السودان: البشير يقر أمام المحكمة بمسؤوليته عن انقلاب «الإنقاذ» 1989

حاول تبرئة المدنيين والعسكريين المشاركين معه... ومحامون يقولون إن «ما ذكره سيزيد وضعه القانوني سوءاً»

البشير خلال إحدى جلسات محاكمته (سونا)
البشير خلال إحدى جلسات محاكمته (سونا)
TT

السودان: البشير يقر أمام المحكمة بمسؤوليته عن انقلاب «الإنقاذ» 1989

البشير خلال إحدى جلسات محاكمته (سونا)
البشير خلال إحدى جلسات محاكمته (سونا)

برأ الرئيس السوداني المعزول عمر البشير معاونيه من الإسلاميين المدنيين من المشاركة في انقلاب يونيو (حزيران) 1989 الذي أطاح بالحكومة الديمقراطية المنتخبة بقيادة رئيس الوزراء الراحل الصادق المهدي، وأعلن تحمله المسؤولية كاملة عن الانقلاب، أمام محكمة عقدت أمس بالخرطوم، وذلك بخلاف تصريحات واعترافات سابقة على لسانه وألسنة معاونيه قبيل إطاحة حكومتهم.
وفي مايو (أيار) 2019، وجهت النيابة العامة بلاغات جنائية ضد البشير، الذي أودع السجن بعد عزله من الرئاسة والإطاحة بحكومته، عقب ثورة شعبية واحتجاجات عارمة نددت بحكمه وبالتردي الاقتصادي الذي تعيشه البلاد وقتها، وذلك في 11 أبريل (نيسان) 2019.
وبدأت المحاكمة الجارية الآن في 21 يوليو (تموز) 2020، ويواجه فيها البشير والمتهمون الآخرون تهماً بتقويض النظام الدستوري، وهي تهم عقوبتها الإعدام.
وقال البشير أمام المحكمة المنعقدة لمحاكمته و27 من المتهمين بتدبير الانقلاب، وأبرزهم نائبه السابق علي عثمان محمد طه، ومساعده نافع علي نافع، وأمين حزب الترابي علي الحاج محمد، والوزير السابق عوض أحمد الجاز وآخرون، إنه يتحمل المسؤولية كاملة وبمفرده عن الانقلاب.
وسخر البشير مما سماه محاولات هيئة الاتهام لإثبات التهمة بقوله: «كنت أتابع محاولات هيئة الاتهام بتقديم فيديوهات وشهود اتهام، وأنا أسمع وأستمتع». وتابع: «أخاطب المحكمة الموقرة، وأقول: أنا أتحمل كل المسؤولية عما تم في 30 يونيو، وأعلم أن الاعتراف هو سيد الأدلة».
كما حاول البشير تحمل المسؤولية عن رفاقه العسكريين المتهمين معه بالقول: «أقول للمحكمة إن كل أعضاء مجلس قيادة الثورة الموجودين في هذه القاعة، ما كان عندهم أي دور في التخطيط أو التنفيذ، وإنما تم اختيارهم من بين خيرة ضباط القوات المسلحة ليمثلوا وحداتهم وبعض الجهات». وتابع: «ما كان عندهم دور، لا في التخطيط ولا في التنفيذ».
وقال عضو هيئة الاتهام ضد البشير المحامي المعز حضرة لـ«الشرق الأوسط» عقب جلسة المحكمة أمس، إن للمتهم الحق في دحض بيّنات الاتهام، لكن اعترافات البشير لا تخدم قضيته، وإنه أقر بارتكاب جريمة تقويض النظام الدستوري، ولن يفيده وصف القضية بأنها قضية سياسية، وأن محاولته تبرئة بقية المتهمين لن تفيدهم لأن هناك بينات مباشرة ضدهم، وتابع: «ما ذكره سيزيد وضعه القانوني سوءاً».
وتناقض اعترافات البشير أمام المحكمة اعترافات زعيم حركة الإسلاميين السودانيين الراحل حسن عبد الله الترابي، التي أدلى بها في برنامج «شاهد على العصر» الذي بثته قناة «الجزيرة»، والذي قال إن البشير لا علاقة له بالتخطيط أو التنفيذ، وإنهم أتوا به قبل يوم من الانقلاب من منطقة نائية في السودان، ليقوده باعتباره الرتبة الأعلى بين الضباط الإسلاميين، وإنه لم يشارك لا في التخطيط ولا في التنفيذ.
واعترف الترابي، في حديثه للفضائية التي بثت اعترافاته بعد وفاته، بأن الضباط من الإسلاميين الذين قادوا الانقلاب شاركوا في التخطيط والتنفيذ، ولم يكن البشير بينهم، وإن الجنود الذين شاركوا معظمهم من الإخوان المدنيين، وإن معظم الجنود كانوا من المدنيين الإسلاميين الذين تزيوا بأزياء عسكرية، لدعم الانقلاب الذي خططت له حركته منذ أكثر من عقدين من الزمان.
وقال البشير مبرئاً مساعديه المدنيين من قادة الحركة الإسلامية السودانية المتهمين معه: «أؤكد للمحكمة: ما في أي مدني دخل معنا. عمل عسكري بحت، وما كنا محتاجين لمدنيين ليساعدونا على التخطيط أو التنفيذ».
وتخالف اعترافات البشير تصريحات للعسكريين والمدنيين المتهمين معه أثناء وجودهم في السلطة. فقد نقلت وسائط الإعلام السودانية والأجنية تصريحات لمعظمهم تناولوا فيها بإسهاب دورهم في الانقلاب، كما تحتفظ الذاكرة الشعبية السودانية بتصريحات وأفعال إبان الانقلاب وبعده، تكشف دور كل من المتهمين بتدبير الانقلاب.
وأوضح البشير أن انقلابه لم يكن يهدف للانفراد بالسلطة، لذلك فتح حواراً مع كل القوى السياسية، وأعطى الضباط المكلفين بالاعتقالات تعليمات صارمة بعدم الإساءة للقيادات المعتقلة وإحسان معاملتهم، وأشار في ذلك لاعتقال الزعيم الديني والسياسي محمد عثمان الميرغني. وقال إنهم استأذنوه وأمهلوه قبل اعتقاله، ثم سمحوا له حين طلب السفر للعلاج في الخارج مع تعهد بالعودة، بيد أنه سافر ولم يعد. وقال: «حين اعتقاله، وجهت بعدم تفتيش بيته، والدخول على الشريفيات».
وتباهى البشير بما سماه إنجازات حكومته، بما في ذلك اهتمامها بقضية السلام واعتبارها حلاً لكل القضايا التي يعاني منها الوطن، ونجاحها في استخراج النفط، وشروعها في حوار وطني شاركت فيه معظم الأحزاب السياسية، ووقفها الحرب في جنوب السودان.
وكان 6 من معاوني البشير المقربين قد أنكروا في المحكمة المشاركة في الانقلاب، وأبرزهم مساعده الأسبق نافع علي نافع، واللواء يونس محمود، والعميد يوسف عبد الفتاح، وعلي الحاج محمد، واللواء الطيب إبراهيم خير، وأنكر المدنيون معرفتهم بالانقلاب، فيما قال العسكريون إنهم عرفوا بالانقلاب بعد حدوثه، واختيروا أعضاء في مجلس الانقلاب والمناصب التنفيذية بالأوامر العسكرية.
وفي بدايات حكمه فصل البشير وأعوانه الإسلاميون وشردوا عشرات الآلاف من العاملين في الدولة، تحت مظلة ما أطلقوا عليه وقتها «الصالح العام»، وأدخلوا عناصر «الإخوان» والمحاسيب بدلاء عنهم تحت اسم «التمكين»، لكن الدخلاء على الخدمة المدنية، الذين أطلق عليهم «ذوو الأيدي المتوضئة»، أوغلوا في الفساد والإفساد والتجبر والطغيان.
وحولت حكومة البشير الحرب ضد المتمردين في جنوب السودان من تمرد سياسي إلى حرب دينية، ورفعت شعارات الجهاد والأسلمة، ونتج عن ذلك مقتل وتشريد ملايين الأشخاص. ونتيجة لضغوط محلية ودولية، اضطر البشير لتوقيع اتفاقية سلام مذلة مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، أدت لانفصال جنوب السودان في 2011 وتكوين دولته المستقلة.
كما أشعل البشير والإسلاميون حرباً أخرى في إقليم دارفور غرب البلاد، وقُتل تحت الشعارات الدينية وإثارة النعرات العرقية نفسها أكثر من 300 ألف مدني كلهم من «المسلمين» المدنيين وفقا للأمم المتحدة، ما أدى لتدخل الأمم المتحدة تحت البند السابع، في ثاني أكبر قوة دولية مسلحة في تاريخ الأمم المتحدة.
وبسبب ممارسات البشير في دارفور، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر بالقبض عليه وعلى ثلاثة من معاونيه، بتهم تتعلق بجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم التطهير العرقي، ولا تزال هذه التهم قائمة وتطالب المحكمة بتسليمه.
وكان البشير قد أدلى في خطاب جماهيري سنة 2006 بتصريحات تحدث فيها عما جرى في دارفور، وحمل فيها حكومته وكل من حمل السلاح معها المسؤولية عن الدماء هناك، وقال بنبرة ندم: «سفكنا دماء المسلمين لأتفه الأسباب». وتابع: «كيف استحللنا دماء المسلمين ونحن نعلم تماماً أن زوال الكعبة لأهون عند الله من قتل نفس مؤمنة، وأن أي خطأ له عقوبة وكفارة في الدنيا إلاّ قتل النفس المؤمنة؟».
وفي خطاب آخر في العام ذاته، اعترف البشير بأن من تم قتلهم في دارفور 9 آلاف، وليس 300 ألف كما تقول الأمم المتحدة.
وتحول السودان في عهد البشير والإسلاميين إلى مركز لتجميع المطرودين والمغضوب عليهم في بلادهم، وفُتحت أبوابه أمام قادة وتنظيمات المنظمات الجهادية المتطرفة، وعلى رأسهم زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن، والإرهابي العالمي كارلوس، وبسبب ذلك وجهت لحكومته اتهامات بالضلوع في عمليات إرهابية خارج البلاد.
ونتج عن تصرفات البشير أن وضعت الدولة السودانية منذ 1993 في القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، ولم يشطب اسمها من هذه اللائحة إلاّ بعد أن اضطرت الحكومة المدنية الانتقالية، برئاسة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، لدفع تعويضات باهظة لذوي ضحايا أميركيين.
وشنت حكومة الإسلاميين حملات إعلامية عدائية ومستفزة ضد دول المنطقة، وعلى وجه الخصوص دول الخليج العربي ومصر، بلغت ذروتها بمحاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أثناء مشاركته في القمة الأفريقية عام 1995، وتحالفت مع إيران قبل أن تقطع علاقاتها بها لاحقاً.
واستخدم نظام البشير عائدات النفط في دعم عملياته الحربية في جنوب السودان ودارفور، وتمويل ميلشياته المتعددة، وأشهرها «الدبابين» و«كتائب الظل» وغيرها. وتقول تقارير اقتصادية إن نظامه بدد أكثر من 90 مليار دولار هي كل عائدات تصدير النفط قبيل انفصال جنوب السودان. ولا يعرف أحد أين ذهبت هذه الإيرادات في الوقت الذي لا تزال البلاد تعاني من تركة الديون الثقيلة والقروض.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
TT

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق أفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها بسبب دعوة وجّهتها آنذاك إلى قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي»، الذي يقاتل القوات الحكومية منذ أبريل (نيسان) عام 2023.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نُشر على موقع «إكس» أمس، إن «حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة»، التي بدورها أعربت عن التزامها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، مؤكدةً احترامها الكامل لسيادة السودان ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة.

وكان السودان قد جمَّد عضويته في «إيغاد» في يناير (كانون الثاني) 2024، بعدما دعت المنظمة دقلو إلى قمة في أوغندا لمناقشة النزاع في السودان. وكانت القمة تهدف إلى مناقشة وقف الحرب عبر سلسلة من المقترحات على رأسها نشر قوات أممية في مناطق النزاعات.

 


حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
TT

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

أَطلعت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، على مجريات لجان «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية، في وقت يشهد تصاعداً في «صراع الشرعية» بين مجلسي النواب والدولة.

واستقبل القائد العام تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري والوفد المرافق لهما، يوم الاثنين، في مقر القيادة العامة بمدينة بنغازي.

ونقلت القيادة العامة أن المشير أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقالت إن تيتيه عرضت عليه إحاطة حول ما أجرته لجان «الحوار المهيكل» من نقاشات وحوارات تهدف إلى تشكيل خريطة طريق تقود لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

المشير خليفة حفتر يلتقي المبعوثة الأممية هانا تيتيه في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

وأضاف مكتب حفتر أن الطرفين اتفقا على مواصلة التنسيق والتشاور لدعم خطوات البعثة الأممية في ليبيا، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار الدائم.

في غضون ذلك، دخل «صراع الشرعية» في ليبيا مرحلة جديدة بين مجلسي «النواب» و«الدولة» حول إدارة المؤسسات السيادية، بعدما اتهم رئيس «الأعلى للدولة» محمد تكالة، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، باستخدام «ألاعيب متكررة لإرباك المشهد عبر إصدار قوانين وقرارات أحادية».

ولم يتوقف هذا التصعيد عند حد القوانين، بل امتد ليعمّق الانقسام حول مفوضية الانتخابات ومجلس القضاء، وسط تحذيرات شديدة اللهجة إلى البعثة الأممية من مغبة الانحياز.

وجاءت الاتهامات التي وجّهها تكالة إلى صالح في تصريحات تلفزيونية، مساء الأحد، مشيراً إلى إصدار صالح قوانين أو قرارات قبل لقاءاتهما الرسمية، ومن ذلك إصداره قانوناً وصفه بأنه «معيب» بإنشاء المحكمة الدستورية؛ وقال إنه طالب صالح من قبل بعدم إصدار أي قوانين أو قرارات قبل لقائهما، لأن ذلك «يربك المشهد».

ودافع تكالة عن انتخاب مجلسه منفرداً، رئيس وأعضاء مجلس إدارة للمفوضية العليا للانتخابات، باعتباره تطبيقاً لـ«اتفاق أبو زنيقة»، أحد الاتفاقات المبرمة بناءً على «اتفاق الصخيرات» الموقّع في المغرب نهاية 2015.

وتابع: «نحن نسعى للتغيير في المفوضية من أجل التطوير وتصحيح مسارها بإعادة تشكيلها؛ والتصحيح الحقيقي فيها هو الذي لا يترك مجالاً للطعن في أي انتخابات مستقبلاً»، لافتاً إلى أن اللجنة الاستشارية التي تضم خبراء قانون أوصت بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، وأن أعضاءها رأوا أن المفوضية بهذه الوضعية لن تستطيع أن تدير عملية انتخابية.

وأشار إلى أن البعثة الأممية أخذت برأي اللجنة الاستشارية واقترحته في الأمم المتحدة بوصفه جزءاً من «خريطة الطريق»، موضحاً أن رئيس مجلس النواب تراجع عن مسألة تغيير مجلس المفوضية بسبب قوة قاهرة ضغطت عليه، وقال إن مجلس المفوضية السابق كان من المفترض إقالته منذ 2021 عندما فشل في إجراء الانتخابات.

وبعدما عدّ تصريح البعثة الأممية حول تغيير رئاسة المفوضية «نوعاً من المغازلة» لمجلس النواب، شدّد تكالة على أن مجلس الدولة «لم يتجاوز اختصاصاته، ولم يتدخل في أي جزئية إلا بما كفله له الاتفاق السياسي».

وقال إن صلاح الكميشي، الرئيس المنتخب من مجلس الدولة لرئاسة المفوضية، بصدد ترتيب عملية تسلّم منصبه، رغم اعتراض السايح، مشيراً إلى أن الكميشي سيباشر أعماله من داخل مقر مفوضية الانتخابات في طرابلس قريباً، من دون تحديد أي موعد.

الدبيبة مستقبلاً القائم بالأعمال بسفارة السعودية في ليبيا عبد الله بن دخيل الله السلمي يوم الاثنين (مكتب الدبيبة)

وعلى صعيد مختلف، قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة إن رئيسها عبد الحميد الدبيبة استقبل القائم بالأعمال بسفارة المملكة العربية السعودية في ليبيا، عبد الله بن دخيل الله السلمي، حيث بحثا سبل تعزيز التعاون الثنائي في عدد من الملفات موضع الاهتمام المشترك.

وأضافت الحكومة، الاثنين، أن الدبيبة سلّم، بصفته وزير الدفاع، رسالة موجهة إلى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في إطار دعم وتطوير مسارات التعاون والتنسيق بين البلدَين وتعزيز العلاقات السياسية والأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وأكد الجانبان، حسب الحكومة، أهمية مواصلة التواصل والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، بما يعزز الاستقرار ويدعم جهود التعاون العربي.

Your Premium trial has ended


شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
TT

شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)

انتقل الجدل حول وقائع التحرش في مصر إلى مساحة جديدة، تتعدى الوقائع نفسها إلى مواقف المحيطين فيها من الشهود، بعدما أظهر مقطعٌ مصورٌ لفتاة تتهم شاباً بالتحرش بها في حافلة نقل عام بمنطقة المقطم (جنوب القاهرة)، صمتَ بعض الركاب، ودفاع آخرين عن الشاب ومهاجمة الفتاة، فيما سعى فريقٌ ثالثٌ لمحاولة التهدئة، وسط انتقادات «سوشيالية» وهجوم على مواقفهم.

وأظهر مقطع مصور نشرته فتاة تدعى مريم شوقي على حسابها عبر «فيسبوك»، مساء الأحد، شاباً يقف في الحافلة محاولاً إخفاء وجهه عن الكاميرا أحياناً وإظهاره أحياناً أخرى، قبل إقدامه على الفتاة لمنعها من التصوير، وهي تنهال عليه بالسباب وتتهمه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها، وتستغيث في الفيديو لإنقاذها، وسط صمت من المحيطين. فيما أعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط المتهم الذي أنكر ارتكابه الواقعة، قبل أن تتولى النيابة العامة التحقيق.

وفي مقطع آخر، تدخل راكب لمهاجمة مريم منتقداً تصرفاتها، ما شجع الشاب المتهم على الرد، قائلاً لها: «شوفي انتي لابسه إيه»، وهذا ما اعتبره البعض «اعترافاً ضمنياً بالتحرش وتبريره لذلك بملابسها».

وحسب بيان الداخلية المصرية، فإن مقاطع الفيديو التي تم تداولها تظهر اتهام الفتاة لأحد الأشخاص بقيامه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها بدائرة قسم شرطة المقطم بالقاهرة وتتبعها عقب ذلك إلى داخل أحد أتوبيسات النقل العام.

وقالت الداخلية، في بيان، الاثنين، إنه بسؤال الشاكية (موظفة بإحدى الشركات - مقيمة بمحافظة السويس) أقرت بأنها حال خروجها من مقر عملها الكائن بدائرة القسم قام الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو بالتحرش اللفظي بها وتتبعها حال استقلالها أحد أتوبيسات النقل العام. وأنه أمكن تحديد وضبط الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو (عامل - مقيم بمحافظة الدقهلية)، وبمواجهته أنكر ارتكابه الواقعة، أو سابقة تقابله مع المجني عليها، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية، وتولت النيابة العامة التحقيق.

الشاب المتهم بالتحرش يختبئ من كاميرا الفتاة صاحبة الشكوى (لقطة مثبتة)

واتجه جزء كبير من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى المحيطين بالواقعة، خصوصاً الراكب الذي تدخل وهاجم الفتاة، بينما يمسك مسبحة في يده، معتبرين أن مثل هؤلاء «سبب في عدم تجريم التحرش وتوفير حماية للمتحرشين».

واعتبر هذا الفريق أن ما يعكسه الفيديو من سلبية للمحيطين، بل وحماية لـ«المتحرش»، على حد وصفهم، أخطر من التحرش نفسه، إذ يمثل حاضنة مجتمعية تتصالح مع هذه الأفعال، مقابل لوم الضحية، وذهب بعضهم إلى ما هو أبعد بالمطالبة بمحاكمة الشهود.

وشكك آخرون في الرواية كلياً، انطلاقاً من موقف الشهود نفسه، مستبعدين حالة الصمت والتصالح مع خطأ وقع فعلياً من كل الموجودين في الأتوبيس، ومعتبرين أن ذلك الصمت دليل على اختلاق الفتاة للواقعة.

وحذر آخرون من الهجوم على أحد بدعوى التحرش دون تقديم دليل، معتبرين أنه سلاح يمكن أن تستخدمه النساء لتصفية حسابات أو التشهير بمظلومين.

وتنص المادة 306 مكرر أ من قانون العقوبات على «معاقبة كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإيحاءات، أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل (بما في ذلك الاتصالات)، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز 4 سنوات، وغرامة مالية بين 100 ألف و300 ألف جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً).

وفسر أستاذ علم الاجتماع، وليد رشاد، المعضلة التي يتعرض لها الشهود والمحيطون وقت ارتكاب جريمة ما، سواء بالتدخل أو الصمت، وزيادة التوجه الأخير إلى 3 أسباب؛ الأول الخوف من الجريمة المرتكبة، أي تجنب أن تطوله الجريمة أو الاعتداء، خصوصاً في ظل وهن الروابط المجتمعية الكبيرة حالياً، وهو سبب اجتماعي، أما الثاني فسبب نفسي متعلق بتوجه الفرد نحو الانزواء على ذاته، والانعزال عن المحيط.

وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن السبب الثالث مرتبطٌ بالتطور التكنولوجي وسعي البعض إلى الحصول على تفاعل أكبر بتصوير الحادثة ونشرها، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني أن المجتمع أصبح سلبياً بالكامل، فالشخصية المصرية ما زالت تحتفظ بصفاتها المعروفة بإغاثة المظلوم.

أحد التعليقات على «فيسبوك» يحلل رد فعل المحطين بالواقعة محل الاتهام

وسبق أن تعرض شهود عيان في وقائع عديدة للاعتداء، وبعضهم فقد حياته، من أشهرهم الشاب محمود البنا (17 عاماً) الذي قُتل عام 2019 إثر دفاعه عن إحدى الفتيات في محافظة المنوفية، وتحول لبطل شعبي في مصر.

ورفض رشاد التعليق على الواقعة الأخيرة باعتبارها ما زالت قيد التحقيقات، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ثمة وعياً مجتمعياً أكبر تجاه قضية التحرش، وتوجهاً مجتمعياً لفضح الجاني، في تغير عن اعتقاد سابق بأن فضح الجاني سيترتب عليه فضح الضحية، مرجعاً ذلك إلى حملات التوعية التي حدثت على مدار سنوات وصولاً للتطور الإيجابي الحالي.

وظهر الشاب المتهم في مقابلة مع أحد المواقع المحلية، نافياً الاتهامات الموجهة إليه، مشيراً إلى أن «الركاب رأوا عدم فعله شيئاً، وكذلك محصل التذاكر».