هجوم روسي يوقف العمل في ميناء أوديسا الأوكراني

قصف يطال مدناً عدة في خيرسون وزابوريجيا ودونيتسك

محاولات لإخماد حريق ناجم عن قصف في دونيتسك أمس (إ.ب.أ)
محاولات لإخماد حريق ناجم عن قصف في دونيتسك أمس (إ.ب.أ)
TT

هجوم روسي يوقف العمل في ميناء أوديسا الأوكراني

محاولات لإخماد حريق ناجم عن قصف في دونيتسك أمس (إ.ب.أ)
محاولات لإخماد حريق ناجم عن قصف في دونيتسك أمس (إ.ب.أ)

أعلن وزير أوكراني أن ميناء أوديسا توقف عن العمل أمس الأحد بعد أحدث هجوم روسي على شبكة الطاقة بالمنطقة، إلا أنه أضاف أنه ليس من المتوقع أن يعلق تجار الحبوب عمليات التصدير.
وذكر وزير الزراعة ميكولا سولسكي أن ميناءي تشورنومورسك وبيفديني، المسموح بتصدير الحبوب من أوكرانيا من خلالهما بموجب اتفاق مع روسيا، يعملان بشكل جزئي. وأوضح أن «ميناء تشورنومورسك يعمل حالياً بنحو 80 في المائة من طاقته»، حسبما نقلت عنه وكالة «رويترز».
وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد ذكر في خطاب عبر الفيديو مساء السبت أن أكثر من 1.5 مليون شخص في منطقة أوديسا جنوب البلاد انقطعت عنهم الكهرباء بعد قصف طائرات مُسيرة روسية لمنشأتين للطاقة.
وأكد الوزير سولسكي أن ميناء أوديسا متوقف عن العمل في الوقت الراهن لأنه لم يتم بعد تشغيل مولدات الكهرباء. وأضاف أن تجار الحبوب يواصلون شحنها عبر الميناءين الآخرين. وأضاف: «هناك مشكلات، لكن لم يرصد متعاملون أي تعليق للشحنات. الموانئ تستخدم مصادر طاقة بديلة».

قصف أوكراني على ميليتوبول
في غضون ذلك، قصفت القوات الأوكرانية، مساء السبت، ميليتوبول، المدينة الواقعة جنوب البلاد التي تسيطر عليها القوات الروسية، وفق ما ذكرت مصادر رسمية موالية لروسيا وأخرى موالية لكييف. وتقع هذه المدينة الاستراتيجية التي كان عدد سكانها يزيد على 150 ألف نسمة قبل الحرب، في منطقة زابوريجيا التي ضمتها موسكو.
وقدم الجانبان معلومات متباينة عن أهداف الضربات والضحايا، فيما لم يمكن التحقق على الفور من صحة هذه الأنباء. وقال رئيس الإدارة المحلية التي عينتها روسيا في منطقة زابوريجيا يفجيني باليتسكي إن القوات الأوكرانية استخدمت راجمات صواريخ «هيمارس» الأميركية لضرب ميليتوبول حوالي الساعة التاسعة ليل السبت. وأوضح أن الهجوم دمر «مركزاً ترفيهياً» على أطراف المدينة وأسفر عن مقتل شخصين وإصابة عشرة، مؤكداً أنه تم استهداف الموقع بينما كان الناس يتناولون العشاء. وأشار المسؤول إلى أنه تم اعتراض صاروخين في الجو وأصابت أربعة أخرى هدفها. لكن مسؤولاً محلياً آخر في إدارة الاحتلال الروسي فلاديمير روغوف نشر صورة لحريق كبير يلتهم «مركز الترفيه». وقال إيفان فيدوروف، رئيس بلدية المدينة الذي اضطر إلى الفرار من الروس، إن القوات الأوكرانية قتلت عشرات «الغزاة» عندما قصفت المدينة.
وأفادت وزارة الدفاع الروسية أمس الأحد بأن قوات الدفاع الجوي أسقطت خمسة صواريخ هيمارس خلال الأربع والعشرين ساعة المنصرمة بالقرب من مدن دونيتسك وميليتوبول. وقال أوليكسي أريستوفيتش مستشار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن ميليتوبول، وهي مركز صناعي ونقل رئيسي تحتله روسيا منذ مارس (آذار)، أساسية في عملية الدفاع عن الجنوب. وقال أريستوفيتش في مقابلة على مواقع التواصل الاجتماعي: «جميع اللوجيستيات التي تربط القوات الروسية على الجانب الشرقي من منطقة خيرسون وعلى طول الطريق المؤدي إلى الحدود الروسية بالقرب من ماريوبول يتم تنفيذها من هناك». وأضاف: «إذا سقطت ميليتوبول، سينهار خط الدفاع بأكمله على طول الطريق إلى خيرسون. ستحصل القوات الأوكرانية على طريق مباشر إلى شبه جزيرة القرم». ولم يصدر تعليق من الجيش الأوكراني على الفور بشأن الهجمات.
وكانت القيادة المركزية للقوات المسلحة الأوكرانية قد قالت السبت إنها تنفذ ضربات على ميليتوبول.

مقتل شخصين في خيرسون
وفي منطقة خيرسون الجنوبية التي استعادتها القوات الأوكرانية الشهر الماضي، قتل شخصان وأصيب خمسة آخرون في قصف روسي، حسبما أعلن حاكم المنطقة ياروسلاف يانوشيفيتش أمس الأحد. وقال الحاكم في حسابه على تلغرام إن «العدو هاجم مجدداً أحياء خيرسون السكنية» مشيراً إلى أن الجيش الروسي قصف مستشفى ولادة ومقهى ومبنى سكنياً. وأضاف أن «شخصين قتلا الليلة الماضية جراء القصف الروسي» في المنطقة، موضحاً أنه تمت إعادة الكهرباء «إلى حوالي 90 في المائة» من المدينة وضواحيها. وتابع أن خمسة أشخاص آخرين أصيبوا بجروح بدرجات متفاوتة في «45 ضربة» استهدفت المنطقة بالمدفعية وقاذفات الصواريخ المتعددة والدبابات وقذائف الهاون. وقبل انسحابها في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، دمرت القوات الروسية البنى التحتية للخدمات العامة في المدينة وقصفت منذ ذلك الحين خيرسون عدة مرات.
وتستهدف موسكو منذ أكتوبر (تشرين الأول) البنية التحتية في أوكرانيا بسلسلة من الضربات بصواريخ وطائرات مسيرة. وقالت السلطات المحلية في أوديسا إن الكهرباء ستعود لسكان المدينة «في الأيام المقبلة»، في حين أن الإصلاح الكامل للشبكات قد يستغرق من شهرين إلى ثلاثة أشهر. ونقلت وزارة البنية التحتية الأوكرانية عن رئيس هيئة الموانئ الحكومية أوليكسي فوستريكوف قوله: «من الصعب التكهن بالوضع لأننا نتعامل مع عدو ليست لديه مبادئ». وأضاف: «فيما يتعلق بالصادرات، فقد أبطأتها روسيا بالفعل من خلال اختلاق مشاكل في عمليات التفتيش في البوسفور، ومن المؤكد أن نقص إمدادات الطاقة سيبطئها بصورة أكبر». وتعد أوكرانيا من بين أكبر الدول المنتجة والمصدرة للذرة والقمح في العالم، لكن صادراتها تراجعت بشكل كبير بسبب الغزو الروسي. وبعد حصار استمر قرابة ستة أشهر بسبب الغزو، عادت الموانئ الأوكرانية الثلاثة على البحر الأسود في منطقة أوديسا للعمل في نهاية يوليو (تموز) بموجب اتفاق بين موسكو وكييف بوساطة من الأمم المتحدة وتركيا. وسعت كييف بشكل منفصل لتوسيع الاتفاق ليشمل المزيد من الموانئ، لكن لم يتم التوصل لاتفاق بهذا الشأن حتى الآن.
وتصل القدرة الإجمالية للشحن عبر الموانئ الثلاثة الواردة في الاتفاق، وهي أوديسا وتشورنومورسك وبيفديني، لنحو ثلاثة ملايين طن من الحبوب شهرياً. وترغب أوكرانيا في توسيع الاتفاق ليشمل موانئ منطقة ميكولايف في الجنوب التي كان يتم شحن 35 في المائة من صادرات البلاد من المواد الغذائية منها قبل الغزو الروسي. وأظهرت بيانات وزارة الزراعة أن صادرات الحبوب الأوكرانية في الأيام الثمانية الأولى من ديسمبر (كانون الأول) تراجعت بنسبة 47.6 في المائة مقارنة بالعام السابق إلى 1.09 مليون طن.


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟