«مطبخ زرياب».. وصفات من العصر البابلي وصولاً إلى القرن الحادي والعشرين

دراسات أنثروبولوجية تستجمع دلالات الحياة الغذائية للشعوب ومطابخها وأطباقها

من معرض أبوظبي للكتاب حيث وقع مردوم بك نسخا من الكتاب
من معرض أبوظبي للكتاب حيث وقع مردوم بك نسخا من الكتاب
TT

«مطبخ زرياب».. وصفات من العصر البابلي وصولاً إلى القرن الحادي والعشرين

من معرض أبوظبي للكتاب حيث وقع مردوم بك نسخا من الكتاب
من معرض أبوظبي للكتاب حيث وقع مردوم بك نسخا من الكتاب

إذا كنت تود أن تأكل طبقًا من العصر البابلي أو من العهد الأموي، وربما على الطريقة الأندلسية المدللة، فكتاب «مطبخ زرياب» للكاتب المعروف المختص بالتاريخ الاجتماعي والسياسي، فاروق مردم بك الذي ترجم أخيرا من الفرنسية إلى العربية يؤمن لك هذه المتعة. ففي المؤلّف البديع الصادر عن «مشروع كلمة» في أبوظبي وترجمه الدكتور جان ماجد جبور بعربية سلسة، دراسات أنثروبولوجية تستجمع دلالات الحياة الغذائية للشعوب ومطابخها وأطباقها، مع تركيز على المنطقة العربية.
في الكتاب أيضا وصفات قديمة وحديثة، أقدمها ربما هي التي جمعت ثلاثة ألواح مكتوبة باللغة الأكادية تعود إلى مطلع الألفية الثانية، من بينها فطيرة بالعصافير الصغيرة التي تذبّل في مرجل نحاسي قبل أن تطبخ على نار هادئة في قدر من الفخار. ويعلق الكاتب على هذا الطبق بالقول: «إنه طبق في غاية الروعة يستحق حتى اليوم أن يتربع على أفضل الموائد شريطة ألا نكثر من البصل والكراث والثوم».
تأتي هذه الوصفة في القسم المخصص لـ«العراق مهد كل الفنون» حيث يعرج الكاتب على أطباق عصر النهضة الإسلامية كما يسميها في القرنين الثامن والعاشر للميلاد، حيث يحيلنا إلى كتب بعضها فُقد والآخر لا يزال موجودًا. في هذا الباب الممتع المعنون «مذكرات الرحلة» نقرأ عن «إيران حضارة الأرز»، «سوريا الأذواق مجتمعة»، «لبنان الابتكار على السفر العامرة»، «فلسطين برتقال يافا»، «الأردن حيث الخروف ملك المائدة»، «الخليج العربي قصر التوابل»، و«اليمن دمعة على المخا» وعناوين أخرى من تونس والجزائر و«ملوخية مصر» والمغرب وإسبانيا وفرنسا وغيرها.
ويفرد فاروق مردم بك بابًا للحمص هو الذي قام بوضع مؤلف كامل سابقًا عن «المطول في الحمص». كما يفرد صفحات طوالا للباذنجان «الذي أهين تاريخيًا من قبل عظماء العالم لكثرة ما سخروا منه وتحاملوا عليه باعتباره ثمرة الفقراء»، وآخر للفول الذي يعتبر «عالميا من حيث أصوله وتاريخه وما يختزنه من أسرار وربما يحتوي على (سر الحياة والموت)». كذلك نقرأ عن الزعفران أنه نبت بحسب الأسطورة بعد أن جرح الإله هرمس وهو يلعب الرماية مع صديقه كروكوس، ومات وخضبت دماؤه الأرض لتنبت أزهارًا صغيرة ذات عطر غامض نفاذ ولون فاقع باتت من أثمن التوابل. أما المشمش فرغم أن الأرمن ينسبونه لهم والفرنسيين والإيرانيين أيضًا، «إلا أن هذه الشجرة تنعم بالراحة والهناءة كما ينعم بها المرء في بيت أهله إلا في تركيا وسوريا». وثمة أسطورة لعل الدمشقيين هم الذين ابتدعوها تقول إن «شجرة آدم وحواء التي خلقها الله ليعلمنا التمييز بين الخير والشر ليست شجرة تفاح أو تين بل شجرة مشمش».
وتحت عناوين تحمل أسماء لثمر أو مأكولات أو مشروبات، نقرأ حكايات وأساطير، وأسماء لكتب أجادت في التعمق في دراسة مذاقات الشعوب ونكهاتهم وأمزجتهم الغذائية، كما نعثر على وصفات من كل عصر ومنطقة.
وفاروق مردم بك مؤرخ وكاتب معروف، لكنه أيضا ذواقة من الطراز الرفيع وعاشق لفن الطبخ، وقد كتب خلال ست سنوات مقالات باللغة الفرنسية، نشرت في مجلة «قنطرة» الصادرة عن «معهد العالم العربي»، وقعها باسم زرياب، وجمعت في هذا الكتاب الشيق.
وزرياب الذي استعار فاروق مردم بك اسمه، ونهجه وشرح في بداية كتابه استثنائية سيرته هو أبو الحسن علي بن نافع الملقب بالطائر الأسود بسبب دكنة بشرته، وعذوبة صوته وحلاوة شمائله، من أصول فارسية لازم إسحاق الموصلي في بغداد أشهر موسيقي ومغنٍّ في بلاط العباسيين، ثم غادر بغداد وهو في الثلاثين هربا من نقمة أستاذه، ورحل باتجاه الغرب بحثًا عن المجد والثروة، ووصل إلى قرطبة عام 822م، وكان مجددًا في كل شيء، في الموسيقى حيث تنسب إليه المدرسة الموسيقية الأندلسية، وهو الذي أضاف الوتر الخامس إلى العود، وصنع مضراب العود من مخالب النسر.
زرياب يمكن اعتباره «بيترون الروماني أو الممهد للإنجليزي بروميل، علم أهالي قرطبة إعداد المآدب البغدادية، وابتكر أصولا لتقديم الطعام وترتيب المائدة، كما ابتكر أغطية الجلد الناعم بدلا من شراشف الكتان، وبين أن الكؤوس الزجاجية أكثر أناقة على طاولة الطعام من تلك الذهبية أو الفضية، وهو الذي علم الناس في الأندلس فن التبرج وإزالة الشعر واستعمال معجون الأسنان وطريقة قص الشعر قصيرًا بشكل دائري كاشفًا الحاجبين والأذنين، وأرسى قواعد اللبس حسب الفصول من صيفية بيضاء أو ربيعية حريرية وزاهية الألوان أو شتوية مبطنة وداكنة مع معاطف الفراء. وكتب فاروق مردم بك في كتابه «فمن خلال الاحتكام لرأي زرياب الذي لا يرد، بدل أهل البلاط وسكان المدينة لباسهم وأثاثهم وطبيخهم حتى إنه بعد مضي عدة قرون، كان اسم بيترون العرب يذكر في كل مرة يظهر فيها عرف جديد في قصور شبه الجزيرة الأيبيرية».
فاروق مردم بك يكاد يتقمص في مقالاته هذه التي تحولت إلى كتاب، الجانب المطبخي الحضاري من شخصية زرياب، يجول في أنحاء المعمورة باحثًا عن قصص الأطعمة وأصولها ورحلاتها بين البلدان وفي الأزمنة. فشجرة الزيتون، بها تبدأ منطقة المتوسط وبها أيضا تنتهي، وهي التي تقرب سكان هذه المنطقة من بعض وتجمعهم تحت مذاق واحد. لهذا ربما هناك نزاع شرس على أبوتها. أما المفاجأة فتأتي من ثمرة التمر حيث ثبت بعد أبحاث شاقة على المتحجرات أن موطن شجرة النخيل البري ليس الجزيرة العربية ولا تونس وإنما الحوض الباريسي. لكن الحكاية الشعبية تقول غير ذلك. ويضيف: «أما الحكاية الأجمل، فهي التي تقول إن الله خلق شجرة النخيل من الطين الذي خلق منه آدم، ومن هنا نشأ الاعتقاد السائد في جميع أنحاء العالم الإسلامي بأن هذه الشجرة ليست كغيرها من الشجر، فهي أقرب منها كلها إلى البشر، كما لو أن بينها وبينهم صلة رحم. وثمة حديث شريف يقول: (أكرموا عمتكم النخلة)».
وإذا كانت قصص التمر ورحلاته في الحضارات وبين الشعوب ممتعة وتستحق القراءة فهناك قصص أخرى دالّة في الكتاب حول الطماطم واليقطين والتين والعنب والفستق، ومعجم بديع للذواقة فيه أبحاث صغيرة وشيقة عن الخل واللبن والأترج والطاجن والسمسم والقطائف، كما عن الرمان والسبانخ والكزبرة.
لعله من الكتب القليلة الموجودة بالعربية اليوم التي تهتم بالمطبخ كمادة ثقافية تستحق أن نرتفع بها عن اليومي والمبتذل إلى مستوى المعرفة العميقة الحقة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.