اتفاقية جوبا للسلام في السودان... «يوم الحساب»

مواطنون: قادة الحركات المسلحة اكتفوا بالسلطة والثروة وتناسوا دارفور

منّي أركو مناوي وجبريل إبراهيم خلال توقيع اتفاقية جوبا في أكتوبر 2020 (رويترز)
منّي أركو مناوي وجبريل إبراهيم خلال توقيع اتفاقية جوبا في أكتوبر 2020 (رويترز)
TT

اتفاقية جوبا للسلام في السودان... «يوم الحساب»

منّي أركو مناوي وجبريل إبراهيم خلال توقيع اتفاقية جوبا في أكتوبر 2020 (رويترز)
منّي أركو مناوي وجبريل إبراهيم خلال توقيع اتفاقية جوبا في أكتوبر 2020 (رويترز)

(تحليل إخباري)
تدهورت الأوضاع الأمنية في إقليم دارفور السوداني بصورة لافتة خلال الأشهر الماضية، رغم «اتفاقية السلام» مع الحركات المسلحة التي خاضت حرباً ضد الحكومة المركزية تحت مزاعم «التهميش» الاقتصادي والتنموي والسياسي الذي يمارسه «المركز» ضد الإقليم، وأدت إلى مقتل نحو 900 شخص وتشريد 300 ألف خلال العام الحالي، آخرهم 10 قتلوا خلال الأسبوع الماضي، إضافة إلى نزوح أكثر من 30 ألف في جنوب دارفور.
ويرى مواطنون ونشطاء سياسيون، أن موقّعي اتفاقية السلام مع الحكومة تخلوا عن الإقليم ومطالبه، واكتفوا بمكاسب سلطوية ومادية في الخرطوم، وبذلك انتقل الصراع من شكله القديم بين القوات الحكومية وقوات الحركات المسلحة، إلى صراع لأحلاف جديدة على الأرض والموارد، أسهم «متمردو» دارفور السابقون في تفاقمه.
وشهد إقليم دارفور حرباً بين القوات الحكومية وحركات مسلحة استمرت منذ 2003 وحتى 2020، قُتل خلالها أكثر من 300 ألف شخص، وأدت إلى تشريد ونزوح أكثر من مليوني مواطن داخلياً وخارجياً، بحسب تقارير صادرة عن الأمم المتحدة، وواجهها المجتمع الدولي بتخصيص بعثة دولية لحفظ السلام تعدّ من أكبر مهمات حفظ السلام حول العالم.
وأدى هذا النزاع إلى توجيه «المحكمة الجنائية الدولية» اتهامات ضد الرئيس المعزول عمر البشير وثلاثة من كبار معاونيه، بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم إبادة جماعية، لكن السلطات في الخرطوم لا تزال ترفض تسليم البشير ومعاونيه إلى المحكمة الكائنة في لاهاي.
وعملت الثورة السودانية التي أسقطت نظام الإسلامويين بقيادة البشير على إزالة الاحتقانات ذات الطابع الإثني أو الجهوي، وكان هتاف الثوار الشهير «يا عنصري مغرور، كل البلاد دافور»، دليل عمل وطريق خلاص استنّه الثوار لحلحلة النزاعات المزمنة في السودان.
بيد أن حصاد الحقل كان أقل من طموحهم، ولم يطابق حساب البيدر، رغم نجاح الحكومة الانتقالية، بقيادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، في توقيع اتفاقية «سلام جوبا».
وتضمنت اتفاقية سلام السودان في «جوبا»، الموقّعة في 3 أكتوبر (تشرين الأول) 2020، ثمانية «بروتوكولات»، شملت إعادة تنظيم وتشكيل القوات الأمنية والجيش بما يمكّن من دمج أفراد الميليشيات في القوات الحكومية، وتطبيق العدالة الانتقالية، والتعويضات وجبر الضرر، وتنمية قطاع الرحّل والبدو، وإعادة توزيع الثروة والسلطة، وحل قضية النازحين واللاجئين، وإعادة توزيع الأراضي.
لكن، رغم مرور أكثر من سنتين على توقيع الاتفاقية، لم ينفذ منها إلا بروتوكول تقاسم السلطة بين المتقاتلين السابقين والحكومة، وحصل بموجبه قادة هذه الحركات على مناصب كبيرة في السلطة، في مجلسي السيادة والوزراء، وظلوا يدافعون عن مناصبهم تلك رغم حل الحكومة نتيجة الانقلاب واستقالة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك؛ ما جعلهم في نظر الكثيرين «جزءاً من الانقلاب».
وقال الناطق الرسمي باسم «منسقية النازحين واللاجئين» آدم رجال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاقية جوبا، وعوضاً عن حل مشكلة دارفور، أدت إلى تأزيم الوضع؛ لأنها لم تخاطب «أصحاب المصلحة والضحايا، بل خاطبت مصالح من يريدون السلطة والمال». وأضاف «لم يكن القتل والتشريد والإبادة الجماعية قضيتهم في الأصل».
وندد رجال بتمسك قادة الحركات المسلحة بمناصبهم في السلطة ورفضِ أي تعديلات على الاتفاقية قد تفقدهم تلك المناصب، وقال «لم يكونوا يريدون تحقيق تطلعات الشعب، بل تطلعاتهم الفردية، وأن يكون الواحد منهم وزير مالية أو رئيس وزراء. لذلك تحولت الاتفاقية لتقاسم مناصب».
وأرجع رجال بقاء قادة الحركات المسلحة في الخرطوم إلى خوفهم من مواجهة من أسماهم «أصحاب المصلحة في المعسكرات»، وقال «لقد وقّعوا باعتبارهم ممثلين لأصحاب المصلحة، لكنهم لم يترجموا الاتفاقات إلى عمل»، وأضاف «هم تجاهلوا حتى موضوع العدالة، وتخلوا عن حقوق الضحايا وتوفير الأمن ونزع السلاح وطرد المستوطنين الجدد من أراضي النازحين وتعويضهم فردياً وجماعياً ليتمكنوا من العودة إلى مناطقهم».
وأكد رجال، أن قادة الحركات تخلوا عن مطلب أهل دارفور الرئيس المتمثل بتسليم المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب إلى المحكمة الجنائية الدولية، مكتفين بالسلطة والمناصب التي حصلوا عليها. لكن الأكاديمي والباحث في الشأن الدارفوري عبد الله آدم خاطر، رأى، أن اتفاقية جوبا لقيت الترحيب في البداية، وكان السلام رغبة شعبية عارمة بعد الثورة؛ لذلك علّق الناس آمالاً عريضة على استكمال هذا الشعور بالسلام. لكنه استطرد قائلاً «للأسف، نواقص الاتفاقية، خاصة في بروتوكول الترتيبات الأمنية وعدم إعادة تدريب المجموعات المنتمية للحركات ونقص التمويل، خلقت نوعاً جديداً من المشكلات».
وأوضح خاطر لـ«الشرق الأوسط»، أن ما حدث في الإقليم، خاصة في مناطق «جبل مون»، و«كريندنق»، و«كرينك» في المرحلة الأولى، والصراع الجاري الآن في منطقة «بليل» في جنوب دارفور، والذي أدى إلى مقتل ونزوح الآلاف، يعدّ أحد تجليات هذه المشكلات التي خلقها عدم الالتزام بالاتفاقية.
وحذر خاطر من تفاقم النزاع بسبب «الوافدين الجدد» الذين يبحثون عن أرض في دارفور وبعض كردفان، وقال «ما لم تأتِ حكومة حقيقية، يمكن أن تتفاقم هذه المشكلات».
وانتقد خاطر ذريعة الحركات بعدم تعاون الحكومة الاتحادية معها، وقال، إن هذه الحركات «لم توسع دائرة التواصل مع المواطنين، ولم تكسب الرأي العام ولم تهتم بالسلام، بسبب مشاركتها أو تواطؤها مع الانقلاب الذي أرجع عقارب الساعة إلى الوراء». وأضاف «لهذا السبب؛ يشعر الشعب بأنها خذلته بدل أن تستثمر في السلام، واختارت البعد عن المواطنين وقضاياهم». وتابع «على الحكومة المزمعة وحركات سلام جوبا استعادة التعاون من أجل تعزيز السلام وتحقيق تطلعات المواطنين».
من جهته، وصف الناشط السياسي منتصر إبراهيم اتفاقية سلام جوبا بأنها «خطر على دارفور»، وقال، إنها خلقت نوعاً جديداً من الاصطفاف أخلّ بالتوازن الاجتماعي بإضافة «منتصرين جدد». وأضاف «دافور كانت في حاجة إلى مصالحة شاملة، وليس إلى خلق توازنات جديدة، تتجلى في صراع تحالفات جديدة بين مكونات لم تكن جزءاً من الصراع».
وبحسب إبراهيم، فإن «مناطق ومجموعات جديدة لم تكن ضمن دائرة الصراع أصبحت جزءاً منه، ونشأت تحالفات جديدة بين مكونات كانت متحاربة في السابق»، وأضاف «حركة العدل والمساواة كانت الأوسع تمثيلاً، لكنها انحسرت وانحصرت في مكون اجتماعي معين». وأوضح إبراهيم، أن «الشكل الجديد الذي ظهرت (الحركة) به يعيد للأذهان خطاب النظام السابق الذي أنكره الشعب، وهو أن الحرب بين مكونات الإقليم هي حرب لصالح مكونات محددة».
وحذر إبراهيم من أن يؤدي انكفاء «حركة العدل والمساواة» والحركات الأخرى على مكوناتها الاجتماعية إلى النظر إليها على أنها مجرد حركة تخص مجموعة محددة، معتبراً أن «هذه المسألة سينتج عنها نوع جديد من الأخلال بالتطلعات المشتركة لأبناء الإقليم والأقاليم التي كانت جزءاً من العدل والمساواة».


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

24 قتيلاً بهجوم لـ«الدعم السريع»

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

24 قتيلاً بهجوم لـ«الدعم السريع»

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربة نقل كانت تُقلّ نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

جاء الهجوم على حافلة النازحين في سياق هجمات مختلفة لـ«الدعم السريع» طالت أيضاً مستشفى الكويك العسكري وقافلة إغاثية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي في شمال وجنوب إقليم كردفان. وأعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها الشديدين لهجمات «قوات الدعم السريع»، وأكدت، في بيان لوزارة خارجيتها، أمس، أن هذه الأعمال لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال.

وجددت السعودية تأكيد موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، ورفضها التدخلات الخارجية واستمرار بعض الأطراف في إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة والمقاتلين الأجانب، موضحةً أن هذا التدخل يُطيل أمد الحرب.


ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
TT

ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)

رفع «المجلس الأعلى للقضاء» في ليبيا سقف التصعيد ضد قرارات الدائرة الدستورية في «المحكمة العليا» في طرابلس، بتحذير صارم من «محاولات تسييس الجهاز القضائي»، و«العبث به في هذه المرحلة حساسة»، في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً مزمناً يكاد يقترب من ساحة القضاء.

جاء موقف «المجلس الأعلى للقضاء» على خلفية قرار الدائرة الدستورية إبطال قانونين أصدرهما مجلس النواب، وتضمنا تعديلات على قانون نظام القضاء، ما يعني سقوط الأساس الدستوري، الذي قام عليه تشكيل المجلس الأعلى للقضاء الحالي، وفقدانه صفته المستمدة من هذا القانون، بما يوجب إعادة تشكيله وفق النصوص السابقة.

ودون حديث مباشر عن «الدائرة الدستورية»، أعرب المجلس، في بيان، مساء الجمعة، عن أسفه لما يحدث على الساحة القضائية، وبخاصة «محاولات البعض للنيل من وحدة واستقلال السلطة القضائية، عبر استخدام أدوات تحسب نفسها على الشأن الدستوري للحلول محل المجلس بمجلس ضرار»، عادّاً أن هدفها «تحقيق غايات لا يمكن القول إلا أنها سياسية وشخصية ضيقة، على نحو يصادر كل ما عداها من سلطات».

وأضاف المجلس موضحاً أنه «حفاظاً على وحدة السلطة القضائية، والتحلي بالمسؤولية ولمصلحة الوطن الكبرى، مارس المجلس أعلى درجات الانضباط فترة من الزمن أمام تعنت مستمر ممن حملوا هذه الغايات لفرض أمر واقع لا نتيجة له»، مشيراً إلى محاولات «العبث بالجهاز في مرحلة حساسة وخطيرة من تاريخ الوطن، في الوقت الذي هو أحوج فيه ما يكون للوحدة دون غيرها».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

وينظر إلى هذا التصعيد على أنه حلقة من صراع قانوني وسياسي بين مجلسي النواب والدولة، انتقل من أروقة السياسة إلى قلب السلطة القضائية، وبينما سعى مجلس النواب عبر حزمة تعديلات قانونية إلى إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، بما يضمن له نفوذاً أكبر على الهيئة القضائية، اعتبر مجلس الدولة أن هذه الخطوة «تسييس» للقضاء.

وأكد «المجلس الأعلى للقضاء» أنه «سيظل الممثل الشرعي الوحيد للهيئات القضائية، ولن يتخلى عن التزامه بوحدة الجهاز وأعضائه تحت أي ضغوط، مع الالتفات عن أي قرارات تصدر عن غيره، وعدم الانصياع لمن عقدوا العزم على التفريط في وحدته بقرارات معدومة».

على صعيد آخر، اختتم مسار الحوكمة في الحوار المُهيكل، الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة، بمناقشة سبل استكمال مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتجاوز الجمود المتعلق بالإطار الانتخاب.

وبحث أعضاء المسار في ثاني جولة مداولات مباشرة، على مدى الخمسة أيام، القضايا المتعلقة بتأزم الطريق نحو الانتخابات، بما في ذلك استكمال مجلس المفوضية العليا للانتخابات، والجمود المتعلق بالإطار الانتخابي، مع تقديم توصيات عملية للعمل مع مجلسي النواب والدولة، أو خارجهما لضمان المضي قدماً في العملية السياسية.

وشهدت الجولة تأكيداً من الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، على أن هذا الحوار يمثل عملية «ليبية - ليبية»، تهدف لوضع حلول عملية صاغها الليبيون بأنفسهم لمستقبل بلادهم، بعيداً عن كونه هيئة لاختيار حكومة جديدة. كما استندت المداولات بشأن الإطار الانتخابي إلى قوانين لجنة «6+6»، وتوصيات اللجنة الاستشارية، مع التركيز على فهم الضمانات، والمخاوف السياسية الكامنة وراء الخلافات الحالية.

من جانبهم، أشار الأعضاء المشاركون إلى أن الجولة انتقلت من المبادئ العامة إلى التفاصيل الإجرائية، مؤكدين أن حل أزمة الشواغر في مجلس إدارة المفوضية يعد ركيزة أساسية لتعزيز الثقة في أي انتخابات مستقبلية، ومنع تعرضها للطعن أو التعطيل.

من حملة الانتخابات البلدية السابقة (المفوضية)

وفي ختام الجولة، عرض الأعضاء توصياتهم الرئيسية على سفراء وممثلي مجموعة العمل السياسية لعملية برلين، الذين أكدوا دعمهم لخريطة الطريق التي تيسرها البعثة الأممية، على أن يستأنف المسار أعماله في مارس (آذار) المقبل، لمواصلة بناء التوافق حول رؤية وطنية تحقق الاستقرار طويل الأمد.

وجددت البعثة الأممية التأكيد على أن الحوار المُهيكل ليس هيئةً لاتخاذ القرار بشأن اختيار حكومة جديدة، مشيرة إلى أنه يُعنى فقط ببحث توصيات عملية لخلق بيئة مواتية للانتخابات، ومعالجة التحديات الأكثر إلحاحاً في مجالات الحوكمة والاقتصاد والأمن، بهدف تعزيز مؤسسات الدولة. وذلك من خلال دراسة وتطوير مقترحات السياسات والتشريعات لمعالجة محركات الصراع طويلة الأمد، كما أشارت إلى أن عمل الحوار المُهيكل سيهدف إلى بناء توافق في الآراء حول رؤية وطنية، من شأنها أن تعبد الطريق نحو الاستقرار.

وتزامن هذا التطور مع انطلاق عملية الاقتراع، السبت، لانتخابات المجالس البلدية في بلديات تاجوراء، صياد، والحشان، إضافة إلى مركز اقتراع في طبرق، وسط أجواء منظمة وهادئة. وقالت غرفة العمليات الرئيسية بالمفوضية إن عملية الاقتراع تسير وفق الخطة المعتمدة، ودون تسجيل أي عراقيل تُذكر، وفي أجواء تتسم بالانضباط والتنظيم.

وأكدت المفوضية فتح جميع المراكز، وعددها 43 مركزاً تضم 93 مكتب اقتراع، وتميزت هذه الجولة باستخدام تقنية التحقق الإلكتروني (البصمة) في بلدية تاجوراء، في خطوة تستهدف تعزيز الشفافية، ومنع أي محاولات للتزوير.

خوري خلال تفقدها مركزاً للاقتراع في الانتخابات البلدية السبت (البعثة الأممية)

ودعت بعثة الأمم المتحدة جميع الناخبين المسجلين للإدلاء بأصواتهم بهدف المساهمة في بناء حوكمة محلية مسؤولة، فيما زارت نائبة رئيسة البعثة، ستيفاني خوري، مراكز الاقتراع في تاجوراء للاطلاع على عملية التصويت، واستخدام نظام التحقق الإلكتروني من الناخبين.

وتستكمل هذه الانتخابات خطة المفوضية لانتخاب المجالس البلدية على مستوى البلاد، بعد تجاوز بعض العوائق الفنية والقانونية، التي أخرت الاقتراع فيها، كامتداد لنجاح المراحل السابقة، التي نُفذت خلال العامين الماضيين، وأسفرت عن اعتماد نتائج نهائية وتشكيل مجالس منتخبة.


مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)

أعربت مصر عن تقديرها للدور المهم والبنّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان، واستضافتها المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، مشددة على أنها «سوف تواصل بذل جهودها الحثيثة لخفض التصعيد، ودعم التوصل إلى تسويات تعزّز منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي».

جاءت التأكيدات المصرية خلال اتصالَين هاتفيين لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، السبت، مع كل من وزير خارجية سلطنة عُمان بدر البوسعيدي، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة العُمانية مسقط، وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إن المحادثات «شهدت أجواء إيجابية للغاية»، مضيفاً أن الجانبين «اتفقا على مواصلة المفاوضات».

وأطلع وزير الخارجية العماني، نظيره المصري، السبت، على مجريات المفاوضات التي تمت في عمان بين الولايات المتحدة وإيران، مثمناً الجهود المصرية الدؤوبة والاتصالات المكثفة التي أجرتها مصر بين الأطراف المعنية على مدار الأسابيع الأخيرة، والتي أسهمت في تقريب وجهات النظر والتمهيد للمفاوضات، مشيداً بـ«التحركات الدبلوماسية المصرية الرامية إلى نزع فتيل الأزمات في المنطقة».

وقال عبد العاطي، خلال الاتصال مع البوسعيدي، إن مصر «ستواصل دعمها الجهود كافّة الرامية إلى خفض التصعيد، والتوصل إلى تسوية توافقية للملف النووي الإيراني تراعي شواغل جميع الأطراف»، مشدداً على «أهمية البناء على ما تحقق في هذه المفاوضات، بغية تحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين، وتجنّب المنطقة مخاطر الانزلاق إلى موجات جديدة من عدم الاستقرار».

وزيرا خارجية مصر وإيران خلال لقاء غروسي بالقاهرة في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

وأكدت مصر، الجمعة، دعمها الكامل لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، «بوساطة الأشقاء في سلطنة عمان». وشددت على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، والسبيل الوحيد للتعامل معه يتمثّل في الحوار والتفاوض، بما يراعي مصالح الأطراف المعنية كافّة».

كما ثمّنت الجهود البنّاءة التي بذلتها كل من المملكة العربية السعودية، وقطر، وتركيا، وسلطنة عمان، وباكستان في هذا الإطار، معربة عن أملها في أن «تُفضي هذه المساعي الصادقة إلى تحقيق اختراق إيجابي، يُسهم في تعزيز فرص الاستقرار والسلام في المنطقة».

كما أشار وزير الخارجية المصري، خلال اتصاله الهاتفي مع غروسي، السبت، إلى استمرار الجهود المصرية الرامية إلى خفض التصعيد في المنطقة، مشدداً على «أهمية مواصلة بذل الجهود الإقليمية والدولية، لخفض حدة التوتر والتصعيد بالمنطقة، والدفع بالحلول الدبلوماسية».

وقادت مصر العام الماضي وساطة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، انتهت بتوقيع وزير الخارجية الإيراني، ومدير عام الوكالة الدولية، على اتفاق بالقاهرة في التاسع من سبتمبر (أيلول) الماضي، يقضي بـ«استئناف التعاون بين الجانبَين، بما يشمل إعادة إطلاق عمليات التفتيش على المنشآت النووية الإيرانية»، قبل أن تعلن طهران تجميد الاتفاق في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وكان عبد العاطي قد أكد، خلال حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» في العاصمة السلوفينية ليوبليانا، مساء الجمعة، «أهمية خفض التصعيد في الإقليم، وتجنّب توسيع دائرة الصراع، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لمعالجة الملفات الخلافية، بما يُسهم في الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها، ومنع انزلاقها إلى مواجهات أوسع».