الاستثناء التونسي

الإخفاقات الأمنية وتشبيه تونس بالصومال وأفغانستان تهدد «النموذج الناجح» لثورات 2011

الاستثناء التونسي
TT

الاستثناء التونسي

الاستثناء التونسي

بعد مرور أكثر من أربع سنوات على الثورات في تونس ومصر واليمن وليبيا، تشهد كل تلك الدول تحديات أمنية تثير مخاوف من تقدم المجموعات المتطرفة. إلا أن تونس، التي شهدت ثورة «الياسمين» غير الدموية التي انطلقت في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2010 وأطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي في يناير (كانون الثاني) 2011، هناك مخاوف من تبعات هجمات المتطرفين الهادفة إلى قلب تلك التجربة «الناجحة».

تواجه سلطات المملكة المتحدة منذ قرار ترحيل سياحها ورعاياها من تونس «تحسبا لعملية إرهابية جديدة» أعنف حملات انتقادات في وسائل الإعلام التونسية وفي بعض الأوساط السياسية التونسية والمغاربية، فضلا عن قسم من السياح والساسة البريطانيين.
وتتابع وسائل الإعلام البريطانية والتونسية والعربية نشر شهادات صوتية ومصورة عن السياح الذين عارضوا قرار ترحيلهم واتهموا حكومتهم بـ«الرضوخ لمخطط الإرهابيين» ودفع اقتصاد تونس نحو العجز والإفلاس والتسبب في توجيه ضربة قاسية جدا للسياحة التونسية والقطاعات المرتبطة بها.
لكن السؤال الذي يطرحه الخبراء الاستراتيجيون هو: هل لن يتسبب قرار بريطانيا سحب سياحها وتشبيه تونس أمنيا بالصومال والعراق إيذانا بـ«انهيار آخر قلاع الانتقال الديمقراطي والربيع العربي». وهناك قلق من أن تكون هذه ضربة قاصمة «للاستثناء التونسي» وتكريسا للمقولات الاستعمارية عن «الاستثناء العربي والإسلامي».
وقد وصف السفير التونسي لدى المملكة المتحدة نبيل عمار خطوة لندن بـ«ترحيل سياحها» من تونس وحث كل الجالية البريطانية على مغادرة الأراضي التونسية بكونها «مساهمة في تحقيق أهداف الإرهابيين» الذين استهدفوا الموارد الاقتصادية للدولة ولمئات الآلاف من التونسيات والتونسيين وخصوصا للعاملين في قطاعات السياحة والصناعات التقليدية والتجارة والنقل والخدمات. ويذكر أن القطاع السياحي في تونس يشكل 14.5 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي للاقتصاد التونسي.
وتبرز وسائل الإعلام التونسية والبريطانية منذ أيام استياء عدد من الساسة والمستثمرين البريطانيين من قرار «الترحيل»، الذي اعتبره إعلاميون تونسيون «إعلان حرب» على تونس واقتصادها. وتساءل السفير البريطاني السابق في طرابلس أوليفر مايلس عن الأسباب التي جعلت حكومة بريطانيا تتخذ هذه الخطوة «التصعيدية» ضد تونس وتركز على عملية إرهابية وقعت في تونس دون بقية البلدان التي شهدت عمليات مماثلة أو أخطر وبينها فرنسا والكويت اللتين شهدتا هجمات إرهابية في نفس اليوم الذي جرى فيه هجوم سوسة الإرهابي.
وتساءلت مقالات رأي في وسائل الإعلام التونسية والبريطانية والعربية إن كان وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند سيصدر بلاغات مماثلة تدعو رعاياه إلى مغادرة فرنسا والكويت ومصر وإسبانيا وألمانيا وتركيا.. لأنها شهدت مرارا عمليات إرهابية أخطر من الهجوم على منتجع سوسة الإرهابي الذي ينسب إلى «داعش».
خلل «التعاون الأمني»
تزداد التساؤلات حول ما إذا كانت السلطات التونسية قد امتنعت فعلا عن التعاون مع المحققين البريطانيين في جريمة سوسة، بعد أن لمحت مصادر بريطانية بأن تونس لم تتعاون بالطريقة الكافية مع لندن في مواجهة التنظيمات الإرهابية. ولكن سفارة المملكة المتحدة بتونس نفت في بلاغ رسمي باسم الخارجية البريطانية أن يكون الـ600 محقق بريطاني الذين بدأوا التحقيق مع الجانب التونسي في جريمة منتجع سوسة القنطاوي السياحية قد لاقوا صعوبات في التنسيق مع الجانب التونسي. كما نفى الجانبان التونسي والبريطاني ما روج في بعض وسائل الإعلام البريطانية عن تعرض حقيبة رئيس المحققين الأمنيين البريطانيين إلى السرقة في مطار قرطاج.
وخلال جلسة مساءلة رسمية في البرلمان التونسي عقب رئيس الحكومة التونسية الحبيب الصيد على تصريحات وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند التي تدعو إلى «ترحيل السياح»، وضمنيا كل الجالية البريطانية، بكون تونس «تحترم القرار السيادي لحكومة لندن وستساعد السلطات البريطانية على نقل من يرغب في المغادرة». لكن رئيس الحكومة التونسي ووزير داخليته محمد ناجم الغرسلي اعترضا على الاتهامات «الجانية» التي وجهت لتونس وأكدا أن «المؤسسات الأمنية والعسكرية جندت نحو مائة ألف أمني وعسكري لإحكام السيطرة أمنيا على كامل البلاد رغم بعض الصعوبات التي تمر بها من بينها «نقص بعض التجهيزات» والتدهور الخطير للأوضاع في ليبيا وتسرب مسلحين عبر حدود تونس مع ليبيا منذ سقوط القذافي قبل 4 أعوام».
تزحلق كرة الثلج
وقد اعتبر البرلماني وزعيم الحزب القومي العروبي زهير المغزاوي أن «التصعيد البريطاني» ضد تونس سيكون له وقع «تزحلق كرة الثلج» وستتبعه دول غربية أخرى ستمنع سياحها من زيارة تونس بما سيؤدي إلى شل جانب كبير من قدرات البلاد المالية والاقتصادية «وستزيد التحديات الاقتصادية والأمنية في تونس ما بعد الثورة تعقدا». وبالفعل فقد انخرطت الدنمارك وأيرلندا في نفس المسار ولوحت حكومات أوروبية أخرى بالاقتداء بلندن.
واعتبر ساسة من النقابات العمالية ومن اليسار التونسي، مثل البرلماني فتحي الشامخ، أن «النموذج التونسي للتغيير السلمي والانتقال الديمقراطي مستهدف»، معتبرا أن «النتيجة الطبيعية لشل اقتصاد الديمقراطية الناشئة هي دفعها نحو العسكرة والإجراءات اللاشعبية ومن بينها إعلان حالة الطوارئ والزيادات المشطة في الأسعار وتسريح مئات الآلاف من العمال».
وذهب بعض الخبراء في الدراسات الاستراتيجية، مثل السفير ووزير الدولة السابق للخارجية صلاح الدين الجمالي، إلى أبعد من ذلك فيعتبرون أن «تونس تعاقب على نجاحها السياسي والديمقراطي فلم تحصل على المساعدات التي وعدت بها الدول الصناعية السبع مرارا في قممها ولا تلك التي تعهد بها الاتحاد الأوروبي وستكون النتيجة انهيار النموذج التونسي للديمقراطية والتوافق بين الإسلاميين والعلمانيين». وهذا «الاستثناء التونسي» والتنمية البشرية «المتوازنة» تعتبر مهددة اليوم.
«نظام إقليمي» جديد
وربط الخبير في السياسة الدولية السفير السابق عبد الله العبيدي «التصعيد البريطاني ضد الديمقراطية التونسية الناشئة» بالمتغيرات الجيو استراتيجية التي تمر بها تونس والمنطقة العربية والإسلامية عموما والبلدان المغاربية خصوصا وبمشاريع إعادة صياغة «النظام الإقليمي» في «الشرق الأوسط الكبير» بعد قرن عن اتفاقية سايكس بيكو البريطانية - الفرنسية وربع قرن عن انهيار جدار برلين.
وإذ أكدت انتفاضات الشعوب العربية منذ 5 أعوام وجود إرادة للإصلاح والتغيير في دول «الجنوب» وتوفر شروط موضوعية لتمرد المهمشين والطبقة الوسطى وتيار من النخب على منظومات الاستبداد والفساد، فقد تسبب «فشل بلدان الربيع العربي أمنيا وسياسيا واقتصاديا في إعادة الجدل عالميا» حول المقولات الاستعمارية عن «الاستثناء العربي والإسلامي» ثقافيا ودينيا واستراتيجيا، أي المقولات التي تطالب منذ عقود باستثناء الشعوب العربية والإسلامية من مشاريع الإصلاح الديمقراطي وبرامج التنمية السياسية بحجة أن مرجعياتها الدينية والثقافية والتراثية معادية للتعددية».
ويبدو الخبراء وصناع القرار الاقتصادي والسياسي والأمني الدولي اليوم مجددا مقسمين بين أنصار الاحتكام إلى صناديق الاقتراع والرأي العام في الدول العربية ودعاة إعطاء الأولوية مرة أخرى للحلول الأمنية والعسكرية بحجة «الاستثناء الثقافي والديني والاستثناء الاقتصادي والاستراتيجي»، على حد تعبير الجامعي التونسي ومدير معهد الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في الجامعة التونسية - سيريس رضا الشكندالي.
ثنائية الفوضى والاستبداد
ويعيد تخلي لندن والعواصم الغربية عن تونس اقتصاديا، في نظر الخبير الأمني العسكري العميد المختار بن نصر، سيناريوهات أمنية خطيرة تخدم الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية التونسية والجزائرية والليبية التي وجهت لها الحكومة التونسية ضربات قاصمة خلال الأعوام الماضية وخصوصا منذ الهجوم الإرهابي على المتحف الوطني في العاصمة يوم 15 مارس (آذار) الماضي.
وحذر الخبير الاستراتيجي حاتم بن سالم من «خطورة دفع تونس، على غرار ما جرى مع عدة دول عربية، نحو ثنائية الاستبداد أو الفوضى - أي الاختيار بين أمرين أحلاهما مر الديمقراطية مع الفوضى أو القمع الشامل تحت شعار الأولية المطلقة للأمن».
وقدر وزير الداخلية التونسي ناجم الغرسلي نسبة نجاح القوات الأمنية التونسية في القضاء على إرهابيين من دول عربية فارين منذ أكثر من 10 أعوام بـ90 في المائة، بينهم زعماء لعصابات تهريب وإرهاب من الجزائر تطاردهم قوات الأمن الجزائرية منذ عقد التسعينات في القرن الماضي مثل لقمان أبو صخر ومختار بلمختار
تركيع «الاستثناء التونسي»
ويستعد رئيس البرلمان التونسي ورئيس حزب «النداء»، الذي أسسه الرئيس الباجي قائد السبسي لزيارة لندن ولقاء ساستها وأعضاء برلمانها لإقناعهم بجدية «الشريك التونسي» في محاربة الإرهاب وتذكيرهم بتعهدات أوروبا بدعم «النموذج التونسي للاعتدال والوسطية والوفاق». ويأتي ذلك مع تكثيف رئيس الحكومة الحبيب الصيد وزعماء المعارضة، وبينهم قادة حركات النهضة والوطني الحر وآفاق، لقاءاتهم واتصالاتهم الهاتفية مع الدبلوماسيين الأوروبيين وكبار صناع القرار في لندن والاتحاد الأوروبي «لتجنيب تونس كارثة اقتصادية مالية وسياسية أمنية» على حد تعبير الخبير الاقتصادي الدولي الصادق جبنون.
مبادرات رمزية
وبما أن الحكومة التونسية تعلم أن المعركة الحالية تعتمد جزئيا على كسب الرأي العام، كلفت الحكومة التونسية الحقوقي السابق التونسي الفرنسي كمال الجندوبي، الوزير المستشار في حكومة الصيد، بتنظيم سلسلة من المؤتمرات الصحافية فسر فيها الإجراءات الأمنية والعسكرية الإضافية التي قررت الحكومة التونسية اتخاذها. ومن تلك الإجراءات إعلان حالة الطوارئ لمدة شهر «قابل للتجديد» وتسخير 100 ألف عسكري وأمني لتعزيز حماية المؤسسات السياحية وحدود تونس مع ليبيا والجزائر وتأمين الشعب في كل المدن والقرى في كل المحافظات.
وأكد عبد اللطيف حمام مدير عام ديوان السياحة والصناعات التقليدية أن السلطات التونسية شرعت منذ هجوم متحف باردو الإرهابي قبل 3 أشهر في اعتماد «مخططات حماية أمنية إضافية» للمؤسسات الثقافية والسياحية تقرر قبل هجوم سوسة يوم 26 يونيو (حزيران) تفعيل القسط الجديد فيها يوم 1 يوليو (تموز) الذي يعتبر في تونس موعد دخول «موسم الذروة السياحي». وقد تعززت تلك المخططات بإجراءات استثنائية تقررت في أعقاب هجوم سوسة.
لكن الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي يعتبر أن «هدف الإرهابيين ليس إضعاف مداخيل الدولة من السياحة والعملات الأجنبية فقط بل تركيع الاقتصاد الوطني والنموذج التونسي للتغيير السلمي». وأضاف أن هناك سعيا من المتطرفين لتفنيد ما روج عن «الاستثناء التونسي» ونجاح مسار الانتقال الديمقراطي التعددي والتداول العادي على السلطة بين أحزاب وزعامات متناقضة سياسيا وآيديولوجيا بينها زعامات علمانية وأخرى إسلامية.
الثغرات الأمنية والسياسية.. والإعلامية
لكن الانتقادات الكثيرة للقرار الحكومي البريطاني، الذي اعتبره البعض وقوعا في فخ الإرهابيين، لا يقلل حسب تحاليل قدمها عدد من الساسة والإعلاميين التونسيين والبريطانيين من أهمية «الثغرات الأمنية والسياسية والإعلامية» التي كشفتها جريمة سوسة.
ولقد استبعد الصحافي والخبير البريطاني في الشؤون الأمنية فرانك غاردنر أن تكون حكومة بلاده وفرق المحققين الذين أرسلتهم إلى تونس تأكدوا من احتمال تعرض مؤسسة سياحية جديدة إلى عمل إرهابي آخر. لكنه أورد أن «اقتناع المحققين البريطانيين» بوجود إرهابيين في حالة فرار، بينهم شريك سيف الدين رزقي في الهجوم على منتجع سوسة القنطاوي السياحي - جعلهم يقتنعون بأن هؤلاء «الفارين الخطرين» قد ينظمون عملية جديدة.
في نفس الوقت يعتقد كثير من الخبراء العسكريين والإعلاميين أن «الأداء الإعلامي» لكثير من وسائل الإعلام و«الناطقين» باسم السلطات الاقتصادية والسياسية والأمنية «ليس مهنيا» وكانت نتائجه مزيدا من ترويع المواطنين والسياح وسفاراتهم، بما في ذلك عند إعلان الناطق باسم الحكومة عن «تعبئة 100 ألف أمني وعسكري تونسي لحماية الشعب والمؤسسات السياحية من الإرهاب والعنف ومن مخاطر المسلحين القادمين من ليبيا».
لكن الأهم في نظر عدد من الخبراء التونسيين والعرب بينهم في السياسية الدولية في جامعة جون هوبكنز الأميركية خليل العناني هو مستقبل الإصلاحات السياسية والتنموية في تونس وبقية الدول العربية.
ويعتبر الجامعي والباحث في تاريخ الحضارة والفكر زهير بن يوسف أن «نجاح الاستفتاءات الشعبية والانتخابات التعددية والشفافة بعد 2011 في عدد من الدولة العربية مرارا في مصر وتونس والمغرب وليبيا فندت أسطورة وجود مجتمعات وثقافات معادية للقيم العالمية للحريات والتعدد واحترام حقوق الإنسان الفردية والجماعية».
وعلى الرغم من تعاقب أعمال العنف والصدامات في عدد من الدول العربية بعد انهيار الأنظمة المركزية المطلقة السابقة، فإن «النموذج التونسي للانتخابات التعددية والتوافق السياسي بين أطراف ذات مرجعيات عقائدية وسياسية متناقضة» ينطوي على أبعاد رمزية ومفارقات سياسية كثيرة بحسب بن يوسف الذي يقول إنها «أثبتت أن قطار التغيير السياسي السلمي نحو الانفتاح والإصلاح السياسي والاقتصادي الشامل يسير في طريقه الصحيح في كامل الوطن العربي، وإن مر بمراحل تعثر لأسباب عدة من بينهم وجود إرادات محلية وإقليمية ودولية لتعطيله».
ورغم الرسائل السلبية التي أطلقها تيار من النشطاء التونسيين والعرب بعد 2011، ثم المورطون في العنف والإرهاب فإن المتفائلين بدلالات «الاستثناء التونسي» وبنجاح خيار التعدد الثقافي والسياسي عربيا يعتبرون أن المتضررين من الديمقراطية والتغيير، لأسباب داخلية اقتصادية وسياسية وأخرى استراتيجية، لن ينجحوا في تعطيل المسار الجديد للتغيير والإصلاح حتى وإن حققوا نجاحات مؤقتة عبر تعطيله مستفيدين من الإرهاب ومن الصراعات الدولية على الوطن العربي وأفريقيا.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.