روسيا وإيران والصين تحفّز «تغييرات» السياسة الخارجية الألمانية

من حرب أوكرانيا وأزمة الغاز... إلى انتهاكات حقوق الإنسان والتهديد الصناعي

جانب من خط أنابيب «نورد ستريم 2» في ألمانيا
جانب من خط أنابيب «نورد ستريم 2» في ألمانيا
TT

روسيا وإيران والصين تحفّز «تغييرات» السياسة الخارجية الألمانية

جانب من خط أنابيب «نورد ستريم 2» في ألمانيا
جانب من خط أنابيب «نورد ستريم 2» في ألمانيا

عندما كشفت الأحزاب الثلاثة الحاكمة في ألمانيا قبل سنة من اليوم، عن اتفاق على تشكيل حكومة ائتلافية تحت عنوان «جرأة للمزيد من التقدم»، لم تكن أي من الأحزاب: الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكيون) وحزب «الخضر» البيئي والحزب الديمقراطي الحر (الليبراليون) تتخيل أن «التقدم» - بل أقل التغير - هذا سيكون بالحجم والسرعة الذي شهدته ألمانيا خلال سنة واحدة فقط. حقيقة الأمر أن «التقدم» الذي أراده الائتلاف الحاكم، داخلياً، كان يتعلق بشكل أساسي بالتخلص من مصادر الطاقة الشديدة التلويث، مثل الفحم الحجري، على حساب زيادة الاستثمار في الطاقة النظيفة. وأيضاً رغبت الأحزاب الثلاثة في تطوير نظام الهجرة «بحيث يتماشى مع ألمانيا الحديثة» من دون تحديد تفاصيل كثيرة. ثم إن «التقدم» الذي تكلمت عنه الأحزاب الحاكمة، وألزمت نفسها به، كان يتعلق كذلك بتطوير «المكننة» وتبسيط البيروقراطية التي تغرق البلاد وتحرمها من الكثير من الموارد. وبالفعل، بدأت التغييرات الكبيرة في ألمانيا بعد أسابيع قليلة من تسلم حكومة ائتلاف الاشتراكيين و«الخضر» والليبراليين زمام السلطة، خلفا لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي المحافظ الذي قاد البلاد طيلة 16 سنة مع زعيمته المستشارة السابقة أنجيلا ميركل. ومع أن حزب ميركل تقاسم السلطة مع الاشتراكيين في ثلاث من الحكومات الائتلافية الأربع التي قادها، وفي الحكومة الثانية مع الليبراليين، فإنه كان الحزب الأقوى... لدرجة أنه لم يسمح للحزبين الآخرين بإدخال الكثير من التغييرات. ولكن هذه «التغييرات» ما كانت تلك التي أرادتها الأحزاب الثلاثة الحاكمة... بل تغييرات جوهرية في السياسة الخارجية والعقيدة الدفاعية للبلاد.

حتلاقي الأحزاب الثلاثة التي تشكل الحكومة الألمانية الائتلافية الحالية، واتفاقها على الحكم معاً، كان تغييراً كبيرا في ألمانيا ويحصل للمرة الأولى في تاريخ حياتها السياسية. ولكن عندما تسلمت الأحزاب الثلاثة، أي «اشتراكيو» الحزب الديمقراطي الاجتماعي و«بيئيو» حزب «الخضر» و«ليبراليو» الحزب الديمقراطي الحر، سدة السلطة... فإنها لم تكن تطمح لتغيير العلاقات مع روسيا والصين، ولا لتغيير العقيدة الدفاعية لألمانيا التي تركز على إنفاق دفاعي منخفض وجيش ضعيف نتيجة الحرب العالمية الثانية.
إلا أن العامل الأكبر الذي دفع ألمانيا لأن تتغير بهذه السرعة، لم تكن فقط تركيبة الحكومة الائتلافية الشابة في برلين، بل سياسة «الجار الكبير اللدود» روسيا. وحقاً، يكرر المسؤولون الألمان الكلام عن «نقطة تحول»، ويشيرون فيها بالذات إلى الحرب التي شنتها موسكو في أوكرانيا. ولعل هذه الحرب، بالفعل، كانت نقطة تحول مفصلي في توجهات ألمانيا ورسم أولوياتها السياسية والاستراتيجية. ذلك أنه طوال العقود الماضية بعد توحد الألمانيتين (الغربية والشرقية)، اعتمدت برلين سياسة خارجية تتركز بشكل أساسي على العلاقات الاقتصادية.
- تأثير الحرب الأوكرانية
في هذا الإطار، دأبت المستشارة السابقة أنجيلا ميركل طوال فترة حكمها المحافظ على الدفاع عن مشروع غاز «نورد ستريم 1» و«نورد ستريم 2» مع روسيا، في وجه المعترضين والمحذرين في بروكسل وواشنطن. وأيضاً بقيت الشركات الألمانية تطور علاقاتها مع الصين بتشجيع من الحكومة الاتحادية حتى بات الكثير منها معتمداً على العلاقة الاقتصادية الجيدة مع بكين. وفي هذه الأثناء، لم تكترث ميركل كثيراً بالانتقادات التي كانت توجه في الغرب ضد انتهاكات موسكو وبكين المزعومة لحقوق الإنسان. أو - على الأقل - لم تدع هذه الانتقادات الغربية تؤثر على العلاقات الاقتصادية الماضية في التوسع.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الحكومة الائتلافية الجديدة برئاسة المستشار الاشتراكي أولاف شولتس - الذي كان نائب ميركل في الحكومة الائتلافية السابقة برئاسة ميركل - كانت تخطط للإبقاء على السياسة الخارجية نفسها. غير أن الحرب في أوكرانيا فعلا غيرت كل شيء.
لقد دفعت هذه الحرب بألمانيا نحو «الانقلاب» على قانون مشرع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بالامتناع عن التورط في نزاعات خارج أراضيها، والإحجام عن إرسال أسلحة إلى دول في حالة نزاع عسكري. وما حدث، هو أن أحزاب الائتلاف الحاكم (الاشتراكي – البيئي – الليبرالي) صوتت لتغيير القانون كي تتمكن من إرسال أسلحة إلى أوكرانيا.

من لقاء شولتس وشي في بكين

كذلك صوتت هذه الأحزاب لصالح زيادة الإنفاق على الجيش الألماني من أجل تطوير معداته وحيازة أنظمة صواريخ دفاعية متطورة، ورفع الميزانية السنوية لعموم القوات المسلحة في البلاد. وفي هذا الشأن علق كثيرون بأن ما ظل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب يطالب ألمانيا به طوال فترة رئاسته على صعيد زيادة إنفاقها العسكري ليصل إلى نسبة 2 في المائة من الإنفاق العام - وهو ما يوصي به حلف شمال الأطلسي «ناتو» للدول الأعضاء - دفعت روسيا ألمانيا لتحقيقه في يوم واحد. وفي سياق متصل، رغم الانتقادات الكثيرة التي تطال برلين حول تلكؤها في تسليح القوات المسلحة الأوكرانية، فإن ألمانيا تظل ثالث أكبر مصدر أسلحة لأوكرانيا، متقدمة بذلك على فرنسا ودول غربية أخرى تشارك في الدعم الغربي للأوكرانيين بمواجهة الجيش الروسي.
ومن جانب آخر، اقتصادي هذه المرة، أوقف المستشار شولتس مشروع «غاز نورد ستريم 2» قبل أن يباشر بنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا، قاضياً بذلك على مشروع روج له الاشتراكيون أنفسهم لسنوات طويلة. وبالفعل، قاد شولتس جهود حكومته للبحث عن مصادر غاز بديلة عن الغاز الروسي في سعيه لوقف اعتماد بلاده نهائياً على الغاز الروسي.
- الموضوع الإيراني
بعد روسيا، جاء دور إيران التي تتمتع ألمانيا معها بعلاقات تاريخية مميزة جعلتها في مصاف أكثر الدول الغربية «تسامحاً» معها ومع قيادتها، بالإضافة إلى أن ألمانيا تستضيف أكبر مركز ديني مرابط بطهران في أوروبا، هو «مركز هامبورغ الإسلامي». وبالفعل، أبقت سلطات برلين على هذا المركز مفتوحاً رغم معرفتها على امتداد عقود بأنه مرتبط بإيران التي تعين رئيسه. أكثر من هذا، تقول الاستخبارات الألمانية بأن هذا المركز أساسي لنشاطات طهران، ليس في ألمانيا فحسب بل في أوروبا كلها، ومنه تنشر - وفق تقارير الاستخبارات - عقيدتها وتدير عمليات تجسس ومراقبة على المعارضين في أوروبا.
وواقع الحال، أن النقاش لم يبدأ حول إغلاق مركز هامبورغ إلا في الآونة الأخيرة على إثر خروج التظاهرات الاحتجاجية في مختلف أنحاء إيران، وتصدي النظام لها بالقمع الشديد. ولقد امتد النقاش أخيراً ليصل إلى حد المطالبة بوقف الحوار مع إيران والمفاوضات النووية. ولم تخرج هذه الدعوات من حزب ميركل الديمقراطي المسيحي، الذي بات في المعارضة، بل صدرت إحداها عن أوميد نوريبوري - الذي يتحدر من أصل إيراني - زعيم حزب «الخضر»... أحد الأحزاب الثلاثة في الائتلاف الحاكم.
وفي هذا الإطار، قادت وزارة الخارجية الألمانية الدول الأوروبية في اقتراح ينص على مجموعة عقوبات تفرض على نظام طهران تمهيداً لتبنيها على مستوى الاتحاد الأوروبي. وسافرت وزيرة الخارجية أنالينا بيربوك إلى مدينة جنيف السويسرية للمشاركة شخصياً في اجتماع «مجلس حقوق الإنسان» الذي ناقش أوضاع إيران خلال الأسبوع الماضي ووافق على إنشاء «لجنة لتقصي الحقائق» في قتل المتظاهرين السلميين هناك. وكانت بيربوك، في الواقع، وزيرة الخارجية الوحيدة التي شاركت في الجلسة في حين اكتفت الدول الأخرى الأعضاء بمندوبيها في «المجلس».
ثم أن بيربوك، المنتمية لحزب «الخضر»، ألقت كلمة قوية داخل ردهة «المجلس» عبرت من خلالها عن دعمها للمتظاهرين ونددت بتصدي النظام لهم. وأثارت هذه المشاركة استياء إيران لدرجة أن مندوبتها داخل «المجلس» تهجمت على الوزيرة الألمانية، وتحدثت عن «نظام ألمانيا» الذي ادعت أنه «لا يسمح بحرية النساء». وأيضاً، استدعت سلطات طهران سفير ألمانيا مرتين خلال الأسابيع القليلة الماضية لتعترض على «المواقف السلبية» «والتحريض» من قبل ألمانيا ضد إيران.
هذا، ومع أن الخارجية الألمانية تمثل الحكومة، فإن صمت المستشار شولتس على استمرار الانتهاكات في إيران كان لافتاً، ولا سيما، مقابل الإدانات المستمرة التي ظلت تصدر عن الخارجية. وفي ظل الأجواء الحالية، ثمة اليوم من يقول بأن حزب «الخضر» هو الحزب الأساسي الذي يقود حملة «التغيير» أو «التقدم» التي تشهدها ألمانيا حالياً، سواءً على صعيد السياسة الداخلية أو في مجال السياسة الخارجية. وحقاً، فإن حزب «الخضر» بات، بلا أدنى شك، القوة الرئيسة الدافعة باتجاه سياسات أكثر تشدداً وحسماً، إن كان مع روسيا أو إيران أو الصين. وللعلم، كان هذا الحزب، حتى قبل أن ينضم إلى الحكومة الائتلافية الحالية، أكثر تشدداً من الأحزاب الأخرى في مقاربة كل من روسيا والصين، وبالأخص، خلال الحملة الانتخابية.
- السياسة إزاء الصين
على صعيد آخر، في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني)، وبينما كان أولاف شولتس يحضر لزيارة الصين قبل خروج التظاهرات المعارضة لقيود «كوفيد - 19» المستمرة، كان كل من حزب «الخضر» ووزارة الخارجية الألمانية يعدان ورقة استراتيجية حول رؤية جديدة للعلاقات مع الصين.
تحذر هذه الورقة المؤلفة من 61 صفحة، من أن القيادة الصينية «تستطيع وتريد» استخدام سوقها «لإحداث تأثير يهدف إلى انتزاع تنازلات» من الدول الأخرى. وتنتقد الورقة أيضاً ما تسميه «الانتهاكات الكبرى لحقوق الإنسان» في مناطق أقلية الإيغور الصينية التركية المسلمة في إقليم سنكيانغ... أو «تركستان الشرقية».

بيربوك تتكلم في جنيف منتقدة القمع الإيراني

كذلك، بحسب نص الورقة التي لم تعتمدها الحكومة الاتحادية بعد، بل ستصوت عليها العام المقبل، على الشركات الألمانية «أن تقلل من التبعية والاعتماد على الصادرات الأكثر جاذبية»، وتطلب من الشركات «الأكثر عرضة للتعاملات مع الصين إلى تقديم كشوف بالأرقام» للحكومة التي سيتوجب عليها، إذ ذاك، تحديد ما إذا كان يجوز لهذه الشركات المضي قدماً بعلاقتها مع الصين بالشكل نفسه أو اتخاذ خطوات مختلفة. وأيضاً، تقترح الورقة إنشاء «أساس قانوني يسمح للحكومة الألمانية، أو الاتحاد الأوروبي، بفحص الاستثمارات الأجنبية الحساسة للأمن».
هذا، وحتى عندما كان شولتس يزور العاصمة الصينية بكين ويلتقي برئيسها شي جينبينغ، لم تتوقف التحذيرات الصادرة عن مسؤولين في حزب «الخضر» الألماني من تكرار الأخطاء نفسها التي سبق ارتكابها في الماضي مع روسيا، هذه المرة مع الصين. بل، ودعا «الخضر» شولتس إلى العمل على تقليص اعتماد الصناعة الألمانية على الصناعة الصينية وتقنياتها، خوفاً من تكرار الأخطاء نفسها.
ولكن شولتس – على ما بدا – لم يكترث كثيراً بتحذيرات حلفائه البيئيين، إذ غادر إلى الصين برفقة ممثلين عن أبرز الشركات الألمانية، فيما يوحي بأنه لا يسعى إلى خفض حجم التبادل الاقتصادي مع الصين. أكثر من هذا، زج المستشار الألماني نفسه بصدام مع «الخضر» قبل أسابيع معدودة من رحلته إلى بكين - حول الصين أيضاً - برفضه توصيات الخارجية ووزارات أخرى، بمنع استحواذ شركة كوسكو الصينية على جزء من مرفأ هامبورغ. وكان كثيرون في ألمانيا يرون أن استحواذ الشركة الصينية المرتبطة بالنظام الشيوعي، على أسهم في أكبر مرفأ في أوروبا، سيمنح الصين قدرة على التحكم بالصادرات والواردات إلى ألمانيا. وبالتالي، سيشكل باباً جديداً للابتزاز الذي يمكن أن تتعرض له البلاد.
ومع انطلاق التظاهرات في الصين بسبب إجراءات «كوفيد - 19»، رفضت الحكومة الألمانية التعليق على الأمر. واكتفى المتحدث باسمها بالقول إن برلين تراقب الوضع هناك، رافضاً الإجابة على سؤال حول ما إذا كانت برلين ستستدعي السفير الصيني للاعتراض على طريقة التصدي للمتظاهرين. ثم ذكر أن شولتس تناول مع الرئيس الصيني مسألة اللقاحات التي طورتها شركة «بيونتك» الألمانية، التي نجحت بوقف تمدد الفيروس ومنعت المزيد من الإغلاقات. كذلك تحدث عن تعاون بين «بيونتك» وشركة أدوية صينية، في إشارة إلى أن ألمانيا تشجع الصين على اعتماد اللقاحات الغربية التي نجحت بالتصدي للفيروس، مقابل اللقاحات الصينية الأقل فعالية.
- على الجانب العسكري
وليست القطاعات الصناعية الألمانية القطاع الوحيد الذي يعتمد على العلاقة الجارية مع الصين، بل هناك الجيش الألماني أيضاً. ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، أرسلت ألمانيا من مخزون الجيش الألماني، كميات ضخمة من الذخائر والأسلحة ما جعلها في نقص كبير للذخائر، ويبدو الآن أن مصانع الأسلحة في ألمانيا تعتمد على الصين لشراء مواد أساسية في صناعة الذخائر.
تقرير لصحيفة «دي فيلت» أفاد أخيراً أن الجيش الألماني لا يستطيع الصمود لأكثر من بضع ساعات، في حال وقوع حرب اليوم. وأنه بحاجة ماسة لإعادة مخزونه من الذخيرة «التي باتت نادرة» وقد يكون للحصول عليها «مؤثرات سياسية». ولأن العديد من الدول الأوروبية أرسلت ذخائر إلى أوكرانيا فإن الطلب على هذه المواد من الصين تزايد بشكل كبير في الفترة الأخيرة.
وأشارت الصحيفة أيضاً، إلى البطء في عمليات إيصال هذه المواد من الصين منذ انتشار «كوفيد - 19» والإغلاقات التي تلت، مشيرة إلى أن عمليات التسليم لم تعد بعد إلى مستواها السابق. ومع أن فترة الانتظار انخفضت أخيراً من 144 شهراً إلى 9 أشهر، ففي السابق كانت شركات الأسلحة الأوروبية تنتظر 3 أشهر فقط بعد وضع الطلب للحصول على تلك المواد من الصين.
كل هذا يزيد النقاش في ألمانيا حول العلاقة مع الصين. وهو نقاش سيتطور - من دون شك - خلال الأسابيع المقبلة بعد تقديم الخارجية «الورقة» التي أعدتها للنقاش والتصويت عليها، وبخاصة، إذا تطورت التظاهرات، واضطرت الحكومة للتعليق عليها.
وفي المحصلة النهائية... بهذا تكون ألمانيا خلال سنة واحدة فقط، قد راجعت علاقتها ليس فقط مع روسيا وإيران... بل مع الصين أيضاً.
- موضوع الهجرة وتجنيس الأجانب... أبرز هموم سياسات الائتلاف الحاكم الداخلية
ليست كل «التغييرات» التي تشهدها ألمانيا راهناً ذات أبعاد خارجية، بل هناك أيضاً تغييرات داخلية آتية. إذ يستعد الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكيون) الذي يقود الحكومة لطرح مشروع تعديل الجنسية الذي يقصر مهلة الحصول عليها من 8 سنوات إلى 5 سنوات ويزيل شرط التخلي عن الجنسية الأصلية.
هذا المشروع يثير جدلاً كبيراً داخل ألمانيا خاصةً مع معارضة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ، للمشروع خاصةً لجهة السماح بازدواجية الجنسية. ويعارض هذا الحزب المحافظ، الذي هو الآن، أكبر أحزاب المعارضة، طوال السنوات الماضية تعديل قانون الجنسية، ويمنع إدخال أي تعديلات عليه. بل إن الحكومة الحالية ذكرت في اتفاق «جرأة للمزيد من التقدم» الهادف لتشكيل الائتلاف الحكومي الحالي على إدخال تعديلات على قانون الجنسية، وهي تسعى الآن للوفاء بهذا الوعد.
حزب «الخضر» يؤيد التعديلات المقترحة بشكل كبير، إلا أن الشركاء الليبراليين، الذين وقعوا هم أيضاً على الاتفاق الحكومي، يعترضون على توقيت طرحه قبل مكافحة مسألة الهجرة غير القانونية.
راهناً، يريد الاشتراكيون – مثلاً – التخفيف من شروط الجنسية على الجيل الأول من الأتراك الذين قدموا عمالاً في الستينات وبقوا في ألمانيا رغم أن معظمهم لم يحصل على الجنسية الألمانية. ولذا يتضمن المشروع إلغاء امتحان اللغة لمن هم فوق الـ67 من العمر من الأتراك الذين قدموا بصفة عامل. ويتضمن المشروع كذلك منح الجنسية للمولودين في ألمانيا لأبوين غير ألمان إذا كان والداهما يعيشان بشكل شرعي منذ خمس سنوات. ورغم أن هذه التعديلات تثير بعمق حفيظة الديمقراطيين المسيحيين وحلفائهم في معسكر اليمين، من المتوقع تبني المشروع بعد إدخال تعديلات طفيفة عليه. ومشروع معدل كهذا، يعني أن ألمانيا ستعترف أخيراً بأنها أصبحت «بلد مهاجرين» على غرار بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة. وهذا في حد ذاته تغيير كبير في دولة مثل ألمانيا.


مقالات ذات صلة

ألمانيا تسحب قواتها من مالي... وتؤكد أنها «باقية»

العالم ألمانيا تسحب قواتها من مالي... وتؤكد أنها «باقية»

ألمانيا تسحب قواتها من مالي... وتؤكد أنها «باقية»

عشية بدء المستشار الألماني أولاف شولتس زيارة رسمية إلى أفريقيا، هي الثانية له منذ تسلمه مهامه، أعلنت الحكومة الألمانية رسمياً إنهاء مهمة الجيش الألماني في مالي بعد 11 عاماً من انتشاره في الدولة الأفريقية ضمن قوات حفظ السلام الأممية. وعلى الرغم من ذلك، فإن الحكومة الألمانية شددت على أنها ستبقى «فاعلة» في أفريقيا، وملتزمة بدعم الأمن في القارة، وهي الرسالة التي يحملها شولتس معه إلى إثيوبيا وكينيا.

راغدة بهنام (برلين)
العالم ألمانيا لتعزيز حضورها في شرق أفريقيا

ألمانيا لتعزيز حضورها في شرق أفريقيا

منذ إعلانها استراتيجية جديدة تجاه أفريقيا، العام الماضي، كثفت برلين نشاطها في القارة غرباً وجنوباً، فيما تتجه البوصلة الآن شرقاً، عبر جولة على المستوى الأعلى رسمياً، حين يبدأ المستشار الألماني أولاف شولتس، الخميس، جولة إلى منطقة القرن الأفريقي تضم دولتي إثيوبيا وكينيا. وتعد جولة المستشار الألماني الثانية له في القارة الأفريقية، منذ توليه منصبه في ديسمبر (كانون الأول) عام 2021. وقال مسؤولون بالحكومة الألمانية في إفادة صحافية، إن شولتس سيلتقي في إثيوبيا رئيس الوزراء آبي أحمد والزعيم المؤقت لإقليم تيغراي غيتاتشو رضا؛ لمناقشة التقدم المحرز في ضمان السلام بعد حرب استمرت عامين، وأسفرت عن مقتل عشرات

العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الرياضة مدير دورتموند: لن أخوض في نقاش ضربة الجزاء غير المحتسبة أمام بوخوم

مدير دورتموند: لن أخوض في نقاش ضربة الجزاء غير المحتسبة أمام بوخوم

لا يرغب هانز يواخيم فاتسكه، المدير الإداري لنادي بوروسيا دورتموند، في تأجيج النقاش حول عدم حصول فريقه على ركلة جزاء محتملة خلال تعادله 1 - 1 مع مضيفه بوخوم أول من أمس الجمعة في بطولة الدوري الألماني لكرة القدم. وصرح فاتسكه لوكالة الأنباء الألمانية اليوم الأحد: «نتقبل الأمر.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
شؤون إقليمية الاتحاد الأوروبي يطالب طهران بإلغاء عقوبة الإعدام بحق مواطن ألماني - إيراني

الاتحاد الأوروبي يطالب طهران بإلغاء عقوبة الإعدام بحق مواطن ألماني - إيراني

قال الاتحاد الأوروبي إنه «يدين بشدة» قرار القضاء الإيراني فرض عقوبة الإعدام بحق المواطن الألماني - الإيراني السجين جمشيد شارمهد، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وأيدت المحكمة العليا الإيرانية يوم الأربعاء حكم الإعدام الصادر بحق شارمهد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟