين الطرفين، أراد من خلالها تفويض الحزب للقيام بضبط إيقاع الشارع الكُردي، وحماية ثروات المنطقة الاستراتيجية لمصلحته، بحيث تتاح له الفرصة للتفرغ للخطر الوجودي الذي هدد معاقله الرئيسة.

أفراد من قوات الأمن الداخلي الكردية أمام مطار القامشلي الدولي بينما يزور وفد من الحكومة السورية المطار الأحد لإعادة افتتاحه (رويترز)

يتوقع جلبي أن تكون عملية اندماج تشكيلات قوات «قسد» في المؤسسات الحكومية السورية شكلية. في الواقع، سيعود حزب «العمال الكُردستاني» إلى العمل السري عبر الحفاظ على هياكله الإدارية، والأمنية، والعسكرية، ونقلها إلى تحت الأرض، إذا جاز التعبير، بحيث سيعمل على التأثير على مجرى الأحداث عبر «حكومة ظل» غير معلنة، تقوم بفرض شخصيات تابعة لها في المراكز الإدارية، والأمنية للمنطقة، ومنع غير الموالين له من توليها، بمختلف الوسائل، ولعل أبسطها التهديد.

هذا بالإضافة إلى متابعة القيام بممارسات أُخرى لم يتوقف عنها حتى بعد طرد زعيمه من سوريا، وحظر أنشطته، ومنها فرض الإتاوات باسم جمع التبرعات، وتجنيد الكُرد في صفوفه.

إن اندماج قوات «قسد» وتفرعاتها فعلياً في المؤسسات السورية، تطبيقاً للاتفاقات الموقعة مع الحكومة السورية، يتوقف على مقاربة الأخيرة للوضع، ذلك أن منظومة حزب «العمال الكُردستاني» معروفة بعدم التزامها بالاتفاقات التي توقع عليها، بل تتصرف دوماً وكأنها غير موجودة، هناك مثلاً ثلاث اتفاقيات وقعتها مع المجلس الوطني الكُردي برعاية إقليم كُردستان، لم تنفذ حرفاً واحداً منها.

ويخلص جلبي إلى أنه على الحكومة السورية عدم الاستمرار بسياسة مكافأة «قسد»، ومراضاتها، ومنحها كل شيء لمجرد امتلاكها السلاح، بل متابعة اندماجها العسكري، والبحث بالتوازي عن شركاء مدنيين من الكُرد لهم مصلحة في تطبيع الأوضاع، ودعمهم ليتمكنوا من كسر الطوق النفسي الذي أحاطهم به حزب «العمال الكُردستاني»، وتحريرهم من الرعب، وجعلهم يدركون أن مصلحتهم تكمن في العيش في أوضاع طبيعية، مواطنين سوريين تم الاعتراف بهويتهم، ولغتهم، وخصوصيتهم الكُردية، والعمل على تطبيق مقتضيات ذلك الاعتراف، والاستفادة منها.

3 عقبات أمام الاندماج

المعتصم كيلاني... باحث في القانون والعلاقات الدولية

يمثّل مسار الاندماج الجاري في محافظة الحسكة بين الدولة السورية وقوى الأمر الواقع اختباراً بالغ الحساسية، لا يقل تعقيداً عن كونه خطوة سياسية، أو إدارية. فالعقبات التي تواجه هذا الاندماج ليست تقنية فحسب، بل بنيوية، وتتصل بجذور الأزمة السورية نفسها، وبالسؤال المفتوح حول شكل الدولة، وطبيعة علاقتها بمكوناتها.

أولى هذه العقبات تتمثل في أزمة الثقة المتراكمة، فسنوات الصراع، والانقسام، وما رافقها من تجارب حكم محلي منفصلة، خلقت مخاوف متبادلة لدى شرائح كردية مصنفة إرهابية مسيطرة على القرار السياسي، والعسكري لـ«قسد» ممثلة بحزب «PPK»، وأيضاً أوساط كردية تخشى فقدان مكتسبات تحققت خارج سلطة المركز، كما أن هناك قطاعات أخرى تخشى أن يتحول الاندماج إلى غطاء لإعادة إنتاج منظومات استبدادية بصيغ جديدة.

هذه الفجوة في الثقة لا يمكن ردمها بخطاب سياسي عام، بل تتطلب ضمانات عملية، وشفافية كاملة في آليات الدمج، ومشاركة حقيقية لأبناء المنطقة في صنع القرار.

أما العقبة الثانية فذات طابع سيادي، وأمني، وتتصل باستمرار تعدد المرجعيات العسكرية، والسياسية، وخصوصاً الارتباط القائم بين بعض الفصائل المحلية وتنظيمات عابرة للحدود. فوجود أجندات غير سورية في القرار الأمني أو العسكري يقوّض أي مسار اندماج وطني، ويحوّل الاتفاقات إلى ترتيبات هشة قابلة للانهيار عند أول اختبار إقليمي.

لا يمكن بناء استقرار دائم في ظل ازدواج السلاح، أو تضارب الولاءات، ما يجعل فك الارتباط الخارجي شرطاً أساسياً لأي اندماج حقيقي.

أما العقبة الثالثة فتتجلى في التحديات الاقتصادية، والخدمية، فالمواطن في الحسكة سيحكم على جدوى الاندماج من خلال نتائج ملموسة في حياته اليومية، من خلال تحسين الخدمات، وانتظام الرواتب، وإدارة عادلة للموارد، وفرص عمل حقيقية. إن أي إخفاق في هذا الجانب سيعيد إنتاج الشكوك بسرعة، بغض النظر عن النوايا السياسية المعلنة. التجارب السابقة في مناطق سورية أخرى أظهرت أن الفشل الخدمي كان دائماً مدخلاً لتآكل الشرعية. وتبرز كذلك عقبة الحوكمة، والإدارة، حيث يشكّل الانتقال من نموذج إدارة محلية شبه مستقلة إلى منظومة دولة مركزية -أو لا مركزية- تحدياً معقداً. غياب تصور واضح للامركزية الإدارية، وحدود صلاحياتها، وآليات المساءلة، يفتح الباب أمام صراعات نفوذ داخلية، ويهدد بتحويل الاندماج إلى عملية شكلية لا تمس جوهر السلطة. في المحصلة، فإن اندماج الحسكة يواجه اختباراً متعدد المستويات يتمثل في: ثقة مفقودة، وسيادة منقوصة، واقتصاد هش، وإدارة غير محسومة. تجاوز هذه العقبات يتطلب مشروعاً وطنياً واضح المعالم، ويقوم على الشراكة، ووحدة القرار، وحكم القانون، لا على إدارة مؤقتة للتوازنات.


أزمة نزع سلاح «حماس» تُعمق مخاوف تعثر «اتفاق غزة»

خيام تؤوي الفلسطينيين النازحين إلى جانب مبانٍ مدمرة ومتضررة بشدة في غزة (أ.ف.ب)
خيام تؤوي الفلسطينيين النازحين إلى جانب مبانٍ مدمرة ومتضررة بشدة في غزة (أ.ف.ب)
TT

أزمة نزع سلاح «حماس» تُعمق مخاوف تعثر «اتفاق غزة»

خيام تؤوي الفلسطينيين النازحين إلى جانب مبانٍ مدمرة ومتضررة بشدة في غزة (أ.ف.ب)
خيام تؤوي الفلسطينيين النازحين إلى جانب مبانٍ مدمرة ومتضررة بشدة في غزة (أ.ف.ب)

أعاد تحفظ لرئيس حركة «حماس» في الخارج، خالد مشعل، بشأن نزع سلاح الحركة في قطاع غزة، تساؤلات عن تداعياته، بخاصة وأنه يأتي قبيل لقاء مرتقب بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، واجتماع لـ«مجلس السلام» يوم 19 فبراير (شباط) الحالي.

مشعل، الذي طرح مقاربةً تقتضي هدنة تمتد لما يزيد على 10 سنوات، اعتبرها الوسيط الأميركي الفلسطيني، بشارة بحبح، في تصريحات، «مماطلة لن تقبل بها واشنطن أو تل أبيب».

ويعتقد خبراء، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الموقف الحمساوي سيُستغل إسرائيلياً في تعميق مخاوف تعثر اتفاق وقف إطلاق النار المبرم منذ 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي والمتجمد في مرحلته الثانية التي انطلقت منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، دون أثر بالواقع الفلسطيني، معولين على دور أكبر للوسطاء للتوصل لتفاهمات.

خالد مشعل القيادي في حركة «حماس» (أرشيفية - رويترز)

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الاثنين، ضرورة التنفيذ الكامل لاتفاق وقف الحرب في القطاع خلال لقاء في أبوظبي، وفق بيان للرئاسة المصرية.

جاء ذلك غداة كلمة ألقاها مشعل في «منتدى الجزيرة الـ17» بالعاصمة القطرية الدوحة، الأحد، قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي»، مؤكداً أن «الأولوية يجب أن تكون لتوفير بيئة تسمح بعملية الإعمار والإغاثة في غزة، مع ضمان عدم تجدد المواجهات العسكرية مستقبلاً».

ودعا مشعل، «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» تتيح إعادة إعمار قطاع غزة، وتدفّق المساعدات إلى سكانه البالغ عددهم نحو مليونين و200 ألف نسمة.

ويعقد «مجلس السلام» الذي دشن منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، أول اجتماع له يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، وقدم ترمب دعوات في هذا الصدد لعدة دول، ومن المتوقع أن يدفع الاجتماع بالمرحلة الثانية من «اتفاق غزة»، وفق موقع «أكسيوس» الأميركي.

الخبير العسكري والاستراتيجي، المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، أشار إلى أن تصريحات مشعل ليست جديدة، ومعلوم من اليوم الأول للاتفاق أن «حماس» لن تفرط في سلاحها بالأساس؛ لكن ستخفف منه، لأنها تدرك أن تنازلها عن السلاح يعني سيطرة إسرائيل على القطاع دون أي مقاومة لاحقة، لافتاً إلى أن إسرائيل ستحاول أن تستغل ذلك في خلق ذرائع لتهديد استمرار الاتفاق والسعي لتعثره أو انهياره.

ورجح العمدة إمكانية التوصل لحل بشأن بعض الأسلحة كالصواريخ، وليس كلها، وقبل ذلك يجب أن يكون هناك انسحاب إسرائيلي، مؤكداً أهمية دور مجلس السلام في دعم المسار التفاوضي لحل تدريجي مبني على التزام حاسم للطرفين.

فلسطينيون يمرون بجانب أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن موقف «حماس» بشأن نزع السلاح سيبقى العقبة الرئيسية نحو أي تقدم في اتفاق وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن عدم الاتفاق على تنفيذ نزع السلاح سيجعل الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية وانسحاب إسرائيل صعباً.

وتوقع أن يستغل نتنياهو ذلك خلال زيارته لواشنطن من أجل تحقيق مكاسب على حساب التزاماته، وعرقلة الأمور على الأقل خلال المرحلة الحالية التي تشهد تصعيداً إيرانياً أميركياً، وانتخابات إسرائيلية، بخلاف أن نجاح «مجلس السلام» يتوقف على نزع السلاح.

بالمقابل، قال بحبح، في تصريحات متلفزة، الأحد، إن الهدنة التي تقترحها «حماس» مرفوضة، والحركة قبلت مبدأ نزع السلاح والرئيس الأميركي لن يسمح بفشل خطته بشأن غزة، داعياً «حماس» إلى نزع سلاحها والتوقف عن المماطلة.

ويعتقد مطاوع أن انتقادات بحبح أيضاً تتزامن مع تشديد أميركي وإسرائيلي على أهمية نزع السلاح، وهو ما يثير مخاوف حقيقة من أن الاتفاق برمته قد يكون في مهب الريح، ونرى حرباً جديدة إلا في حال حدثت تفاهمات بضغوط من الوسطاء قريباً.

ونبه العمدة إلى أن إسرائيل أيضاً تماطل ولا تنفذ التزاماتها، بالتالي لا يجب تحميل طرف دون الآخر، مؤكداً أن تنفيذ الاتفاق يتطلب التزام تل أبيب بتعهداتها حتى تكون هناك مصداقية، ويمكن للوسطاء أن يصلوا لنقاط تفاهم مع «حماس»، لكن بدون ذلك فالوضع سيكون صعباً.