تهدئة في أزمة كوسوفو لكن «عدم الثقة» ما زال قائماً

شرطيان من كوسوفو يحرسان جسراً يفصل بين الجنوب الصربي والشمال الألباني في ميتروفيتشا أمس (أ.ب)
شرطيان من كوسوفو يحرسان جسراً يفصل بين الجنوب الصربي والشمال الألباني في ميتروفيتشا أمس (أ.ب)
TT

تهدئة في أزمة كوسوفو لكن «عدم الثقة» ما زال قائماً

شرطيان من كوسوفو يحرسان جسراً يفصل بين الجنوب الصربي والشمال الألباني في ميتروفيتشا أمس (أ.ب)
شرطيان من كوسوفو يحرسان جسراً يفصل بين الجنوب الصربي والشمال الألباني في ميتروفيتشا أمس (أ.ب)

بدأت الأقلية الصربية في كوسوفو، التي تغلق الطرق منذ نحو ثلاثة أسابيع، برفع الحواجز قرب الحدود مع صربيا، أمس الخميس، ما يمهّد لتخفيف واحدة من أسوأ الأزمات في المنطقة في السنوات الأخيرة.
وأكدت شرطة كوسوفو إعادة فتح المعبر الحدودي الرئيسي مع صربيا رسمياً، والذي كان مغلقاً في اليوم السابق. وأظهرت لقطات بثّها التلفزيون الحكومي الصربي «آر تي إس» تشكُّل طوابير من السيارات والشاحنات على الجانب الصربي من المعبر الحدودي الرئيسي حيث أقيمت الحواجز على الطرق.
وكان الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش أعلن إزالة الحواجز مساء أول من أمس الأربعاء، بعد دعوة لوقف التصعيد وجهتها واشنطن والاتحاد الأوروبي.
وقال فوتشيتش، خلال لقاء مع ممثلي صرب كوسوفو قرب الحدود: «سيجري تفكيك الحواجز، ولكن (جَو) عدم الثقة ما زال قائماً».
وفي خطوة من الواضح أنّها تهدف إلى تخفيف التوترات، أمرت محكمة في بريشتينا بالإفراج عن الشرطي الصربي السابق ديان بانتيتش، ووضعه رهن الإقامة الجبرية، بعدما أثار اعتقاله غضب الأقلية الصربية.
وساد الهدوء صباح أمس شمال كوسوفو، مع تسيير دوريات لقوات حفظ السلام الدولية، وفقاً لمراسل وكالة «الصحافة الفرنسية». وفي ميتروفيتشا، احترقت شاحنتان استُخدمتا لإغلاق جسر أثناء الليل. ولم يعرف سبب الحادث.
في روداري قرب ميتروفيتشا، كان نحو عشرة متظاهرين لا يزالون واقفين عند حاجز على الطريق، معربين عن استيائهم من فكرة إزالته. وقال شاب يبلغ 25 عاماً لوكالة «الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم الكشف عن هويته: «لا معنى لذلك، لقد ناضلنا من أجل حقوق لم نحصل عليها، نشعر بالخيانة».
وتساءل متظاهر آخر في الثامنة والثلاثين، رافضاً الكشف عن هويته أيضاً: «لماذا أقمنا الحواجز ما دام كلّ شيء سينتهي على هذا النحو؟».
منذ 10 ديسمبر ( كانون الأول) الحالي يغلق مئات من أبناء العرقية الصربية في كوسوفو طرقاً رئيسية في المناطق الشمالية؛ احتجاجاً على اعتقال الشرطي بانتيتش، في تحرّك شلّ حركة المرور إلى معبرين حدوديين مع صربيا.
وقالت رئيسة الوزراء الصربية آنا برنابيتش، الأسبوع الماضي، إنّ الوضع في هذه المنطقة كان «على حافة الانزلاق إلى نزاع مسلح».
وتعرضت شرطة كوسوفو وقوات حفظ السلام الدولية لعدّة هجمات بأسلحة نارية، فيما وضعت صربيا قواتها المسلّحة في حالة تأهّب قصوى.
وأعلن إقليم كوسوفو استقلاله في عام 2008، بعد عقد من حرب دامية بين القوات الصربية والمتمرّدين الألبان. لكنّ صربيا ترفض الاعتراف بالدولة الفتيّة.
وتحضّ بلغراد 120 ألف صربي يعيشون في كوسوفو، ولا سيّما في مناطقها الشمالية، على تحدّي سلطات بريشتينا، في وقت تسعى الأخيرة إلى فرض سيادتها على معظم أراضي الإقليم.
وفي بداية نوفمبر (تشرين الثاني)، أضرب مئات من عناصر الشرطة الصرب في جهاز شرطة كوسوفو، بالإضافة إلى قضاة ومدّعين عامّين وغيرهم، احتجاجاً على قرار بمنع الصرب الذين يعيشون في كوسوفو من وضع لوحات صربية على سياراتهم.
والأربعاء، دعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في بيان مشترك، إلى «نزع فتيل التوتر»، وأشارا إلى العمل مع بلغراد «لإيجاد حلّ سياسي بهدف تهدئة التوترات والتوصل إلى تقدم لصالح الاستقرار والأمن ورفاه جميع السكان المحليين».
في المقابل، جدّدت روسيا دعمها لبلغراد. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف للصحافيين: «لدينا علاقات وثيقة جداً كحليفين، (علاقات) تاريخية وروحية مع صربيا»، مضيفاً: «وبالتأكيد، ندعم بلغراد في الخطوات التي تتخذها».


مقالات ذات صلة

هاشم تاجي في محكمة لاهاي: لست مذنباً

العالم هاشم تاجي في محكمة لاهاي: لست مذنباً

هاشم تاجي في محكمة لاهاي: لست مذنباً

نفى رئيس كوسوفو السابق هاشم تاجي، كل الاتهامات الموجهة إليه في بداية محاكمته، أمس (الاثنين)، لارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أمام محكمة خاصة في لاهاي. وقال تاجي الذي يبلغ 54 عاماً، أمام المحكمة: «أنا لست مذنباً». ويحاكم قائد جيش تحرير كوسوفو السابق هو و3 مسؤولين بارزين في جيش تحرير كوسوفو على صلة بجرائم ارتكبت في نهاية تسعينات القرن الماضي، عندما كان هذا الجيش يقاتل من أجل استقلال كوسوفو عن صربيا. ويتهم الادعاء الرجال الأربعة بتشكيل قيادة لـ«عمل إجرامي مشترك» في ميليشيا كوسوفو الألبانية.

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
العالم محاكمة رئيس كوسوفو السابق بتهمة ارتكاب جرائم حرب تنطلق اليوم

محاكمة رئيس كوسوفو السابق بتهمة ارتكاب جرائم حرب تنطلق اليوم

تبدأ اليوم الإثنين أمام محكمة خاصة في لاهاي محاكمة رئيس كوسوفو السابق هاشم تاجي المتهم بارتكاب جرائم حرب وضد الإنسانية في حق القوات الصربية خلال حرب الاستقلال بين العامين 1998 و1999. وكان تاجي البالغ 54 عاما والمحارب السابق في «جيش تحرير كوسوفو»، قد دفع ببراءته في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 خلال مثوله مرة أولى أمام المحكمة الخاصة بكوسوفو. انتخب تاجي رئيسا لكوسوفو في العام 2016 لكنه استقال بعدما وجهت إليه هذه المحكمة التهمة إلى جانب ثلاثة مشتبه فيهم آخرين يحاكمون إلى جانبه.

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
العالم الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش (يسار) ورئيس وزراء كوسوفو ألبين كورتي (يمين) مع جوزيب بوريل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي: صربيا وكوسوفو تتفقان على تطبيع العلاقات

قال جوزيب بوريل منسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي إن زعيمي صربيا وكوسوفو وافقا، يوم الاثنين، على اتفاق يدعمه الغرب لتطبيع العلاقات ولكن هناك حاجة لإجراء مزيد من المحادثات بشأن تنفيذ الاتفاقية. وفي حديثه بعد استضافته محادثات في بروكسل بين الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش ورئيس وزراء كوسوفو ألبين كورتي، قال بوريل إن الزعيمين اتفقا على عدم الحاجة لإجراء مزيد من المحادثات بشأن الاتفاق بين الخصمين السابقين في زمن الحرب. لكنه قال «لا تزال هناك حاجة لمزيد من المفاوضات» حول كيفية تنفيذ الاتفاق والالتزامات السابقة التي قطعها الجانبان.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
العالم صرب كوسوفو يتظاهرون في شتربتسه أمس (أ.ف.ب)

«الناتو» يرفض طلباً لنشر قوات صربية في كوسوفو

قال الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، أمس (الأحد)، إن بعثة «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) في كوسوفو، رفضت طلباً مقدماً من الحكومة الصربية لإرسال ما يصل إلى ألف فرد من قوات الجيش والشرطة إلى هناك في أعقاب سلسلة من الاشتباكات بين صرب وسلطات كوسوفو. وأعلنت كوسوفو، التي كانت في السابق أحد أقاليم صربيا، استقلالها في عام 2008 في أعقاب حرب دارت خلال عامي 1998 و1999، وقصف خلالها الحلف منطقة يوغوسلافيا التي كانت تضم صربيا والجبل الأسود، لحماية كوسوفو ذات الأغلبية الألبانية. وقال فوتشيتش في مقابلة مع قناة «بينك» التلفزيونية الخاصة: «ردت (البعثة) بأنها تعتبر أنه لا توجد حاجة لعودة الجيش الصربي إلى كوسوفو...

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
العالم عناصر من القوات الكوسوفية يشاركون في تدريب عسكري (رويترز)

إصابة صربيَّين بالرصاص وتوقيف مشتبه به من القوات الخاصة الكوسوفية

أُصيب صربيّان بينهما فتى يبلغ 11 عاماً، أمس (الجمعة)، في كوسوفو برصاص عنصر من القوات الخاصة تم توقيفه لاحقاً، وفق ما أعلنت السلطات، بعد أسابيع من التوترات. وندّدت السلطات الكوسوفية بهذا الهجوم الذي يأتي بعد أسبوع من تفكيك الحواجز التي أقامها الصرب في ديسمبر (كانون الأول) في شمال كوسوفو احتجاجاً على توقيف شرطي صربي سابق، وفقاً لوكالة «الصحافة الفرنسية». وأعلنت الشرطة الكوسوفية في بيان، توقيف «رجل يبلغ 33 عاماً» في جنوب كوسوفو، وهي مقاطعة صربية سابقاً لم تعترف يوماً بلغراد باستقلالها الذي أُعلن عام 2008. وحصلت الحادثة قرب مدينة شتربتسه (جنوب) التي تقطنها بشكل رئيسي الأقلية الصربية. وأفادت الشرطة

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.