لبنان: الفراغ يهدد مواقع حساسة أهمها حاكم «المركزي» وقيادات عسكرية وأمنية

حكومة تصريف الأعمال ستلجأ للتعيينات رغم الألغام السياسية

صور رؤساء جمهورية سابقين في القصر الرئاسي في بعبدا (إ.ب.أ)
صور رؤساء جمهورية سابقين في القصر الرئاسي في بعبدا (إ.ب.أ)
TT

لبنان: الفراغ يهدد مواقع حساسة أهمها حاكم «المركزي» وقيادات عسكرية وأمنية

صور رؤساء جمهورية سابقين في القصر الرئاسي في بعبدا (إ.ب.أ)
صور رؤساء جمهورية سابقين في القصر الرئاسي في بعبدا (إ.ب.أ)

تتسارع وتيرة انهيار المؤسسات في لبنان الواحدة تلو الأخرى، ما يجعلها عاجزة عن إدارة الأزمات التي تتخبط بها منذ ثلاث سنوات. ويبدو أن الفراغ القاتل لا يقتصر على رئاسة الجمهورية والحكومة، ولا على البرلمان المصاب بشلل العجز عن سن القوانين بعدما تحول إلى هيئة انتخابية مع سريان الشغور في قصر بعبدا. لكن الأخطر من ذلك أن الفراغ بات يهدد مواقع حساسة في الدولة تقف على تماس يومي مع مصالح الناس، على رأسها مركز حاكم مصرف لبنان الذي يشغر في الأول من أغسطس (آب) المقبل بانتهاء ولاية رياض سلامة، والمدير العام للأمن العام مع إحالة اللواء عباس إبراهيم إلى التقاعد بعد شهر ونصف الشهر، بالإضافة إلى مديرين عامين سيغادرون مواقعهم بعد أشهر.
وتتسع دائرة الخوف لدى اللبنانيين من امتداد الفراغ إلى العام المقبل، ليصيب أيضاً قيادة الجيش اللبناني مع إحالة العماد جوزيف عون إلى التقاعد، ومؤسسة قوى الأمن الداخلي والنيابة العامة التمييزية بإحالة اللواء عماد عثمان والقاضي غسان عويدات إلى التقاعد أيضاً، وهذا سيرفع بالتأكيد منسوب المواجهة السياسية بين مكونات السلطة الحالية، إذا ما حاولت حكومة تصريف الأعمال التصدي لهذه الاستحقاقات الداهمة، سواء عبر تعيين بدلاء عمن سيحالون إلى التقاعد أو التمديد لهم. ويجزم الوزير السابق نقولا نحاس، مستشار رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، بأن «معركة الفراغ الرئاسي لن تنسحب على مجلس الوزراء، وأن رئيس الحكومة سيقوم بواجباته بإجراء التعيينات التي تقع في صميم الحدود الضيقة لتصريف الأعمال».
وتتوزع المواقع الأساسية في الدولة اللبنانية على 179 وظيفة من الفئة الأولى أو ما يعادلها، وستصبح العشرات منها شاغرة هذا العام، يضاف إليها المواقع التي شغرت في النصف الثاني من العام الماضي، وعجزت السلطة السياسية عن إجراء التعيينات لملئها، إثر إخفاقها بتشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات البرلمانية التي حصلت منتصف شهر مايو (أيار) الماضي.
ويلفت الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين إلى أن «73 وظيفة عامة ستؤول إلى الفراغ خلال هذا العام، وهذا من شأنه أن يرتد سلباً على أداء تلك المؤسسات». وعدّد شمس الدين، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أبرز الوظائف التي يحال شاغلوها إلى التقاعد «وتبدأ باللواء إبراهيم في الثاني من مارس (آذار) المقبل، ثم مدير الإدارة في الجيش اللبناني العميد مالك شمص، يليهما سلامة مطلع أغسطس المقبل، ثم قائد وحدة الدرك في قوى الأمن الداخلي العميد مروان سليلاتي في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل». ويشير إلى أن «العجز عن انتخاب رئيس للجمهورية هذا العام سيفاقم الأزمة بشكل أكبر ويدفع نحو فراغ أكبر، إذ إنه في العام المقبل (2024) يحال إلى التقاعد كل من العماد جوزيف عون، واللواء عثمان، والنائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات ومديرين عامين في وزارات وإدارات متعددة».

النزف الحاصل في مؤسسات الدولة لم يبدأ مع انتهاء عهد الرئيس ميشال عون، بل أسست له الخلافات السياسية بين الأخير وميقاتي، إذ أخفقا في تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات، وهذا الخلاف شرع الأبواب أمام خلو مراكز أساسية من رؤسائها، منها على سبيل المثال موقع رئيس الأركان في الجيش اللبناني بعد إحالة اللواء أمين العرم إلى التقاعد، وعضوية المجلس العسكري الذي كان يشغله العميد ميلاد إسحق، ومدير عام وزارة الشباب والرياضة إثر تقاعد المدير السابق زيد خيامي، ومدير عام مجلس الجنوب جراء تقاعد هاشم حيدر، بالإضافة إلى الفراغ في المديرية العامة لوزارة الشؤون الاجتماعية، ورئاسة هيئة التفتيش القضائي.
القلق من بلوغ لبنان سيناريو الفراغ الكلي في مؤسسات الدولة المالية والعسكرية والقضائية والإدارية، والوصول إلى مرحلة قاتمة تنذر بتحلل هذه المؤسسات، لا ينتاب ميقاتي الذي، وبحسب المقربين منه، «لن يستسلم لواقع أخذ البلد إلى التدمير الشامل وهو عازم على التصدي لمثل ذلك انطلاقاً من واجبات مجلس الوزراء في ضرورة الانعقاد وإجراء التعيينات اللازمة».
ويشير نحاس إلى أن «المادة 62 من الدستور واضحة، وهي تنص على أنه عند شغور موقع رئاسة الجمهورية، تناط صلاحيات الرئيس بمجلس الوزراء، ثم إن المادة 64 من الدستور تقول إن (الحكومة تمارس صلاحياتها بالإطار الضيق)، وعندما يشغر موقع حساس يكون تعيين من يشغله في صلب (الإطار الضيق)، ويصبح وجوباً على الحكومة أن تجتمع وتمارس صلاحياتها».
وأكد نحاس في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «رئيس الحكومة ملزم بتطبيق الدستور وبدعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد، وإلا سيخضع للمساءلة والمحاكمة إذا لم يمارس هذه الصلاحيات». وقال: «بالتأكيد لن يقف الرئيس ميقاتي مكتوف اليدين عندما يشغر أي موقع حساس، بل سيسارع إلى وضع جدول الأعمال ويطلع الوزراء عليه، وكل من لا يشارك يتحمل المسؤولية، ونحن لا نرغم أحداً على المشاركة».
وإذا كان اجتماع مجلس الوزراء السابق الذي خصص للبت بملفات إنسانية منها شراء الأدوية لمرضى السرطان، وصرف المخصصات المالية للمستشفيات، وإقرار تعويضات مالية للمؤسسات العسكرية والأمنية، فإنه عمق الخلاف بين «التيار الوطني الحر» (برئاسة النائب جبران باسيل) ورئيس الحكومة، وكذلك هدد بالإطاحة بالتفاهم بين «التيار» و«حزب الله»، وبالتالي فإن أي قرار للحكومة بتعيينات في المواقع الحساسة خصوصاً المسيحية منها، سيفجر العلاقة بين كل هذه المكونات.
غير أن مستشار ميقاتي ذكر بأن «تظهير الخلاف وكأنه بين رئيس الحكومة والتيار الوطني الحر خطأ، لأن المشكل الحقيقي بين هذا التيار والدستور». ويضيف نحاس «عندما يرفض جبران باسيل اجتماع مجلس الوزراء بغياب رئيس الجمهورية، هذا يعبر عن موقف سياسي وليس عن موقف دستوري، والهدف منه التحكم بمفاصل الدولة والإمساك بالقرار السياسي». ويختم نحاس بالقول: «رئيس الحكومة سيقوم بواجباته بعيداً عن كل المعارك السياسية، كما أن معركة الفراغ الرئاسي لن تنسحب على مجلس الوزراء».
ستكون لأي خطوة حكومية تذهب باتجاه التعيينات وتتجاهل الفيتو الذي يضعه «التيار»، كونه الفريق المسيحي الأكثر حضوراً داخل الحكومة، تداعيات سلبية منها إمكانية التحرك في الشارع، لكن تداعيات تفريغ المؤسسات من رموزها سيكون لها الوقع الأسوأ، وفي القراءة القانونية لإمكانية حصول تعيينات ومدى صوابيتها.
ويعتبر عضو مجلس شورى الدولة السابق القاضي المتقاعد زياد شبيب أن «تقدير ما إذا كان يجوز اتخاذ قرارات مماثلة يحصل بتاريخ اتخاذها، أي عند استحقاق التعيين، وهذا الأمر رهن بالضرر الذي يلحق بالمصلحة العامة في حينه، بفعل الشغور الذي يطال هذا المنصب أو ذاك». ويقول شبيب في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «إذا نظرت إلى الموضوع من خارج السياق الحالي والأزمة المستمرة تجد أن القانون احتاط للشغور بأي موقع بارز في الدولة، بمعنى أنه إذا انتهت ولاية حاكم البنك المركزي هناك نائب أول ونائب ثانٍ وثالث للحاكم، يفترض بأحدهم أن يسير الأمور إلى حين تعيين حاكم جديد، وكذلك في قيادة الجيش فإذا أحيل القائد على التقاعد يحل مكانه رئيس الأركان، أو الضابط الأعلى درجة في المجلس العسكري».
أما بما يخص موقع المدير العام للأمن العام، فيلفت شبيب إلى «تجربة سابقة عندما أحيل المدير العام الأسبق اللواء وفيق جزيني على التقاعد، تسلم المهام خلفاً له ضابطان من المديرية على مرحلتين إلى أن تم تعيين اللواء عباس إبراهيم»، معتبراً أن «الحديث عن هذه السيناريوهات يبقى مجرد فرضية. أما إذا حصلت بالفعل فتقدر في حينها الأولويات التي تقلل من الضرر الذي يلحق بالمؤسسة وبمصلحة الدولة ككل».
وينيط الدستور بالحكومة اجتراح الحلول التي تحول دون وصول المؤسسات إلى التفكك. ويشدد شبيب، الذي شغل موقع محافظ بيروت لست سنوات، على أن «الحكومة الحالية عليها أن تأخذ المبادرة وتقوم بإجراء تعيينات ولو كانت حكومة تصريف أعمال، ويبقى قرارها خاضعاً للطعن أمام القضاء الإداري (مجلس شورى الدولة)، الذي يقرر ما إذا كان قرار التعيين داخلاً في إطار تصريف الأعمال الذي نص عليه الدستور، ويقرر بالتالي إبطال هذا القرار أم لا».
ومنذ انتهاء الحرب الأهلية انتقلت مراكز مهمة في الدولة كان يشغلها مسيحيون إلى طوائف أخرى، أبرزها منصب المدير العام للأمن العام الذي آل إلى الطائفة الشيعية، والنائب العام التمييزي الذي أسند إلى قاضٍ من الطائفة السنية، ومنذ سنوات تتمسك الطائفة الشيعية بحقيبة وزارة المال للاستئثار بالتوقيع الثالث على المراسيم والقرارات الحكومية إلى جانب رئيس الجمهورية الماروني ورئيس الحكومة السني، وتعليقاً على ذلك لم يُخفِ شبيب أن «هناك انطباعاً أو شعوراً لدى تلك الشريحة من اللبنانيين (المسيحيين) بأن الذين انتصروا في الحرب الأهلية من ميليشيات وقوى رأسمالية عمدوا إلى تقاسم إرث المارونية السياسية، بفعل تعديل موازين القوى، وهذا المسار مستمر منذ التسعينات حتى الآن».
وشدد على أن «الحل لا يكون بالمضي بهذا المسار، بل بالعودة إلى الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني التي أقرت في الطائف، وثبتت المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في مرحلة انتقالية يليها إلغاء الطائفية السياسية، وأكدت على اختيار أصحاب الكفاءة والجدارة من ضمن المناصفة». ورأى أن «خوف البعض في هذا الشأن لا يمكن تجاهله لأن تجارب الـ30 سنة الماضية خالفت الدستور، وكرست انتصار ميليشيات الحرب ليس على الشركاء في الوطن بل على الدستور وأحكامه أيضاً».
وخاض التيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل، وبدعم مطلق من الرئيس السابق ميشال عون، معركة إقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وتعيين بديل عنه من المحسوبين على عون وفريقه مع بداية النصف الثاني من ولاية عون، وتحديداً مع اندلاع انتفاضة 17 أكتوبر 2019، وقد جنّد عون وباسيل كل طاقاتهما للتخلص من سلامة عبر تحريك الدعاوى القضائية ضده في لبنان ودول أوروبية، ومطاردته من قبل المدعية العامة في جبل لبنان غادة عون وتنفيذ مداهمات طالت منزله ومكتبه داخل البنك المركزي في محاولة لاعتقاله وزجّه في السجن، وشن حملات سياسية وإعلامية في الداخل والخارج تستهدفه شخصياً، إلا أن كل هذه المحاولات باءت بالفشل، بدليل أن عون رحل عن قصر بعبدا وبقي رياض سلامة في موقعه، ورغم المآخذ على السياسة المالية التي انتهجها سلامة، فإن مرجعيات دينية وسياسية مسيحية تخشى انتهاء ولايته قبل انتخاب رئيس للبلاد وتشكيل حكومة جديدة وانتظام عمل الدولة، بما يسمح بتعيين حاكم جديد للبنك المركزي، وينطلق هذا الخوف من ذهاب سلامة إلى منزله ليتسلم مهامه نائبه الأول وسيم منصوري وهو شيعي محسوب على رئيس مجلس النواب نبيه بري، وترجح مصادر مطلعة أن يصبح التمديد لرياض سلامة «مطلباً مسيحياً بمعزل عن موقف التيار الوطني الحر، حتى لا يخسر المسيحيون موقعاً أساسياً ومهماً في السلطة كما خسروا غيره من المواقع في السنوات الماضية».
إلى جانب التعيينات والألغام السياسية التي تحيط بها، ثمة استحقاق مهم وأساسي ينتظره اللبنانيون في أواخر شهر مايو المقبل، هو انتخابات المجالس البلدية والاختيارية التي أرجئت من العام الماضي إلى العام الحالي، لكونها تزامنت مع موعد الانتخابات البرلمانية، وعجز الدولة على إجرائهما في سنة واحدة، ولن يكون هذا الاستحقاق سهلاً في ظل المعوقات السياسية والمالية والأمنية التي تواجه الحكومة، والتي ستقابل برفض سياسي لإجرائها في ظل غياب رئيس الجمهورية، وإمكانية عرقلتها عبر امتناع وزراء التيار الوطني الحر عن مواكبتها وعدم توقيع مرسومها، إلا أن مصدراً حكومياً أكد لـ«الشرق الأوسط»، أن حكومة تصريف الأعمال «تعد العدة لهذا الاستحقاق، وستجريه في موعده بدءاً من 31 مايو المقبل».
وذكر أن «الدعوة للانتخابات البلدية والاختيارية تصدر بقرار عن وزير الداخلية يدعو فيه الهيئات الناخبة لاختيار ممثليها في البلديات والمخاتير، ولا تحتاج إلى المرسوم الذي تحتاجه الانتخابات البرلمانية». وأفاد المصدر الحكومي بأن «كل ما تحتاجه الانتخابات البلدية رصد الأموال المؤمنة عبر الموازنة، أو عبر قانون يقره البرلمان يجيز عبره فتح اعتماد إضافي في الموازنة لتأمين مصاريف الانتخابات».
وكان عضوا كتلة «اللقاء الديمقراطي» النائبان بلال عبد الله وهادي أبو الحسن، تقدما منتصف شهر أكتوبر الماضي باقتراح قانون معجل مكرر، يرمي لإيجاد حل ظرفي لحالة الشغور في المواقع العسكرية والأمنية، بسبب إحالة الضباط الذين يشغلونها على التقاعد، وإلى حين إيجاد مخرج لأزمة ترقية الضباط العالقة بسبب خلافات رئيس الجمهورية السابق ميشال عون ورئيس البرلمان نبيه بري حولها، وتشمل بشكل أساسي أعضاء المجلس العسكري في الجيش اللبناني سواء من أحيلوا على التقاعد أواخر العام الماضي أو الذين بصدد مغادرة مراكزهم هذا العام، إلا أن هذا الاقتراح سقط ولم يأخذ طريقه للإقرار.
كما رفض وزير الدفاع الوطني موريس سليم، اقتراحاً قدمه قائد الجيش جوزيف عون يقضي بتأجيل تسريح رئيس الأركان اللواء أمين العرم والمفتش العام في المجلس العسكري اللواء ميلاد إسحاق، بسبب الخلافات السياسية.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

توقيف 8 مستوطنين إسرائيليين بعد تحذير أميركي من العنف بالضفة

جنديان إسرائيليان يشاركان في حراسة جولة أسبوعية للمستوطنين الإسرائيليين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة 14 فبراير 2026 (رويترز)
جنديان إسرائيليان يشاركان في حراسة جولة أسبوعية للمستوطنين الإسرائيليين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة 14 فبراير 2026 (رويترز)
TT

توقيف 8 مستوطنين إسرائيليين بعد تحذير أميركي من العنف بالضفة

جنديان إسرائيليان يشاركان في حراسة جولة أسبوعية للمستوطنين الإسرائيليين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة 14 فبراير 2026 (رويترز)
جنديان إسرائيليان يشاركان في حراسة جولة أسبوعية للمستوطنين الإسرائيليين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة 14 فبراير 2026 (رويترز)

أعلنت الشرطة الإسرائيلية، الأحد، توقيف ثمانية مستوطنين للاشتباه بتورطهم في هجوم على قرية فلسطينية شمال الضفة الغربية المحتلة.

وجاء الإعلان بعد إفادات عن بدء المجلس الإسرائيلي السياسي والأمني المصغر (الكابينت) سلسلة إجراءات وصفت بـ«السرية» للحد من عنف المستوطنين في الضفة الغربية، بعد «رسالة شديدة اللهجة» من واشنطن إلى تل أبيب، وجاء فيها أن «التصريحات لم تعد كافيةً، ويجب اتخاذ خطوات ملموسة على الأرض لمواجهة هذه الظاهرة».

وقالت الشرطة الإسرائيلية، في بيان، إنه تم «توقيف ثمانية مشتبه بهم تتراوح أعمارهم بين 13 و48 عاماً على خلفية الاشتباه بتورطهم في حادثة اعتداء وإشعال حرائق في قرية قُصرة» الواقعة جنوب شرق نابلس، مشيرةً إلى أن «التحقيق مستمر».

فلسطينيون يتفقدون منزلاً متضرراً في قرية الفندقومية بالضفة الغربية جنوب جنين بعد هجوم المستوطنين الإسرائيليين 22 مارس 2026 (إ.ب.أ)

كانت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا) قد أشارت الأربعاء إلى أن «مجموعة من المستعمرين، بحماية قوات الاحتلال الإسرائيلي، هاجمت المنطقة الجنوبية من البلدة (قُصرة) واعتدت على شاب بالضرب المبرح، كما أحرقت حظيرتين لتربية الدواجن»، وأضافت أن «عدداً من المستعمرين هاجموا المنطقة الغربية من بلدة قصرة (...) وحاولوا الاعتداء على المنازل؛ إلا أن المواطنين تصدوا لهم».

مصادقة سرية؟

وفق ما نقلت صحيفة «معاريف» العبرية، الأحد، عن مصادر إسرائيلية، فإن «الإنذار شديد اللهجة من واشنطن حقق هدفه؛ إذ صادق الكابينت (سراً) على سلسلة من الإجراءات وعقوبات غير مسبوقة ضد مجموعة (فتيان التلال)، أبرز المجموعات الاستيطانية المتطرفة، بما في ذلك إنفاذ القانون ضد البناء في مناطق (ب) وفرض عقوبات اقتصادية».

وتُقسّم مناطق الضفة الغربية، حسب «اتفاق أوسلو» بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، إلى 3 مناطق «أ» و«ب» و«ج»، وبحسب التصنيف، فإن المنطقة «أ» تتضمّن المراكز السكانية الفلسطينية الرئيسية وتقع تحت السيطرة الفلسطينية أمنياً وإدارياً، وتبلغ مساحتها 18 في المائة من مساحة الضفة الغربية؛ فيما تقع مناطق «ب» تحت السيطرة الإدارية الفلسطينية، والسيطرة الأمنية لإسرائيل، وتبلغ مساحتها 21 في المائة من مساحة الضفة الغربية؛ أما مناطق «ج» فتقع تحت السيطرة الإسرائيليّة أمنياً وإدارياً، وتبلغ مساحتها 61 في المائة من مساحة الضفة الغربية. وفي المنطقة «ج» توجد مستوطنات ومساحات أراض واسعة وطرق خاصة بالمستوطنين وتؤدي إلى القدس المعزولة عن باقي الضفة الغربية.

ونقلت «معاريف» أنه في أعقاب تصاعد الانتقادات الأميركية لعنف المستوطنين في الضفة، وجّهت واشنطن مؤخراً رسالة شديدة اللهجة إلى إسرائيل تضمنت أنه «لم تعد التصريحات كافية؛ بل باتت هناك حاجة إلى خطوات ملموسة على أرض الواقع لمواجهة هذه الظاهرة».

حظر البناء

يُركز الإجراء الجديد على فرض حظر على البناء الإسرائيلي في المنطقة «ب»، والإخلاء الفوري لأي بناء يُقام في المنطقة بخلاف التعليمات، وفرض عقوبات اقتصادية وغرامات على المخالفين.

وقد تم «إبقاء القرار بعيداً عن الرأي العام لأسباب سياسية واضحة، ولكن في الوقت نفسه، تم إبلاغ الإدارة الأمريكية به فوراً، التي أعربت عن ارتياحها لهذا التوجه». وجاءت أوضح إشارة علنية من وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي صرّح بأن الولايات المتحدة «قلقة بشأن هذا الأمر».

وكتبت آنا بارسكي، وهي مراسلة ومعلقة الشؤون السياسية في «معاريف»، أنه بالنسبة للقيادات السياسية الإسرائيلية «لم يعد يمكن تجاهل هذه التصريحات والضغوط الأميركية التي جاءت بعد سلسلة من الأحداث العنيفة والبيانات المتراكمة التي أثارت قلق إدارة ترامب، فضلاً عن مسؤولي السياسة والأمن في إسرائيل».

وأضافت: «في الأشهر الأخيرة، تصاعدت وتيرة حوادث العنف التي يشنها المستوطنون ضد الفلسطينيين، إلى جانب إنشاء بؤر استيطانية غير شرعية في مناطق التوتر الحساسة، وتراكمت بيانات تُظهر عمق المشكلة، حيث وقعت عشرات الحوادث في فترات زمنية قصيرة، وسقط ضحايا، وتشرّدت عائلات فلسطينية، وتزايد شعور المجتمع الدولي بأن إسرائيل لا تبذل جهوداً كافيةً لكبح هذه الظاهرة».

هجمات في ذروة الحرب؟

وسجّل عنف المستوطنين المتطرفين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية مستويات غير مسبوقة على مدى السنوات الثلاث الماضية، لكنه بلغ ذروة جديدة منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران في نهاية فبراير (شباط) الماضي.

ويهاجم المستوطنون السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية بشكل يومي، مستغلين الانشغال الدولي بالحرب وشجعهم على ذلك الدعم الذي يلقونه من وزراء متطرفين، وقد قتلوا منذ بداية الحرب 9 فلسطينيين في هجمات عنيفة على قرى فلسطينية، تخللها إضرام النيران في المنازل والممتلكات، والاعتداء العنيف على الفلسطينيين.

ورافق التصاعد الحاد في الهجمات خطابٌ متطرفٌ من قبل نشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك تصريحات صريحة وفجة لصالح التطهير العرقي للفلسطينيين من الضفة الغربية.

وقيّمت «تايمز أوف اسرائيل» أن الهجمات الكثيفة على المدن والقرى الفلسطينية في مناطق «أ» و«ب» كذلك، وليس فقط «ج»، فضلاً عن إقامة بؤر استيطانية يهودية هناك، كانت جزءاً من خطة أكبر لفرض السيطرة الإسرائيلية على كامل المنطقة من البحر المتوسط إلى نهر الأردن.

مستوطنون وجنود إسرائيليون مسلحون في بلدة حوارة بالضفة الغربية المحتلة (أرشيفية - أ.ف.ب)

ونقلت «تايمز أوف إسرائيل» عن مدير قناة عامة على تطبيق «واتساب» تُدعى «أخبار التلال» يديرها مستوطنون متطرفون، دعوته إلى ما سماه «الطليعة المتطرفة» للتصدي لهدف إخراج الفلسطينيين من الضفة الغربية، وهو المفهوم الذي يطلقون عليه اسم «الترانسفير» (الترحيل). ورأى أن جهودهم «إذا كانت حازمة بما يكفي، ستتبناها الدولة في نهاية المطاف، تماماً كما بدأت الحركة الاستيطانية نفسها على مستوى شعبي وقاعدي قبل أن تحظى بدعم الحكومة في السبعينات والثمانينات».

وأقام المستوطنون منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 مئات البؤر الاستيطانية الجديدة، سواء السكنية أو الرعوية، وطردوا تجمعات بدوية كبيرة من مناطق في الأغوار ووسط الضفة الغربية، وهو ما شجعهم على فكرة طرد كل الفلسطينيين.

وقالت منظمات حقوقية مدنية إسرائيلية، مثل «بتسيلم» و«يش دين»، إن هذا التوقيت ليس من قبيل المصادفة؛ حيث يستغل نشطاء المستوطنين المتطرفين الحرب مع إيران كغطاء لتصعيد العنف الذي يستهدف تهجير الفلسطينيين. وذكرت المنظمتان أنه تحت غطاء الحرب، انتشر العنف المكثف إلى المنطقتين «أ» و«ب» في الضفة الغربية.

بدو فلسطينيون يجمعون أمتعتهم قبل نزوحهم القسري من منطقة العوجا قرب أريحا بالضفة الغربية عقب أعمال عنف نفذها المستوطنون الإسرائيليون يناير الماضي (رويترز)

وارتد تطرف المستوطنين إلى الجيش الإسرائيلي نفسه الذي هاجموه أكثر من مرة، وإلى الأميركيين أنفسهم، عندما هاجموا طواقم صحافية أميركية ومناطق في الضفة الغربية، زارها السفير الأميركي في إسرائيل منتقداً بشدة استهدافها من قبل المستوطنين، ومطالباً بحمايتها.

وقالت «معاريف» إنه وبعد الموافقة الضمنية في مجلس الوزراء وإطلاع الإدارة الأمريكية، يكمن الاختبار الحقيقي في التنفيذ، وأضافت: «في واشنطن، لن يكتفوا بقرار آخر على الورق. وتدرك إسرائيل أيضاً أن الأمر لا يقتصر على ما تمت الموافقة عليه فحسب، بل على ما إذا كان سيتم تنفيذه بشكل متسق وسريع وواضح».


تهديد إسرائيل لـ«المصنع» يختبر ضمانات أميركا بتحييد البنى التحتية اللبنانية

عناصر من الأمن العام اللبناني بمحيط نقطة المصنع الحدودية مع سوريا التي هددت إسرائيل بقصفها (إ.ب.أ)
عناصر من الأمن العام اللبناني بمحيط نقطة المصنع الحدودية مع سوريا التي هددت إسرائيل بقصفها (إ.ب.أ)
TT

تهديد إسرائيل لـ«المصنع» يختبر ضمانات أميركا بتحييد البنى التحتية اللبنانية

عناصر من الأمن العام اللبناني بمحيط نقطة المصنع الحدودية مع سوريا التي هددت إسرائيل بقصفها (إ.ب.أ)
عناصر من الأمن العام اللبناني بمحيط نقطة المصنع الحدودية مع سوريا التي هددت إسرائيل بقصفها (إ.ب.أ)

يضع تهديد إسرائيل بقصف معبر المصنع البقاعي (شرق) الذي يربط لبنان بسوريا عبر مركز جديدة يابوس، الولايات المتحدة الأميركية، أمام اختبار هو الأول من نوعه، للتأكد من أن الضمانات التي أعطتها للحكومة بتحييد البنى التحتية اللبنانية وعدم استهدافها، خصوصاً تلك الواقعة خارج منطقة العمليات العسكرية، لا تزال سارية المفعول، وأن التهديد الإسرائيلي يبقى تحت سقف الضغط الاقتصادي لعزل لبنان عن البر العربي، لتأليب اللبنانيين على «حزب الله» وتحميله المسؤولية حيال تقنين دخول المساعدات براً إلى النازحين.

السلطات اللبنانية أخلت مراكز الأمن العام في نقطة المصنع الحدودية مع سوريا (أ.ب)

ورغم أن إسرائيل أبقت إنذارها مفتوحاً، فإن لبنان يأخذه على محمل الجد ويدعوه للقلق، وهذا ما استدعى تكثيف الاتصالات بواشنطن التي تولاها رئيسا الجمهورية العماد جوزيف عون والحكومة نواف سلام، واستمرت حتى الفجر، وشملت بشكل أساسي السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، الموجود في واشنطن في إجازة عائلية، طالبين منه تدخل بلاده لدى إسرائيل لسحب إنذارها من التداول، خصوصاً أن تذرّعها باستخدام «حزب الله» المعبر لتهريب السلاح ليس دقيقاً وفي غير محله. وهذا ما تبلغته إسرائيل من الحكومة السورية، كما علمت «الشرق الأوسط»، عبر شبكات التواصل القائمة بين البلدين.

وأبقى الرئيسان عون وسلام تواصلهما بالوزراء المختصين وقادة الأجهزة الأمنية والجمارك، لمواكبة الإجراءات التي اتُّخذت وأدت لإخراج الشاحنات المحملة بالبضائع ويفوق عددها الـ200 والمتوقفة على طول الطريق بين المصنع وجديدة يابوس ونقلها إلى أماكن آمنة، إضافة إلى تفريغ الإدارات الأمنية والجمركية من محتوياتها ونقلها إلى مركز محافظة البقاع في زحلة.

لا تهريب للأسلحة

وفي هذا السياق، استغرب مصدر أمني بارز ما تتذرع به إسرائيل بتهديدها قصف «المصنع»، وقال: «لو افترضنا أن (حزب الله)، وهذا غير صحيح، يستخدمه لتهريب السلاح، فهل يجرؤ على تهريبه؟ ليس بسبب الإجراءات المشددة المفروضة من الأجهزة الأمنية اللبنانية لمكافحة كل أشكال التهريب ومنعها، وإنما بكيفية الحصول عليه، ومن أين سيؤمنه؛ هل من الجانب السوري في ظل انقطاع التواصل بين النظام الحالي والحزب والتعاون والتنسيق القائم بين البلدين لضبط الحدود؟».

وقال المصدر الأمني، لـ«الشرق الأوسط»: «إذا كان هناك من تهريب كما تدّعي إسرائيل، فلا مجال لـ(حزب الله) سوى سلوك المعابر غير الشرعية، مع أنها تخضع لمراقبة مشددة من وحدات الجيش اللبناني المنتشرة على طول الحدود بالتعاون مع القوى الأمنية اللبنانية، وبالتنسيق مع الوحدات العسكرية السورية المتمركزة على الجانب السوري».

وأكد أن «لبنان لم يسبق له أن تبلّغ من لجنة (الميكانيزم) المشرفة على تطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية، عن حصول عمليات تهريب عبر المعابر غير الشرعية، بخلاف ما تدّعيه إسرائيل بأن بعضها لا يزال مشرعاً أمام التهريب». وقال: «نحن من جانبنا لا مصلحة لنا بالسماح له، وعلينا التقيُّد بقرار الحكومة بضبط هذه المعابر، مع أن إسرائيل تريد الحصول على ثمن سياسي لقاء عزوفها عن تهديد المصنع، يتعلق حكماً بنزع سلاح (حزب الله) تطبيقاً لقرار مجلس الوزراء في هذا الخصوص».

تفتيش أمني مشدد

وكشف المصدر أن «مسؤولين إسرائيليين سبق لهم أن أبلغوا الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس، بأن (حزب الله) يستمر في تهريب السلاح عبر سوريا، ونقلت شكواها إلى أركان الدولة اللبنانية الذين أكدوا لها عدم صحة ما يدعونه. وسألوها إذا كانوا زوّدوها بأدلة وقرائن وصور جوية لإثبات ما يقولون، فكان جوابها أنهم تحدثوا معها في العموميات ولم يزوّدوها بما يدعم اتهاماتهم».

ولفت إلى أن «إسرائيل تدّعي أيضاً أن سلاحاً وصل إلى الحزب كان مخبأً بالشاحنات التي وصلت إلى لبنان مقبلة من العراق محملة بالمساعدات للنازحين»، مؤكداً أن «هذا الادعاء ليس في محله لأنها تخضع لتفتيش مزدوج تتولاه الأجهزة الأمنية السورية قبل عبورها عبر (جديدة يابوس) إلى (المصنع)، حيث تخضع حمولتها لتفتيش دقيق من قبل الأجهزة اللبنانية». وأضاف أن «الجواب أتاها من هيئة المنافذ والجمارك السورية بتأكيدها أن معبر جديدة يابوس مخصص لعبور المدنيين من لبنان وإليه، ولا يُستخدم لأي أغراض عسكرية».

إغلاق حركة العبور على نقطة المصنع الحدودية مع سوريا بعد تحذير إسرائيلي (رويترز)

ومع أنه سبق لإسرائيل، قبل سقوط نظام بشار الأسد، أن استهدفت الطريق الواقع بين معبري المصنع وجديدة يابوس، ما أدى إلى قطعه قبل أن يعاد إصلاحه بتدخل أميركي، فإن تهديدها بضرب «المصنع» سيؤدي حكماً إلى حصر حركة العبور بين البلدين في معبر جوسية الذي يربط بلدة القاع البقاعية بحمص، فيما المعابر في شمال لبنان لا تزال مقفلة باستثناء «العريضة» الذي يقتصر عبوره على المشاة ريثما تسمح السلطات السورية بإعادة فتح معبري العبودية والبقيعة اللذين يخضعان لإعادة تأهيل وترميم، على أن يُستأنف العبور عليهما في أبريل (نيسان) الحالي، كما تبلّغ المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير من الجانب السوري.

لذلك، فإن الحكومة اللبنانية أخذت تتصرف منذ الآن، على أن الإنذار الإسرائيلي بقصف «المصنع» يبقى قائماً إلى أن تقرر واشنطن التدخل لدى تل أبيب وتطلب منها الكف عن تهديدها بقصفه، رغم أنه يعدّ أحد أهم الشرايين الحيوية، بالمعنى الاقتصادي للكلمة، التي تربط لبنان بالدول العربية عبر سوريا، تحديداً الخليجية منها، ويشكل المتنفس الوحيد لحركة الاستيراد والتصدير.

قطع صلة لبنان بالعالم العربي

وفي هذا السياق، اعتبر مصدر وزاري أن «استمرار التهديد الإسرائيلي لـ(المصنع)، يعني انقطاع لبنان قسراً عن البر العربي، وإخضاعه لحصار غير مسبوق يرفع من منسوب أزماته الاقتصادية والمعيشية التي يتخبط بها، وحركة النزوح التي فاقت 1.2 مليون نازح تزيد من وطأتها، تحت ضغط استحالة تأمين المساعدات للنازحين بسبب تعطيل حركة المرور على معبر المصنع، التي من شأنها أن تعيق إيصال احتياجاتهم الضرورية من غذائية وغيرها، ولو بالحد الذي يتيح للحكومة إيواءهم وتوفير مستلزماتهم إلى حين تسمح الظروف بعودتهم إلى بلداتهم الجنوبية، مع أن إسرائيل دمرت معظمها».

وأكد أن «معبر المصنع يعدّ أحد أهم البنى التحتية، بالمفهوم الاقتصادي للكلمة، ويعتمد عليه لبنان لإنعاش دورته الاقتصادية عبر تكثيف حركة التصدير والاستيراد منه وإليه». وقال إن «إقفاله يبقى أفعل سلاح تستخدمه إسرائيل للضغط على لبنان ومن خلاله (حزب الله)، للتسليم بشروطها بإيداع سلاحه بعهدة الدولة».

فرض الخناق على لبنان

وتوقف المصدر أمام قول مسؤول إسرائيلي إنه لا يمكن نزع سلاح «حزب الله» ما لم نحتل كل لبنان، وسأل: «هل استعاضت تل أبيب عن احتلالها بفرض الخناق عليه وعزله برياً عن محيطه العربي؟ وكيف ستتصرف سوريا في تعاطيها مع توقف حركة المرور بين البلدين؟ ولفت إلى أن إبقاء إسرائيل على تهديدها بقصف (المصنع) يعني حكماً أنها ماضية في ضغطها على الحكومة، وإنما اقتصادياً هذه المرة، لتضييق الخناق على (حزب الله) ومطالبته بنزع سلاحه، خصوصاً أنه سيجد نفسه محرجاً أمام أكثرية اللبنانيين بتحميله مسؤولية إقحام لبنان في حرب لا يريدها والتي توخى منها ربطه بإيران».

وقال إن «تهجيرها الجنوبيين وسكان الضاحية الجنوبية لبيروت وتدميرها الممنهج لمنازلهم، كل ذلك يأتي في سياق التلازم مع الحصار الاقتصادي في حال استمر إقفال المعبر للضغط على الحزب لتأليب السواد الأعظم من اللبنانيين عليه»، لافتاً إلى أن «الاتصالات التي تولتها قيادة قوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل)، وهيئة (الصليب الأحمر الدولي)، لم تؤدِّ لإقناع إسرائيل بالسماح بإصلاح شبكة المياه التي أُصيبت بأضرار وأدت لانقطاع المياه التي تُزود بها منطقة مرجعيون من بلدة القليعة».

استعداد للتداعيات

وأكد المصدر أن «الحكومة أخذت تتصرف كأن التهديد قائم، ويمكن لإسرائيل أن تنفذه في أي لحظة وهي تستعد لمواجهة تداعياته، ما استدعى إخلاءه من عناصر الأمن العام والجمارك وقوى الأمن الداخلي، وأفرغت المركز من محتوياته، فيما أعادت قوة الجيش المولجة بأمنه انتشارها بالتموضع على أعلى تلة تبعد عنه 400 متر، فيما أقام الأمن العام بالتعاون مع الجمارك حواجز على بعد 500 متر منه، لمنع الاقتراب من نقطة المركز أو الدخول إليه حتى إشعار آخر، على أن تستمر هذه الإجراءات إلى حين تتبلغ الحكومة، ما يدعو للتفاؤل بأن إسرائيل أعادت النظر بتهديدها إفساحاً في المجال أمام عودة العبور الآمن بين البلدين».


الرئيس اللبناني يُحذّر من المساس بالسلم الداخلي: زمن الحرب الأهلية انتهى

البطريرك الماروني بشارة الراعي يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون في بكركي (البطريركية المارونية)
البطريرك الماروني بشارة الراعي يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون في بكركي (البطريركية المارونية)
TT

الرئيس اللبناني يُحذّر من المساس بالسلم الداخلي: زمن الحرب الأهلية انتهى

البطريرك الماروني بشارة الراعي يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون في بكركي (البطريركية المارونية)
البطريرك الماروني بشارة الراعي يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون في بكركي (البطريركية المارونية)

حذّر الرئيس اللبناني جوزيف عون من أن السلم الأهلي خط أحمر، معتبراً أن «مَن يحاول المساس به يقدم خدمة لإسرائيل»، مشدّداً على أن «التفاوض ليس تنازلاً، والدبلوماسية ليست استسلاماً».

جاء ذلك خلال مشاركته في قداس «الفصح» في البطريركية المارونية؛ حيث التقى البطريرك بشارة الراعي وعقد معه خلوة.

ووسط احتدام الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» وتنامي الانقسامات السياسية اللبنانية على خلفيتها، أصدر عون تحذيره الحاد بخصوص السلم الأهلي، قائلاً: «منذ سنوات ونحن ننتظر قيامة لبنان، وفي ظلّ الدمار والتهجير همّنا هو الحفاظ على السلم الأهلي الذي هو خط أحمر، ومن يحاول المسّ به فهو يقدّم خدمة لإسرائيل».

وأضاف عون: «أقول لمن يملك فائضاً من الأحلام والأوهام إن زمن عام 1975 (تاريخ اندلاع الحرب الأهلية) انتهى، والظروف تغيّرت»، مشيراً إلى أن «بعض الإعلام يلعب دوراً مدمّراً». وتابع: «نحن مع حرية التعبير، شرط أن تكون حرية مسؤولة»، مضيفاً بالعامية اللبنانية: «ألف عدو برّات (خارج) الدار ولا عدو جوات (داخل) الدار». وشدد على أنه «لا أحد يريد الفتنة، لأن اللبنانيّين تعبوا من الحروب».

ووجه عون تحية لـ«أهلنا الصامدين في الجنوب، خصوصاً في البلدات الحدودية، وأقول لهم: سنقوم بالمستحيل لتأمين مقوّمات الحياة لكم، ولن ننساكم»، في إشارة إلى سكان 7 قرى تسكنها أغلبية مسيحية لا يزالون يقيمون فيها، رغم التوغلات الإسرائيلية في محيطها.

نوافذ التفاوض

وفي ظل الحرب المتواصلة، وإغلاق الجانب الإسرائيلي أي نافذة للتفاوض مع لبنان لوقف إطلاق النار، جدّد عون موقفه حيال إعلانه استعداد لبنان التفاوض، مهاجماً في الوقت نفسه رافضي هذا الخيار من قوى سياسية لبنانية، وفي مقدمها «حزب الله».

وقال عون: «البعض قال عن التفاوض: «شو جايينا (ماذا سيأتينا) من الدبلوماسية؟، وأنا أقول «شو جاييني من حربك؟».

الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال لقائه البطريرك الماروني بشارة الراعي في بكركي (البطريركية المارونية)

وشدد عون على أن «التفاوض ليس تنازلاً، والدبلوماسية ليست استسلاماً»، مشيراً إلى أن «اتصالاتنا مستمرة لوقف القتل والدمار والجراح».

وردّ على الأشخاص الذين يتهجّمون على الجيش والقوى الأمنية، بسؤالهم: «أنتم ماذا قدمتم للجيش؟ الجيش ينفذ المصلحة الوطنية ويعرف عمله، ولولا الجيش لما كنّا في بكركي اليوم».

كما أكد عون أن «العلاقة مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي ممتازة، وقد عايدني بالفصح، والعلاقة ممتازة أيضاً مع رئيس الحكومة نواف سلام، ونقوم بالواجب، ولم يصلنا أي جواب حول التفاوض».

وعن الخطوة بحقّ السفير الإيراني الذي أصدر وزير الخارجية جو رجّي قراراً باعتباره «شخصاً غير مرغوب به»، قال عون: «التقيت الرئيس الإيراني (مسعود بزشكيان) ووزير الخارجية الإيراني (عباس عراقجي) أكثر من مرّة، وكان كلامهما عن عدم التدخل في شؤون الآخرين، والسفير الإيراني ليس سفيراً (في لبنان بعد) ولم يقدّم أوراق اعتماده، وهو موجود في السفارة من دون صفة ووظيفة».

عظة الراعي

وكان البطريرك الراعي قد قال خلال قداس الفصح في بكركي: «لبنان يعيش مرحلة دقيقة، تتراكم فيها الأزمات، وتتداخل فيها التحديات. دمار وقتل وتهجير، واعتداءات وتعديات مستمرة على الأرض والسيادة، وأزمات اقتصادية ومالية واجتماعية أثقلت كاهل المواطنين، وتراجع في مؤسسات الدولة، وواقع عام أدخل البلاد في حالة من القلق والجمود».

وتابع: «هذه الاعتداءات وهذه الحروب هي أمر مرفوض من الدولة ومن الشعب، لأنها تمسّ كرامة الإنسان، وتضرب استقرار الوطن، ولا يمكن أن تُقبل بوصفها أمراً واقعاً».

وتابع: «الأزمات مهما تعاظمت لا تقفل الطريق. لبنان ليس بلداً للموت، بل للحياة. هو بلد قام عبر تاريخه مرات عديدة، وكل مرة نهض من تحت الركام. واليوم، هو مدعو إلى قيامة حقيقية، قيامة ثابتة، قائمة على الحق والحياة. مدعو، لكي يعيش بسلام دائم، ويؤدّي دوره وسط الأسرة العربية والدولية، وأن ينعم بنظام الحياد الإيجابي، المعترف به من الأسرة الدولية».

ردود فعل على تصريح عون

وسرعان ما لاقت تصريحات عون تأييداً، وقال رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، في بيان: «أؤيد، فخامة الرئيس، كل ما جاء على لسانك في التصريح الذي أدليت به في بكركي. أما بالنسبة للسلم الأهلي الذي نتمسك به جميعاً، فالدولة بمؤسساتها القضائية والأمنية والعسكرية هي الوحيدة التي تستطيع لعب دور حاسم في ترسيخه».

وتابع جعجع: «القاصي والداني يعرفان أن هناك انقساماً عمودياً في البلاد من جرّاء كل ما يحدث: هناك نزوح كبير، وهناك أزمة اقتصادية كبيرة، وشح وفقر و(تعتير)». وفي ظروف مثل هذه، الدولة وحدها بمؤسساتها هي القادرة على الحفاظ على السلم الأهلي».

بدوره، أشاد وزير الإعلام، بول مرقص، في بيان «بالمواقف والمبادرات» الوطنية التي أدلى بها الرئيس عون، معتبراً أنها تعبّر «بوضوح عن ثوابت الدولة اللبنانية وتمسكها الكامل بمسؤولياتها السيادية».

وأكد أن «ما قاله عن أن التفاوض ليس تنازلاً والدبلوماسية ليست استسلاماً، وإشارته إلى أن الاتصالات مستمرة لوقف القتل والدمار وغيرها من المواقف الوطنية يعكس إرادة راسخة لدى الدولة في بسط سيادتها على كامل أراضيها، بما يحفظ وحدة لبنان واستقراره ويصون مؤسساته الشرعية».

كما نوّه مرقص بتشديد رئيس الجمهورية على «ضرورة منع الفتنة بكل أشكالها، ورفض أي خطاب أو ممارسة من شأنها الإساءة إلى السلم الأهلي»، مشدداً على أن هذه المواقف «تُشكل دعوة جامعة لكل اللبنانيين للالتفاف حول الدولة ومؤسساتها، وتعزيز مناخ التهدئة والتضامن الوطني في هذه المرحلة الدقيقة».

وختم وزير الإعلام مؤكداً أن «حماية السلم الأهلي تبقى أولوية وطنية قصوى، وأن التمسك بالوحدة الداخلية هو السبيل الأساس لمواجهة التحديات الراهنة».