المسيّرات في «الحروب الحديثة»

مسيّرة يُعتقد أنها كورية شمالية في مقر وزارة الدفاع الكورية الجنوبية بسيول (أ.ب)
مسيّرة يُعتقد أنها كورية شمالية في مقر وزارة الدفاع الكورية الجنوبية بسيول (أ.ب)
TT

المسيّرات في «الحروب الحديثة»

مسيّرة يُعتقد أنها كورية شمالية في مقر وزارة الدفاع الكورية الجنوبية بسيول (أ.ب)
مسيّرة يُعتقد أنها كورية شمالية في مقر وزارة الدفاع الكورية الجنوبية بسيول (أ.ب)

قد يكون تعبير «الحروب الحديثة» في القرن الـ21 خاطئاً إلى حدٍّ ما؛ فحروب اليوم تجمع كلّ تجلّيات الحروب السابقة، في أيّ عصر كانت. وتُظهر حرب أوكرانيا اليوم كل هذه التجلّيات: فيها حرب الخنادق على غرار الحرب العالميّة الأولى، وفيها الصواريخ «الباليستيّة» على غرار صواريخ هتلر التي استهدفت لندن خلال الحرب العالميّة الثانية، وفيها حرب المدن والدمار الشامل، وهي نمط مستمرّ منذ تشكّل أوّل مدينة مُسوّرة في التاريخ، وفيها حرب المناورة والصدم كما حصل في حروب ألمانيا الخاطفة (Blitzkrieg)، وفيها الحرب الدفاعيّة كما يحصل الآن في مدينة باخموت في الدونباس، وأخيراً وليس آخراً، فيها الحرب السيبرانيّة باستعمال الذكاء الصناعي.
في الحرب العالميّة الأولى، بدأ سلاح الجوّ الدخول إلى حقل المعركة، لكن بخجل. فكانت الطائرة مع طيّار تُستعمل، وذلك بالإضافة إلى المنطاد، للاستطلاع، وفي بعض الأحيان إلقاء القنابل منها على الأهداف الأرضية، لكن بواسطة اليد، وبالعين المجرّدة.
هنا قد يمكن استنتاج نظريّة معيّنة للتعامل مع التحوّلات في الحروب التي تقوم على الدائرة والسهم، لكن كيف؟
* الدائرة للقول إن كلّ شيء يتكرّر ويعيد نفسه في الحروب.
* لكن السهم، للقول إن خصائص الحرب (Characters) تتبدّل مع الوقت والزمن في 3 أبعاد هي: السياسيّ، والاجتماعي، والاقتصاديّ.
* هنا لا بد من التذكير بأن طبيعة الحرب ثابتة، حسب المفكّر العسكري البروسيّ كارل فون كلوزفيتز، الذي قال: «الحرب هي السياسة، لكن بوسائل أخرى».
إذاً، ماذا يمكن القول إذا كان تعبير «الحروب الحديثة» خاطئاً؟
قد يمكن القول إن لكلّ عصر التكنولوجيا الخاصة به. تدخل هذه التكنولوجيا في كلّ الأبعاد، فتغيّر الإنسان والمجتمع. كما تغيّر الأهداف الجيوسياسيّة، وبالتالي الاستراتيجيّات، حتى الوصول إلى التوصيف الوظيفيّ للجندي، كما القائد الأعلى.
يُطلق بعض الخبراء على هذا التغيير تعبير «الثورة في الشؤون العسكريّة». بكلام آخر، تُعتبر الثورة ثورة؛ فقط لأنها تضرب المفاهيم القديمة، لتخلق مفاهيم جديدة. تدخل هذه المفاهيم في الاستراتيجيّات العسكريّة، وبالتالي تُغيّر العقيدة العسكرية للجيوش، من المستوى الأعلى، وحتى مستوى التنفيذ التكتيكي، لكن ما يُسبّب هذه الثورة، هو القدرة، أو بالأحرى الرؤية والعبقريّة التي تتمتّع بها القيادات العسكريّة لجيشٍ ما، وذلك بالطبع بعد الموافقة السياسيّة من الرعيل الأعلى.
فعلى سبيل المثال، كتب القائد الكبير الجنرال شارل ديغول، بعد نهاية الحرب الأولى، ما يلي: «إن الحروب الحديثة ستكون حروب مناورة، حركيّة وصدم». في هذا الوقت، كانت الحكومة الفرنسيّة تبني خطّ ماجينو الدفاعي بامتياز. استغلّ القادة الألمان التطوّرات التكنولوجيّة، فأدخلوها في العقيدة العسكريّة الألمانيّة، فسقطت باريس.
* أدخل (Enter) المسيّرة!
تعكس المسيّرات واقعاً تكنولوجياً جديداً في العالم. هي السلاح الجويّ لمن ليس لديه سلاح جويّ. حتى المنظمات الإرهابيّة استعملتها بما توفّر منها.
تعد المسيّرات عامل توازن غير مُكلف (Force Multiplier). هي طائرة الحرب العالميّة الأولى، لكن من دون طيّار، ومع تكنولوجيا جديدة ترتكز على الدقة في التوجيه، والقصف، كما نقل صورة المعركة الآنيّة (Real Time Feed).
يبدأ الخرق التكنولوجي عند الدول الغنيّة، لكن سرعان ما ينتشر (Proliferation) ليصبح ملك من يرغب، خصوصاً في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، وفي ظلّ قدرة الضعيف على سرقة أسرار الكبير بعدّة طرق.
للمسيّرات مهام ووظائف متعددة؛ منها ما هو للاستطلاع وجمع المعلومات، ومنها ما هو للضربات والقصف على مسافات بعيدة، ومنها ما هو انتحاري، لكن عند كلّ استعمال، يجب أن يخدم هذا الاستعمال استراتيجيّة عسكريّة محدّدة. إذاً المسيّرة، هي بُعد جويّ (دون الإنسان)، مثل البُعد البريّ، كما البحريّ، وحتى السيبرانيّ. هي تعمل من ضمن تعدّد للأسلحة (Combined Arms)، وليست منعزلة عن المنظومة.
بعد التجارب الكثيرة لهذه المسيّرات «كانت أميركا الرائدة». أصبحت اليوم تشكّل قيمة مُضافة على الدبلوماسيّة بين الدول، وذلك حسب بعض الخبراء، لكن كيف؟
تُصدّر اليوم إيران المسيّرات لروسيا. وهي تنتظر قبض الثمن في وقت ما؛ قد يكون هذا الثمن في مجلس الأمن سياسيّاً، وقد يكون بتزويد إيران بأسلحة متقدّمة، من طيران ودفاعات جويّة، وقد يكون في مجال التكنولوجيا النوويّة، أو حتى تقييد الحركية الإسرائيليّة العسكريّة في سوريا. تسعى إيران اليوم لافتتاح معمل تصنيع وتجميع للمسيّرات في كل من طاجيكستان، وفنزويلا. وأخيراً وليس آخراً، تزوّد إيران الميليشيات الحليفة لها بالمسيّرات، إن كان في اليمن أو لبنان، كلّ ذلك بهدف خدمة مشروعها الإقليميّ.
لكن الأكيد، أن كلّ ما يجري اليوم من تعاون عسكري بين إيران وروسيا، سوف يؤدّي إذا استمر على هذه الوتيرة، إلى خلق رابط قويّ جداً جداً على المستويين العسكريّ كما السياسيّ. وهذا أمر قد يكون له تداعيات سلبيّة على محيط إيران، كما على كلّ العالم العربيّ.
في مكان آخر، جرّبت تركيا مسيّراتها في كلّ من سوريا (إدلب)، وليبيا، وناغورنو كاراباخ، وبالطبع أوكرانيا؛ إذ أثبتت فاعليّة عالية. وهي تستعدّ اليوم لافتتاح معمل للمسيّرات في أوكرانيا.
* ادخل (Enter) المسرح الأوكرانيّ!
أيقظت الحرب الأوكرانيّة غول الحرب المخيف. إنها مسرح التجارب بامتياز للأسلحة. يُستعمل فيها كلّ أنواع الأسلحة التقليديّة، مع التهديد الروسي المستمرّ بإمكانية استعمال السلاح النوويّ التكتيكي بالحدّ الأدنى. تشكّل الحرب الأوكرانيّة نموذج الحرب بالواسطة وبامتياز(Proxy War) ؛ فهي على الأرض الأوكرانيّة ماديّاً، لكنها حرب بين الجبابرة. بسبب الحرب الأوكرانيّة، بدأت الدول بزيادة ميزانياتها الدفاعيّة، خصوصاً في كلّ من ألمانيا واليابان. كما أعيد تفعيل الكثير من معامل الصناعات العسكريّة، خصوصاً في الولايات المتحدة الأميركيّة.
لم يسبق أن استُعملت المسيّرات، ومن كلّ الأنواع، بهذه الكثافة على مسرح آخر، فماذا عنها؟ أظهرت الحرب الأوكرانيّة في بداياتها، أن روسيا ليست مستعدّة للحرب، خاصة في مجال المسيّرات. فلجأت أخيراً، بعد تكرار التعثّر الميداني، إلى إيران لاستيراد المسيّرات، خصوصاً الانتحاريّة من فئة «شاهد»، فما الاستراتيجية الروسية؟
يكفي النظر إلى الأهداف التي تدمّرها روسيا في أوكرانيا كي نستنتج ما هي الأهداف الاستراتيجيّة؛ هي تقصف بالمسيّرات الإيرانيّة مراكز الثقل، من مياه، وكهرباء، وطاقة. والهدف هو ضرب العمق الأوكراني الاجتماعيّ، والمجتمع الذي يدعم جبهات القتال؛ إذ يحقّق الجيش الأوكراني نجاحات متكرّرة. تهدف الاستراتيجيّة الروسيّة إلى زيادة الأعباء على الغرب، كما إلى خلق أزمة نازحين جديدة تضغط على أوروبا.
وأخيراً وليس آخراً، تحضّر روسيا الأرضيّة لمعركة قد تكون فاصلة لمرحلة ما بعد الشتاء؛ إذ لا يمكن لروسيا أن تخسر مرتين متتاليتين في أوكرانيا.
* في الردّ الأوكراني أخيراً
انطلاقاً من مبدأ المعاملة بالمثل (Reciprocity) ردّت أوكرانيا على أهداف روسية ذات قيمة استراتيجيّة؛ منها ما يوجد داخل الأراضي الأوكرانيّة المحتلة، كشبه جزيرة القرم، ومنها ما هو في داخل العمق الروسي (500 كيلومتر عن الحدود الأوكرانيّة) -قاعدتا إنغلز، وريازان. وفي الحالتين، استعملت أوكرانيا مسيّرات؛ منها ما هو بحريّ مبتكر(Improvised) ، ومنها ما هو جويّ، لكن من صنع سوفياتي – مُعدّلة.
فما الهدف الأوكرانيّ من قصف القاعدتين الجوّيتين؟
* نقل الحرب إلى الداخل الروسيّ، حتى ولو كانت العمليّة رمزيّة حتى الآن.
* إفهام الرأي العام الروسي، أن الحرب ليست بعيدة عنه، وهي قد تكون قريبة مستقبلاً، وذلك بهدف الضغط على القيادة الروسيّة.
* خلق نمط مُعيّن (Pattern) باستهداف الداخل الروسيّ، وكسر هاجس الخوف، الأمر الذي قد يفتح باب المساعدات الغربيّة لأوكرانيا.
* أن قصف القواعد التي تؤوي قاذفات استراتيجيّة قادرة على حمل رؤوس نوويّة، هو أمر يضرب الصورة القويّة النوويّة للجيش الروسيّ، لتُضاف إلى صورته الضعيفة في الحرب البريّة؛ فاستهداف القاذفات الاستراتيجيّة يضرب عصفورين بحجر واحد، لكن كيف؟
- تشكّل القاذفات بُعداً مهماً في الثالوث النووي بشكل عام، وهو: القدرة على إطلاق النووي من الجو، والبرّ، كما البحر (Nuclear Triad).
- أن استهداف القواعد التي تحوي القاذفات الاستراتيجيّة التي تُستعمل؛ أي القاذفات، لإطلاق صواريخ «الكروز» وغيرها على أوكرانيا، سيُجبر حتماً القيادة الروسيّة على إعادة حساباتها في كيفيّة الاستعمال.
* يُعد الردّ الأوكراني عبر قصف القواعد على أنه لا يخرق الخطوط الحمر التي وضعها الغرب، خصوصاً أميركا، لكن كيف؟ هو يردّ من ضمن مبدأ الدفاع عن النفس. وهو يستعمل تكنولوجيا سوفياتيّة مُعدّلة، وليست من مصدر غربيّ، الأمر الذي لا يحرج استراتيجيّة الرئيس بايدن. في الختام، لماذا لم يكن الردّ الروسي عنيفاً بعد قصف القواعد الجويّة الاستراتيجيّة؟
بردٍّ بسيط، ماذا يملك الرئيس فلاديمير بوتين من وسائل تصعيديّة للرد، أكثر مما يفعله الآن، وذلك عبر القصف التدميري الشامل والكامل للبنى التحتيّة الأوكرانيّة؟
قد يكون بالتصعيد إلى مرحلة أعلى، ألا وهي استعمال النوويّ التكتيكي، وهذا أمر له حسابات مختلفة.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز) p-circle

مسيَّرات أوكرانية تهاجم مصنعاً روسياً لوقود الصواريخ

كشف مسؤول ​في جهاز الأمن الأوكراني، اليوم السبت، عن أن طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت ‌مصنعاً لإنتاج مكونات ‌وقود ‌الصواريخ ⁠في ​منطقة ‌تفير غرب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».