مونديال 2022 بعيون روسية وأوكرانية... غاب المنتخبان وحضرت الحرب

TT

مونديال 2022 بعيون روسية وأوكرانية... غاب المنتخبان وحضرت الحرب

قد يكون تكون مجريات مونديال قطر الحدث الأهم، الذي لفت أنظار العالم قليلاً عن الحرب الدائرة في أوروبا منذ عشرة أشهر. منح المونديال فرصة للكثيرين لالتقاط أنفاسهم، والتحول عن مراقبة أخبار التقدم الميداني حيناً، أو التقهقر أحياناً، في ساحات المعارك، وصور تدمير البنى التحتية وسجالات الحرب الإعلامية، وتداعيات الحصار الاقتصادي وأزمة الغذاء. لم يمنح المونديال هذه الفرصة للدول «الآمنة» فقط؛ إذ تابع الروس والأوكرانيون أيضاً مجريات التنافس الكروي، بشيء من الحماسة أحياناً، رغم كل المصائب التي حلت على رؤوس الشعبين. خصوصاً عندما وجد كل طرف فرصاً سانحة لاستحضار الانقسام العالمي، ومحاولة توظيف الحدث سياسياً.
غاب منتخبا روسيا وأوكرانيا عن مونديال قطر لأسباب مختلفة. وفي مقابل خروج المنتخب الأوكراني خلال التصفيات، فقد تم «تغييب» روسيا بقرار وُصف بأنه «تعسفي» و«مسيس».
سخرت الأقدار من المنتخب الروسي الذي خاض تصفيات المنتخبات الأوروبية، واحتل المركز الثاني في مجموعته، بخسارة وحيدة أمام كرواتيا؛ ما يعني أن فرصه كانت جيدة للتأهل، قبل أن يأتي قرار «فيفا» في نهاية فبراير (شباط)، أي بعد أسبوع واحد على اندلاع الحرب، ليحرمه من المشاركة المنافسات التأهيلية؛ ونتيجة لذلك حلت بولندا المنافس الرياضي القوي و«الخصم السياسي» في الوقت ذاته، محل الروس.
ولم يقتصر التغييب على المنتخب؛ إذ تم استبعاد الحكام الروس من أي دور في بطولة العالم لكرة القدم في قطر. وعلى الرغم من قرار روسيا اللجوء إلى القضاء، عبر محكمة التحكيم الرياضية العالمية، لإلغاء «العقوبات» لكن الأوان كان قد فات لحضور المنافسة العالمية.
مع غياب الطرفين، تابع الروس والأوكرانيون بشيء من الاهتمام مجريات المونديال. رغم غبار الحرب والمخاوف الأمنية ومشاكل انقطاع الكهرباء في أوكرانيا بسبب تدمير البنى التحتية.
في العاصمة كييف ومدينتي أوديسا ولفوف، توافد مشجعون على المقاهي، التي عرضت مباريات المونديال لمشاهدتها، كان حضور المباريات أشبه باستراحة قصيرة بين غارتين، وفي حالات عدة قطعت صفارات الإنذار متعة الحاضرين الذين كان عليهم أن ينتقلوا سريعاً إلى الملاجئ.
وفي روسيا، رغم الحملات الإعلامية الكبرى على «تسييس» الرياضة، تابع ملايين الروس أحداث المونديال، تحت تأثير قوي للحرب الجارية، ولم تتوقف التعليقات في وسائل الإعلام الكبرى عن عقد مقارنات بين «الفرق الاستعمارية» والمنتخبات «التي «تحررت من الاستعمار الغربي». تلك التعليقات نشرتها وكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية وهي تشير إلى انتصارات منتخب المغرب على إسبانيا والبرتغال، وتعرب عن أمل في أن «يتوج الانتصار على الاستعمار» في المباراة مع منتخب فرنسا.
الأبرز من ذلك، أن النخب السياسية وخصوصاً في معسكر «الصقور» الذين أفرزتهم الحرب الجارية، دخلوا على خط التعليقات المماثلة بقوة. وقبل مباراة المغرب مع فرنسا، أعرب نائب رئيس مجلس الأمن دميتري مدفيديف، عن أمل في أن يتأهل منتخبا الأرجنتين والمغرب إلى نهائي المونديال.
كتب مدفيديف «تدوينة» عبر صفحته على قناة «تليغرام»، قال فيها «سيكون من الرائع أن تغيب منتخبات الأعداء، وأن تكون المباراة النهائية بين منتخبي بلدين صديقين، أي الأرجنتين والمغرب».
في جانب آخر، من أصداء المونديال، غاب المنتخبان، لكن حضرت الحرب بقوة.
إذ كان الاتحاد الأوكراني لكرة القدم قد طلب من الاتحاد الدولي (فيفا) استبعاد منتخب إيران من كأس العالم بسبب «انخراط إيران» في الحرب الروسية - الأوكرانية.
ولم يتجاهل الاتحاد الكروي الإشارة في طلبه الرسمي إلى ضرورة «الأخذ في الاعتبار المعطيات حول انتهاكات حقوق الإنسان في إيران، والتي تتناقض مع مبادئ ومعايير النظام الأساسي للـفيفا، وكذلك لا بد من الأخذ في الاعتبار قرار مجلس الأمن الدولي بشأن فرض عقوبات على إيران واحتمال تورط إيران في الحرب الحالية». أيضاً، لم ينس حلفاء أوكرانيا البولنديون استخدام الزخم الرياضي الكبير في المونديال، للتعبير عن التضامن مع البلد الجار. ولجأ روبرت ليفاندوفسكي، اللاعب المخضرم، وقائد المنتخب البولندي، إلى ارتداء شارة تحمل ألوان العلم الأوكراني خلال مشاركته في مونديال قطر.
هذا الاستعراض كان منسقاً سلفاً. إذ جرت مراسم لافتة لتسليم ليفاندوفسكي نجم برشلونة الإسباني الشارة الخاصة بالأسطورة الأوكراني أندري شيفتشينكو، القائد السابق لمنتخب بلاده.
التقى ليفاندوفسكي مع شيفتشينكو في استاد وارسو الوطني للحصول على الشارة ذات اللونين الأصفر والأزرق وارتداها خلال بطولة كأس العالم. وقال ليفاندوفسكي «حملت ألوان أوكرانيا في كأس العالم، كلاعب وإنسان، أدعم السلام، وأؤمن بأن هذه الإيماءات الرمزية مهمة».
اللافت، أنه خلال المباراة التي جمعت منتخبي إيران والولايات المتحدة، ضمن الجولة الثالثة لمجموعات كأس العالم، تم رفع العلم الأوكراني من قِبل أحد المشجعين. لكن أحد المسؤولين عن تنظيم المباراة طلب من المشجع إزالة العلم سريعاً، ومر الحادث بهدوء.
ومع اقتراب الحدث الرياضي الكبير من نهايته، لا يبدو أن تأثير الحرب على الرياضة سوف ينحسر، كما أن قرارات الاستبعاد بحق المنتخب الروسي لن تمر كما يبدو من دون أن تكون له نتائج. إذ بدأ الاتحاد الروسي لكرة القدم الذي بات معزولاً أوروبياً، يناقش فكرة الانتقال إلى كرة القدم الآسيوية، معتبراً أن الأندية الروسية ستكون هي الأغنى هناك.
وفي مايو (أيار) الماضي، أعلن رئيس الاتحاد الروسي لكرة القدم، ألكسندر ديوكوف، أنه لا يجب أن يكون هناك أي شك في ضرورة انتقالنا إلى الاتحاد الآسيوي لكرة القدم. وقال «آسيا هي الفرصة التي نحتاج إلى أخذها في الاعتبار. أعتقد أننا سننظر في الأمر في اللجنة التنفيذية. لست متأكداً من أنه سيتم اتخاذ قرار، لكن الوضع يحتاج إلى مناقشة».
كما يبدو، لا يرغب الروس فقط في الانتقام من الأوروبيين الذين سعوا إلى عزل رياضيي بلادهم، واستبعادهم عن ساحات التنافس. فقد برز على الخط عنصر آخر لافت، يقوم على «التباعد الحضاري» بين منطلقات روسيا وجاراتها الأوروبيات، بعدما «تم تلطيخ الرياضة بالنزعات السياسية ومنطلقات أحادية الجانب في التعامل مع القيم الاجتماعية والحضارية»، كما كتبت «إكسبريس سبورت» أبرز صحف روسيا الرياضية.
أشارت الصحيفة في تعليق إلى الحملات التي تعرضت لها دولة قطر، ورأت أنها كانت تضمر «دوافع سياسية مغرضة، تشكل امتداداً للسياسات الغربية التي تسعى للهيمنة على قرارات وثقافات الشعوب تحت حجج الديمقراطية وحقوق الإنسان ومكافحة الفساد».
كتبت الصحيفة «تعرضت قطر لانتقادات جائرة على صعيد ملف حقوق الإنسان (...) وفوق ذلك، حاولت بعض الفرق الغربية عند وصولها إلى قطر، عن عمد، التأكيد على استياء بلدانهم من سياسة قطر». وتساءلت «لماذا يشتري الأوروبيون الغاز من قطر، إذا كانت هذه الدولة مثيرة للاشمئزاز لدرجة أنهم لا يستطيعون مشاهدة كرة القدم هناك»؟ بينما دافعت صحيفة «ارغومينتي إي فاكتي» عن القيود التي فرضت خلال المونديال، مثل حظر أزياء الحملات الصليبية؛ لأن ذلك قد يسيء لمشاعر المسلمين، وكذلك منع بيع المشروبات الكحولية في الملاعب. ورأت، أن «الشيء الرئيسي الذي أثار الغضب في الدول الغربية هو حظر استخدام رموز المثليين»، مذكرة بأن روسيا تشاطر العرب والمسلمين النفور من هذه الرموز.
في مقابل ذلك، برز الارتياح الروسي واضحاً بسبب غياب مظاهر العداء لروسيا خلال المونديال، خلافاً للمواقف الغربية. وقال صحافي رياضي روسي لقناة «ماتش» التي نقلت جميع مباريات المونديال «من أكثر الأسئلة انتشاراً: هل هناك رهاب من روسيا في بطولة قطر، أو رفض للروس على المستوى الرسمي أو الشعبي؟ ملاحظاتنا تعطي إجابة لا لبس فيها على هذا السؤال: لا توجد رائحة رهاب ضد روسيا هنا».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز) p-circle

مسيَّرات أوكرانية تهاجم مصنعاً روسياً لوقود الصواريخ

كشف مسؤول ​في جهاز الأمن الأوكراني، اليوم السبت، عن أن طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت ‌مصنعاً لإنتاج مكونات ‌وقود ‌الصواريخ ⁠في ​منطقة ‌تفير غرب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».