مصادر ليبية: المتطرفون يشترطون إبعاد حفتر للقبول باتفاق الصخيرات

مستشار بالجيش قال لـ {الشرق الأوسط} إن المسودة تعيد «الميليشيات» للحكم

مصادر ليبية: المتطرفون يشترطون إبعاد حفتر للقبول باتفاق الصخيرات
TT

مصادر ليبية: المتطرفون يشترطون إبعاد حفتر للقبول باتفاق الصخيرات

مصادر ليبية: المتطرفون يشترطون إبعاد حفتر للقبول باتفاق الصخيرات

علمت «الشرق الأوسط» من مصادر ليبية في البرلمان والجيش، أمس، أن المتطرفين الذين يتمركزون في طرابلس ومصراتة، اشترطوا على المبعوث الدولي إلى ليبيا، برناردينو ليون، إبعاد الفريق أول خليفة حفتر عن قيادة الجيش، لاستكمال باقي إجراءات التوقيع والتنفيذ لمسودة الاتفاق بين الأطراف المتنازعة، التي جرى التوصل إليها في بلدة الصخيرات المغربية يوم السبت الماضي.
يأتي هذا رغم ترحيب الحكومة الليبية برئاسة عبد الله الثني وأطراف غربية بالتوقيع بالأحرف الأولى على الاتفاق.
وبينما كشف مسؤول في البرلمان الذي يعقد جلساته في مدينة طبرق في شرق البلاد، أن الجيش نفسه يعاني من نقص حاد في السلاح والعتاد في حربه ضد المتطرفين، قال المستشار في الجيش الليبي، صلاح الدين عبد الكريم، لـ«الشرق الأوسط» إن مسودة الصخيرات تعيد «الميليشيات الإرهابية» لحكم البلاد بعد أن أسقط الشعب ممثليها في انتخابات البرلمان الصيف الماضي.
ووجه عبد الكريم، وهو مستشار مقرب من حفتر، انتقادات شديدة اللهجة للمبعوث الأممي، قائلا إنه يسعى على ما يبدو لتكرار تجربة الحاكم الأميركي للعراق في 2003 بول بريمر، داخل ليبيا. ولم يتسن الحصول على تعليق من ليون الذي أعلن أمس أن ما جرى إنجازه «تقدم مهم»، لكنه قال أيضا إنه ما زال هناك عمل كبير لا بد من القيام به حتى ينعم الليبيون بالأمن والاستقرار.
وهيمن على حكم البلاد عقب سقوط نظام معمر القذافي في خريف 2011 قيادات من جماعة الإخوان المسلمين ومن «الجماعة الليبية المقاتلة» الموالية لتنظيم القاعدة، وجماعات متطرفة أخرى، واستعانت بالميليشيات المسلحة، بدلا من الجيش والشرطة، في تأمين المقار الحكومية والمباني الرسمية التابعة للدولة، بالإضافة إلى مراقبة الحدود والموانئ. واتهم القادة العسكريون وقتها المتطرفين بالعمل على إضعاف عناصر الجيش والشرطة واستهدافهما، مما أدى إلى مقتل نحو 700 ضابط وجندي خلال عام واحد فقط.
وتحظى محاولات ليون لإنقاذ ليبيا من الفوضى باهتمام عربي ودولي كبير، لكن توجد شكوك بشأن قدرة الاتفاق على إلزام أطراف النزاع باقتسام السلطة والرضوخ للحل السياسي، مع ملاحظة أن الشخصيات الرئيسة والفاعلة، وهم قادة الجيش الذي يرأسه حفتر، وجيش القبائل الذي يقوده ضباط سابقون، والميليشيات التي يديرها المتطرفون، لم تشارك في المفاوضات التي انطلقت منذ تسعة أشهر من مدينة غدامس الليبية، قبل أن تنتقل إلى جنيف، والجزائر، وأخيرا إلى الصخيرات.
ودخل البرلمان الليبي الذي اضطر لعقد جلساته في طبرق هربا من الميليشيات المسلحة في طرابلس وبنغازي، في إجازة قصيرة بمناسبة عيد الفطر منذ هذا الأسبوع، لكن بدا من تعليقات النواب وهم يغادرون المبنى المحصن بالحواجز والسيارات العسكرية، أنهم لا يعولون كثيرا على قدرة مسودة الصخيرات على إنهاء حالة الفوضى في البلاد، بسبب تصلب القادة الفاعلين على الأرض بما لديهم من قوات.
وفي كلمات قصيرة لـ«الشرق الأوسط»، وهو يغادر المبنى، حذر النائب عن مدينة بنغازي إبراهيم عميش، الذي يرأس لجنة العدل والمصالحة الوطنية في البرلمان، من المصاعب التي تواجهها بلاده، مع بروز تهديدات «داعش» وتوسعها في المناطق النفطية، بينما أثنى بعض النواب على التنازلات التي قدمها الفريق المعتدل القادم من مصراتة والمحسوب على «فجر ليبيا»، في مفاوضات الصخيرات. وقال أحد هؤلاء النواب إن المشكلة تكمن في اشتراط المتشددين من «فجر ليبيا» إبعاد حفتر عن قيادة الجيش.. «هذه قضية معقدة».
ومن بين المواد المثيرة للجدل في وثيقة الصخيرات، منحها رئاسة مجلس الوزراء، الذي يتكون من رئيس الوزراء ونائبيه، سلطة القيام بمهام القائد الأعلى للجيش وإعلان حالة الطوارئ والحرب والسلم، واستحداث مواد أخرى لمجلس أعلى للدولة بصفته سلطة استشارية مشترطا أن يتكون هذا المجلس من 120 عضوا؛ بينهم 90 عضوا من أعضاء المؤتمر الوطني (البرلمان السابق).
وقال المستشار عبد الكريم إن «البرلمان السابق انتهت ولايته وأسقطه الليبيون في انتخابات شهد العالم بنزاهتها، ولا يوجد أي معنى لإعادته إلى العمل مرة أخرى تحت أي مسمى، لأن هذا يأتي ضد رغبة الليبيين». وتابع أن «الشعب التف حول الجيش بعد أن ذاق الأمرين على أيدي الميليشيات المسلحة وما قامت به من فوضى في عموم البلاد.. ما يجري اليوم على يد ليون هو إعادة لحكم المتطرفين».
لكن الحكومة المؤقتة برئاسة الثني أصدرت أمس بيانا رحبت فيه بالتوقيع بالأحرف الأولى على الاتفاق السياسي في الصخيرات، قائلة إن هذه خطوة على بداية الطريق الصحيح لخروج ليبيا من أزمتها، ودعت جميع الأطراف لتغليب مصلحة الوطن، والاستمرار وصولا لاتفاق شامل يؤسس لحكومة وفاق وطني تقود الليبيين في معركتهم ضد الإرهاب. كما رحب بالاتفاق عدد من سفراء الدول الغربية. وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، إن الاتفاق يضع حلا سلميا للأزمة الليبية.
وحضر مراسم التوقيع، شهودا، ممثلون عن عدة مجالس محلية وأحزاب سياسية، بينما لم يشارك فيه ممثلو المؤتمر الوطني المنتهية ولايته. واكتفى المؤتمر بإرسال رسالة إلى ليون أكد فيها على استمراره في الالتزام بمبدأ الحوار أساسا للحل في ليبيا، وأنه مستعد للحضور في الجولة المقبلة من أجل تقديم تعديلات يرى «المؤتمر» أنها جوهرية ولازمة لإنجاح الحوار.
ووفقا لمصادر في برلمان طبرق، تكمن تحفظات «مصراتة» و«فجر ليبيا» (جهات رئيسية يعتمد عليها المؤتمر الوطني) في عدة نقاط من السهل التوصل فيها إلى حلول وسط، لاحقا، مثل صلاحيات المجلس الأعلى للدولة، وكيفية دمج عناصر الميليشيات في المؤسسات الرسمية وفي الجيش والشرطة، لكن توجد بنود أخرى يمكن أن تؤدي إلى خلافات «أو حتى إلى استعار الاقتتال بين الفرقاء الليبيين»، ومن أهمها مستقبل الفريق أول حفتر الذي نصبه البرلمان قائدا للجيش قبل نحو ثلاثة أشهر، ويخوض قتالا، منذ الصيف الماضي، ضد من يسميهم «إرهابيين» بمن فيهم قوات «فجر ليبيا».
وكشف مصدر من قيادات مصراتة يقيم في القاهرة وهو على علاقة بالمفاوضات الحالية، عن أن وسطاء من البرلمان تحدثوا مع المشاركين في حوار الصخيرات من المحسوبين على «مصراتة» و«فجر ليبيا»، بخصوص «عدم وجود منطق وراء اشتراط إزاحة حفتر عن قيادة الجيش». وأضاف أن الجانب المصراتي أعرب عن مخاوفه من عدم وجود ضمانات تحول دون عسكرة نظام الحكم في حال استمر حفتر في موقعه. وما زال الجدل دائرا حول هذه القضية.
ويقول قادة في رئاسة أركان الجيش التي تتخذ من قاعدة في جنوب طبرق مقرا لها، إن القوات المسلحة متمسكة بـ«حفتر».
من جانبه، شدد المستشار عبد الكريم على أن مسودة الصخيرات الأخيرة والتعديلات التي جرت عليها تهدف إلى «إعادة الإخوان والإرهابيين و(الجماعة الليبية المقاتلة) و(أنصار الشريعة)، للشراكة في السلطة، مما يؤدي إلى العودة لنقطة الصفر.. أي لا جيش ولا شرطة، بل ميليشيات مسلحة».
وأعلن ليون أنه سيعقد اجتماعا آخر مع كل الأطراف قبل التوقيع النهائي على الاتفاق، قائلا إن الباب ما زال مفتوحا لكل من لم يستطع الحضور في اجتماع الصخيرات الأخير، ودعا لإنجاح كل المساعي من أجل الوصول إلى تشكيل حكومة توافق يدعمها المجتمع الدولي لمواجهة التحديات التي تمر بها البلاد.



انقلابيو اليمن يرفعون أسعار الوقود ويعمّقون المعاناة

منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)
منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)
TT

انقلابيو اليمن يرفعون أسعار الوقود ويعمّقون المعاناة

منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)
منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)

فرضت الجماعة الحوثية زيادة جديدة على أسعار المشتقات النفطية بمناطق سيطرتها، لترفع بذلك تكلفة المعيشة على ملايين السكان الذين يواجهون تدهوراً اقتصادياً واسعاً وتراجعاً في مصادر الدخل وانقطاعاً للمرتبات.

وأقرت شركة النفط الخاضعة للجماعة في صنعاء رفع سعر لتر البنزين إلى نحو دولار واحد (525 ريالاً يمنياً)، لتصبح قيمة الصفيحة سعة 20 لتراً نحو 19.6 دولار (10 آلاف و500 ريال)، مقارنة بنحو 17.8 دولار (9500 ريال) سابقاً.

كما رفعت سعر الديزل إلى نحو 1.07 دولار للتر (575 ريالاً)، لتباع الصفيحة بالسعر الجديد بنحو 21.5 دولار (11 ألفاً و500 ريال)، بدلاً من نحو 19.6 دولار (10 آلاف و500 ريال)، وفق سعر صرف ثابت للدولار عند 535 ريالاً تفرضه الجماعة بالقوة على الصرافين، ويختلف عن الريال اليمني في المناطق اليمنية المحررة.

تأتي الزيادة في وقت تعاني فيه الأسر اليمنية في مناطق سيطرة الحوثيين ضغوطاً متراكمة؛ نتيجة انقطاع المرتبات وتراجع فرص العمل وتدهور الخدمات، إلى جانب الضرائب والجبايات التي تفرضها الجماعة على المواطنين والأنشطة التجارية.

وتسود مخاوف لدى السكان من أن يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى موجة جديدة من الغلاء، بالنظر إلى ارتباط تكاليف النقل بأسعار السلع والخدمات، خصوصاً المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية.

جانب من طوابير كثيفة أمام محطة وقود في صنعاء (أ.ف.ب)

وقال «أمين»، وهو أحد سكان ضواحي صنعاء، إن زيادة أسعار الوقود لا تقتصر آثارها على أصحاب السيارات، «بل تنتقل سريعاً إلى أجور المواصلات وأسعار المواد الغذائية والخدمات».

وأضاف: «راتبي لا يكفي الاحتياجات الأساسية، وكل زيادة في سعر الوقود تعني أننا سندفع أكثر مقابل المواصلات والمواد الغذائية. الوضع أصبح صعباً جداً على الأسر محدودة الدخل».

أعباء النقل

يواجه سائقو سيارات الأجرة بدورهم ضغوطاً متصاعدة؛ إذ يجدون أنفسهم أمام خيار إما رفع أجور النقل وإما تحمل ارتفاع تكاليف التشغيل.

وقال أحد سائقي سيارات الأجرة في العاصمة اليمنية المختطفة إن رفع سعر البنزين يضع السائقين أمام «خيارين صعبين»، موضحاً: «إذا رفعنا الأجرة؛ فلا يستطيع المواطن الدفع، وإذا أبقيناها كما هي، فلن يغطي الدخل تكلفة الوقود والصيانة».

وفي مدينة ذمار، قال أحد العاملين بالأجر اليومي إن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية أصبح ينعكس على مختلف تفاصيل الحياة اليومية؛ نتيجة ارتباط نقل السلع والخدمات بتكلفة الوقود.

تجمع سيارات أجرة في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وأضاف أن أسرته اضطرت خلال الفترة الأخيرة إلى تقليص مشترياتها من المواد الأساسية، قائلاً: «كل شيء يرتفع مع ارتفاع الوقود، بينما فرص العمل منعدمة، وهذا يجعلنا أمام معادلة صعبة».

وفي محافظة إب، قالت ربة أسرة إن الزيادات المتتالية في أسعار الوقود فاقمت الأعباء المعيشية، في ظل ثبات المداخيل وارتفاع تكاليف الغذاء والمواصلات.

وأضافت: «لم نعد نعرف كيف سندبر احتياجاتنا اليومية. كلما ارتفع سعر الوقود؛ ارتفعت معه أسعار المواصلات والمواد الأساسية، بينما دخل الأسرة لم يتغير».

احتكار وإيرادات

تتهم مصادر يمنية الجماعة الحوثية باستغلال سيطرتها على سوق المشتقات النفطية لتحقيق إيرادات كبيرة، من خلال احتكار استيراد الوقود وتوزيعه وبيعه في المناطق الخاضعة لنفوذها، إلى جانب الإيرادات الناتجة عن الضرائب والجبايات المفروضة على السكان والأنشطة التجارية.

وتقدر المصادر أن الجماعة تجني ملايين الدولارات يومياً من تجارة المشتقات النفطية، فضلاً عن موارد أخرى، بينما تتهمها بتوجيه جزء من هذه الإيرادات لتمويل أنشطتها العسكرية وتعزيز قدراتها في الحرب.

شاحنة مرور تقطع أحد شوارع صنعاء ضمن حملة جباية حوثية (الشرق الأوسط)

وتشير تقارير محلية إلى أن الجماعة تتسبب بأزمات متكررة في الوقود من خلال منع دخول شحنات المشتقات النفطية الآتية من المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية، رغم انخفاض تكلفتها مقارنة بالوقود المستورد عبر ميناء الحديدة، وفق هذه التقارير.

وخلال السنوات الماضية، فرض الحوثيون أكثر من 9 زيادات سعرية على المشتقات النفطية في صنعاء وبقية مناطق سيطرتهم؛ مما أدى إلى ارتفاع متواصل في أسعار الوقود، وانعكس على تكاليف النقل وأسعار السلع والخدمات، وسط تدهور اقتصادي ومعيشي متفاقم.


الحوثيون ينقلون اقتصاد الجباية إلى الساحل الغربي اليمني

قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)
قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)
TT

الحوثيون ينقلون اقتصاد الجباية إلى الساحل الغربي اليمني

قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)
قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)

تواجه مناطق الساحل الغربي لليمن، وفي مقدمها مديريتا حيس والمخا ومحيطهما، موجة واسعة من التضييق المعيشي بعد سيطرة الجماعة الحوثية حديثاً، والتي سارعت إلى نقل منظومتها لتحصيل الموارد وفرض الجبايات والإتاوات القسرية والإجراءات المصرفية وحرب العملات مع الحكومة الشرعية، وحوّلت الأنشطة الزراعية والتجارية المحدودة مصادر لتمويل أنشطتها الميدانية.

لم تقتصر الإجراءات الحوثية على الجبايات والإتاوات؛ إذ توجهت مباشرة صوب المنظومة المصرفية عبر ذراعها النقدية في صنعاء، حيث بدأت فرض حظر تام على تداول الطبعة النقدية الجديدة من العملة الوطنية الصادرة عن البنك المركزي في عدن، ووجهت ببدء استبدالها بالطبعات القديمة المتهالكة أو الفئات المعدنية البديلة المستحدثة والمعتمدة لديها.

وبعدما سيطرت على مدينة المخا، أقدمت الجماعة على نقل محتويات مبنى البنك المركزي فيها إلى جهة مجهولة، في عملية وصفتها مصادر محلية في المدينة بالنهب المنظم.

وأعيد افتتاح مقر فرع البنك المركزي اليمني في المدينة في سبتمبر (أيلول) العام الماضي، بعد توقف نشاطه قرابة 10 سنوات بفعل الانقلاب الحوثي والحرب التي فرضتها الجماعة.

الحوثيون سيطروا على فرع «المركزي اليمني» في المخا (البنك المركزي اليمني)

وكشفت مصادر محلية مطلعة في المدينة عن اعتزام الجماعة إطلاق آليات تبادل مجحفة للعملات وبلا غطاء مصرفي عادل؛ ما أسهم في شل الحركة التجارية، المتضررة أصلاً بالعمليات العسكرية وسيطرة الجماعة؛ ما تسبب في توقف جماعي للأنشطة المصرفية وتلاشي قيمة المدخرات الحقيقية في غضون أيام.

ومن شأن ذلك، وفق خبراء اقتصاديين، أن يعمّق انقسام أسعار الصرف ونقل الفجوة المصرفية الحادة إلى قلب مجتمعات الساحل الغربي.

جبايات عاجلة

بدأت ملامح التضييق المعيشي في مديريات جنوب محافظة الحديدة وغرب محافظة تعز، فور سيطرة الجماعة على المنطقة، وكان افتتاح مكاتب ما يسمى «الهيئة العامة للزكاة» أولى خطواتها الميدانية لتحصيل الجبابات وفرض واقع مالي جديد، ولم يتوقف الأمر عند مصادرة المباني الحكومية وتحويلها مراكز للتحصيل الإجباري، بل امتد ليشمل عسكرة الطرقات الحيوية الرابطة بين القرى والبلدات.

مقار جديدة افتتحها الحوثيون لمؤسسات الجباية التابعة لهم في مديريتَي حيس والمخا (إكس)

وذكرت مصادر محلية أن الجماعة، وبمجرد سيطرتها، استحدثت منظومة من «الموازين الإلكترونية» ونقاط التفتيش العسكرية على المداخل المؤدية إلى الأسواق المحلية، لوزن محاصيل المزارعين من خضراوات وفواكه وقات، وفرض رسوم مالية ونسب عينية مجحفة قبل السماح ببيعها وتداولها؛ ما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع الغذائية الأساسية وعجز السكان عن الشراء.

ووجَّه القادة الميدانيون خطابات لوجهاء وأعيان المناطق التي أخضعوها لسيطرتهم أخيراً، يحثونهم فيها على الإسراع بدفع مبالغ دورية لدعم «قوافل رفد الجبهات والمقاتلين»، والإسراع بتحصيلها من السكان، إلى جانب خطابات مشابهة للتجار وكبار ملاك المزارع.

وتعتزم الجماعة إقرار نظام جمارك داخلي مزدوج يفرض رسوماً على حركة البضائع القادمة من المحافظات المحررة.

وتضمنت توجيهات القادة الحوثيين للتجار والوجهاء وملاك المزارع الكبيرة بتقديم تبرعات مالية وعينية تتمثل بالمواشي والمواد الغذائية، وألزمت الأعيان بحصر العائلات في مناطقهم وتقديم بيانات كاملة عنهم لتقدير التبرعات التي سيجري إقرارها بناءً على عدد أفراد كل عائلة.

دمار هائل في ميناء المخا بفعل استهدافه من قِبل الحوثيين قبل السيطرة عليه (غيتي)

وكشفت المصادر المحلية، عن أن الجماعة ألزمت المطاعم والمحال التجارية بتقديم وجبات ومواد غذائية للمقاتلين وعناصر الأمن والمسلحين التابعين لها، وسط تهديدات مباشرة بالعقوبات القاسية والمصادرة في حال تجاهل طلباتهم.

تكلفة السيطرة

تقول مصادر «الشرق الأوسط» إنه، وفي مواجهة التذمر الشعبي الواسع بسبب تلك الإجراءات، لوّح القادة الحوثيون بالرد على شكاوى التجار وملاك المزارع بمواجهة تهم الخيانة، عادّين أن هذه الأموال المطلوب جبياتها هي مقابل إجباري لما سمّوه «تحريرهم» من سلطة الحكومة الشرعية، وطلبوا من السكان إظهار الامتنان والشكر بذريعة تخليصهم من «الاحتلال الأميركي والإسرائيلي»، وفقاً لرواية الجماعة وسرديتها.

وتعكس التقارير الحقوقية الأخيرة الصادرة عن منظمات محلية حجم الكارثة الإنسانية والاقتصادية المروعة في المنطقة، فحسب تقرير للشبكة اليمنية للحقوق والحريات، جرى اقتحام ومداهمة نحو 356 منشأة حكومية ومنزلاً خاصاً تعرضت لنهب كلي أو جزئي ومصادرة الأصول المادية والسيولة النقدية الموجودة بداخلها.

الجماعة الحوثية نقلت مباشرة ممارسات اقتصاد الحرب إلى المناطق التي سيطرت عليها أخيراً (إ.ب.أ)

وشملت عمليات المصادرة العسكرية نحو 30 سيارة خاصة و17 دراجة نارية، بالإضافة إلى نهب أجهزة ومركبات تابعة لمركز الأمم المتحدة الإنساني في المخا؛ ما تسبب في شلل تام لحركة الإغاثة والتبادل التجاري المحلي وحرمان المحتاجين من المساعدات الطارئة.

وكانت «مؤسسة تمكين المرأة اليمنية» وثقت في تقرير لها، منذ أيام، أكثر من 18 واقعة مصادرة أموال وممتلكات وفرض جبايات مباشرة خلال سعي الحوثيين على مناطق في جنوب محافظة الحديدة وغرب محافظة تعز.

ويعتمد غالبية سكان الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر على الزراعة الموسمية والصيد التقليدي، وهي أنشطة اقتصادية ذات دخل محدود ومتقطع، ويؤدي فرض الجبايات القسرية وصدمات الحرب إلى الإضرار بها بشكل بالغ.

أعمال جباية حوثية مكثفة لتمويل تصعيد الجماعة العسكري وتجنيد المزيد من المقاتلين (غيتي)

وتشهد المنطقة موجة نزوح جماعي واسعة النطاق عقب التطورات العسكرية الأخيرة، وسجلت الإحصاءات الرسمية الصادرة عن «الوحدة التنفيذية لمخيمات النازحين» نزوح ما لا يقل عن 823 أسرة (تضم أكثر من 5671 فرداً) من مديرية المخا وحدها باتجاه المناطق التي تسيطر عليها الحكومة الشرعية في تعز والمحافظات الجنوبية.

من جهتها، تتوقع الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن إجمالي العائلات المشردة والمهجرة قسرياً بفعل هذه الإجراءات الاقتصادية والأمنية التعسفية تجاوز 2300 أسرة في عموم مناطق الساحل الغربي؛ ما ينذر بكارثة إنسانية متفاقمة وأزمة لجوء حادة تتطلب تدخلاً عاجلاً من المجتمع الدولي والمنظمات الأممية.


قوات الحكومة اليمنية ترتّب صفوفها لاستعادة المبادرة الميدانية

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي يتفقد القوات المسلحة في حجة (إعلام حكومي)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي يتفقد القوات المسلحة في حجة (إعلام حكومي)
TT

قوات الحكومة اليمنية ترتّب صفوفها لاستعادة المبادرة الميدانية

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي يتفقد القوات المسلحة في حجة (إعلام حكومي)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي يتفقد القوات المسلحة في حجة (إعلام حكومي)

رفع الجيش اليمني وقواته المساندة مستوى التأهب في جبهات تعز وحجة، بالتزامن مع تحركات ميدانية لإعادة ترتيب الأوضاع العسكرية واستعادة زمام المبادرة، في وقت يضغط فيه الحوثيون على تعز بعد سيطرتهم على الساحل الغربي وصولاً إلى باب المندب.

في محافظة حجة (شمالي غرب)، تفقد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي قوات المنطقة العسكرية الخامسة والجبهات التابعة لها، واطلع على مستوى الجاهزية والتدريب والتأهيل والروح المعنوية لدى القوات، في مؤشر على استمرار رفع الاستعداد في الجبهة الشمالية الغربية.

واستمع مجلي من قائد المنطقة العسكرية الخامسة، اللواء الركن يحيى صلاح، إلى شرح بشأن المهام العملياتية ومستوى الجاهزية، قبل أن يتفقد المرابطين في الجبهات وينقل إليهم تحيات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي وأعضاء المجلس.

وقال مجلي إن القوات المسلحة ماضية في مواجهة الحوثيين واستعادة مؤسسات الدولة، مشدداً على أهمية الحفاظ على الروح المعنوية والاستعداد لمعركة تحرير البلاد. كما أشاد بما وصفها بقدرة المنطقة العسكرية الخامسة على تطوير معدات لتصنيع الذخيرة وصيانة الأسلحة والعربات، إلى جانب تدعيم وحدة الطيران المسيّر ومنظومة الرصد المتقدم.

طيران الجيش اليمني يواصل استهداف قدرات الحوثيين في الساحل الغربي (إعلام حكومي)

وشملت الزيارة قوات التشكيل البحري وخفر السواحل وعدداً من الجزر قبالة مديرية ميدي، حيث تابع مجلي جهود إخلاء مواطنين وأفراد من جزيرة الزبير بعد تعرضهم للحصار نتيجة التطورات الأخيرة في الساحل الغربي. واطلع كذلك على جاهزية القوات البحرية لتأمين الجزر والمياه الإقليمية وتعزيز الحضور العسكري والأمني في القطاع الساحلي.

وتأتي زيارة مجلي في وقت تحاول فيه القوات الحكومية الحفاظ على مواقعها في شمال غربي البلاد، بالتوازي مع إعادة تقييم انتشارها العسكري عقب التطورات المتسارعة التي شهدها الساحل الغربي.

ضغط على تعز

في تعز (جنوبي غرب) أعلن الجيش اليمني، الثلاثاء، قصف منصة لإطلاق صواريخ باليستية للحوثيين في مطار تعز؛ الواقع شرق المدينة. وقال محور تعز العسكري إن الطيران الحربي استهدف المنصة، في خطوة تعكس تصاعد اليقظة العسكرية حول المدينة التي باتت تواجه ضغطاً متصاعداً من الجهة الغربية.

كما أعلنت القوات المسلحة اليمنية في وقت سابق استهداف عتاد وعناصر حوثية ومقار استولت عليها الجماعة في منطقتي ذوباب بمحافظة تعز والخوخة بمحافظة الحديدة، وفق المتحدث باسم القوات المسلحة العقيد الركن ماجد النزيلي.

الحوثيون يخططون لخنق مدينة تعز من الجهة الغربية وسط تصدي الجيش اليمني (إعلام حكومي)

وتزامنت هذه الضربات مع جولة ميدانية لرئيس أركان محور تعز، اللواء الركن عبد العزيز المجيدي، على عدد من الجبهات المحيطة بالمدينة، حيث اطلع على مستوى الجاهزية واليقظة، ودعا إلى مواصلة رفع الحذر والتعامل مع أي تحركات حوثية.

وفي جنوب تعز، تفقد قائد محور طور الباحة وقائد «اللواء الرابع مشاة جبلي»، اللواء الركن أبو بكر الجبولي، خطوط التماس الممتدة من بني عمر إلى جرداد وتخوم مديرية الوازعية، بما فيها جبهتا راسن والعلقمة.

وأكد الجبولي أن قواته في جاهزية قتالية عالية وقادرة على التعامل مع مختلف التطورات الميدانية، مشدداً على أهمية اليقظة والانضباط العملياتي والاستعداد الدائم لأي تحركات حوثية.

إعادة ترتيب

تأتي هذه التحركات بعد التحول الكبير الذي أحدثته سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من الساحل الغربي، بما فيها المخا والخوخة وحيس، ثم وصولهم إلى باب المندب وعدد من الجزر في البحر الأحمر. وأدى ذلك إلى زيادة الضغط على تعز، التي يمكن أن تصبح هدفاً لمحاولات حوثية لتوسيع نطاق السيطرة وتشديد الخناق على المدينة وأريافها.

ويرى مراقبون أن تحركات القوات الحكومية في تعز وحجة تعكس محاولة لاحتواء تداعيات خسارة الساحل، ومنع الحوثيين من تحويل مكاسبهم الأخيرة إلى واقع ميداني دائم، بالتوازي مع إعادة تنظيم القوات ورفع مستوى الاستعداد في القطاعات الأعلى حساسية.

القوات المسلحة اليمنية ترفع جاهزيتها في جبهات تعز وسط ضغط حوثي (إعلام حكومي)

وفي هذا السياق، دعا مجلي القبائل إلى حماية أبنائها من التجنيد الحوثي والزج بهم في القتال، بينما أشاد بالدعم السعودي للقوات اليمنية والمشروعات الإنسانية والتنموية. كما تفقد جهود مشروع «مسام» في إزالة الألغام التي زرعتها الجماعة في المناطق المحررة.

وتشير التطورات إلى أن القوات الحكومية تحاول الانتقال من التعامل مع آثار الانتكاسة الأخيرة إلى بناء وضع عسكري أشد تماسكاً، خصوصاً في تعز، حيث تتقاطع الجبهات الداخلية مع الساحل وممرات البحر الأحمر؛ مما يجعل المحافظة محوراً رئيسياً في أي محاولة لاستعادة المبادرة العسكرية خلال المرحلة المقبلة.