الحروب والأزمات و«كورونا» وتراجع العملات «تسحق» التعليم في العالم العربي

مدارس متهالكة وتسرب للمعلمين وملايين الأطفال... والتدخلات السياسية تفاقم الأزمة

أطفال نازحون في مدرسة مؤقتة بقرية المهندسين في ريف حلب (أ.ف.ب)
أطفال نازحون في مدرسة مؤقتة بقرية المهندسين في ريف حلب (أ.ف.ب)
TT

الحروب والأزمات و«كورونا» وتراجع العملات «تسحق» التعليم في العالم العربي

أطفال نازحون في مدرسة مؤقتة بقرية المهندسين في ريف حلب (أ.ف.ب)
أطفال نازحون في مدرسة مؤقتة بقرية المهندسين في ريف حلب (أ.ف.ب)

«بدلاً من أن يكون التعليم العامل الممكّن العظيم، فإنه الآن يتحوّل بسرعة إلى الفاصل العظيم. يتمتع الأثرياء بإمكانية الوصول إلى أفضل الموارد والمدارس والجامعات، مما يمكّنهم من الحصول على أفضل الوظائف، بينما يواجه الفقراء، وخصوصاً الفتيات، عقبات كبيرة في الحصول على المؤهلات التي تمكّنهم من تغيير حياتهم»، على حدّ تنبيه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
يعرّف البنك الدولي التعليم بأنه «حق من حقوق الإنسان ومحرك قوي للتنمية وأحد أقوى أدوات الحد من الفقر وتحسين الصحة والمساواة بين الجنسين والسلام والاستقرار. ويعتبر ضخ استثمارات فعالة في تعليم الناس أمراً بالغ الأهمية لتنمية رأس المال البشري الذي هو من سينهي الفقر المدقع».
فيما يذهب آخرون أبعد في توصيفهم للتعليم بأنه «ليس مجرد حق، بل هو أيضاً شريان حياة»، وفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) التي تعتبره هندسة مجتمعية تحضّر أجيال الحاضر لاستحقاقات المستقبل.
في السنوات الأخيرة، تعرض قطاع التعليم لانتكاسة عميقة جرّاء عوامل عديدة، منها تفشي جائحة كورونا، التي فرضت إغلاقاً لمدة عام، والتوجه قسراً نحو خيار التعلم عن بعد، وهو ما كانت له تداعياته السلبية على القطاع ككل.
فالجائحة أدت من ضمن تداعياتها المتشعبة، إلى «أسوأ أزمة في التعليم على مدى القرن الماضي»، بحسب البنك الدولي. ففي ذروة إغلاق المدارس في أبريل (نيسان) من عام 2020. كان 94 في المائة من الطلاب - أو 1.6 مليار طفل - غير ملتحقين بالمدارس في جميع أنحاء العالم.
وسجل قطاع التعليم المزيد من التدهور لاحقاً مع اندلاع أزمات اقتصادية، كان أبرز معالمها تراجع دراماتيكي في عملات الدول المحلية، كما هو حال العديد من الدول العربية. وهو ما أجبر الحكومات على تقليص الإنفاق في موازناتها على قطاع التعليم.
مما لا شك فيه أن أزمة التعليم لم تبدأ أصلاً مع انتشار «كورونا». ففي الدول العربية التي تأثرت جميعها بـ«كورونا»، كانت الهوة واسعة قبل الجائحة، بين دول تتمتع بمنظومة تعليمية قوية ومنافِسة حتى عالمياً وتُسخَّر لها الموارد المهمة في إطار التنمية البشرية، الأساس للتنمية البنيوية بشموليتها؛ وبين أخرى تعاني خللاً متراكماً منذ عقود في أنظمتها التعليمية جرّاء ضعف الموارد أحياناً، أو بسبب عقل سياسي مستبد أقام مجرد مبانٍ، وتلاعب بالمناهج بغاية فرض خياراته المجتمعية.

تلاميذ في إحدى المدارس بمخيم للنازحين تابع للأمم المتحدة في حمام العليل شمال العراق (غيتي)

كما أنّ اضطرابات سياسية، بل وحروباً أهلية وأزمات اقتصادية متلاحقة وفساداً مؤسساتياً، استنزفت دولاً عربية كانت تمتلك موارد النهوض وبناء مستقبل واعد لأجيالها، فيما أعادت دول «مضعضعة» أصلاً عقوداً، بل ربما قروناً إلى الوراء، ففقدت منظومات التعليم جدواها الإيجابي وصارت «مناهج الأمية» هي القاعدة.
هو حال السودان مثلاً الذي لا يعرف ثلث أطفاله الذين في سن الدراسة مبادئ القراءة والكتابة، أو الحساب والمهارات الرقمية.
فيما خلّفت الهجمات التي تعرض لها أطفال المدارس والمعلمون والبنية التحتية التعليمية في اليمن، آثاراً مدمرة على النظام التعليمي وعلى فرص الملايين من الأطفال في الحصول على التعليم.
وفي العراق التي تصل فيه نسبة الأمية إلى 31 في المائة بين الذكور والإناث، فإن إهمال الحكومات والتدخلات السياسية أمور أضرّت بمجال التعليم.
ولعل الواقع المتردي للتعليم ليس أشد ما ينتظر مستقبل سوريا التي يتناهب جغرافيتها صراع أفرز ثلاث مناطق نفوذ، لكل منها منهاج تعليمي يعزز آيديولوجية القوى المسيطرة.
وفي تونس، تظهر تجليات ضعف التحصيل العلمي في خروج نحو 100 ألف طفل من المدارس كل عام.
وفي لبنان يعيش القطاع أسوأ مراحله، مع تحوّل الطلاب المنتسبين إلى المدارس والمعاهد والجامعات الحكومية إلى ضحايا، بفعل ضياع الأعوام الدراسية الأخيرة، تارة جرّاء الإضرابات المتلاحقة للمعلمين.
أما في فلسطين، فطلابها مهددون بالقتل والاعتقال، ومدارسها مهددة بالهدم والقصف رغم أن الأرقام الرسمية تظهر أن الأمية في فلسطين من أقل المعدلات في العالم
«الشرق الأوسط» تستعرض فيما يلي وضع التعليم في عدد من الدول العربي:
- اليمن: ملايين الأطفال يواجهون مخاطر التسرب والتجريف الحوثي
لم تستثنِ الحرب التي تسبب فيها الانقلاب الحوثي في اليمن، أي جانب من جوانب الحياة إلاّ وألقت بظلالها القاتمة عليه، وصولاً إلى العملية التعلمية، التي وصلت إلى شفير الهاوية، حيث بات أكثر من 10 ملايين طفل في مراحل التعليم في حاجة إلى شكل من أشكال المساعدة من أجل الصمود.
بحسب تقارير أممية، تسبب القتال في خروج أكثر من 2900 مدرسة عن وظيفتها خلال ثماني سنوات، إما نتيجة لتضررها كلياً أو جزئياً، أو جراء تحويلها إلى ثكنات عسكرية أو مخازن للأسلحة، كما هو الحال في بعض المناطق التي سيطرت عليها الميليشيات الحوثية أو في مناطق التماس مع سيطرة الحكومة الشرعية.
وبسبب الآثار التي نجمت عن الانقلاب الحوثي، قادت ظروف الفقر وانعدام سبل العيش إلى تسرب أكثر من مليوني طفل من العملية التعليمية، بحسب البيانات الأممية.
وطبقاً للمعلومات التي وثّقتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، هناك أكثر من ثمانية ملايين طفل في مختلف مراحل التعليم يحتاجون إلى دعم لمواصلة تعليمهم. في وقت تعرضت مدرسة من بين كل أربع مدارس للتدمير أو التضرر أو استخدامها لأغراض غير تعليمية.
وتؤكد «اليونيسف» في تقاريرها أن اليمن يواجه أزمة حادة في التعليم، حيث من الممكن أن يصل عدد الأطفال الذين يعانون من الاضطرابات التي تلحق تعليمهم، إلى ستة ملايين طالب وطالبة.
وانتهجت الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران في المحافظات التي تسيطر عليها، سياسة قادت إلى تجريف التعليم، سواء من حيث تطييفه عبر تغيير المناهج بما يناسب توجهاتها الفكرية ذات الصبغة الطائفية، أو من خلال عمليات التعسف التي ترتكبها بحق عشرات الآلاف من المعلمين والمعلمات والعاملين في الحقل التربوي.
وقاد رفض الميليشيات الحوثية صرف رواتب أكثر من 130 ألف معلّم ومعلّمة في مناطق سيطرتها، إلى انقطاع معظمهم عن أداء وظائفهم، والانصراف إلى مهن أخرى، وهو ما دفع الميليشيات إلى الاستعانة بموالين لها لا يحملون أي خبرات، لتلقين التلامذة في المدارس أفكار الجماعة وزعيمها وحضهم على الانخراط في القتال.
تؤكد «اليونيسف» أن النزاع والتعطيل المستمرين للعملية التعليمية في جميع أنحاء اليمن وتجزئة نظام التعليم شبه المنهار أصلاً، كان له تأثير بالغ على التعلم والنمو الإدراكي والعاطفي العام والصحة العقلية لكافة الأطفال في سن الدراسة والبالغ عددهم 10.6 ملايين طالب وطالبة.
وتشير تقارير المنظمة الأممية، التي حاولت خلال سنوات الحرب أن تسهم في تحسين العملية التعليمية من خلال ما تحصل عليه من تبرعات الجهات المانحة، وفي مقدمتها المانحون السعوديون والخليجيون، إلى أن الهيكل التعليمي يواجه مزيداً من المعوقات تتمثل في عدم حصول أكثر من ثلثي المعلمين (ما يقرب من 172 ألف معلّم ومعلّمة) على رواتبهم بشكل منتظم منذ عام 2016 أو أنهم انقطعوا عن التدريس بحثاً عن أنشطة أخرى مدرة للدخل.
وفيما تكافح الحكومة الشرعية في المناطق الخاضعة لها من أجل استمرارية فتح المدارس أبوابها، أدى فصل الحوثيين للنظام التعليمي من خلال تغيير المناهج، إلى وجود أجيال متضاربة فكرياً وعقائدياً.
وإلى جانب ضعف مخرجات النظام التعليمي في اليمن عامة، تقدّر تقارير حكومية وأخرى أممية أن نسبة الأمية فيما يتعلق بالقراءة والكتابة لا تزال عند مستويات 65 في المائة على الأقل.
- العراق: إهمال الحكومات والتدخلات السياسية أضرّت التعليم
كان العراق يتبوأ مراكز متقدمة في جودة التعليم ومحو الأمية في سبعينات القرن الماضي، لكنه سجل مستويات متدنية جداً قبل 2003 بسبب الظروف التي أدت إلى ذلك في تلك الفترة، ولم يشهد تطوراً ملحوظاً بعد ذلك التاريخ.
يقول مسؤول سابق في وزارة التعليم العالي إن مستوى التعليم استمر في التراجع منذ عام 2003 لأسباب عديدة، بينها «عدم اهتمام الحكومات المتعاقبة بمستوى التعليم من خلال افتقار التخصيصات المالية ضمن الموازنة العامة، وغياب التخطيط والبرامج المعنية في النهوض بمستوى التعليم».
ويضيف المسؤول الذي يفضل عدم الإشارة إلى اسمه لـ«الشرق الأوسط»، أن «معظم الحكومات سعت إلى التدخل في كل المناصب الإدارية للجامعات والكليات عبر المحسوبية والولاءات الحزبية، وهذا ما أدى إلى تفشي الفساد في أروقة الجامعة، وأثّر ذلك بكل مفاصل التعليم من الطالب والتدريسي وصولاً للكوادر الإدارية».
ويشير إلى «تدخل الأحزاب في قرارات المؤسسات التعليمية، وبالأخص مجلس النواب الذي صار يحدد طبيعة الدراسة ومدتها ونوع القبول، دون الرجوع للمختصين، مما أثّر بشكل واسع في سير العملية التعليمية».
وإلى جانب كل ذلك، والكلام للمسؤول السابق: «شكّلت وسائل الفساد في تعيين الخرّيجين سبباً رئيسياً في غياب التقدم النوعي لمستوى الدراسة. إذ لم يعد يجدي تفوق الخريج أو مستواه في ظل التعيين عبر المحسوبيات والواسطة ووسائل الفساد الأخرى، مما تسبب بخروج معظم جامعات البلاد من التصنيفات العالمية المعتمدة».
ويتحدث الكثير من المختصين في مجال التعليم عن كيفية تخرّج بعض الطلبة من الجامعات حيث حملوا شهادات عليا من دون أن يجيدوا القراءة والكتابة.
ويعزو أستاذ اللغة العربية في الجامعة المستنصرية مؤيد صوينت تراجع التعليم العالي في العراق إلى أسباب عديدة، منها «تسييس الجامعات وجعلها تابعة للأحزاب، مما أدى إلى ضعف القيادات الجامعية وتقديم الولاء على الكفاءة».
وتشير إحصاءات رسمية إلى حاجة البلاد إلى نحو 8 آلاف مدرسة ابتدائية، مما يعنى أن إدارات المدارس تضطر لتكديس أعداد كبيرة من الطلبة الصغار في الصف الدراسي الواحد بحيث تتجاوز أعدادهم في بعض الأحيان الـ50 طالباً.
- سوريا: مدارس متهالكة وتسرب للمعلمين
المتابع لنشاط وزير التربية السوري دارم طباع في وسائل الإعلام التابعة للنظام، سيواجه صعوبة بالغة في الربط بين صور جولاته في مدارس نموذجية في تجهيزاتها وانضباط طلابها ورقي كادرها التدريسي، وبين الواقع المزري لمئات المدارس الحكومية، لا سيما على أطراف المدن وفي الأرياف البعيدة عن الرقابة، حيث مدارس حوّلتها سنوات الحرب والإهمال إلى ما يشبه الحظائر، كأماكن غابت عنها أدنى شروط السلامة والنظافة. ناهيك عن أزمة المواصلات التي تهدد العشرات منها بالإغلاق لعدم تمكن المدرّسين من الوصول إليها كما حصل في عدة قرى بريف حماة الشرقي.
ولعل الواقع المتردي للتعليم ليس أشد ما ينتظر مستقبل سوريا التي يتناهب جغرافيتها صراع أفرز ثلاث مناطق نفوذ لكل منها منهاج تعليمي يعزز آيديولوجيا القوى المسيطرة.
ففي مناطق النظام، هناك تنافس إيراني - روسي على التغلغل في قطاع التعليم، عبر فرض تعليم اللغة أو إعادة تأهيل المدارس أو افتتاح المدارس الخاصة.
وفي مناطق النفوذ التركي، يتعزز التغلغل الثقافي عبر تمويل المنظمات التعليمية ما بين توجهات غربية وتوجهات عربية وتركية إسلامية.
أما في مناطق السيطرة الكردية، فيحتدم التنافس إلى حد الاصطدام بين القوميتين الكردية والعربية.
أرقام منظمة «اليونيسف» تشير إلى أن واحدة من أصل ثلاث مدارس خرجت عن الخدمة بسبب الحرب في سوريا.
ومن أبرز تحديات التعليم في مناطق سيطرة النظام إعادة تأهيل الأبنية المدرسية المتضررة التي بلغ عددها، وفق الإحصائيات الحكومية 8700. منها أكثر من 450 بناءً دُمر بشكل كامل، تم إعادة تأهيل عشرات المدارس بالتعاون مع منظمات وجهات دولية. إلا أن المدراس التي عادت إلى الخدمة لا تكفي لاستيعاب 3 ملايين و600 ألف تلميذ في مناطق النظام، ونحو 400 ألف في مناطق سيطرة المعارضة شمال غربي سوريا.
وأشارت أرقام «اليونيسف» إلى أن ثلث الأطفال السوريين في مرحلة التعلم، هم خارج المدرسة، أي أكثر من مليوني طفل. فيما يواجه 1.3 مليون طفل خطر التسرب بسبب ظروف الحرب التي تجعل ما نسبته واحداً من ثمانية أطفال في كل صف دراسي، في حاجة إلى دعم نفسي واجتماعي تخصصيّ.
منذ اندلعت الحرب عام 2011. باتت بداية العام الدراسي موعداً لتجدد معاناة الأهالي، بارتفاع تكاليف التعليم إلى حدٍ يفوق القدرة الشرائية بعدة أضعاف. إذ تبلغ تكلفة تجهيز تلميذ التعليم الأساسي في المدارس الحكومية نصف مليون ليرة سورية (ملابس، قرطاسية، كتب)، ولم يفلح قرض النصف مليون ليرة الذي منحته الحكومة في دمشق للموظفين هذا العام، في تخفيف وطأة التكاليف لدى الأسر التي لديها أكثر من تلميذين.
ومع ذلك، يبقى خيار التعليم الحكومي الأنسب، مقارنة بالأرقام الباهظة لتكاليف التعليم الخاص.
في مناطق المعارضة، ساهمت الحرب في ازدهار الاستثمار في التعليم الخاص، لتكون حلاً باهظ التكاليف لمن استطاع إليه سبيلاً من ميسوري الحال. إذ بلغ عدد مؤسسات التعليم الخاص المرخصة في إدلب ضمن مناطق المعارضة، نحو61 رياض أطفال، و53 مدرسة ابتدائية، و39 مدرسة إعدادية، و12 مدرسة ثانوية، و15 مركزاً لغوياً. علماً بأن التدريس في إدلب ومناطق السيطرة التركية، هو باللغة العربية، كما أن المناهج في تلك المناطق وضعتها السلطات المحلية.
أما في الحسكة، شمال شرقي سوريا، فأعلنت هيئة التربية والتعليم لدى «الإدارة الذاتية» الكردية التي تسيطر على المنطقة، في خريف عام 2020 اعتماد ثلاثة مناهج تعليمية للتدريس ضمن مناطق نفوذها في الأقاليم الشمالية، بينها منهاج أقرته «اليونيسف» لرعاية الأطفال.
وتتوزع المناهج المعنية على منهاج «الإدارة الذاتية» باللغة الكردية، في مدارس أقاليم الجزيرة والفرات ولنازحي عفرين في مناطق ومخيمات الشهباء بريف حلب، إلى جانب مخيمات النازحين.
أما الثاني، فهو منهاج التربية الرسمي، في المجمعات التربوية ومدارس مدينة منبج وريفها وبلدة العريمة المجاورة. فيما أقرت منظمة «اليونيسف» تدريس منهاجها في مدينة الطبقة ومحافظة الرقة ومدن وبلدات ريف دير الزور الشرقي، الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية»، بعد احتجاجات أهلية رفضت تدريس مناهج الإدارة الذاتية.
- لبنان: التعليم الرسمي في قلب المعاناة
يعيش قطاع التعليم الرسمي في لبنان، أسوأ مراحله، حيث تحوّل الطلاب المنتسبون إلى المدارس والمعاهد والجامعات الحكومية إلى ضحايا، بفعل ضياع الأعوام الدراسية، تارة جرّاء الإضرابات المتلاحقة للمعلمين والتي تفاقمت مع الأزمة الاقتصادية التي بدأت في العام 2019. وطوراً جرّاء جائحة «كورونا» التي فرضت إغلاقاً تاماً أو جزئياً لهذه المؤسسات.
وبخلاف الهجرة القسرية لتلامذة المدارس والجامعات الخاصة إلى المؤسسات التربوية الرسمية، هرباً من غلاء الأقساط وفقدان القدرة لدى أوليائهم على استكمال التعليم الخاص، يشهد العام الدراسي هجرة معاكسة باتجاه القطاع الخاص، لتجنّب موجة الإضرابات المفتوحة التي حرمت الطلاب عامين دراسيين متتاليين، وأفقدت القطاع الرسمي مستواه المعهود.
وأفادت مصادر مطلعة في وزارة التربية والتعليم العالي، بأن «المدارس الخاصة تستقطب الآن الطلاب بشكل واسع حتى وصل الأمر ببعضها إلى تخطي قدرتها على الاستيعاب». وأشارت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «آلاف الطلاب دفعوا ثمن إقفال مدارسهم وجامعاتهم، تارة تحت تأثير إضراب الأساتذة احتجاجاً على تدني قيمة الرواتب، وتارة أخرى بحجة إجراءات الحظر التي سببتها جائحة كورونا». وما يشجّع على العودة المعاكسة، الإغراءات التي تقدمها بعض المدارس الخاصة، سواء تلك التابعة للأحزاب، أو الرهبانيات والإرساليات التي لديها دعم خارجي.
وأشارت المصادر إلى أن ثمة مدارس خاصة «لا يتعدّى قسط الطالب السنوي الـ300 دولار و10 ملايين ليرة لبنانية (ما يوازي 220 دولاراً)، ويفضّل الأهالي تحمّله، بدلاً من إضاعة العام الدراسي على أبنائهم». واعترفت المصادر بأن «القطاع التعليمي الرسمي لا يزال في قلب المعاناة، رغم محاولات إنقاذه سواء من الدولة أو الجهات المانحة». ويرفض أساتذة التعليم الرسمي تحميلهم مسؤولية الإخفاقات التي حصلت في الأعوام الماضية، ويؤكدون أن «سياسات الحكومات المتعاقبة المالية والاقتصادية والفساد، هي التي أوصلت البلد إلى الانهيار، بما فيها القطاع التربوي».
وقال مدير التعليم الثانوي في وزارة التربية اللبنانية خالد فايد لـ«الشرق الأوسط»، إن الوزارة «مصرّة على إنقاذ التعليم الرسمي من الإخفاقات التي شهدها في العامين الأخيرين».
ويسعى أساتذة التعليم الرسمي إلى مصادر دخل يعوّض جزءاً من خسارتهم، ولا يتردد المئات منهم في الانتقال إلى التعليم الخاص طمعاً في تقاضي جزء من الرواتب بالـ«فريش دولار». إلّا أن كثيراً منهم عاد سريعاً إلى التعليم الرسمي.
- السودان: التعليم مأساة الفقر
غادر محمد جمعة، وهو طفل سوداني في الثانية عشرة من عمره المدرسة، وخرج إلى الشارع لعلّه يجد ما يسد رمقه ويساعد به والده على إعالة بقية أسرته وأشقائه.
محمد ليس سوى نموذج واحد لأزمة التعليم في السودان. فمثله الملايين، مما ينبئ بكارثة تهدد أجيالاً بكاملها، في ظل عجز حكومي مطبق عن توفير شروط الحصول على تعليم للأطفال، رغم أن القانون السوداني ينص على إلزامية التعليم الأساس.
وتأثر سير العملية التعليمية في السودان، وفقاً للخبراء، بادئ الأمر بجائحة «كورونا»، ثم بعدم الاستقرار السياسي والأمني الذي رافق الثورة التي أطاحت بحكم الرئيس الأسبق عمر البشير، وتدهور الأوضاع الاقتصادية الشديد الذي نتج عن «انقلاب» 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021. وزادت السيول والفيضانات التي ضربت البلاد ودمّرت آلاف المدارس الأوضاع سوءاً، واضطرت السلطات لتأجيل العام الدراسي لأكثر من مرة.
قالت منظمة «اليونيسف» إن نحو 7 ملايين طفل سوداني لا يذهبون إلى المدرسة، وأن هناك طفلاً واحداً من كل ثلاثة لا يذهب إلى المدرسة، فيما لا يحصل أكثر من 12 مليون طفل على فرصة لتلقي تعليم «جيد».
وانتقدت المسؤولة عن «اليونيسف» في السودان مانديب أوبراين بشدة تدهور الأوضاع التعليمية في البلاد. وقالت: «لا يمكن لأي بلد تحمل عبء عدم معرفة ثلث أطفاله الذين في سن الدراسة مبادئ القراءة والكتابة، أو الحساب والمهارات الرقمية، فالتعليم ليس مجرد حق، إنه أيضاً شريان حياة». ودعت «اليونيسف» السلطات إلى القيام بإجراءات عاجلة تتضمن زيادة الإنفاق من أجل تقديم الخدمات الاجتماعية بما في ذلك التعليم. وتشكل نسبة قطاع التعليم في الموازنة السودانية نسبة ضئيلة، وهي لم تتعد الـ1 في المائة في موازنة عام 2021 من 12.5 في المائة سابقاً.
- طلاب فلسطين مهددون بالقتل والاعتقال
في نهاية عام 2022. خرج الطفل الفلسطيني ريان سليمان، (7 أعوام)، من بلدة «تقوع» في بيت لحم إلى مدرسته كما كل طفل في العالم، محمّلاً بأدعية والديه، لكنه عاد إليهما مع نهاية الدوام المدرسي، جثة هامدة، بعدما فشل من الفرار من جنود إسرائيليين كانوا يطاردون طلاب مدارس في المنطقة أثناء عودته.
العملية التعليمية بكل مكوّناتها، المدارس والجامعات والمناهج والطلاب، طالما كانت ضحية الممارسات الإسرائيلية على مدار عقود وجوده على الأراضي الفلسطينية، ودفعت أثماناً باهظة على جميع المستويات، التربوية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية في الضفة والقدس وقطاع غزة.
كل ذلك فيما تستمر الحرب البديهية على المنهاج الفلسطيني في القدس.
وقال وزير التربية والتعليم الفلسطيني، مروان عورتاني: «إن مشكلة فلسطين لا تتركز في عدد المعلّمين أو التمويل، ولكن في كيف أننا سنضمن العدالة وتكافؤ الفرص لجميع شرائح المجتمع الفلسطيني والطلاب».
وأشار عورتاني إلى وجود معوقات خارج نطاق وزارته، على سبيل المثال في المناطق التي لا توجد فيها سلطة كاملة. وهذه المناطق تشكل أكثر من 60 في المائة من فلسطين، كما لا توجد ولاية حقيقية لدولة فلسطين في القدس.
في غزة، الصورة ليست أفضل، بحسب عورتاني، حيث تسببت الحرب بهدم مدارس، كما أن البيئة المدرسية تشوبها أجواء من العنف والقلق. وشنت إسرائيل هجومها في مايو (أيار) من عام 2021 في ذروة فترة الامتحانات النهائية في المدارس. وأضر القصف بـ132 مدرسة ونحو 55 من رياض الأطفال. أما عدد الطلاب الذين قتلتهم إسرائيل فكان 77 من طلبة المدارس، أو طلبة مراحل عليا في الجامعات.
وفي أغسطس (آب) الماضي، كانت غزة مع هجوم مباغت وسريع تسبب ضرراً لـ46 مدرسة حكومية، ومبنيين لمديريتي تعليم شمال وغرب غزة.
ولا تشمل الأرقام المدارس التي تديرها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا».
وآثار تدمير المدارس في غزة قد تكون أطول منها في الضفة الغربية، باعتبار أن القطاع التعليمي يُعاني في الأساس من قلة المدارس بسبب الحصار الإسرائيلي على غزة ومنع إدخال مواد البناء.
وقال المدير العام لوحدة العلاقات العامة والتعاون الدولي في التربية والتعليم في قطاع غزة أحمد النجار لـ«الشرق الأوسط»: «إنه في مكان آخر كان يجب أن ينهار كل شيء، ولكن ليس في قطاع غزة... تخيّل أن طالباً في الصف السادس عاش 3 حروب ودُمرت مدرسته وفقد أصدقاءه، لكنه يجتهد ويواصل».
ولا تستثني إسرائيل الفلسطينيين في القدس من حربها الواسعة ضد التعليم. ففي الشهر الماضي، امتنع نحو 100 ألف طالب في 150 مدرسة عربية في القدس عن العمل رفضاً لمحاولات الحكومة الإسرائيلية فرض المنهاج الإسرائيلي أو جزء منه كبديل للمنهاج الفلسطيني في معركة مستمرة منذ سنوات حول الرواية التاريخية.
- تونس: مزاحمة حادة من التعليم الخاص
تجاوز عدد التلاميذ في المراحل الابتدائية والأساسية والثانوية في تونس حدود المليونين و300 ألف تلميذ، وهو ما يمثل قرابة 20 في المائة من إجمالي السكان.
غير أن درجة الرضا عن أداء التعليم في تونس باتت مهزوزة نتيجة عوامل عديدة، معظمها مرتبط بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها البلاد. إذ تعاني المؤسسة التربوية من صعوبات على مستوى البنية الأساسية، ونقص المربّين لعدم القدرة على انتداب المزيد منهم لما يخلفه ذلك من تبعات مالية.
وتطرح الأزمة التي تعرفها المدرسة العمومية تساؤلات عدة حول مستقبل التربية والتعليم في تونس، في ظل المنافسة الحادة التي تلقاها المنظومة العمومية من قبل المؤسسات الخاصة التي تسجل استقراراً على مستوى أدائها التعليمي وانتظام الدروس وندرة الإضرابات والتحاق المدرّسين الأكفاء وأصحاب التجربة بالقطاع الخاص.
وللتأكيد على عمق هذه الأزمة، كشفت دراسة أجرتها وزارة التربية التونسية حول الخريطة المدرسية، أنّ عدد المدارس الابتدائية الخاصة تضاعف ثلاث مرّات في خمس سنوات، ويبلغ حالياً 566 مؤسسة يؤمها أكثر من 90 ألف تلميذ تفتح أبوابها أمام قرابة 8769 مدرّساً.
وخلال السنوات الأخيرة، بات التحصيل العلمي السنوي ضعيفاً، نتيجة كثرة الاحتجاجات، وكانت النتيجة أن نحو 100 ألف طفل يغادرون المدارس كل سنة، من دون التسلح بمهارات أو معارف قادرة على إدماجهم في المجتمع، مما يزيد مخاطر الانحراف والجريمة وتشغيل الأطفال الصغار، والبحث عن الهجرة عبر قوارب الموت.


مقالات ذات صلة

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

الولايات المتحدة​ دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

أظهر بحث جديد أن مدى جودة مدرستك الثانوية قد يؤثر على مستوى مهاراتك المعرفية في وقت لاحق في الحياة. وجدت دراسة أجريت على أكثر من 2200 من البالغين الأميركيين الذين التحقوا بالمدرسة الثانوية في الستينات أن أولئك الذين ذهبوا إلى مدارس عالية الجودة يتمتعون بوظيفة إدراكية أفضل بعد 60 عاماً، وفقاً لشبكة «سكاي نيوز». وجد الباحثون أن الالتحاق بمدرسة مع المزيد من المعلمين الحاصلين على تدريب مهني كان أوضح مؤشر على الإدراك اللاحق للحياة. كانت جودة المدرسة مهمة بشكل خاص للمهارات اللغوية في وقت لاحق من الحياة. استخدم البحث دراسة استقصائية أجريت عام 1960 لطلاب المدارس الثانوية في جميع أنحاء الولايات المتحدة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

نفت الحكومة المصرية، أمس السبت، عزمها «إلغاء مجانية التعليم الجامعي»، مؤكدة التزامها بتطوير قطاع التعليم العالي. وتواترت أنباء خلال الساعات الماضية حول نية الحكومة المصرية «إلغاء مجانية التعليم في الجامعات الحكومية»، وأكد مجلس الوزراء المصري، في إفادة رسمية، أنه «لا مساس» بمجانية التعليم بكل الجامعات المصرية، باعتباره «حقاً يكفله الدستور والقانون لكل المصريين».

إيمان مبروك (القاهرة)
«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

لا يزال برنامج «تشات جي بي تي» يُربك مستخدميه في كل قطاع؛ وما بين إعجاب الطلاب والباحثين عن معلومة دقيقة ساعدهم «الصديق (جي بي تي)» في الوصول إليها، وصدمةِ المعلمين والمدققين عندما يكتشفون لجوء طلابهم إلى «الخصم الجديد» بهدف تلفيق تأدية تكليفاتهم، لا يزال الفريقان مشتتين بشأن الموقف منه. ويستطيع «تشات جي بي تي» الذي طوَّرته شركة الذكاء الصناعي «أوبن إيه آي»، استخدامَ كميات هائلة من المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت وغيرها من المصادر، بما في ذلك حوارات ومحادثات بين البشر، لإنتاج محتوى شبه بشري، عبر «خوارزميات» تحلّل البيانات، وتعمل بصورة تشبه الدماغ البشري. ولا يكون النصُّ الذي يوفره البرنامج

حازم بدر (القاهرة)
تحقيقات وقضايا هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

رغم ما يتمتع به «تشات جي بي تي» من إمكانيات تمكنه من جمع المعلومات من مصادر مختلفة، بسرعة كبيرة، توفر وقتاً ومجهوداً للباحث، وتمنحه أرضية معلوماتية يستطيع أن ينطلق منها لإنجاز عمله، فإن للتقنية سلبيات كونها قد تدفع آخرين للاستسهال، وربما الاعتماد عليها بشكل كامل في إنتاج موادهم البحثية، محولين «تشات جي بي تي» إلى أداة لـ«الغش» العلمي.

حازم بدر (القاهرة)
العالم العربي بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

اعتبر محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، ووزير الخارجية المغربي الأسبق، أن مسألة التعايش والتسامح ليست مطروحة على العرب والمسلمين في علاقتهم بالأعراق والثقافات الأخرى فحسب، بل أصبحت مطروحة حتى في علاقتهم بعضهم ببعض. وقال بن عيسى في كلمة أمام الدورة الحادية عشرة لمنتدى الفكر والثقافة العربية، الذي نُظم أمس (الخميس) في أبوظبي، إن «مسألة التعايش والتسامح باتت مطروحة علينا أيضاً على مستوى بيتنا الداخلي، وكياناتنا القطرية، أي في علاقتنا ببعضنا، نحن العرب والمسلمين».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.