فرنسا... إعلام رياضي حيوي لكن اهتمامه الأكبر كرة القدم

كان روّاده وراء إطلاق بعض أشهر المسابقات العالمية

قناة «كانال بلوس فوتبول»
قناة «كانال بلوس فوتبول»
TT

فرنسا... إعلام رياضي حيوي لكن اهتمامه الأكبر كرة القدم

قناة «كانال بلوس فوتبول»
قناة «كانال بلوس فوتبول»

معروف عن فرنسا تقليديها الرياضي العريق، فهي موطن الألقاب ورياضيوها يحتلون الريادة في العديد من الرياضات. وهذه النجاحات يرجعها متابعون إلى انتشار ممارسة الرياضة في هذا البلد. وفي دراسة حديثة لوزارة الرياضة بعنوان «الأرقام المهمة عن الرياضة» تبين أن عدد الفرنسيين الذين يمارسون نشاطاً رياضياً بشكل منتظم يبلغ 26 مليون شخص، 14 مليون منهم تحت إشراف أندية على مختلف المستويات.
أما الرياضيون المحترفون على مستوى عالٍ، فهم حسب هذه الدراسة لا يقلّون عن 6 آلاف شخص.
هذا الشغف يقابله حضور واسع لوسائل الإعلام الرياضية، التي تتنوّع بين صحافة مكتوبة وسمعية بصرية وإلكترونية، ولقد عرفت هذه الوسائل كيف تتأقلم مع المنعطف الرقمي، وكيف تلفت الانتباه وتجني المكاسب المادية وتضاعف أرباحها بفضل العلاقة المتينة بين الرياضة والاستثمار، ولا سيما كرة القدم التي تخصّص لها حصّة الأسد في تغطياتها الإعلامية.

«ليكيب» من أشهر الصحف الرياضية

صحافة مكتوبة عريقة

معروف عن الصحافة الرياضية في فرنسا حيويتها وماضيها الحافل، إذ هي كثيرة تلك العناوين التي أسست في بداية القرن الماضي وأولها على الإطلاق كان مجلة «الرياضة في باريس» التي صدرت عام 1854 على يد الصحافي والحكم الهاوي أوجان شابو. ولكن، الأهم من ذلك، أن مؤسسي الصحافة الفرنسية وروّادها كانوا وراء إطلاق عدة مبادرات تحوّلت اليوم إلى أقوى وأبرز المنافسات الرياضية في العالم.
صحيفة «ليكيب» الرياضية الشهيرة، مثلاً، كانت وراء فكرة إطلاق «كأس أوروبا لكرة القدم» التي أصبحت فيما بعد «دوري الأبطال». ومسابقة «الحذاء الذهبي»، التي تكافئ المواهب المتميزة في كرة القدم جاءت بإيعاز من الصحافي في أسبوعية (سابقاً) «فرانس فوت» جاك فيران. ثم إن الصحافيين جول ريميه وروبير غيران من يومية «لوماتان» هما مَن كان وراء فكرة «الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)»، الذي أسس في العاصمة الفرنسية باريس عام 1904، والتي تلاها إنشاء بطولة كأس العالم عام 1924. وفي حين حملت كأس العالم الأصلية لكرة القدم اسم جول ريميه، كان روبير غيران هو مَن حرّر بنود الجمعية التي كانت تنّص حرفياً على «إنشاء بطولة عالمية لكرة القدم وبأن للفيفا وحده الحق في تنظيمها...»، وبعيداً عن كرة القدم، فإن سباق الدراجات الشهير الـ«تور دو فرانس» (طواف فرنسا الكبير) هو الآخر من تنظيم صحافي من جريدة «أوتو» يدعى هنري لاغرانج عام 1936.

 عناوين أبرز المطبوعات الرياضية الفرنسية

وهذا، طبعاً من دون أن ننسى أن بطولة «رولان غاروس» (بطولة فرنسا الدولية المفتوحة لكرة المضرب) - وهي إحدى البطولات الأربع الكبرى في العالم بجانب «ويمبلدون» البريطانية و«فلاشينغ ميدوز» الأميركية و«ملبورن» الأسترالية - كادت أن تختفي بعد الأزمة التي مرت بها في السنوات السبعين لولا جهود الإعلامي فيليب شاترييه ورؤيته... وهو مؤسس مجلة «تنس دو فرانس»، ولقد أنقذ البطولة العريقة بفضل إدارة حكيمة وحصيفة.

إصدارات متنوعة
و{ليكيب} في الصدارة
اليوم تنشر في فرنسا عدة إصدارات تغطي الفعاليات الرياضية على المشهد الإعلامي، أهمها أسبوعية «ليكيب» (الفريق) التي أسست عام 1946، وهي ثالث أهم صحيفة في البلاد بعد «لوموند» و«لوفيغارو» بـ214 ألف نسخة يومية (123 ألف نسخة منها رقمية)، 420 متعاوناً ومخطط طموح للوصول إلى تحقيق 450 ألف نسخة يومية مع مطلع 2025. وتضم مجموعة «ليكيب» أيضاً قناة «ليكيب 21» التي تحظى بنسب مشاهدة في تقدم ملحوظ، إضافة لموقع على الشبكة يعد من بين العشرة المواقع الأكثر زيارة في فرنسا (100 مليون زائر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022)، علماً بأن القناة كانت قد أعلنت عن 4 ملايين يورو كأرباح صافية لعام 2021.
بعد «ليكيب» من حيث الرواج، تأتي صحيفة «فرانس فوت» (فرانس فوتبول) التي شهدت تراجعاً في نسبة المبيعات إلى أقل من 50 ألف نسخة يومية عام 2021 بعدما كانت تتجاوز 190 ألف نسخة في بداية 2006. ولقد دفعت المنافسة الشديدة مع «ليكيب» دفعت بإدارة صحيفة «فرانس فوت» إلى تحويلها لمطبوعة شهرية وتسريح أكثر من نصف الموظفين للصمود أمام حدة الأزمات الإنتاجية والتوزيعية.

 قناة «أر إم سي سبور»

هذا على صعيد كرة القدم، ولكن المشهد الإعلامي الفرنسي يضم أيضاً عدة منشورات رياضية أخرى معظمها متخصّص في رياضات معينة كصحيفة «أوتوبلوس» أو «أرغوس» للسيارات، أو «تنس ماغازين» (لكرة المضرب) ومعظمها في يد مجموعة «أموري»، وهي المجموعة الإعلامية الأولى في مجال الصحافة الرياضية المتخصصّة، وهي تزن 505 مليون يورو وتوظف أكثر من 1000 شخص. وما يجدر ذكره أيضاً أن مجموعة «أموري»، هي صاحبة الحقوق لأكثر من 90 حدثاً رياضياً في 25 دولة بما في ذلك فعاليات مهمة مثل «رالي داكار» للسيارات أو بطولة فرنسا للسفن الشراعية «لوفون دي غلوب»، وسباق الدراجات المشهور الـ«تور دو فرانس».

القنوات وحقوق البّث

على صعيد موازٍ، ورغم تغطيتها الواسعة لمختلف الفعاليات الرياضية في فرنسا، الملاحظ في وسائل الإعلام السمعية البصرية الفرنسية بصفة عامة تركيزها على الرياضات الأكثر شعبية ككرة المضرب وسباقات السيارات والدراجات، على أن حصّة الأسد تعود بلا منازع لكرة القدم.
جيروم كازاديو رئيس تحرير صحيفة «ليكيب» قال ذات يوم في ميكروفون إذاعة «فرانس كولتور» شارحاً: «كرة القدم هي أكثر الرياضات استحواذاً على اهتمام وسائل الإعلام، لدرجة أنها تسحق كل الرياضات الأخرى»، ثم استشهد رئيس التحرير بحادثة فوز بطلة كرة المضرب الفرنسية إميلي موريسمو ببطولة السيدات في ويمبلدون عام 2000. التي تجاهلتها وسائل الإعلام الفرنسية كلياً لأن فوزها صادف، في اليوم نفسه، فوز منتخب فرنسا لكرة القدم بـ«كأس أوروبا»، وهو الحدث الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة جداً في مقابل تجاهل فوز موريسمو.
هذا الاهتمام يُفسر بنسب المشاهدة العالية التي تُميز تغطية مثل هذه الأحداث، والتي تجلب لوسائل الإعلام المعلنين وتسهم في مضاعفة مداخيلها المادية، كما حدث مع قناة «تي إف 1» التي وصلت إلى رقم قياسي في نسب المشاهدة بـ23 مليون شخص تابعوا مباراة نصف نهائي كأس العالم لكرة القدم بين فرنسا والمغرب. وهي ليست الوحيدة في المشهد الإعلامي، الذي يضم أيضاً باقة قنوات «أرمسي سبور» الأرضية والفضائية التابعة لمجموعة «التيس»، التي يملكها رجل الأعمال الفرنسي الإسرائيلي باتريك دراهي، التي استثمرت أكثر من 36 مليار يورو في ظرف سنوات قليلة لشراء حقوق بّث أبرز الأحداث الرياضية، وتمكنت أخيراً من الحصول على حقوق بثّ الدوري الإنجليزي التي كانت سابقاً في حوزة مجموعة «كانال بلوس».
وللعلم، فإن مجموعة قنوات قناة «كانال بلوس» المتخصّصة أيضاً في السينما إلى جانب الرياضة والتي تعرض قنوات مدفوعة الثمن هي ملك لشركة فيفاندي. قناة كنال بلوس سبورت التي انطلقت في نشاطها في حقبة الثمانينيات تسّجل أكبر عدد من المشتركين في فرنسا حيث وصل عددهم سنة 2022 حسب تقارير إعلامية إلى 23 مليون مشارك، وهي تملك حقوق بث مباراة الدوري الفرنسي و«دوري الأبطال» لكرة القدم وسباقات سيارات الفورمولا 1.
تقدم الصحافة الإلكترونية
أخيراً، منذ فوز المنتخب الفرنسي لكرة القدم لأول مرة بكأس العالم ظهرت عدة مواقع إلكترونية تهتم بالرياضة، وبكرة القدم بصفة خاصة، معظمها يتميز بالنوعية والتجدد. وهي مواقع أطلقها في البداية مجموعة من الهواة كموقع «سوفوت» و«فوت 365»، وخاصة موقع «فوت ميركاتو»، الذي أطلقه طالب حقوق من كبار هواة كرة القدم عام 2004. وأصبح اليوم واحداً من المواقع الأكثر زيارة في فرنسا، إذ يحقق أكثر من 48 مليون زيارة.
أكبر ميزة لهذه المواقع سرعتها، كما أكد عليه سيبستيان دونيسه، مدير تحرير الموقع الذي صّرح على صفحات دورية «لي زيكو»، موضحاً: «هدفنا هو أن نكون سريعين للغاية، إذا أطلقنا الخبر على الفور فإننا سنُقرأ حتماً أكثر من غيرنا». وبالفعل، دفع رواج هذه المواقع وسائل الإعلام التقليدية إلى التجّدد والاتجاه نحو التنوع للحفاظ على مكانتها. والعديد من هذه الوسائل التقليدية اختار أخيراً الاتجاه إلى تطوير طبعات رقمية، منها صحيفة «ليكيب» وصحيفة «كايي دي فوتبال» التي أصبحت تصدر فقط على موقع إلكتروني.


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.