روسيا تمطر أوكرانيا بالصواريخ في إحدى أكبر الهجمات منذ بدء الحرب

أظهرت الخرائط التحذيرية أن صفارات الإنذار انطلقت في عدة أجزاء من أوكرانيا وقالت كييف إن الهجوم الصاروخي ضدها كان من بين الأكبر منذ انطلاق الحرب في 24 فبراير الماضي (أ.ب)
أظهرت الخرائط التحذيرية أن صفارات الإنذار انطلقت في عدة أجزاء من أوكرانيا وقالت كييف إن الهجوم الصاروخي ضدها كان من بين الأكبر منذ انطلاق الحرب في 24 فبراير الماضي (أ.ب)
TT

روسيا تمطر أوكرانيا بالصواريخ في إحدى أكبر الهجمات منذ بدء الحرب

أظهرت الخرائط التحذيرية أن صفارات الإنذار انطلقت في عدة أجزاء من أوكرانيا وقالت كييف إن الهجوم الصاروخي ضدها كان من بين الأكبر منذ انطلاق الحرب في 24 فبراير الماضي (أ.ب)
أظهرت الخرائط التحذيرية أن صفارات الإنذار انطلقت في عدة أجزاء من أوكرانيا وقالت كييف إن الهجوم الصاروخي ضدها كان من بين الأكبر منذ انطلاق الحرب في 24 فبراير الماضي (أ.ب)

صعدت موسكو هجماتها الجمعة، وشنت غارات مكثفة في عدد من المدن الأوكرانية، وقالت كييف إن الهجوم الصاروخي ضدها من بين الأكبر منذ انطلاق الحرب في 24 فبراير (شباط). وأفادت وسائل إعلام روسية وأوكرانية بأن أصوات انفجارات قوية سمعت في عدد من المدن الأوكرانية وسط تقارير عن انقطاع التيار الكهربائي بشكل كامل في عدد من المناطق. واستهدفت الهجمات أجزاءً من البنية التحتية الأساسية في منطقة خاركيف في الشمال الشرقي، وأوديسا على البحر الأسود وفينيتسيا في الغرب الأوسط. وفي العاصمة كييف، كتب عمدة المدينة فيتالي كليتشكو على «تلغرام»: «انفجارات قوية في منطقة ديسيانسكي بالعاصمة. جميع الخدمات (الطوارئ) تتجه إلى المكان. ابقوا في الملاجئ». أظهرت الخرائط التحذيرية أن صفارات الإنذار انطلقت في عدة أجزاء من أوكرانيا أمس الجمعة.

أمطرت روسيا شبكة الكهرباء الأوكرانية بوابل من الصواريخ ألحقت أضراراً بتسع منشآت للطاقة، وأجبرت سلطات كييف على قطع طارئ للتيار الكهربائي في أنحاء البلاد وسط برد قارسٍ، ولاذ كثيرون بالملاجئ خلال ساعة الذروة الصباحية للاحتماء من أحدث هجوم واسع تشنه روسيا على البنية التحتية الحيوية منذ أكتوبر (تشرين الأول). وتحدث عمدة مدينة خاركيف ثاني أكبر مدينة في أوكرانيا عن أضرار «هائلة» تهدد بحرمان كثيرين من التدفئة وسط أجواء شديدة البرودة، بينما ذكر حاكم منطقة دنيبروبتروفسك في وسط البلاد أن «أضراراً جسيمة» وقعت. وقال فاليري زالوجني القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية، كما نقلت عنه رويترز إن بلاده أسقطت 60 من أصل 76 صاروخاً أطلقتها روسيا على البنية التحتية. فيما قال يوري إهنات المتحدث باسم سلاح الجو إن موسكو حاولت عمداً تشتيت الدفاعات الجوية بتسيير طائرات حربية قرب أوكرانيا. وقالت ليديا فاسيلييفا (53 عاماً) لرويترز وهي تتجه إلى أحد الملاجئ في محطة للسكك الحديدية في كييف: «يرغبون في تدميرنا وأن يجعلونا عبيداً، لكننا لن نستسلم وسنتحمل». وأضافت: «أريد أن تنتهي الحرب قريباً. لكني مستعدة للانتظار طالما كان ذلك ضرورياً».
وقال مسؤول بارز إن الهجوم في كريفي ريه، مسقط رأس الرئيس فولوديمير زيلينسكي، أسفر عن إصابة ما لا يقل عن ثمانية أشخاص بينهم ثلاثة أطفال صغار، مضيفاً أن جهود الإنقاذ تتواصل. وحذرت شركة أوكرينرجو المشغلة للشبكة من أن إصلاح الأضرار سيتطلب وقتاً أطول مقارنة بالمرات السابقة وأن إعادة التيار ستستغرق وقتاً طويلاً. وقال وزير الطاقة جيرمان جالوشينكو للتلفزيون الوطني: «ما رصدناه بالفعل هو أضرار لنحو تسعة مرافق لتوليد الكهرباء ونواصل تقييم الأضرار».
وكانت وكالة الأنباء الأوكرانية الوطنية (يوكرينفورم) قد نقلت عن بافلو كيريلينكو، رئيس منطقة دونيتسك الإقليمية قوله إن 7 مدنيين أوكرانيين قتلوا وأصيب 8 آخرون بجروح في منطقة دونيتسك، جراء هجوم للجيش الروسي. وقال كيريلو تيموشينكو نائب رئيس مكتب الرئاسة عبر تطبيق تلغرام: «لا تتجاهلوا التحذيرات من الغارات الجوية، ابقوا في الملاجئ». وأفاد فيتالي كيم حاكم منطقة ميكولايف في جنوب أوكرانيا برصد ما يصل إلى 60 صاروخاً روسياً متجهة إلى المجال الجوي الأوكراني. وتردد أنه تم استخدام منظومة الدفاع الجوي لمواجهة الهجمات. وكتب على تلغرام: «جزء منها فوق شمال أوكرانيا بالفعل». وقال القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية إن بلاده أسقطت 60 من أصل 76 صاروخاً أطلقتها روسيا عليها الجمعة. وكتب الجنرال زالوجني عبر تلغرام: «وفقاً للبيانات الأولية هذا الصباح، من منطقتي بحر قزوين والبحر الأسود، أطلق العدو 76 صاروخاً، من بينها 72 صاروخ كروز (إكس – 101)، و(كاليبر)، و(إكس - 22) وأربعة صواريخ جوية موجهة (إكس - 59) على البنية التحتية الحيوية في أوكرانيا».
نقلت وكالة تاس الروسية للأنباء عن خدمات الطوارئ أن قصفاً أوكرانياً على قرية خاضعة للسيطرة الروسية في منطقة لوهانسك شرق البلاد قتل 11 على الأقل وتسبب في فقد 20. وقال ليونيد باسيتشنيك، حاكم المنطقة الذي نصبته روسيا، في منشور على قناته على تلغرام إن القصف أصاب لانتراتيفكا، وهي قرية قريبة من الحدود مع روسيا. ووصف باسيتشنيك الهجوم بأنه «وحشي» وقال إن أوكرانيا تستهدف الأحياء السكنية والمدارس ومناطق التسوق في محاولة «لقتل أكبر عدد ممكن من الناس». ولم يصدر تعليق على الفور من كييف. وقال مسؤولون مدعومون من روسيا يمثلون لوهانسك في المركز المشترك للمراقبة والتنسيق إن أوكرانيا أطلقت ثلاثة صواريخ هيمارس أميركية الصنع على لانتراتيفكا أمس الجمعة. والمركز هو هيئة لمراقبة وقف إطلاق النار تأسست بعد 2014 بغرض المساهمة في إدارة الصراع بين الانفصاليين المدعومين من روسيا وبين القوات الأوكرانية.
كما أفاد رئيس «ميليشيا الشعب» في لوغانسك عبر قناته على تطبيق تلغرام بمقتل مدني نتيجة لقصف أوكراني على بلدة سفاتوف صباح اليوم الجمعة.


مقالات ذات صلة

تركيا تطالب بإشراكها في مبادرات الـ«ناتو» الأمنية بأوروبا

العالم تركي يسير أمام لافتات تحمل شعار قمة حلف الـ«ناتو» في إحدى الطرق المؤدية إلى القصر الرئاسي بأنقرة حيث ستعقد قمة الحلف يومي 7 و8 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

تركيا تطالب بإشراكها في مبادرات الـ«ناتو» الأمنية بأوروبا

أكد وزير الدفاع التركي، يشار غولر، أن حلف الـ«ناتو» يتكيف مع المشهد الأمني المتغير، وأن قمته المرتقبة في أنقرة ستركز ‌على اتحاده ‌وتقييم زيادة الإنفاق الدفاعي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل دميترييف وأوشاكوف يلتقون قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو يوم 22 يناير 2026 (رويترز) p-circle

أوكرانيا تتلقى أول دفعة من قرض أوروبي لشراء المسيرات

أوكرانيا تتلقى أول دفعة من قرض أوروبي لشراء المسيرات وزيلينسكي يعلن استهداف مركز روسيا للاتصالات الفضائية للمرة الثانية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا جنود أوكرانيون يحمّلون صاروخاً على قاذفة قبل إطلاق النار على القوات الروسية وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في منطقة دنيبروبتروفسك بأوكرانيا يوم 22 يونيو 2026 (رويترز)

أوكرانيا تراهن على الاستنزاف... ضربات العمق تضغط على روسيا وتغيّر معادلات الحرب

تكثّف أوكرانيا حرب الاستنزاف ضد روسيا عبر ضربات بعيدة المدى تستهدف منشآت حيوية، بينما يثير استمرار الخسائر الروسية تساؤلات حول مسار الحرب ومستقبلها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الاقتصاد حصان يرعى بالقرب من منصة حفر نفطية في كازاخستان (رويترز)

إنتاج النفط في كازاخستان مستمر بمعدل منخفض بعد هجوم بطائرة مُسيرة

قال رئيس شركة الطاقة الحكومية في كازاخستان إن إنتاج النفط ومكثفات الغاز بحقل «كاراتشاغاناك» يسير بمعدل منخفض بعد هجوم بطائرة مُسيرة أوكرانية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

بعد عقد على «بريكست»، تتباين التقييمات بين استعادة بريطانيا جزءاً من سيادتها، وتزايدت الأدلة على أن تكلفة الانفصال الاقتصادية والسياسية تجاوزت مكاسبه حتى الآن.

شادي عبد الساتر (بيروت)

تركيا تطالب بإشراكها في مبادرات الـ«ناتو» الأمنية بأوروبا

تركي يسير أمام لافتات تحمل شعار قمة حلف الـ«ناتو» في إحدى الطرق المؤدية إلى القصر الرئاسي بأنقرة حيث ستعقد قمة الحلف يومي 7 و8 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
تركي يسير أمام لافتات تحمل شعار قمة حلف الـ«ناتو» في إحدى الطرق المؤدية إلى القصر الرئاسي بأنقرة حيث ستعقد قمة الحلف يومي 7 و8 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

تركيا تطالب بإشراكها في مبادرات الـ«ناتو» الأمنية بأوروبا

تركي يسير أمام لافتات تحمل شعار قمة حلف الـ«ناتو» في إحدى الطرق المؤدية إلى القصر الرئاسي بأنقرة حيث ستعقد قمة الحلف يومي 7 و8 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
تركي يسير أمام لافتات تحمل شعار قمة حلف الـ«ناتو» في إحدى الطرق المؤدية إلى القصر الرئاسي بأنقرة حيث ستعقد قمة الحلف يومي 7 و8 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أكد وزير الدفاع التركي، يشار غولر، أن «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» يتكيف مع المشهد الأمني المتغير، وأن قمته المرتقبة في أنقرة ستركز ‌على اتحاده، ‌وتقييم زيادة إنفاق ​الحلفاء على الدفاع، ‌وتعزيز التعاون في مجال الصناعات ‌الدفاعية، لافتاً إلى ضرورة إشراك تركيا في المبادرات الدفاعية الأوروبية.

وتستضيف تركيا في 7 و8 يوليو (تموز) القمة الـ36 لرؤساء دول وحكومات الـ«ناتو»، بالإضافة إلى مسؤولين من ‌دول الخليج ومنطقة ‌آسيا والمحيط الهادئ، ​في أنقرة لثاني مرة بعد استضافتها قمة «الحلف» في إسطنبول عام 2004.

وتستعرض «قمة أنقرة» التقدم المحرز منذ «قمة لاهاي» عام 2025، وستعمل على وضع خريطة طريق عملية لتحقيق أهداف الـ«ناتو» ذات الأولوية، ⁠وسط توتر داخله بشأن تقاسم الأعباء، والإنفاق الدفاعي، وشكاوى الولايات المتحدة من عدم مشاركة الحلفاء في إعادة فتح مضيق هرمز خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (وزارة الدفاع التركية)

وفي ردود مكتوبة على أسئلة من وكالة «رويترز»، الثلاثاء، ⁠قال غولر إن القمة ستركز ‌على اتحاد «الحلف» ‌وتقييم زيادة إنفاق ​الحلفاء على الدفاع، ‌وتعزيز التعاون في مجال الصناعات ‌الدفاعية، وزيادة الدعم لأوكرانيا، مضيفاً أنه يجب إشراك أنقرة في المبادرات الدفاعية الأوروبية.

دعم أوكرانيا

ويُعدّ دعم أوكرانيا أحد أهمّ الموضوعات المطروحة على أجندة القمة، وربما أكبرها إثارةً للقلق بالنسبة إلى روسيا، وسيعمل الحلفاء على تعزيز آليات المساعدة المستدامة طويلة الأجل، مع استمرار تلبية الاحتياجات الدفاعية العاجلة، وسيجري التركيز على تنسيق عمليات التسليم وبرامج التدريب من خلال قائمة الاحتياجات الأوكرانية ذات الأولوية.

زيلينسكي في أثناء مشاركته بقمة الـ«ناتو» في لاهاي خلال يونيو 2025 (أ.ف.ب)

ومن المتوقع أن يحضر الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، قمة أنقرة. ورأى مراقبون أن الحفاظ على وحدة حلف الـ«ناتو» في ظل استمرار حرب روسيا وأوكرانيا، أحد أهمّ اختبارات القمة.

وقال غولر: «لا يزال (الحلف) منصة لا ‌مثيل لها، وأساسية لأمن منطقة أوروبا والمحيط الأطلسي والدفاع عنهما، ⁠ونحن ⁠لا نعدّ الفترة التي نمر بها أزمة، بل عملية تَكيّف مع البيئة الأمنية المتغيرة».

وأكد أن الولايات المتحدة لا تنوي الانسحاب من الـ«ناتو»، لكنها «تريد أن يتحمل الحلفاء الأوروبيون وكندا مزيداً من المسؤولية عن أمن أوروبا»، الذي قال إنه ​يجب أن ​يتضمن إشراك تركيا في الخطط والمبادرات الدفاعية المتعلقة به.

وتشكل انتقادات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، للـ«ناتو»، واحتمالية تراجع التزام بلاده بشأن أمن أوروبا، والضغط عليها لزيادة تقاسم الأعباء، أحد الاختبارات المهمة لقمة أنقرة.

الإنفاق الدفاعي

وتطرق غولر إلى مسألة زيادة الإنفاق الدفاعي للـ«ناتو» تدريجياً؛ من اثنين إلى 3.5 ثم 5 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي للدول الأعضاء بحلول عام 2035، قائلاً إن تركيا تهدف إلى تحقيق جميع أهداف قدرات الـ«ناتو» بحلول عام 2029.

الأمين العام لحلف الـ«ناتو» مارك روته (أ.ف.ب)

ووصف الأمين العام للـ«ناتو»، مارك روته، قمة أنقرة بأنها «قمة إنجاز»، بمعنى أنه «ينبغي على الأعضاء تجاوز مجرد التعهد بزيادة الإنفاق العسكري، وبدء ترجمة ذلك إلى إجراءات عملية».

ويتوقع أن يقدم الحلفاء في قمة أنقرة خططاً ملموسة بشأن كيفية زيادة الإنفاق الدفاعي تدريجياً، وفقاً لما اتُّفق عليه في «قمة لاهاي» عام 2025.

ومن المتوقع أن يشهد «منتدى صناعات الدفاع» التابع للـ«ناتو»، الذي سيُعقد بقصر الرئاسة التركي في حي بيشتبه بأنقرة يوم 7 يوليو 2026، إبرام عقود جديدة واتفاقيات شراء مشتركة بقيمة عشرات المليارات من الدولارات، كما ذكر روته.

في الوقت ذاته، قال وزير الدفاع التركي إن بلاده تدرس جميع الخيارات لتعزيز دفاعاتها الجوية، بما في ذلك شراء منظومات «سامب تي» التي تنتجها إيطاليا وفرنسا، و«باتريوت» الأميركية.

وتواجه تركيا منذ مدة طويلة صعوبات في الحصول على أنظمة دفاعية من دول «الحلف»، في مقدمتها «باتريوت»؛ مما دفعها إلى اقتناء منظومة «إس400» الروسية؛ الأمر الذي عرضها لعقوبات أميركية في إطار «قانون مكافحة خصوم أميركا بالعقوبات (كاتسا)».

انتقادات للحكومة

في سياق متصل، انتقد الرئيس المشارك لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» التركي المؤيد للأكراد، تونغر باكيرهان، التدابير الأمنية المشددة التي بدأت السلطات تطبيقها في أنقرة منذ 23 يونيو (حزيران)، قائلاً إن المدينة «تحولت عملياً (سجناً مفتوحاً)، ومن غير الواضح ما إذا كانوا يستعدون لقمة أم لحرب».

مظاهرة في إسطنبول يوم 27 يونيو 2026 احتجاجاً على استضافة قمة الـ«ناتو» في أنقرة (أ.ف.ب)

وندد باكيرهان، خلال كلمة أمام نواب حزبه بالبرلمان، الثلاثاء، بتوقيف 175 من الأكاديميين والصحافيين والمحامين وأعضاء المنظمات الأمنية؛ بسبب احتجاجات على انعقاد قمة الـ«ناتو» في أنقرة.

كما وجه انتقادات إلى سياسات التوسع في الـ«ناتو» التي قال إنها «أدت إلى خلق خطوط توتر جديدة، كما تُفرض التزامات عسكرية ومالية وصناعية ثقيلة على الدول الأعضاء؛ مما يعني الاقتطاع من ميزانيات الشعوب لتمويل شراء الأسلحة بذريعة الأمن، كما أن كل هذا يقرَّر بعيداً عن أعين الناس، دون أي رقابة، حيث لا توجد شفافية ولا مساءلة».


حروب العالم... من مدافع نابليون إلى الكلاشنيكوف فـ«المسيّرة»

مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل في العمق اللبناني (أرشيفية - أ.ف.ب)
مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل في العمق اللبناني (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

حروب العالم... من مدافع نابليون إلى الكلاشنيكوف فـ«المسيّرة»

مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل في العمق اللبناني (أرشيفية - أ.ف.ب)
مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل في العمق اللبناني (أرشيفية - أ.ف.ب)

لكل حرب ظروفها ووسائلها. في حروب نابليون، كانت القوى «تسير مُتفرّقة، لكنها كانت تتقاطع وتتلاقى على نقطة الحسم؛ حيث مركز ثقل العدو» لإنهائه. واعتبر المفكر البروسيّ، كارل فون كلوزفيتز، أن احتلال العاصمة لبلد ما، كما القضاء على الجيش، كانا يُشكّلان مقياساً للنصر. من هنا سعي نابليون الدائم إلى المعركة الحاسمة، مع التأكيد دائماً أن الهدف الأساسيّ كان الجيش؛ فاحتلال العاصمة لا يعني النصر من دون تدمير القوّة العسكريّة. وقد خاض نابليون حروبه في العمق الأوروبيّ، وعلى مسافات بعيدة وصلت إلى العاصمة موسكو، التي احتلّها، لكنه لم يكن قادراً على فرض النصر ونزع اعتراف القيصر آنذاك بإنجازاته... «فالعدو لم يُقهر الا إذا اعترف هو بذلك».

عايش نابليون حروب العصابات في إسبانيا. من هنا أتت تسمية «حرب الغيريلا» (Guerilla)، تعني بالإسبانية «حرب العصابات». وقد شكّلت المدفعيّة السلاح الحاسم في حروب نابليون، ومهمتها فتح الثغرة في صفوف العدو بعد حشدها في منطقة مُحدّدة. ألم يكن هو ضابطاً في سلاح المدفعيّة؟

وحدة مدفعية عسكرية إسرائيلية تقتحم لبنان بعد عبورها الحدود الإسرائيلية - اللبنانية كما يُرى من شمال إسرائيل - 27 مايو 2026 (رويترز)

مع الثورة الصناعيّة، بدأت الحرب ووسائلها تأخذان أبعاداً مختلفة، لكنها ركّزت دائماً على غزارة النار، والحركيّة، والتموين اللوجستيّ، خصوصاً أنها أصبحت تستهلك كثيراً من الذخائر. وإذا كان نابليون قد اعتمد كثيراً على سلاح المدفعيّة، فإن الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين قد سمّى المدفعية «آلهة الحرب»، خصوصاً أن طريقة قتال الجيش السوفياتي كانت تعتمد على الحشد الكبير للعسكر مع غزارة نيران كبيرة جدّاً، لعزل قوى العدو ووضعها بما يُسمّى حالة المرجل (Cauldron). وبعد استنزافها إلى الحدّ الأقصى، يخرق الجيش السوفياتي الدفاعات للحسم الأخير (Stalingrad).

وتُعدّ الحرب الأهليّة الأميركيّة (1861 - 1865) أوّل حرب في عصر الثورة الصناعيّة، وتعبّر عن فكر كلوزفيتز بشكل واضح حول المعركة الحاسمة (Decisive Battle)، التي تهدف عادة إلى إبادة جيش العدو (Annihilation). كانت تكلفة الحرب الأهلية الأميركيّة نحو 650 ألف قتيل. يقول كثير من الخبراء إن الحرب الأميركيّة كانت مرحلة انتقالية بين حروب نابليون والحرب العالميّة الأولى. فيها استعمل المقاتلون البندقيّة المُحلزنة، واستعملوا أيضاً المدفعيّة، كما سكك الحديد والتلغراف، الأمر الذي سهّل عملية القيادة والسيطرة، كما عملية نقل العسكر بسرعة إلى حقل المعركة وخطوط التماس، وعلى مساحات أكبر من حروب نابليون.

ولأن الفكر الكلوزفيتزي كان مُكلفاً جدّاً بالأرواح، رد المفكر الإنجليزي ليدل هارت عليه بضرورة تجنّب المعركة الحاسمة، والاعتماد على المناورة والاقتراب غير المباشر، كما التركيز على نقاط الضعف على أنها مركز ثقل، بدل التركيز على نقاط القوّة. من هنا كتابه الشهير «الاستراتيجيّة» (Strategy). وجاءت الحرب الألمانيّة الخاطفة (Blitzkrieg) على فرنسا في الحرب العالمية الثانية، لتأكيد فكر ليدل هارت.

وحدة أوكرانية تطلق قذيفة مدفعية باتجاه مواقع روسية في منطقة خاركيف 2 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

في الظروف وتركيبة النظام العالميّ: السلاح

قد يمكن ربط ديناميكيّة النظام العالميّ، كما موازين القوى فيه والتوازنات، وكيفية سعي القوى العظمى إلى القوّة (Power) والحصول على مزيد منها، بما يتوفّر من تكنولوجيا معاصرة تُعدّ قوّة مُضاعفة (Force Multiplier)؛ فالصراع يُولّد التكنولوجيا ووسائلها الضروريّة للمنافسة. وتغير التكنولوجيا موازين القوى لتضخ مزيداً من اللااستقرار في النظام العالميّ. ألم يحدث هذا الأمر مع السلاح النووي بعد استعماله في اليابان؟ ألا يُعايش عالم اليوم صراعاً على قوّة الحوسبة (Computing Power)، والداتا، وعلى المواد الأوليّة لصناعة الرقائق وأشباه الموصّلات الأحدث في العام؟ ألا تراهن الدول العظمى على قدرتها على التحكّم بالذكاء الاصطناعي، واستعمالاته في مجالات متعدّدة خصوصاً الأبعاد العسكريّة؟

الكلاشنيكوف vs المسيّرة

عندما أعلن الرئيس الأميركي دوايت آيزنهاور، شعار «الردّ الشامل» (Total Response) النووي على كل من يعتدي على أميركا وعلى حلفائها، وجد الفريق الآخر المنافس طريقة ملتوية لتحسين وضعه الجيوسياسيّ في العالم، وذلك عبر دعم حركات المقاومة في العالم، بهدف تغيير الأنظمة لصالح العالم الشيوعيّ. وهذا بالطبع بالإضافة إلى تعزيز القدرات النوويّة، كما التقليديّة في أوروبا، عبر اعتماد استراتيجيّة العمليات العميقة (Deep Ops). بعد آيزنهاور، اعتمد الرئيس الأميركي جون كينيدي استراتيجية «الردّ المرن» (Flexible Response)، بمعنى توفير وسائل عسكرية متعدّدة، إلى جانب السلاح النوويّ، لتأمين كثير من الخيارات بدل الذهاب مباشرة إلى التدمير المُتبادل (MAD). وتُعدّ القوات الخاصة إحدى أهمّ هذه الوسائل خصوصاً لدى الأميركيّين، بوصفها ردّاً مباشراً على الحركات الثوريّة. ألا يتذكّر العالم «القبعات الخضراء» الأميركيّة، (Green Berets) التي استعملتها الولايات المتحدة الأميركيّة هذه؛ بدءاً من فيتنام وصولاً إلى أميركا اللاتينيّة؟

مسلحون من «العمال الكردستاني» يحملون رشاشات كلاشنيكوف في شمال العراق (أرشيفية - رويترز)

على كلّ، وفي هذا الإطار يقول الجنرال الفرنسي، فنسان ديبورت، في كتابه حول الاستراتيجيّة: «لا شكّ أن العدو هو الذي يصنع استراتيجيّتنا، والعكس صحيح». وعليه، قد يمكن القول إن عملية الوصول إلى التوازن في الصراعات كما الحروب، لا تحصل إلا إذا بدأت عملية التناضح (osmosis) بين المتقاتلين، خصوصاً أن عملية التأقلم خلال المعركة هي عملية مستمرّة ومُستدامة، تعتمد أصلاً على الفعل وردّ الفعل؛ إذ يقترب بعض المتقاتلين في أسلوب قتالهم من بعض، عبر التقليد (Mime) القسري للتكتيكات في ساحة المعركة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يُقاتل الجيش الإسرائيليّ اليوم تنظيم «حزب الله» في جنوب لبنان بأسلوب قتالي هجين، يجمع بين طريقة قتال حرب العصابات عبر تقليد طريقة قتال الحزب، وذلك بالإضافة إلى طريقة القتال التقليديّ حسب عقيدته العسكريّة.

الكاتب الأميركي سي.جي. شيفرز، اعتبر في كتابه عن «البندقيّة»، (The Gun) أن بندقيّة الكلاشنيكوف غيّرت السياسة العالميّة خلال الحرب الباردة، كما غيّرت الثورات وحركات المقاومة، وكذلك خصائص الحروب. وقد يمكن مقارنة هذا التغيير إلى حدّ ما، بدخول المسيّرة على الحروب في القرن الحادي والعشرين، لكن بطريقة مختلفة. ظهر فعل البندقية الروسية خلال الحرب العالمية الثانية، حيث كان القتال في تلك المرحلة يُخاض عن قُرب وبوتيرة سريعة جدّاً. أمّن هذا السلاح تنفيذ المهمة من دون توقّف بسبب بساطة تركيبة هذا السلاح، وسهولة الاستعمال، وعدم الحاجة إلى التعهّد المُستدام، كذلك الأمر القدرة على الإنتاج الكميّ.

وحسب الكاتب أيضاً، هو سلاح لمن ليس لديه سلاح، وهو قاعدة ناريّة لمن ليست لديه قاعدة. وبسبب طبيعة الصراع الجيوسياسيّ بين الجبارين خلال الحرب الباردة، انتشر هذا السلاح على مدار الكرة الأرضيّة؛ من آسيا إلى أوروبا، إلى أفريقيا وغيرها من المناطق؛ فحيث وُجد هذا السلاح كانت هناك حركات ثوريّة، فهو قد أصبح رمزاً لها؛ ليس فقط عسكريّاً، لا بل أصبح رمزاً جيوسياسيّاً، يُصنّف من يحمله على أنه معادٍ للرأسماليّة والاستعمار.

وعليه، قد يمكن القول إن هذه البندقيّة قد أسهمت إلى حدّ بعيد في تعزيز دول اللاعب الثوريّ اللادولتيّ (NSA)؛ فهي زاوجت الوسيلة مع الآيديولوجيا. أعطت البندقية القوة الناريّة لمن ليست لديه القاعدة الناريّة. أمّنت قدراً من التكافؤ (Parity) بين الجندي المُستعمر أو الجندي الذي يخدم نظاماً رأسمالياً والمناضل الثوريّ، هذا إذا أمّن الثائر بالطبع ظروفاً ميدانيّة تناسب طريقة قتال حرب العصابات. ولأن لكل عصر حربه الخاصة، التي لها خصائص مختلفة، أتت المُسيّرة لتكون سلاح الجو لمن ليس لديه سلاح جو. هي تقاتل عن بُعد وليس كما بندقية الكلاشنيكوف. لها وظائف مختلفة؛ فهي تراقب، وتجمع المعلومات عن أرض المعركة، وتُصحّح رمايات المدفعيّة. وهي أيضاً انتحارية بدأت تأخذ من مدفعيّة الميدان دورها الأساسيّ. وتستعمل المسيّرة الذكاء الاصطناعيّ، بعكس البندقيّة، حتى لو بدأت بعض الشركات سعيها لتركيب آلة على منظار البندقيّة تستعمل الذكاء الاصطناعي بهدف تحسين دقّة الرماية.

نظام الهجوم بالطائرات المسيرة انتشر على نطاق واسع بين الوحدات العسكرية الأوكرانية (إ.ب.أ)

كشفت المسيّرة حقل المعركة (Transparency) كما ألغت خطوط التماس، وبدأت بتهميش دور المدرّعات. لا ينافس الكلاشنيكوف المسيّرة في هذه المجالات؛ فهو سلاح القتال عن قرب ومن المسافة صفر، ويُشغّل من قبل حامله. أما المسيّرة فتُشغّل عن مسافات بعيدة، وتبحث عن الهدف حتى لو كان متحرّكاً. تستعمل الجيوش البندقيّة، كما حركات المقاومة. وتستعمل الجيوش المسيّرات كما اللاعب اللادولتيّ. كان للكلاشنيكوف تأثير عالميّ، أيضاً للمسيّرة تأثير عالميّ؛ هو من نتاج الثورة الصناعيّة والمسيّرة من نتاج الثورة الصناعيّة، لكن مع إضافات كثيرة من الثورة التكنولوجيّة: تُسهم المسيّرة في ربط أبعاد مسرح العمليات من ضمن الفقاعة (Bubble)، وهي تسهم في الحرب متعدّدة الأبعاد (Multi Domain) عبر ربط سلاح البرّ بالبحر بالجو. الفضاء كما السايبر.

وفي هذا الإطار، يبدو الكلاشنيكوف متواضعاً جدّاً، فهو لا يزال مرتبطاً بالقتال الفرديّ. وكان انتشار الكلاشنيكوف عاماً وشاملاً على كل وحدات الجيش، وفي كل الاختصاصات. حتى الآن، لا تزال المسيّرات حكراً على قطاع متخصص في الجيوش، خصوصاً أن تركيبة المُسيّرة وكي تُنفّذ المهمة، وجب توفّر من يُصنّع (Industrial)، كما توفّر من يعمل على البرمجة (Software)، هذا بالإضافة إلى من يُشغّل (Operator). هذه الأبعاد ليست ضرورية في الكلاشنيكوف.

رفع الكلاشنيكوف تكلفة الاحتلال، كما ترفع المسيّرة تكلفته. صُنّع الكلاشنيكوف في مصانع الدولة-الأمة، فيما تُصنّع المسيّرة في القطاع الخاص، كما تُعدل للأهداف الحربيّة من قبل مستعملها. المشترك بين الاثنين قد يكون السعر. تكلفة الكلاشنيكوف تتراوح بين500 و1200$، أما سعر المسيّرة فهو متعلّق مباشرة بالمهمّة والمدى والتجهيزات الحديثة، وأين مكانها في الصورة الكبرى للمعركة. اعتمد الكلاشنيكوف على عدد الجنود (Mass)، في حين تمنع المسيّرة حالياً الحشد، إن كان في الآليات أو الجنود.

وفي الختام، قد يمكن القول إن الكلاشنيكوف قد أسهم في دعم حركات المقاومة والتحرّر، وهو سلاح لمن ليس لديه سلاح. لكن المسيّرة غيّرت أبعاد الحرب، وأعطت سلاحاً جوّياً لمن ليس لديه سلاح جوّي. وإذا كان الكلاشنيكوف قد وشم مرحلة معيّنة من صراع القوى العظمى ببصمته، فإن تأثير المُسيّرة على حروب القرن الحادي والعشرين، لا يزال في بداياته. ولأن الإنسان يستعمل قمة ذكائه من أجل القتل في الحروب، فإن غداً لناظره قريب.


بعد الزلزال... إلى متى يصمد العالقون تحت الأنقاض؟

التقط أحد أفراد فوج التدريب والتدخل السابع للأمن المدني الفرنسي صورة من داخل مبنى متضرر في كاتيا لا مار بولاية لا غوايرا بفنزويلا (أ.ف.ب)
التقط أحد أفراد فوج التدريب والتدخل السابع للأمن المدني الفرنسي صورة من داخل مبنى متضرر في كاتيا لا مار بولاية لا غوايرا بفنزويلا (أ.ف.ب)
TT

بعد الزلزال... إلى متى يصمد العالقون تحت الأنقاض؟

التقط أحد أفراد فوج التدريب والتدخل السابع للأمن المدني الفرنسي صورة من داخل مبنى متضرر في كاتيا لا مار بولاية لا غوايرا بفنزويلا (أ.ف.ب)
التقط أحد أفراد فوج التدريب والتدخل السابع للأمن المدني الفرنسي صورة من داخل مبنى متضرر في كاتيا لا مار بولاية لا غوايرا بفنزويلا (أ.ف.ب)

حين تهتز الأرض وتنهار المباني في لحظات، يبدأ سباقٌ من نوع آخر، عنوانه إنقاذ الأرواح. ففي الساعات الأولى التي تعقب الزلزال، تتجه الأنظار إلى فرق البحث والإنقاذ، فيما يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: إلى متى يمكن للضحايا العالقين تحت الأنقاض البقاء على قيد الحياة؟

ويؤكد مختصون أن الإجابة لا تعتمد على عامل واحد، بل على مجموعة من الظروف، في مقدمتها طبيعة الإصابات، وتوفر الهواء والمياه، ودرجات الحرارة، إضافةً إلى سرعة وصول فرق الإنقاذ. وإذا لم تكن الإصابات بالغة الخطورة، وكانت الظروف المناخية معتدلة، فقد يتمكن بعض العالقين من الصمود أسبوعاً أو أكثر. وفقاً وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

ويكتسب هذا السؤال أهميةً متجددةً مع استمرار عمليات البحث في فنزويلا، حيث تواصل فرق الإنقاذ سباقها مع الزمن لانتشال ناجين من تحت الأنقاض، بعدما ضرب زلزالان قويان ولاية لا غوايرا شمال البلاد، الأربعاء الماضي، متسببين في انهيار كلي أو جزئي لأكثر من 770 مبنى، بينما لا تزال الهزات الارتدادية تضرب المنطقة.

الساعات الأولى... الفرصة الذهبية

يرى خبراء إدارة الكوارث أن الساعات الأربع والعشرين الأولى بعد وقوع الزلزال تمثل الفترة الحاسمة لإنقاذ أكبر عدد ممكن من الأحياء؛ إذ تكون فرص العثور على ناجين أعلى بكثير مقارنةً بالأيام التالية.

ومع مرور الوقت، تتراجع احتمالات النجاة تدريجياً، ليس فقط بسبب نقص الماء والهواء، بل أيضاً نتيجة الإصابات البالغة أو الانهيارات الإضافية التي قد تطمر الضحايا تحت كميات أكبر من الركام.

«الفراغ الآمن»... مساحة قد تنقذ الحياة

ويشير عالم الجيوفيزياء فيكتور تساي، من جامعة براون، إلى أن فرص النجاة ترتفع عندما يجد الشخص نفسه داخل ما يُعرف بـ«الفراغ الآمن»، وهو حيز يتشكل بين أجزاء المبنى المنهار، ويوفر حماية نسبية من الضغط المباشر للأنقاض.

وقد ينشأ هذا الفراغ أسفل طاولة متينة، أو بجوار قطعة أثاث قوية، بما يسمح للعالق بالتنفس والبقاء على قيد الحياة حتى وصول فرق الإنقاذ.

في المقابل، يحذر أستاذ طب الطوارئ والاستجابة للكوارث في جامعة جورج واشنطن، الدكتور جوزيف باربيرا، من أن اندلاع الحرائق، أو انتشار الدخان، أو تسرب المواد الكيميائية الخطرة بعد انهيار المباني، قد يقلل بصورة كبيرة من فرص نجاة المحاصرين.

رجال إنقاذ مكسيكيون خلال عمليات بحث عن الناجين في كاتيا لا مار بفنزويلا (إ.ب.أ)

الماء والهواء... مفتاح البقاء

ويؤكد الخبراء أن توفير الهواء النقي والمياه يمثل العامل الأكثر حسماً بعد تجاوز مرحلة الإصابة الأولى.

ويقول باربيرا إن الإنسان يستطيع تحمل الجوع أياماً عدة، لكنه لا يستطيع الصمود طويلاً من دون ماء، فيما تؤثر درجات الحرارة المحيطة بصورة مباشرة في قدرة الجسم على مقاومة الإجهاد والجفاف.

كما تلعب الظروف الجوية دوراً إضافياً؛ إذ تؤثر الأمطار والرياح والحرارة المرتفعة في سرعة عمليات البحث والإنقاذ وكفاءتها.

استجابة دولية

وأعلنت السلطات الفنزويلية مشاركة أكثر من 2600 عنصر إنقاذ من دول عدة، مدعومين بكلاب بوليسية مدربة، ومعدات وآليات متخصصة في البحث عن العالقين.

وبحلول يوم الأحد، أصبحت عمليات الإنقاذ في ولاية لا غوايرا، الأكثر تضرراً، أكثر تنظيماً مقارنةً بالأيام الأولى، بعدما أثار بطء الاستجابة الأولية استياء السكان الذين طالبوا بتسريع عمليات البحث.

خطر يرافق لحظة الإنقاذ

ولا تنتهي المخاطر بمجرد العثور على الضحية؛ إذ يوضح باربيرا أن إخراج المصاب من تحت الأنقاض يحتاج إلى تعامل طبي دقيق.

فالضغط المستمر على العضلات لساعات طويلة قد يؤدي إلى تراكم مواد سامة داخل الجسم، وعند رفع الأنقاض فجأة قد تنتقل هذه المواد إلى مجرى الدم، ما قد يسبب صدمةً خطيرةً تهدد الحياة إذا لم يتلقَّ المصاب العلاج المناسب فوراً.

رغم كل شيء... يبقى الأمل قائماً

ورغم أن احتمالات النجاة تنخفض مع مرور الأيام، فإن التاريخ يحتفظ بقصص إنسانية استثنائية تؤكد أن الأمل لا ينطفئ بسهولة.

ففي أعقاب زلزال وتسونامي اليابان عام 2011، تمكنت فرق الإنقاذ من العثور على مراهق وجدته، البالغة من العمر 80 عاماً، على قيد الحياة بعد تسعة أيام تحت أنقاض منزلهما.

كما نجحت فرق الإنقاذ في هايتي عام 2010 في انتشال فتاة تبلغ من العمر 16 عاماً بعدما بقيت محاصرةً تحت الأنقاض لمدة 15 يوماً، في واحدة من أبرز قصص النجاة التي شهدتها الكوارث الطبيعية.

ماذا تفعل إذا وقع زلزال؟

ويؤكد المختصون أن أفضل وسائل الحماية تختلف باختلاف طبيعة المباني والمعايير الهندسية المعتمدة في كل دولة، إلا أن معظم إرشادات السلامة توصي باتباع قاعدة: «انبطح، واحتمِ، وتمسّك»، ما لم يكن مخرج آمن قريباً جداً.

وينصح بالاحتماء أسفل طاولة متينة أو بجوار قطعة أثاث قوية، مع حماية الرأس والوجه، واستخدام قطعة قماش أو كمامة للتقليل من استنشاق الغبار.

أما إذا وجد الشخص نفسه عالقاً تحت الأنقاض، فينبغي عليه المحافظة على هدوئه وتوفير طاقته، وتجنب الحركة غير الضرورية، وترشيد استهلاك الماء والطعام إن توفر، والإنصات إلى أصوات فرق الإنقاذ، مع استخدام أي جسم صلب لإصدار طرقات متقطعة تساعد في تحديد موقعه.

كما ينصح، في حال توفر هاتف محمول، بالحفاظ على شحن البطارية، وإجراء اتصالات قصيرة أو إرسال رسائل عند الضرورة، بما يزيد فرص تحديد الموقع حتى وصول فرق الإنقاذ.