المقاتلون الأجانب في صف النظام السوري.. من هم؟

أكثر من أربعين ألف من منظمات متطرفة يقاتلون إلى جانب جيش الأسد

المقاتلون الأجانب في صف النظام السوري.. من هم؟
TT

المقاتلون الأجانب في صف النظام السوري.. من هم؟

المقاتلون الأجانب في صف النظام السوري.. من هم؟

كثر الكلام وكثرت التكهنات والتحليلات حول المقاتلين الشيعة الذين يقاتلون إلى جانب الجيش النظامي السوري. وبات من المعلوم أن العراقيين يشكلون عماد القوات المقاتلة الشيعية في سوريا، حيث تبقى مشاركة حزب الله اللبناني نوعية حتى الساعة. فمن هم هؤلاء؟ ما دوافعهم ومناطق وجودهم؟ وما تأثيرهم على مجريات المعارك في سوريا؟
في الوقت الراهن، يقاتل إلى جانب جيش بشار الأسد، بحسب الخبراء الغربيين، ما يزيد على أربعين ألف شيعي، استنفرهم ملالي إيران من كل مكان، شيعة باكستانيون وأفغان، حوثيون وبحرينيون، حزب الله اللبناني، كما يسمي نفسه، وأشتات شيعية من العراق، ونخبة من عساكر الحرس الثوري، التقوا جميعا على هدف معلن واحد، قتال أهل السنة في سوريا، إما بحملهم على الاستسلام، أو إجبارهم على الرحيل. في الظاهر، جاءوا لحماية «المراقد المقدسة»، واستنقاذها ممن يسمونهم «جماعات تكفيرية»، وفي الباطن يضمرون انتقاما تاريخيا، ليس له أول وليس له آخر، وأبعد من ذلك تحقيق المشروع الإيراني للهيمنة على الهلال الخصيب برمته، ومد الهيمنة الفارسية إلى عمق الوطن العربي، وإعلان قم عاصمة للمسلمين.

لم يكن وجود عناصر ومدربين من حزب الله ومن الحرس الثوري الإيراني على الأراضي السورية سرًّا على أحد، لكن هذا الوجود وبعلم الجميع أيضا لم يكن وجودا عسكريا في شكل كتائب وفصائل مسلحة رغم الضجيج الذي أثير حول هذا الموضوع، وبات المقاتلون الشيعة، وخصوصا العراقيين منهم، في طليعة القوات المقاتلة إلى جانب النظام السوري على جبهات أساسية من دمشق إلى حلب مرورا بالقلمون، ذلك انه بعد أن دخل حزب الله بقوة على خط المواجهة في القصير وريفها وفي حمص, تحولت الفرق العسكرية الشيعية من قوة دفاعية إلى قوة هجومية ضاربة تقاتل في طليعة القوات السورية النظامية. ويجب التنويه بأنه ليس لهذه المجموعات المقاتلة مشروع سياسي، بل هي ملتزمة التزاما كاملا بتوجه النظام السوري, ولا توجد نزاعات فيما بينها.
يشير الإسلامي المصري ياسر السري مدير «المرصد الإسلامي»، وهو هيئة حقوقية في لندن تهتم بأخبار الإسلاميين حول العالم، إلى تقدير خبراء أمنيين بأن عدد المقاتلين الشيعة الذين يقاتلون إلى جانب نظام بشار بسوريا يبلغ نحو 40 ألف مقاتل.
وقال السري لـ«الشرق الأوسط»: «الشيعة يجيشون وينفقون بسعة من أجل إبقاء نظام بشار؛ لأنهم يعلمون أنه بذهاب بشار سينتهي حلم إقامة كيانهم المزعوم واسترجاع أمجاد دولة آل ساسان، لذا بشار حليف مثالي، وولاؤه للشيعة الإيرانيين، فضلا عن كرهه الشديد لأهل السنة، والعمل الدؤوب على وقف المد السني في سوريا».
ويضيف: «هذه الأمور وغيرها جعلت من بقاء الأسد أمرا حتميا، وإلا ضاع حلم الشيعة من جانب، واضطربت حسابات الغرب من جانب آخر، سيما فيما يخص أمن إسرائيل ومصالح الغرب». ويوضح السري: «في حقيقة الأمر حتى الآن سقط العراق وسوريا ولبنان في يد إيران، واليمن - لا قدر الله - إذا لم يتدارك اليمنيون أمرهم في طريقه للحاق بها». ويقول السري: «إيران تستخدم ذراعها (حزب الله) لتحقيق أجندتها في المنطقة العربية، بما للحزب من ارتباط آيديولوجي بالدولة الأم لجميع الشيعة؛ إيران». ويضيف: «اليوم بات المقاتلون الشيعة، وخصوصا العراقيين منهم، في طليعة القوات المقاتلة إلى جانب النظام السوري على جبهات أساسية من دمشق إلى حلب مرورا بالقلمون. ودخل حزب الله بقوة على خط المواجهة في القصير وريفها وفي حمص». ويوضح السري: «في آخر تلك التطورات للمشروع الإيراني في المنطقة تدخل طهران في الشأن السوري ودعم نظام بشار، بالإضافة إلى دعم الحوثيين في اليمن، وإثارة القلاقل في البحرين بدعم المعارضة الشيعية». ويضيف: «أستطيع القول إن الحرب في سوريا صارت حربا مصيرية، فإما أن ينتهي وجود بشار وتعود سوريا إلى السوريين، وإما أن يقضى على الثوار لتعود سوريا من جديد إلى طور آخر من أطوار الاستبداد، لكنه سيكون هذه المرة استبدادا دمويا، لن يرحم سنيا، أو حرا طالب يوما ما برحيل بشار».
من جهة أخرى, أفادت تقديرات بأن المقاتلين الشيعة في سوريا يتوزعون على عدة فرق مقاتلة جاءت على النحو التالي:

* لواء أبو الفضل العباس
مع حلول شتاء 2012 ظهر لواء «أبو الفضل العباس» على الساحة السورية وفي منطقة السيدة زينب المتاخمة للعاصمة دمشق بشكل فرقة عسكرية عالية التنظيم والتدريب متمتعة بتسليح حديث ونوعي على مستوى الأفراد، ما يجعلها شديدة الفعالية في حرب المدن والشوارع، فضلا عن ذلك يتمتع اللواء بهيكلية وقيادة عسكرية واضحة وعلى تنسيق تام مع ماكينة الجيش السوري، وغالبية المقاتلين في صفوف اللواء هم من العراقيين وينتمون إلى فصائل مقاتلة شيعية في بلادهم، كعصائب أهل الحق وجيش المهدي.

* مقاتلو حزب الله ببنادق إيرانية
منذ أبريل (نيسان) 2013 ظهرت بعض الصور لمقاتلين إسلاميين شيعة في سوريا. وفي الوقت نفسه، بدأت مجموعة لواء أبو الفضل العباس في الظهور لأول مرة بشكل علني, وبدأ اسمها يتردد على الألسنة. وظل المقاتلون الشيعة في سوريا يظهرون على استحياء وفي مناسبات قليلة في تلك الفترة. غير أنه ومع حلول شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ظهرت الكثير من الصور لمقاتلين شيعة يحملون بأيديهم بنادق يدوية بعيدة المدى مضادة للآليات.
من المرجح أن تكون تلك الأسلحة هي بندقية HS.50 عيار 50 ملم (12.7×99 ملم) اليدوية التي تنتجها شركة شتاير النمساوية. وتقول صحيفة «تلغراف» البريطانية إن شحنة تحمل 800 بندقية من هذا النوع وصلت إلى إيران في عام 2007. لكن مدونة «براون موزيس» تقول إن الأمر الأكثر احتمالا هو أن تلك الشحنة كانت في حقيقة الأمر نسخا إيرانية من البندقية HS.50 النمساوية جرى إرسالها إلى سوريا. ومنذ شتاء 2012 لم تتوقف مواقع التواصل الاجتماعي الموالية لإيران عن الإشادة بالنسخة الإيرانية من تلك البندقية، غير أنه يجري دائما إخفاء الأرقام التسلسلية للبنادق، وهو ما يجعل من الصعب تأكيد ذلك الطرح.
وسببت صفقة بيع بنادق شتاير الأصلية قلقا كبيرا في أوساط العسكريين وصانعي القرار في بريطانيا والولايات المتحدة بسبب الخوف من تزويد «المجموعات الخاصة»، التي شكلتها إيران في العراق، بتلك النوعية من البنادق. وتشمل تلك المجموعات عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله اللتين تقومان بإرسال مقاتليهما في الوقت الحالي للاشتراك في الحرب الدائرة رحاها في سوريا.
وقوبلت بنادق القنص المضادة للآليات من ذلك العيار بترحيب شديد في الأوساط العسكرية الغربية. حيث بدأ الجيش الأميركي وعدد آخر من الجيوش الغربية في استخدام البندقية M107 نصف الآلية عيار 50 ملم. وفي أكتوبر 2012، استخدمت واحدة من تلك البنادق في قنص أحد أعضاء حركة طالبان في أفغانستان من مسافة 2.475 متر.
ويجري في الوقت الحاضر استخدام هذا النوع من البنادق في سوريا من قبل مقاتلي المعارضة والقوات الموالية للأسد على حد سواء. ورغم ذلك، ربما تشير التجهيزات الجديدة للمجموعات ذات التنظيم العالي، التي يقودها المقاتلون الشيعة الأجانب، إلى حدوث نقلة نوعية في التدريبات والتكتيكات المستخدمة على الأرض.
وتضم المجموعات، التي تستخدم تلك البنادق في سوريا، جميع التنظيمات المدعومة من إيران. ويأتي حزب الله في مقدمة تلك المجموعات، حيث يظهر مقاتلوه في الكثير من الصور وهم يحملون البنادق بأيديهم. كما نشرت حركة حزب الله النجباء التي يوجد مقرها في العراق (وهي جبهة مشكلة من كتائب حزب الله وتنظيم عصائب أهل الحق) وكذلك الميليشيات المقاتلة في سوريا، مثل لواء عمار بن ياسر ولواء الحمد، الكثير من الصور على الإنترنت تظهر أعضاءها وبحوزتهم تلك البنادق. كما نشرت أيضا المجموعات التابعة لمنظمة بدر العراقية، مثل قوة الشهيد محمد باقر الصدر وكتائب سيد الشهداء، صورا لمقاتليها يحملون البندقية HS.50. كما ظهرت صور أخرى لمقاتلين شيعة من تنظيمات أخرى لا تعرف هويتها وبحوزتهم تلك البنادق.
لكن مقاطع الفيديو التي تظهر استخدام الميليشيات الإسلامية الشيعية للبنادق من نوعية HS.50 خلال القتال في سوريا قليلة ونادرة للغاية، وعادة ما يجري نشر صور ثابتة فقط.
وكان أول فيديو جرى نشره على صفحات «فيسبوك» وموقع «يوتيوب» يظهر فيه استخدام قوة الشهيد محمد باقر الصدر، التابعة لمنظمة بدر، للبنادق من نوعية HS.50 في سوريا. كما نشرت قوة الشهيد محمد باقر الصدر الكثير من الصور عالية الجودة التي تصور مقاتليها أثناء استخدامهم لنوعية البنادق المضادة للآليات. وكانت قوة الشهيد محمد باقر الصدر قد ضمنت مشاهد - مدتها نحو دقيقة – تظهر استخدام مقاتليها للبنادق في فيلم عن أنشطة المجموعة في سوريا.
ونظرا للتدابير الأمنية عالية المستوى التي تلجأ إليها تلك المجموعات الشيعية المقاتلة، فإنه لا يجري في الغالب عرض أي معلومات عن حالات الفشل أو حتى النجاح في استخدام البندقية. كما أن صفحات الإعلام الاجتماعي، التي تديرها الجماعات الشيعية المسلحة المدعومة من إيران، لا توفر أي تفاصيل عن العمليات التي يجري خلالها استخدام البنادق في القتال في سوريا. ونادرا ما تقوم صفحات الميليشيات الإسلامية الشيعية بوصف تلك النوعية من البنادق أو الحديث عنها. ورغم ذلك، أصبحت البنادق إحدى السمات المميزة للصور التي جرى التقاطها للجنود الذي لقوا حتفهم. ورغم أن نشر الصور والفيديوهات يأتي لأغراض دعائية، فإنه ينبغي أن تؤخذ تلك القدرات العسكرية على محمل الجد من قبل جميع القوى العسكرية على المستويين الإقليمي والعالمي. وكان القناصة، الذين جرى تسليحهم وتدريبهم في إيران، قد أظهروا كفاءة قتالية عالية أثناء استخدامهم البنادق ذات العيار الأقل خلال حرب العراق (2003). ويشير استخدام بنادق القنص ذات العيار الأقل (وخاصة البنادق من نوع SVD) إلى تركيز المقاتلين على تكتيكات القنص.

* طليعة الخراساني تختبر قدراتها القتالية في سوريا
في أواخر شهر سبتمبر (أيلول)، أعلنت سرايا طليعة الخراساني عن وجودها للعالم عبر موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك». ويبدو أن المجموعة تستمد اسمها من أبي مسلم الخراساني، وهو قائد عسكري في القرن الثامن الميلادي ساعد في الإطاحة بحكم أسرة بني أمية السنية خلال حقبة الخلافة الإسلامية الأولى. وتزعم سرايا طليعة الخراساني أنها تتخذ من مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، مقرا لها. وحسب البيانات التي صدرت عن السرايا، يبدو أن نطاق عملياتها العسكرية ينحصر في المناطق الريفية الواقعة خارج العاصمة السورية دمشق.
وأعلن عن وجود سرايا طليعة الخراساني رسميا في الرابع والعشرين من سبتمبر 2013 على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، إلا أنه من الممكن أن يكون قد جرى حصر الدخول على الصفحة الرسمية للسرايا، ثم أنشئت صفحات أخرى بديلة لها، ومن ثم جرى إخفاء الإعلان المبدئي عن وجود السرايا. أما صفحة «فيسبوك» البديلة التي أعلنت رسميا عن تشكيل السرايا، فيعود تاريخ إنشائها إلى الثامن من أكتوبر 2013، وتحتوي الصفحتان على عدد من الصور النادرة التي تروج لنفس الرسائل العامة. وكما هو الحال بالنسبة للميليشيات الشيعية الأخرى، تزعم سرايا طليعة الخراساني أنها تدافع عن ضريح السيدة زينب، وتقوم أيضا بالترويج للأفكار الموالية لإيران التي تشمل الشيعة جميعا. وتغلب فكرة تمجيد المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وكذلك هوية السرايا الشيعية، على الصور التي تقوم السرايا بنشرها على صفحات التواصل الاجتماعي.
وجرى نشر غالبية صور السرايا في شهر أكتوبر، حتى إن بعض الأيام كانت تشهد تحميل ثمانية صور على صفحتي «فيسبوك» التابعتين للسرايا. كما نشرت سرايا طليعة الخراساني عددا كبيرا من الصور تظهر مقاتليها أثناء القتال في سوريا، وصورة أخرى لبعض أعضائها الجرحى، بالإضافة إلى مجموعة من الفيديوهات التي تصور مقاتلي السرايا أثناء المعارك. أهم ما يميز الدعاية الخاصة بالسرايا أن مقاتليها يظهرون في الصور وهم يحملون الراية الخاصة بالمجموعة، وهو الشيء نفسه الذي تقوم به قوة الشهيد باقر الصدر، المجموعة الوحيدة التابعة لمنظمة بدر التي تشارك في الحرب في سوريا. وفي الوقت الذي بذلت فيه التنظيمات الإسلامية الشيعية، التي تقاتل في سوريا، مجهودا ضئيلا لإخفاء علاقتها بإيران، اتخذت السرايا خطوة مناقضة لذلك عندما قامت بوضع شعار الحرس الثوري الإيراني على الراية الخاصة بها. كما لا يدع اتجاه المجموعة لتمجيد المرشد الأعلى الإيراني في الكثير من مشاركتها على صفحات التواصل الاجتماعي مجالا للشك حول الزعيم الديني الشيعي أو الآيديولوجية التي أقسمت السرايا على الولاء لها، وعلى عكس الميليشيات الشيعية الأخرى المقاتلة في سوريا، مثل لواء عمار بن ياسر ولواء الإمام الحسن المجتبى ولواء أبو فضل العباس، لم تقل سرايا طليعة الخراساني ما هي التنظيمات الشيعية العراقية - إن وجدت - التي أرسلت أعضاءها للقتال ضمن صفوف المجموعة.
ورغم أنه جرى الكشف عن هوية قادة المجموعة، فإنه لا تتوفر معلومات دقيقة عن عدد مقاتلي سرايا طليعة الخراساني. وتقول تقارير إن السرايا تقاتل في دمشق حول ضريح السيدة زينب وفي المنطقة الريفية المسماة {الغوطة}، الواقعة قرب العاصمة دمشق. وانتشرت الفيديوهات التي تصور اشتباكات مقاتلي السرايا، انتشار النار في الهشيم بين كل من مناصري مقاتلي المعارضة السوريين وكذلك مناصري الميليشيات الشيعية. وربما يعود السبب في ذلك إلى أن هذه الفيديوهات تبدو طبيعية نوعا ما، كما أنها أطول كثيرا من الفيديوهات الأخرى.
وتبدو المعلومات المتوافرة عن أعداد مقاتلي سرايا طليعة الخراساني, المشتركين في القتال, قليلة جدا. غير أنه بالنظر إلى الصور الخاصة بالمجموعة، يتضح أن السرايا تضم أكثر من عشر مقاتلين. وتستخدم المجموعة الأسلحة التي تتوفر للميليشيات الشيعية الأخرى. وتضم تلك الأسلحة بنادق من نوع كلاشنيكوف ودراغونوف وآر بي جي 7s ومدفع بي كاي إم الرشاش. كما جرى توثيق استخدام المجموعة لمدافع الهاون الخفيفة في اشتباكات في المناطق الريفية خارج دمشق.
وبالإضافة إلى الأسلحة الصغيرة التي تستخدمها المجموعة بجانب الأسلحة المذكورة، يبدو الزي الذي ترتديه سرايا طليعة الخراساني مشابها للزي العسكري للجيش الأميركي.

* نظام الأسد يجند «القاعدة»
يقول برايان فيشمان الأكاديمي والصحافي وخبير في مكافحة الإرهاب المتخصص في شؤون «القاعدة»، مسؤول مكافحة التطرف بمؤسسة «أميركا الجديدة» والأستاذ في أكاديمية «ويست بوينت» العسكرية، إن اتهام وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو النظام السوري وجماعة القاعدة في العراق والشام بتكوين شراكة من خلف الستار، ربما يبدو هذا الاتهام للوهلة الأولى مضحكا لأن الجهاديين لم ينتقدوا الأسد والطائفة العلوية فقط، بل إن لـ«القاعدة» سجلا طويلا من الخطاب المعادي للأسد، بيد أن الوقائع على الأرض تشير إلى وجود تاريخ طويل للجهاديين في عقد صفقات مع فصائل مختلفة يعدونهم أعداء استراتيجيين.
ورغم أن الاتهامات بالتحالف غير مدعومة بأدلة موثقة، وهو ما يجعل من الصعوبة الوصول إلى حقائق مؤكدة، فإن نظام الأسد استفاد من وجود الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في سوريا بصورة لا تخطئها العين.
ويقول فيشمان لـ«الشرق الأوسط» إن استغلال الأسد «القاعدة» لشق صف المعارضة السورية يمكن التأكد منه في وثائق سنجار (مخبأ «القاعدة» لملفات أعضاء «القاعدة» في العراق التي نشرت عام 2007)، التي أشارت إلى أن نظام الأسد قام بتسهيل انتقال مقاتلي «القاعدة» الأجانب إلى العراق خلال ذروة التمرد العراقي. ويؤكد عدد كبير من المنشقين السوريين أن نظام الأسد قدم الدعم لعمليات «القاعدة»، بما في ذلك تلك التي قام بها أبو غدية، أحد أشهر مهربي الأفراد.
ويوضح الخبير الأميركي أنه مع تزايد حدة التمرد ضده دعم الأسد، الذي كان يأمل تصوير نفسه محاربا ضد انتفاضة جهادية في المنطقة، بشكل عملي تشكيل «جبهة النصرة» و«داعش» وتيسير قيامهما ببعض العمليات المهمة في دمشق لإظهار مدى خطر الجهاديين. علاوة على ذلك ربما يكون الأسد قد أطلق سراح بعض الجهاديين البارزين من سجونه، كان من بينهم أبو مصعب السوري في بداية عام 2012 كي يساعد على نمو المجموعات الجهادية أو تحذير الغرب من خطرهم.
ويقول: «كل هذا التعاون آتى ثماره اليوم، فداعش تشن حربا ضد معارضي الأسد وتركز على إقامة إمارة في شمال سوريا عوضا عن الإطاحة بالأسد، في المقابل لم يقصف الأسد المنطقة التي تسيطر عليها داعش». فيما يلخص التحالف الوطني السوري ذلك بالقول إن داعش ترتبط ارتباطا وثيقا بالنظام الإرهابي وتخدم مصالح آل الأسد، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فمقتل السوريين على يد هذه المجموعة يؤكد الشكوك حول النوايا وراء إنشائها، وأهدافها، وهو ما تؤكده طبيعة الأعمال الإرهابية المعادية للثورة السورية.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.