روسيا وإيران والصين تحفّز «تغييرات» السياسة الخارجية الألمانية

من حرب أوكرانيا وأزمة الغاز... إلى انتهاكات حقوق الإنسان والتهديد الصناعي

جانب من خط أنابيب «نورد ستريم 2» في ألمانيا
جانب من خط أنابيب «نورد ستريم 2» في ألمانيا
TT

روسيا وإيران والصين تحفّز «تغييرات» السياسة الخارجية الألمانية

جانب من خط أنابيب «نورد ستريم 2» في ألمانيا
جانب من خط أنابيب «نورد ستريم 2» في ألمانيا

عندما كشفت الأحزاب الثلاثة الحاكمة في ألمانيا قبل سنة من اليوم، عن اتفاق على تشكيل حكومة ائتلافية تحت عنوان «جرأة للمزيد من التقدم»، لم تكن أي من الأحزاب: الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكيون) وحزب «الخضر» البيئي والحزب الديمقراطي الحر (الليبراليون) تتخيل أن «التقدم» - بل أقل التغير - هذا سيكون بالحجم والسرعة الذي شهدته ألمانيا خلال سنة واحدة فقط. حقيقة الأمر أن «التقدم» الذي أراده الائتلاف الحاكم، داخلياً، كان يتعلق بشكل أساسي بالتخلص من مصادر الطاقة الشديدة التلويث، مثل الفحم الحجري، على حساب زيادة الاستثمار في الطاقة النظيفة. وأيضاً رغبت الأحزاب الثلاثة في تطوير نظام الهجرة «بحيث يتماشى مع ألمانيا الحديثة» من دون تحديد تفاصيل كثيرة. ثم إن «التقدم» الذي تكلمت عنه الأحزاب الحاكمة، وألزمت نفسها به، كان يتعلق كذلك بتطوير «المكننة» وتبسيط البيروقراطية التي تغرق البلاد وتحرمها من الكثير من الموارد. وبالفعل، بدأت التغييرات الكبيرة في ألمانيا بعد أسابيع قليلة من تسلم حكومة ائتلاف الاشتراكيين و«الخضر» والليبراليين زمام السلطة، خلفا لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي المحافظ الذي قاد البلاد طيلة 16 سنة مع زعيمته المستشارة السابقة أنجيلا ميركل. ومع أن حزب ميركل تقاسم السلطة مع الاشتراكيين في ثلاث من الحكومات الائتلافية الأربع التي قادها، وفي الحكومة الثانية مع الليبراليين، فإنه كان الحزب الأقوى... لدرجة أنه لم يسمح للحزبين الآخرين بإدخال الكثير من التغييرات. ولكن هذه «التغييرات» ما كانت تلك التي أرادتها الأحزاب الثلاثة الحاكمة... بل تغييرات جوهرية في السياسة الخارجية والعقيدة الدفاعية للبلاد.

حتلاقي الأحزاب الثلاثة التي تشكل الحكومة الألمانية الائتلافية الحالية، واتفاقها على الحكم معاً، كان تغييراً كبيرا في ألمانيا ويحصل للمرة الأولى في تاريخ حياتها السياسية. ولكن عندما تسلمت الأحزاب الثلاثة، أي «اشتراكيو» الحزب الديمقراطي الاجتماعي و«بيئيو» حزب «الخضر» و«ليبراليو» الحزب الديمقراطي الحر، سدة السلطة... فإنها لم تكن تطمح لتغيير العلاقات مع روسيا والصين، ولا لتغيير العقيدة الدفاعية لألمانيا التي تركز على إنفاق دفاعي منخفض وجيش ضعيف نتيجة الحرب العالمية الثانية.
إلا أن العامل الأكبر الذي دفع ألمانيا لأن تتغير بهذه السرعة، لم تكن فقط تركيبة الحكومة الائتلافية الشابة في برلين، بل سياسة «الجار الكبير اللدود» روسيا. وحقاً، يكرر المسؤولون الألمان الكلام عن «نقطة تحول»، ويشيرون فيها بالذات إلى الحرب التي شنتها موسكو في أوكرانيا. ولعل هذه الحرب، بالفعل، كانت نقطة تحول مفصلي في توجهات ألمانيا ورسم أولوياتها السياسية والاستراتيجية. ذلك أنه طوال العقود الماضية بعد توحد الألمانيتين (الغربية والشرقية)، اعتمدت برلين سياسة خارجية تتركز بشكل أساسي على العلاقات الاقتصادية.
- تأثير الحرب الأوكرانية
في هذا الإطار، دأبت المستشارة السابقة أنجيلا ميركل طوال فترة حكمها المحافظ على الدفاع عن مشروع غاز «نورد ستريم 1» و«نورد ستريم 2» مع روسيا، في وجه المعترضين والمحذرين في بروكسل وواشنطن. وأيضاً بقيت الشركات الألمانية تطور علاقاتها مع الصين بتشجيع من الحكومة الاتحادية حتى بات الكثير منها معتمداً على العلاقة الاقتصادية الجيدة مع بكين. وفي هذه الأثناء، لم تكترث ميركل كثيراً بالانتقادات التي كانت توجه في الغرب ضد انتهاكات موسكو وبكين المزعومة لحقوق الإنسان. أو - على الأقل - لم تدع هذه الانتقادات الغربية تؤثر على العلاقات الاقتصادية الماضية في التوسع.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الحكومة الائتلافية الجديدة برئاسة المستشار الاشتراكي أولاف شولتس - الذي كان نائب ميركل في الحكومة الائتلافية السابقة برئاسة ميركل - كانت تخطط للإبقاء على السياسة الخارجية نفسها. غير أن الحرب في أوكرانيا فعلا غيرت كل شيء.
لقد دفعت هذه الحرب بألمانيا نحو «الانقلاب» على قانون مشرع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بالامتناع عن التورط في نزاعات خارج أراضيها، والإحجام عن إرسال أسلحة إلى دول في حالة نزاع عسكري. وما حدث، هو أن أحزاب الائتلاف الحاكم (الاشتراكي – البيئي – الليبرالي) صوتت لتغيير القانون كي تتمكن من إرسال أسلحة إلى أوكرانيا.

من لقاء شولتس وشي في بكين

كذلك صوتت هذه الأحزاب لصالح زيادة الإنفاق على الجيش الألماني من أجل تطوير معداته وحيازة أنظمة صواريخ دفاعية متطورة، ورفع الميزانية السنوية لعموم القوات المسلحة في البلاد. وفي هذا الشأن علق كثيرون بأن ما ظل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب يطالب ألمانيا به طوال فترة رئاسته على صعيد زيادة إنفاقها العسكري ليصل إلى نسبة 2 في المائة من الإنفاق العام - وهو ما يوصي به حلف شمال الأطلسي «ناتو» للدول الأعضاء - دفعت روسيا ألمانيا لتحقيقه في يوم واحد. وفي سياق متصل، رغم الانتقادات الكثيرة التي تطال برلين حول تلكؤها في تسليح القوات المسلحة الأوكرانية، فإن ألمانيا تظل ثالث أكبر مصدر أسلحة لأوكرانيا، متقدمة بذلك على فرنسا ودول غربية أخرى تشارك في الدعم الغربي للأوكرانيين بمواجهة الجيش الروسي.
ومن جانب آخر، اقتصادي هذه المرة، أوقف المستشار شولتس مشروع «غاز نورد ستريم 2» قبل أن يباشر بنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا، قاضياً بذلك على مشروع روج له الاشتراكيون أنفسهم لسنوات طويلة. وبالفعل، قاد شولتس جهود حكومته للبحث عن مصادر غاز بديلة عن الغاز الروسي في سعيه لوقف اعتماد بلاده نهائياً على الغاز الروسي.
- الموضوع الإيراني
بعد روسيا، جاء دور إيران التي تتمتع ألمانيا معها بعلاقات تاريخية مميزة جعلتها في مصاف أكثر الدول الغربية «تسامحاً» معها ومع قيادتها، بالإضافة إلى أن ألمانيا تستضيف أكبر مركز ديني مرابط بطهران في أوروبا، هو «مركز هامبورغ الإسلامي». وبالفعل، أبقت سلطات برلين على هذا المركز مفتوحاً رغم معرفتها على امتداد عقود بأنه مرتبط بإيران التي تعين رئيسه. أكثر من هذا، تقول الاستخبارات الألمانية بأن هذا المركز أساسي لنشاطات طهران، ليس في ألمانيا فحسب بل في أوروبا كلها، ومنه تنشر - وفق تقارير الاستخبارات - عقيدتها وتدير عمليات تجسس ومراقبة على المعارضين في أوروبا.
وواقع الحال، أن النقاش لم يبدأ حول إغلاق مركز هامبورغ إلا في الآونة الأخيرة على إثر خروج التظاهرات الاحتجاجية في مختلف أنحاء إيران، وتصدي النظام لها بالقمع الشديد. ولقد امتد النقاش أخيراً ليصل إلى حد المطالبة بوقف الحوار مع إيران والمفاوضات النووية. ولم تخرج هذه الدعوات من حزب ميركل الديمقراطي المسيحي، الذي بات في المعارضة، بل صدرت إحداها عن أوميد نوريبوري - الذي يتحدر من أصل إيراني - زعيم حزب «الخضر»... أحد الأحزاب الثلاثة في الائتلاف الحاكم.
وفي هذا الإطار، قادت وزارة الخارجية الألمانية الدول الأوروبية في اقتراح ينص على مجموعة عقوبات تفرض على نظام طهران تمهيداً لتبنيها على مستوى الاتحاد الأوروبي. وسافرت وزيرة الخارجية أنالينا بيربوك إلى مدينة جنيف السويسرية للمشاركة شخصياً في اجتماع «مجلس حقوق الإنسان» الذي ناقش أوضاع إيران خلال الأسبوع الماضي ووافق على إنشاء «لجنة لتقصي الحقائق» في قتل المتظاهرين السلميين هناك. وكانت بيربوك، في الواقع، وزيرة الخارجية الوحيدة التي شاركت في الجلسة في حين اكتفت الدول الأخرى الأعضاء بمندوبيها في «المجلس».
ثم أن بيربوك، المنتمية لحزب «الخضر»، ألقت كلمة قوية داخل ردهة «المجلس» عبرت من خلالها عن دعمها للمتظاهرين ونددت بتصدي النظام لهم. وأثارت هذه المشاركة استياء إيران لدرجة أن مندوبتها داخل «المجلس» تهجمت على الوزيرة الألمانية، وتحدثت عن «نظام ألمانيا» الذي ادعت أنه «لا يسمح بحرية النساء». وأيضاً، استدعت سلطات طهران سفير ألمانيا مرتين خلال الأسابيع القليلة الماضية لتعترض على «المواقف السلبية» «والتحريض» من قبل ألمانيا ضد إيران.
هذا، ومع أن الخارجية الألمانية تمثل الحكومة، فإن صمت المستشار شولتس على استمرار الانتهاكات في إيران كان لافتاً، ولا سيما، مقابل الإدانات المستمرة التي ظلت تصدر عن الخارجية. وفي ظل الأجواء الحالية، ثمة اليوم من يقول بأن حزب «الخضر» هو الحزب الأساسي الذي يقود حملة «التغيير» أو «التقدم» التي تشهدها ألمانيا حالياً، سواءً على صعيد السياسة الداخلية أو في مجال السياسة الخارجية. وحقاً، فإن حزب «الخضر» بات، بلا أدنى شك، القوة الرئيسة الدافعة باتجاه سياسات أكثر تشدداً وحسماً، إن كان مع روسيا أو إيران أو الصين. وللعلم، كان هذا الحزب، حتى قبل أن ينضم إلى الحكومة الائتلافية الحالية، أكثر تشدداً من الأحزاب الأخرى في مقاربة كل من روسيا والصين، وبالأخص، خلال الحملة الانتخابية.
- السياسة إزاء الصين
على صعيد آخر، في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني)، وبينما كان أولاف شولتس يحضر لزيارة الصين قبل خروج التظاهرات المعارضة لقيود «كوفيد - 19» المستمرة، كان كل من حزب «الخضر» ووزارة الخارجية الألمانية يعدان ورقة استراتيجية حول رؤية جديدة للعلاقات مع الصين.
تحذر هذه الورقة المؤلفة من 61 صفحة، من أن القيادة الصينية «تستطيع وتريد» استخدام سوقها «لإحداث تأثير يهدف إلى انتزاع تنازلات» من الدول الأخرى. وتنتقد الورقة أيضاً ما تسميه «الانتهاكات الكبرى لحقوق الإنسان» في مناطق أقلية الإيغور الصينية التركية المسلمة في إقليم سنكيانغ... أو «تركستان الشرقية».

بيربوك تتكلم في جنيف منتقدة القمع الإيراني

كذلك، بحسب نص الورقة التي لم تعتمدها الحكومة الاتحادية بعد، بل ستصوت عليها العام المقبل، على الشركات الألمانية «أن تقلل من التبعية والاعتماد على الصادرات الأكثر جاذبية»، وتطلب من الشركات «الأكثر عرضة للتعاملات مع الصين إلى تقديم كشوف بالأرقام» للحكومة التي سيتوجب عليها، إذ ذاك، تحديد ما إذا كان يجوز لهذه الشركات المضي قدماً بعلاقتها مع الصين بالشكل نفسه أو اتخاذ خطوات مختلفة. وأيضاً، تقترح الورقة إنشاء «أساس قانوني يسمح للحكومة الألمانية، أو الاتحاد الأوروبي، بفحص الاستثمارات الأجنبية الحساسة للأمن».
هذا، وحتى عندما كان شولتس يزور العاصمة الصينية بكين ويلتقي برئيسها شي جينبينغ، لم تتوقف التحذيرات الصادرة عن مسؤولين في حزب «الخضر» الألماني من تكرار الأخطاء نفسها التي سبق ارتكابها في الماضي مع روسيا، هذه المرة مع الصين. بل، ودعا «الخضر» شولتس إلى العمل على تقليص اعتماد الصناعة الألمانية على الصناعة الصينية وتقنياتها، خوفاً من تكرار الأخطاء نفسها.
ولكن شولتس – على ما بدا – لم يكترث كثيراً بتحذيرات حلفائه البيئيين، إذ غادر إلى الصين برفقة ممثلين عن أبرز الشركات الألمانية، فيما يوحي بأنه لا يسعى إلى خفض حجم التبادل الاقتصادي مع الصين. أكثر من هذا، زج المستشار الألماني نفسه بصدام مع «الخضر» قبل أسابيع معدودة من رحلته إلى بكين - حول الصين أيضاً - برفضه توصيات الخارجية ووزارات أخرى، بمنع استحواذ شركة كوسكو الصينية على جزء من مرفأ هامبورغ. وكان كثيرون في ألمانيا يرون أن استحواذ الشركة الصينية المرتبطة بالنظام الشيوعي، على أسهم في أكبر مرفأ في أوروبا، سيمنح الصين قدرة على التحكم بالصادرات والواردات إلى ألمانيا. وبالتالي، سيشكل باباً جديداً للابتزاز الذي يمكن أن تتعرض له البلاد.
ومع انطلاق التظاهرات في الصين بسبب إجراءات «كوفيد - 19»، رفضت الحكومة الألمانية التعليق على الأمر. واكتفى المتحدث باسمها بالقول إن برلين تراقب الوضع هناك، رافضاً الإجابة على سؤال حول ما إذا كانت برلين ستستدعي السفير الصيني للاعتراض على طريقة التصدي للمتظاهرين. ثم ذكر أن شولتس تناول مع الرئيس الصيني مسألة اللقاحات التي طورتها شركة «بيونتك» الألمانية، التي نجحت بوقف تمدد الفيروس ومنعت المزيد من الإغلاقات. كذلك تحدث عن تعاون بين «بيونتك» وشركة أدوية صينية، في إشارة إلى أن ألمانيا تشجع الصين على اعتماد اللقاحات الغربية التي نجحت بالتصدي للفيروس، مقابل اللقاحات الصينية الأقل فعالية.
- على الجانب العسكري
وليست القطاعات الصناعية الألمانية القطاع الوحيد الذي يعتمد على العلاقة الجارية مع الصين، بل هناك الجيش الألماني أيضاً. ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، أرسلت ألمانيا من مخزون الجيش الألماني، كميات ضخمة من الذخائر والأسلحة ما جعلها في نقص كبير للذخائر، ويبدو الآن أن مصانع الأسلحة في ألمانيا تعتمد على الصين لشراء مواد أساسية في صناعة الذخائر.
تقرير لصحيفة «دي فيلت» أفاد أخيراً أن الجيش الألماني لا يستطيع الصمود لأكثر من بضع ساعات، في حال وقوع حرب اليوم. وأنه بحاجة ماسة لإعادة مخزونه من الذخيرة «التي باتت نادرة» وقد يكون للحصول عليها «مؤثرات سياسية». ولأن العديد من الدول الأوروبية أرسلت ذخائر إلى أوكرانيا فإن الطلب على هذه المواد من الصين تزايد بشكل كبير في الفترة الأخيرة.
وأشارت الصحيفة أيضاً، إلى البطء في عمليات إيصال هذه المواد من الصين منذ انتشار «كوفيد - 19» والإغلاقات التي تلت، مشيرة إلى أن عمليات التسليم لم تعد بعد إلى مستواها السابق. ومع أن فترة الانتظار انخفضت أخيراً من 144 شهراً إلى 9 أشهر، ففي السابق كانت شركات الأسلحة الأوروبية تنتظر 3 أشهر فقط بعد وضع الطلب للحصول على تلك المواد من الصين.
كل هذا يزيد النقاش في ألمانيا حول العلاقة مع الصين. وهو نقاش سيتطور - من دون شك - خلال الأسابيع المقبلة بعد تقديم الخارجية «الورقة» التي أعدتها للنقاش والتصويت عليها، وبخاصة، إذا تطورت التظاهرات، واضطرت الحكومة للتعليق عليها.
وفي المحصلة النهائية... بهذا تكون ألمانيا خلال سنة واحدة فقط، قد راجعت علاقتها ليس فقط مع روسيا وإيران... بل مع الصين أيضاً.
- موضوع الهجرة وتجنيس الأجانب... أبرز هموم سياسات الائتلاف الحاكم الداخلية
ليست كل «التغييرات» التي تشهدها ألمانيا راهناً ذات أبعاد خارجية، بل هناك أيضاً تغييرات داخلية آتية. إذ يستعد الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكيون) الذي يقود الحكومة لطرح مشروع تعديل الجنسية الذي يقصر مهلة الحصول عليها من 8 سنوات إلى 5 سنوات ويزيل شرط التخلي عن الجنسية الأصلية.
هذا المشروع يثير جدلاً كبيراً داخل ألمانيا خاصةً مع معارضة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ، للمشروع خاصةً لجهة السماح بازدواجية الجنسية. ويعارض هذا الحزب المحافظ، الذي هو الآن، أكبر أحزاب المعارضة، طوال السنوات الماضية تعديل قانون الجنسية، ويمنع إدخال أي تعديلات عليه. بل إن الحكومة الحالية ذكرت في اتفاق «جرأة للمزيد من التقدم» الهادف لتشكيل الائتلاف الحكومي الحالي على إدخال تعديلات على قانون الجنسية، وهي تسعى الآن للوفاء بهذا الوعد.
حزب «الخضر» يؤيد التعديلات المقترحة بشكل كبير، إلا أن الشركاء الليبراليين، الذين وقعوا هم أيضاً على الاتفاق الحكومي، يعترضون على توقيت طرحه قبل مكافحة مسألة الهجرة غير القانونية.
راهناً، يريد الاشتراكيون – مثلاً – التخفيف من شروط الجنسية على الجيل الأول من الأتراك الذين قدموا عمالاً في الستينات وبقوا في ألمانيا رغم أن معظمهم لم يحصل على الجنسية الألمانية. ولذا يتضمن المشروع إلغاء امتحان اللغة لمن هم فوق الـ67 من العمر من الأتراك الذين قدموا بصفة عامل. ويتضمن المشروع كذلك منح الجنسية للمولودين في ألمانيا لأبوين غير ألمان إذا كان والداهما يعيشان بشكل شرعي منذ خمس سنوات. ورغم أن هذه التعديلات تثير بعمق حفيظة الديمقراطيين المسيحيين وحلفائهم في معسكر اليمين، من المتوقع تبني المشروع بعد إدخال تعديلات طفيفة عليه. ومشروع معدل كهذا، يعني أن ألمانيا ستعترف أخيراً بأنها أصبحت «بلد مهاجرين» على غرار بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة. وهذا في حد ذاته تغيير كبير في دولة مثل ألمانيا.


مقالات ذات صلة

ألمانيا تسحب قواتها من مالي... وتؤكد أنها «باقية»

العالم ألمانيا تسحب قواتها من مالي... وتؤكد أنها «باقية»

ألمانيا تسحب قواتها من مالي... وتؤكد أنها «باقية»

عشية بدء المستشار الألماني أولاف شولتس زيارة رسمية إلى أفريقيا، هي الثانية له منذ تسلمه مهامه، أعلنت الحكومة الألمانية رسمياً إنهاء مهمة الجيش الألماني في مالي بعد 11 عاماً من انتشاره في الدولة الأفريقية ضمن قوات حفظ السلام الأممية. وعلى الرغم من ذلك، فإن الحكومة الألمانية شددت على أنها ستبقى «فاعلة» في أفريقيا، وملتزمة بدعم الأمن في القارة، وهي الرسالة التي يحملها شولتس معه إلى إثيوبيا وكينيا.

راغدة بهنام (برلين)
العالم ألمانيا لتعزيز حضورها في شرق أفريقيا

ألمانيا لتعزيز حضورها في شرق أفريقيا

منذ إعلانها استراتيجية جديدة تجاه أفريقيا، العام الماضي، كثفت برلين نشاطها في القارة غرباً وجنوباً، فيما تتجه البوصلة الآن شرقاً، عبر جولة على المستوى الأعلى رسمياً، حين يبدأ المستشار الألماني أولاف شولتس، الخميس، جولة إلى منطقة القرن الأفريقي تضم دولتي إثيوبيا وكينيا. وتعد جولة المستشار الألماني الثانية له في القارة الأفريقية، منذ توليه منصبه في ديسمبر (كانون الأول) عام 2021. وقال مسؤولون بالحكومة الألمانية في إفادة صحافية، إن شولتس سيلتقي في إثيوبيا رئيس الوزراء آبي أحمد والزعيم المؤقت لإقليم تيغراي غيتاتشو رضا؛ لمناقشة التقدم المحرز في ضمان السلام بعد حرب استمرت عامين، وأسفرت عن مقتل عشرات

العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الرياضة مدير دورتموند: لن أخوض في نقاش ضربة الجزاء غير المحتسبة أمام بوخوم

مدير دورتموند: لن أخوض في نقاش ضربة الجزاء غير المحتسبة أمام بوخوم

لا يرغب هانز يواخيم فاتسكه، المدير الإداري لنادي بوروسيا دورتموند، في تأجيج النقاش حول عدم حصول فريقه على ركلة جزاء محتملة خلال تعادله 1 - 1 مع مضيفه بوخوم أول من أمس الجمعة في بطولة الدوري الألماني لكرة القدم. وصرح فاتسكه لوكالة الأنباء الألمانية اليوم الأحد: «نتقبل الأمر.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
شؤون إقليمية الاتحاد الأوروبي يطالب طهران بإلغاء عقوبة الإعدام بحق مواطن ألماني - إيراني

الاتحاد الأوروبي يطالب طهران بإلغاء عقوبة الإعدام بحق مواطن ألماني - إيراني

قال الاتحاد الأوروبي إنه «يدين بشدة» قرار القضاء الإيراني فرض عقوبة الإعدام بحق المواطن الألماني - الإيراني السجين جمشيد شارمهد، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وأيدت المحكمة العليا الإيرانية يوم الأربعاء حكم الإعدام الصادر بحق شارمهد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.