روسيا وإيران والصين تحفّز «تغييرات» السياسة الخارجية الألمانية

من حرب أوكرانيا وأزمة الغاز... إلى انتهاكات حقوق الإنسان والتهديد الصناعي

جانب من خط أنابيب «نورد ستريم 2» في ألمانيا
جانب من خط أنابيب «نورد ستريم 2» في ألمانيا
TT

روسيا وإيران والصين تحفّز «تغييرات» السياسة الخارجية الألمانية

جانب من خط أنابيب «نورد ستريم 2» في ألمانيا
جانب من خط أنابيب «نورد ستريم 2» في ألمانيا

عندما كشفت الأحزاب الثلاثة الحاكمة في ألمانيا قبل سنة من اليوم، عن اتفاق على تشكيل حكومة ائتلافية تحت عنوان «جرأة للمزيد من التقدم»، لم تكن أي من الأحزاب: الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكيون) وحزب «الخضر» البيئي والحزب الديمقراطي الحر (الليبراليون) تتخيل أن «التقدم» - بل أقل التغير - هذا سيكون بالحجم والسرعة الذي شهدته ألمانيا خلال سنة واحدة فقط. حقيقة الأمر أن «التقدم» الذي أراده الائتلاف الحاكم، داخلياً، كان يتعلق بشكل أساسي بالتخلص من مصادر الطاقة الشديدة التلويث، مثل الفحم الحجري، على حساب زيادة الاستثمار في الطاقة النظيفة. وأيضاً رغبت الأحزاب الثلاثة في تطوير نظام الهجرة «بحيث يتماشى مع ألمانيا الحديثة» من دون تحديد تفاصيل كثيرة. ثم إن «التقدم» الذي تكلمت عنه الأحزاب الحاكمة، وألزمت نفسها به، كان يتعلق كذلك بتطوير «المكننة» وتبسيط البيروقراطية التي تغرق البلاد وتحرمها من الكثير من الموارد. وبالفعل، بدأت التغييرات الكبيرة في ألمانيا بعد أسابيع قليلة من تسلم حكومة ائتلاف الاشتراكيين و«الخضر» والليبراليين زمام السلطة، خلفا لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي المحافظ الذي قاد البلاد طيلة 16 سنة مع زعيمته المستشارة السابقة أنجيلا ميركل. ومع أن حزب ميركل تقاسم السلطة مع الاشتراكيين في ثلاث من الحكومات الائتلافية الأربع التي قادها، وفي الحكومة الثانية مع الليبراليين، فإنه كان الحزب الأقوى... لدرجة أنه لم يسمح للحزبين الآخرين بإدخال الكثير من التغييرات. ولكن هذه «التغييرات» ما كانت تلك التي أرادتها الأحزاب الثلاثة الحاكمة... بل تغييرات جوهرية في السياسة الخارجية والعقيدة الدفاعية للبلاد.

حتلاقي الأحزاب الثلاثة التي تشكل الحكومة الألمانية الائتلافية الحالية، واتفاقها على الحكم معاً، كان تغييراً كبيرا في ألمانيا ويحصل للمرة الأولى في تاريخ حياتها السياسية. ولكن عندما تسلمت الأحزاب الثلاثة، أي «اشتراكيو» الحزب الديمقراطي الاجتماعي و«بيئيو» حزب «الخضر» و«ليبراليو» الحزب الديمقراطي الحر، سدة السلطة... فإنها لم تكن تطمح لتغيير العلاقات مع روسيا والصين، ولا لتغيير العقيدة الدفاعية لألمانيا التي تركز على إنفاق دفاعي منخفض وجيش ضعيف نتيجة الحرب العالمية الثانية.
إلا أن العامل الأكبر الذي دفع ألمانيا لأن تتغير بهذه السرعة، لم تكن فقط تركيبة الحكومة الائتلافية الشابة في برلين، بل سياسة «الجار الكبير اللدود» روسيا. وحقاً، يكرر المسؤولون الألمان الكلام عن «نقطة تحول»، ويشيرون فيها بالذات إلى الحرب التي شنتها موسكو في أوكرانيا. ولعل هذه الحرب، بالفعل، كانت نقطة تحول مفصلي في توجهات ألمانيا ورسم أولوياتها السياسية والاستراتيجية. ذلك أنه طوال العقود الماضية بعد توحد الألمانيتين (الغربية والشرقية)، اعتمدت برلين سياسة خارجية تتركز بشكل أساسي على العلاقات الاقتصادية.
- تأثير الحرب الأوكرانية
في هذا الإطار، دأبت المستشارة السابقة أنجيلا ميركل طوال فترة حكمها المحافظ على الدفاع عن مشروع غاز «نورد ستريم 1» و«نورد ستريم 2» مع روسيا، في وجه المعترضين والمحذرين في بروكسل وواشنطن. وأيضاً بقيت الشركات الألمانية تطور علاقاتها مع الصين بتشجيع من الحكومة الاتحادية حتى بات الكثير منها معتمداً على العلاقة الاقتصادية الجيدة مع بكين. وفي هذه الأثناء، لم تكترث ميركل كثيراً بالانتقادات التي كانت توجه في الغرب ضد انتهاكات موسكو وبكين المزعومة لحقوق الإنسان. أو - على الأقل - لم تدع هذه الانتقادات الغربية تؤثر على العلاقات الاقتصادية الماضية في التوسع.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الحكومة الائتلافية الجديدة برئاسة المستشار الاشتراكي أولاف شولتس - الذي كان نائب ميركل في الحكومة الائتلافية السابقة برئاسة ميركل - كانت تخطط للإبقاء على السياسة الخارجية نفسها. غير أن الحرب في أوكرانيا فعلا غيرت كل شيء.
لقد دفعت هذه الحرب بألمانيا نحو «الانقلاب» على قانون مشرع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بالامتناع عن التورط في نزاعات خارج أراضيها، والإحجام عن إرسال أسلحة إلى دول في حالة نزاع عسكري. وما حدث، هو أن أحزاب الائتلاف الحاكم (الاشتراكي – البيئي – الليبرالي) صوتت لتغيير القانون كي تتمكن من إرسال أسلحة إلى أوكرانيا.

من لقاء شولتس وشي في بكين

كذلك صوتت هذه الأحزاب لصالح زيادة الإنفاق على الجيش الألماني من أجل تطوير معداته وحيازة أنظمة صواريخ دفاعية متطورة، ورفع الميزانية السنوية لعموم القوات المسلحة في البلاد. وفي هذا الشأن علق كثيرون بأن ما ظل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب يطالب ألمانيا به طوال فترة رئاسته على صعيد زيادة إنفاقها العسكري ليصل إلى نسبة 2 في المائة من الإنفاق العام - وهو ما يوصي به حلف شمال الأطلسي «ناتو» للدول الأعضاء - دفعت روسيا ألمانيا لتحقيقه في يوم واحد. وفي سياق متصل، رغم الانتقادات الكثيرة التي تطال برلين حول تلكؤها في تسليح القوات المسلحة الأوكرانية، فإن ألمانيا تظل ثالث أكبر مصدر أسلحة لأوكرانيا، متقدمة بذلك على فرنسا ودول غربية أخرى تشارك في الدعم الغربي للأوكرانيين بمواجهة الجيش الروسي.
ومن جانب آخر، اقتصادي هذه المرة، أوقف المستشار شولتس مشروع «غاز نورد ستريم 2» قبل أن يباشر بنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا، قاضياً بذلك على مشروع روج له الاشتراكيون أنفسهم لسنوات طويلة. وبالفعل، قاد شولتس جهود حكومته للبحث عن مصادر غاز بديلة عن الغاز الروسي في سعيه لوقف اعتماد بلاده نهائياً على الغاز الروسي.
- الموضوع الإيراني
بعد روسيا، جاء دور إيران التي تتمتع ألمانيا معها بعلاقات تاريخية مميزة جعلتها في مصاف أكثر الدول الغربية «تسامحاً» معها ومع قيادتها، بالإضافة إلى أن ألمانيا تستضيف أكبر مركز ديني مرابط بطهران في أوروبا، هو «مركز هامبورغ الإسلامي». وبالفعل، أبقت سلطات برلين على هذا المركز مفتوحاً رغم معرفتها على امتداد عقود بأنه مرتبط بإيران التي تعين رئيسه. أكثر من هذا، تقول الاستخبارات الألمانية بأن هذا المركز أساسي لنشاطات طهران، ليس في ألمانيا فحسب بل في أوروبا كلها، ومنه تنشر - وفق تقارير الاستخبارات - عقيدتها وتدير عمليات تجسس ومراقبة على المعارضين في أوروبا.
وواقع الحال، أن النقاش لم يبدأ حول إغلاق مركز هامبورغ إلا في الآونة الأخيرة على إثر خروج التظاهرات الاحتجاجية في مختلف أنحاء إيران، وتصدي النظام لها بالقمع الشديد. ولقد امتد النقاش أخيراً ليصل إلى حد المطالبة بوقف الحوار مع إيران والمفاوضات النووية. ولم تخرج هذه الدعوات من حزب ميركل الديمقراطي المسيحي، الذي بات في المعارضة، بل صدرت إحداها عن أوميد نوريبوري - الذي يتحدر من أصل إيراني - زعيم حزب «الخضر»... أحد الأحزاب الثلاثة في الائتلاف الحاكم.
وفي هذا الإطار، قادت وزارة الخارجية الألمانية الدول الأوروبية في اقتراح ينص على مجموعة عقوبات تفرض على نظام طهران تمهيداً لتبنيها على مستوى الاتحاد الأوروبي. وسافرت وزيرة الخارجية أنالينا بيربوك إلى مدينة جنيف السويسرية للمشاركة شخصياً في اجتماع «مجلس حقوق الإنسان» الذي ناقش أوضاع إيران خلال الأسبوع الماضي ووافق على إنشاء «لجنة لتقصي الحقائق» في قتل المتظاهرين السلميين هناك. وكانت بيربوك، في الواقع، وزيرة الخارجية الوحيدة التي شاركت في الجلسة في حين اكتفت الدول الأخرى الأعضاء بمندوبيها في «المجلس».
ثم أن بيربوك، المنتمية لحزب «الخضر»، ألقت كلمة قوية داخل ردهة «المجلس» عبرت من خلالها عن دعمها للمتظاهرين ونددت بتصدي النظام لهم. وأثارت هذه المشاركة استياء إيران لدرجة أن مندوبتها داخل «المجلس» تهجمت على الوزيرة الألمانية، وتحدثت عن «نظام ألمانيا» الذي ادعت أنه «لا يسمح بحرية النساء». وأيضاً، استدعت سلطات طهران سفير ألمانيا مرتين خلال الأسابيع القليلة الماضية لتعترض على «المواقف السلبية» «والتحريض» من قبل ألمانيا ضد إيران.
هذا، ومع أن الخارجية الألمانية تمثل الحكومة، فإن صمت المستشار شولتس على استمرار الانتهاكات في إيران كان لافتاً، ولا سيما، مقابل الإدانات المستمرة التي ظلت تصدر عن الخارجية. وفي ظل الأجواء الحالية، ثمة اليوم من يقول بأن حزب «الخضر» هو الحزب الأساسي الذي يقود حملة «التغيير» أو «التقدم» التي تشهدها ألمانيا حالياً، سواءً على صعيد السياسة الداخلية أو في مجال السياسة الخارجية. وحقاً، فإن حزب «الخضر» بات، بلا أدنى شك، القوة الرئيسة الدافعة باتجاه سياسات أكثر تشدداً وحسماً، إن كان مع روسيا أو إيران أو الصين. وللعلم، كان هذا الحزب، حتى قبل أن ينضم إلى الحكومة الائتلافية الحالية، أكثر تشدداً من الأحزاب الأخرى في مقاربة كل من روسيا والصين، وبالأخص، خلال الحملة الانتخابية.
- السياسة إزاء الصين
على صعيد آخر، في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني)، وبينما كان أولاف شولتس يحضر لزيارة الصين قبل خروج التظاهرات المعارضة لقيود «كوفيد - 19» المستمرة، كان كل من حزب «الخضر» ووزارة الخارجية الألمانية يعدان ورقة استراتيجية حول رؤية جديدة للعلاقات مع الصين.
تحذر هذه الورقة المؤلفة من 61 صفحة، من أن القيادة الصينية «تستطيع وتريد» استخدام سوقها «لإحداث تأثير يهدف إلى انتزاع تنازلات» من الدول الأخرى. وتنتقد الورقة أيضاً ما تسميه «الانتهاكات الكبرى لحقوق الإنسان» في مناطق أقلية الإيغور الصينية التركية المسلمة في إقليم سنكيانغ... أو «تركستان الشرقية».

بيربوك تتكلم في جنيف منتقدة القمع الإيراني

كذلك، بحسب نص الورقة التي لم تعتمدها الحكومة الاتحادية بعد، بل ستصوت عليها العام المقبل، على الشركات الألمانية «أن تقلل من التبعية والاعتماد على الصادرات الأكثر جاذبية»، وتطلب من الشركات «الأكثر عرضة للتعاملات مع الصين إلى تقديم كشوف بالأرقام» للحكومة التي سيتوجب عليها، إذ ذاك، تحديد ما إذا كان يجوز لهذه الشركات المضي قدماً بعلاقتها مع الصين بالشكل نفسه أو اتخاذ خطوات مختلفة. وأيضاً، تقترح الورقة إنشاء «أساس قانوني يسمح للحكومة الألمانية، أو الاتحاد الأوروبي، بفحص الاستثمارات الأجنبية الحساسة للأمن».
هذا، وحتى عندما كان شولتس يزور العاصمة الصينية بكين ويلتقي برئيسها شي جينبينغ، لم تتوقف التحذيرات الصادرة عن مسؤولين في حزب «الخضر» الألماني من تكرار الأخطاء نفسها التي سبق ارتكابها في الماضي مع روسيا، هذه المرة مع الصين. بل، ودعا «الخضر» شولتس إلى العمل على تقليص اعتماد الصناعة الألمانية على الصناعة الصينية وتقنياتها، خوفاً من تكرار الأخطاء نفسها.
ولكن شولتس – على ما بدا – لم يكترث كثيراً بتحذيرات حلفائه البيئيين، إذ غادر إلى الصين برفقة ممثلين عن أبرز الشركات الألمانية، فيما يوحي بأنه لا يسعى إلى خفض حجم التبادل الاقتصادي مع الصين. أكثر من هذا، زج المستشار الألماني نفسه بصدام مع «الخضر» قبل أسابيع معدودة من رحلته إلى بكين - حول الصين أيضاً - برفضه توصيات الخارجية ووزارات أخرى، بمنع استحواذ شركة كوسكو الصينية على جزء من مرفأ هامبورغ. وكان كثيرون في ألمانيا يرون أن استحواذ الشركة الصينية المرتبطة بالنظام الشيوعي، على أسهم في أكبر مرفأ في أوروبا، سيمنح الصين قدرة على التحكم بالصادرات والواردات إلى ألمانيا. وبالتالي، سيشكل باباً جديداً للابتزاز الذي يمكن أن تتعرض له البلاد.
ومع انطلاق التظاهرات في الصين بسبب إجراءات «كوفيد - 19»، رفضت الحكومة الألمانية التعليق على الأمر. واكتفى المتحدث باسمها بالقول إن برلين تراقب الوضع هناك، رافضاً الإجابة على سؤال حول ما إذا كانت برلين ستستدعي السفير الصيني للاعتراض على طريقة التصدي للمتظاهرين. ثم ذكر أن شولتس تناول مع الرئيس الصيني مسألة اللقاحات التي طورتها شركة «بيونتك» الألمانية، التي نجحت بوقف تمدد الفيروس ومنعت المزيد من الإغلاقات. كذلك تحدث عن تعاون بين «بيونتك» وشركة أدوية صينية، في إشارة إلى أن ألمانيا تشجع الصين على اعتماد اللقاحات الغربية التي نجحت بالتصدي للفيروس، مقابل اللقاحات الصينية الأقل فعالية.
- على الجانب العسكري
وليست القطاعات الصناعية الألمانية القطاع الوحيد الذي يعتمد على العلاقة الجارية مع الصين، بل هناك الجيش الألماني أيضاً. ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، أرسلت ألمانيا من مخزون الجيش الألماني، كميات ضخمة من الذخائر والأسلحة ما جعلها في نقص كبير للذخائر، ويبدو الآن أن مصانع الأسلحة في ألمانيا تعتمد على الصين لشراء مواد أساسية في صناعة الذخائر.
تقرير لصحيفة «دي فيلت» أفاد أخيراً أن الجيش الألماني لا يستطيع الصمود لأكثر من بضع ساعات، في حال وقوع حرب اليوم. وأنه بحاجة ماسة لإعادة مخزونه من الذخيرة «التي باتت نادرة» وقد يكون للحصول عليها «مؤثرات سياسية». ولأن العديد من الدول الأوروبية أرسلت ذخائر إلى أوكرانيا فإن الطلب على هذه المواد من الصين تزايد بشكل كبير في الفترة الأخيرة.
وأشارت الصحيفة أيضاً، إلى البطء في عمليات إيصال هذه المواد من الصين منذ انتشار «كوفيد - 19» والإغلاقات التي تلت، مشيرة إلى أن عمليات التسليم لم تعد بعد إلى مستواها السابق. ومع أن فترة الانتظار انخفضت أخيراً من 144 شهراً إلى 9 أشهر، ففي السابق كانت شركات الأسلحة الأوروبية تنتظر 3 أشهر فقط بعد وضع الطلب للحصول على تلك المواد من الصين.
كل هذا يزيد النقاش في ألمانيا حول العلاقة مع الصين. وهو نقاش سيتطور - من دون شك - خلال الأسابيع المقبلة بعد تقديم الخارجية «الورقة» التي أعدتها للنقاش والتصويت عليها، وبخاصة، إذا تطورت التظاهرات، واضطرت الحكومة للتعليق عليها.
وفي المحصلة النهائية... بهذا تكون ألمانيا خلال سنة واحدة فقط، قد راجعت علاقتها ليس فقط مع روسيا وإيران... بل مع الصين أيضاً.
- موضوع الهجرة وتجنيس الأجانب... أبرز هموم سياسات الائتلاف الحاكم الداخلية
ليست كل «التغييرات» التي تشهدها ألمانيا راهناً ذات أبعاد خارجية، بل هناك أيضاً تغييرات داخلية آتية. إذ يستعد الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكيون) الذي يقود الحكومة لطرح مشروع تعديل الجنسية الذي يقصر مهلة الحصول عليها من 8 سنوات إلى 5 سنوات ويزيل شرط التخلي عن الجنسية الأصلية.
هذا المشروع يثير جدلاً كبيراً داخل ألمانيا خاصةً مع معارضة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ، للمشروع خاصةً لجهة السماح بازدواجية الجنسية. ويعارض هذا الحزب المحافظ، الذي هو الآن، أكبر أحزاب المعارضة، طوال السنوات الماضية تعديل قانون الجنسية، ويمنع إدخال أي تعديلات عليه. بل إن الحكومة الحالية ذكرت في اتفاق «جرأة للمزيد من التقدم» الهادف لتشكيل الائتلاف الحكومي الحالي على إدخال تعديلات على قانون الجنسية، وهي تسعى الآن للوفاء بهذا الوعد.
حزب «الخضر» يؤيد التعديلات المقترحة بشكل كبير، إلا أن الشركاء الليبراليين، الذين وقعوا هم أيضاً على الاتفاق الحكومي، يعترضون على توقيت طرحه قبل مكافحة مسألة الهجرة غير القانونية.
راهناً، يريد الاشتراكيون – مثلاً – التخفيف من شروط الجنسية على الجيل الأول من الأتراك الذين قدموا عمالاً في الستينات وبقوا في ألمانيا رغم أن معظمهم لم يحصل على الجنسية الألمانية. ولذا يتضمن المشروع إلغاء امتحان اللغة لمن هم فوق الـ67 من العمر من الأتراك الذين قدموا بصفة عامل. ويتضمن المشروع كذلك منح الجنسية للمولودين في ألمانيا لأبوين غير ألمان إذا كان والداهما يعيشان بشكل شرعي منذ خمس سنوات. ورغم أن هذه التعديلات تثير بعمق حفيظة الديمقراطيين المسيحيين وحلفائهم في معسكر اليمين، من المتوقع تبني المشروع بعد إدخال تعديلات طفيفة عليه. ومشروع معدل كهذا، يعني أن ألمانيا ستعترف أخيراً بأنها أصبحت «بلد مهاجرين» على غرار بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة. وهذا في حد ذاته تغيير كبير في دولة مثل ألمانيا.


مقالات ذات صلة

ألمانيا تسحب قواتها من مالي... وتؤكد أنها «باقية»

العالم ألمانيا تسحب قواتها من مالي... وتؤكد أنها «باقية»

ألمانيا تسحب قواتها من مالي... وتؤكد أنها «باقية»

عشية بدء المستشار الألماني أولاف شولتس زيارة رسمية إلى أفريقيا، هي الثانية له منذ تسلمه مهامه، أعلنت الحكومة الألمانية رسمياً إنهاء مهمة الجيش الألماني في مالي بعد 11 عاماً من انتشاره في الدولة الأفريقية ضمن قوات حفظ السلام الأممية. وعلى الرغم من ذلك، فإن الحكومة الألمانية شددت على أنها ستبقى «فاعلة» في أفريقيا، وملتزمة بدعم الأمن في القارة، وهي الرسالة التي يحملها شولتس معه إلى إثيوبيا وكينيا.

راغدة بهنام (برلين)
العالم ألمانيا لتعزيز حضورها في شرق أفريقيا

ألمانيا لتعزيز حضورها في شرق أفريقيا

منذ إعلانها استراتيجية جديدة تجاه أفريقيا، العام الماضي، كثفت برلين نشاطها في القارة غرباً وجنوباً، فيما تتجه البوصلة الآن شرقاً، عبر جولة على المستوى الأعلى رسمياً، حين يبدأ المستشار الألماني أولاف شولتس، الخميس، جولة إلى منطقة القرن الأفريقي تضم دولتي إثيوبيا وكينيا. وتعد جولة المستشار الألماني الثانية له في القارة الأفريقية، منذ توليه منصبه في ديسمبر (كانون الأول) عام 2021. وقال مسؤولون بالحكومة الألمانية في إفادة صحافية، إن شولتس سيلتقي في إثيوبيا رئيس الوزراء آبي أحمد والزعيم المؤقت لإقليم تيغراي غيتاتشو رضا؛ لمناقشة التقدم المحرز في ضمان السلام بعد حرب استمرت عامين، وأسفرت عن مقتل عشرات

العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الرياضة مدير دورتموند: لن أخوض في نقاش ضربة الجزاء غير المحتسبة أمام بوخوم

مدير دورتموند: لن أخوض في نقاش ضربة الجزاء غير المحتسبة أمام بوخوم

لا يرغب هانز يواخيم فاتسكه، المدير الإداري لنادي بوروسيا دورتموند، في تأجيج النقاش حول عدم حصول فريقه على ركلة جزاء محتملة خلال تعادله 1 - 1 مع مضيفه بوخوم أول من أمس الجمعة في بطولة الدوري الألماني لكرة القدم. وصرح فاتسكه لوكالة الأنباء الألمانية اليوم الأحد: «نتقبل الأمر.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
شؤون إقليمية الاتحاد الأوروبي يطالب طهران بإلغاء عقوبة الإعدام بحق مواطن ألماني - إيراني

الاتحاد الأوروبي يطالب طهران بإلغاء عقوبة الإعدام بحق مواطن ألماني - إيراني

قال الاتحاد الأوروبي إنه «يدين بشدة» قرار القضاء الإيراني فرض عقوبة الإعدام بحق المواطن الألماني - الإيراني السجين جمشيد شارمهد، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وأيدت المحكمة العليا الإيرانية يوم الأربعاء حكم الإعدام الصادر بحق شارمهد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، الجمعة، بتوقيع اتفاق إطار قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يمهد «لسلام دائم» بين البلدين. وقال روبيو خلال حفل التوقيع الذي رفعت فيه أعلام الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل جنباً الى جنب «يسرنا الاعلان عن اتفاق إطار بين الحكومة اللبنانية ذات السيادة وبالطبع حكومة إسرائيل، بوساطة ودعم من الولايات المتحدة»، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية». وأشار الى أن هذا الاتفاق يمّهد الطريق «لإطار من أجل سلام دائم وأمن».وتناولت جولة المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة، الانتقال من البحث في وقف النار إلى مناقشة نموذج ميداني يفترض أن تنسحب بموجبه إسرائيل تدريجياً من أراضٍ تحتلها في جنوب لبنان، ليتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها ويمنع عودة الوجود العسكري لـ«حزب الله».

الفريق الأميركي في المفاوضات ممثلاً بوزير الخارجية روبيو يحط به السفير الأميركي لدى لدى ميشال عيسى (يمين الصورة) والمسؤول في الخارجية مايكل نيدهام (غيتي/آ ف ب)

وخلف الأبواب وقبيل توقيع الاتفاق وفي غمرة الضجيج الإعلامي الصادر من طهران وأذرعها حول «الانتصارات والمقاومة»، تكشف التفاصيل المسرّبة من غرف التفاوض المغلقة في العاصمة الأميركية واشنطن وسويسرا عن مشهد مغاير تماماً. إنه مشهد تتقاطع فيه الضغوط الأميركية الحازمة مع رغبة إسرائيلية في انتزاع مكاسب أمنية جوهرية، وتنازلات إيرانية هيكلية تعيد صياغة نفوذها الإقليمي من بيروت إلى بغداد.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال إن الطرفين الإسرائيلي واللبناني أحرزا تقدماً وباتا قريبين جداً من «التزام نيات» (كلامه هذا جاء قبل إعلان الاتفاق الإطاري الجمعة). في حين أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات تتناول الإجراءات الأمنية اللازمة لإعادة الاستقرار وبسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً. غير أن مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين نفوا كلاماً أميركياً عن انسحاب من جزء من «المنطقة العازلة» باعتباره «بادرة حسن نية».

هذه الفجوة لا تلغي أهمية الجولة، لكنها تحدد طبيعتها؛ فما تحقق هو تفاهم أوّلي على الاتجاه، لا اتفاق على التنفيذ. لذا تبدو الجولة بداية مسار سياسي وأمني جديد أكثر منها خاتمة لمسار عسكري قائم.

والأهم أن المفاوضات اللبنانية باتت متصلة، من دون أن تكون مندمجة بالكامل، بالتفاوض الأميركي مع إيران؛ إذ تصر واشنطن على أن مستقبل لبنان يناقش مع حكومته، لكنها تحمّل طهران في الوقت نفسه مسؤولية ضبط «حزب الله» ووقف تمويله وتسليحه، بما يجعل الجولة جزءاً من اختبار أوسع لترتيب إقليمي مختلف عمّا ساد قبل الحرب.

من «التزام النيات» إلى اختبار الانسحاب

أبرز ما خرجت به الجولة هو قبول مبدئي بفكرة «المناطق النموذجية» أو «التجريبية». وتقوم الخطة على اختيار مساحة محدّدة تنسحب منها القوات الإسرائيلية بعد التحقق من إزالة البنية العسكرية لـ«حزب الله»، ثم تدخلها وحدات من الجيش اللبناني وتتولّى تأمينها، قبل تكرار النموذج في مناطق أخرى. وهذه صيغة تجمع بين المطلب اللبناني بالانسحاب واستعادة السيادة، والمطلب الإسرائيلي بضمان ألا تتحوّل الأرض المُخلاة إلى منصّة يعيد الحزب منها بناء قدراته.

لكن عبارة «التزام نيات» التي استخدمها روبيو تكشف عن حدود الإنجاز بقدر ما تعكسه؛ فهي تشير إلى توافق على الهدف العام، من دون أن تعني اتفاقاً على الخرائط والجداول الزمنية وقواعد المراقبة.

كذلك، لا يزال الخلاف قائماً حول موقع المنطقة الأولى: هل تبدأ من مساحة تقع شمال الليطاني، كما أفادت معلومات لبنانية، أم من داخل «المنطقة العازلة» التي أقامتها إسرائيل؟

وهل يكون الانسحاب خطوة نحو خريطة شاملة، أم قراراً منفصلاً يخضع في كل مرة إلى تقييم أمني إسرائيلي؟

لقد جاء الالتباس حول الانسحاب ليؤكد أن هذه الأسئلة لم تحسم بعد؛ فالمسؤول الأميركي قال إن إسرائيل «سحبت قوات من جزء من المنطقة»، من دون تحديد مساحته أو موقعه. وفي المقابل، بينما قال مسؤول أمني إسرائيلي إن الجيش لم ينسحب، أفاد مسؤول لبناني كبير بأن بيروت لا تعلم شيئاً عن الخطوة. وقد يعني ذلك أن واشنطن أعلنت عن موافقة سياسية إسرائيلية قبل تنفيذها، أو أن ما جرى إعادة انتشار محدودة لا تعدّها إسرائيل انسحاباً ولا تملك بيروت معلومات عملياتية عنها.

في الحالتين، تحاول الإدارة الأميركية، على ما يبدو، منع انهيار المفاوضات تحت ضغط المناوشات والضربات. فالجنوب لا يزال منطقة حرب فعلية بالنسبة إلى عشرات آلاف النازحين الذين لا يستطيعون العودة، إما بسبب بقاء القوات الإسرائيلية وإما بسبب الدمار الواسع، ولذلك تقاس قيمة الجولة بقدرتها على إنتاج أول تسليم واضح وموثق للأرض إلى الجيش.

«المناطق النموذجية»

تختلف دلالة الخطة باختلاف الطرف الذي ينظر إليها؛ فبالنسبة إلى لبنان، ينبغي أن تكون «المنطقة النموذجية» أول حلقة في مسار ينتهي بانسحاب إسرائيلي كامل، ووقف الغارات والاغتيالات، وعودة السكان، وانتشار الدولة حتى الحدود الدولية.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فهي «اختبار لقدرة» الجيش اللبناني على إزالة منشآت «حزب الله»، وضبط طرق الإمداد، ومنع عودة عناصر الحزب بصفة مدنية أو عبر هياكل محلية.

لذلك تتمسك إسرائيل بمقاربة «منطقة بعد أخرى»؛ لأنها لا تريد الالتزام سلفاً بخريطة انسحاب شاملة قبل أن ترى نتائج المرحلة الأولى. كما أنها تربط أي تراجع بنزع سلاح الحزب أو، في الحد الأدنى، بتجريد المنطقة المعنية من البنية العسكرية والأسلحة القادرة على تهديد مستوطنات الشمال. في المقابل، تخشى بيروت أن تتحوّل الخطة إلى «إعادة تنظيم للاحتلال»، بانسحاب من نقاط ثانوية والإبقاء على شريط أمني أضيق.

هذا الخلاف يترك سؤالاً أساسياً بلا جواب: ما المقصود حقاً بنزع سلاح «حزب الله»؟ هل يقتصر في المرحلة الأولى على إبعاد السلاح والمقاتلين عن المناطق التي ستنتشر فيها الدولة؟ أم يشمل ترسانة الحزب على مستوى لبنان؟

وما الأولوية بين الصواريخ الدقيقة والبعيدة، والطائرات المسيّرة، والدفاعات الجوية، والصواريخ المضادة للدروع، والأنفاق ومراكز القيادة؟

المُعلن حتى الآن لا يثبت اتفاقاً نهائياً على نوع السلاح أو جدول جمعه. والأرجح أن واشنطن تحاول «تفكيك» المشكلة إلى مراحل: تثبيت مناطق خالية من الوجود العسكري أولاً، ثم الانتقال إلى السلاح الثقيل والاستراتيجي، مع ترك ملف السلاح الفردي والبنية التنظيمية إلى عملية لبنانية أطول. لكن بينما تقول إسرائيل إنها تخشى أن يمنح التدرّج الحزب وقتاً لإعادة التموضع، يخشى لبنان صداماً داخلياً يعجز الجيش عن احتوائه.

«الضمانة الأميركية»

هنا تبرز أهمية الضمانة الأميركية؛ فنجاح النموذج يتطلب آلية تحقق تحدّد من يقرّر أن المنطقة أصبحت خالية من السلاح، وكيف ترصد الخروق، وما الذي يحدث إذا حاول الحزب العودة إليها، وما حدود الحق الإسرائيلي في التحرك. ذلك أنه من دون اتفاق على هذه القواعد، قد يصبح كل خرق ذريعة لاستئناف الغارات، وكل غارة سبباً لعودة لقتال.

فصل مسار لبنان ومسؤولية إيران

للوهلة الأولى، تبدو السياسة الأميركية حيال لبنان «مزدوجة».

وزير الخارجية روبيو يؤكد أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل «منفصلة» عن المباحثات مع إيران؛ لأن لبنان دولة ذات سيادة، ولديه حكومة تتعامل واشنطن معها مباشرة. لكن نائب الرئيس جي دي فانس يقود في موازاة ذلك مساراً تفاوضياً مع طهران يتضمّن وقف القتال في لبنان، وبين هذا وذاك، يهدد الرئيس دونالد ترمب بضرب إيران مجدداً إذا لم تمنع «حزب الله» من «إثارة المتاعب».

غير أن هذا «التعدّد» قد يكون توزيعاً للأدوار أكثر منه تناقضاً. فمسار روبيو يحدد صاحب الحق في القرار... أي الحكومة اللبنانية، لا إيران ولا «حزب الله». أما مسار فانس فيتعامل مع الطرف القادر على تعطيل القرار عبر التمويل والتسليح والتوجيه السياسي. وبهذا المعنى، تحاول واشنطن الفصل بين «شرعية» التفاوض و«مسؤولية» التخريب: إنها تتفاوض على مستقبل لبنان مع بيروت، لكنها تتفاوض مع طهران على وقف دعم القوة التي تستطيع إفشال أي ترتيب. ومن ثم، تستخدم الإدارة حاجة طهران إلى تثبيت وقف الحرب وتخفيف العقوبات للضغط عليها في ملف «حزب الله»، من دون منحها وصاية على لبنان.

لذلك تبدو تصريحات ترمب أكثر من تهديد عابر؛ فهي تنقل المسؤولية عن عمليات الحزب من مستوى التنظيم المحلي إلى الدولة الراعية، وتقول عملياً إن استمرار العنف في لبنان قد تكون له كلفة مباشرة على إيران.

بيد أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطرة واضحة؛ فإدراج لبنان في «مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية» يمنح طهران ورقة للقول إن انسحاب إسرائيل تحقق نتيجة ضغطها ومفاوضاتها، لا نتيجة المسار اللبناني. وأيضاً، يثير خشية في بيروت وتل أبيب من أن تصبح تفاصيل الأمن اللبناني جزءاً من مساومات تتعلق بالنووي والعقوبات ومضيق هرمز. ولهذا يصرّ روبيو على الفصل العلني، حتى وهو يقرّ بأنه لا يمكن تجاهل البُعد الإيراني بسبب علاقة طهران بـ«حزب الله».

من هنا، يرى البعض أن واشنطن لا تستطيع الفصل الكامل بين المسارين، لكنها تمنع دمجهما سياسياً، وأن نجاحها يتوقّف على قدرتها على استخدام النفوذ الإيراني لضبط الحزب من دون تحويل إيران إلى شريك في تقرير شكل الدولة اللبنانية أو حدود الترتيبات مع إسرائيل.

من افتتاح جلسة المفاوضات الخامسة في واشنطن (الوكالة الوطنية للأنباء - لبنان)

مخاوف إسرائيل وامتحان الجيش اللبناني

ينطلق القلق الإسرائيلي من أن التفاهم الأميركي مع إيران قد ينقذ «حزب الله» من نتائج الحرب؛ فمسؤولون إسرائيليون يخشون أن تنتقل الأولوية الأميركية من تفكيك الحزب وإخراج النفوذ الإيراني إلى مجرد وقف النار ومنع الاحتكاك، وأن تضغط واشنطن على إسرائيل للانسحاب قبل قيام ضمانات أمنية قادرة على الصمود.

ولهذا تتمسّك إسرائيل بحرية العمل ضد ما تعتبره إعادة تسلح أو تهديداً وشيكاً، وترفض حتى الآن تقديم التزام غير مشروط بالعودة إلى الحدود. وبالفعل، باتت «المنطقة العازلة» ورقة تفاوض وضمانة أمنية؛ وبالتالي، فإن التخلي عنها بلا نزع للسلاح يعرّض نتنياهو لانتقادات داخلية.

في المقابل، يواجه الجيش اللبناني امتحاناً يتجاوز دخول الأرض التي تنسحب منها إسرائيل؛ إذ عليه أن يثبت قدرته على البقاء فيها وضبطها، وأيضاً منع عودة الحزب، والتعامل مع مخازن السلاح والأنفاق، من دون الانجرار إلى مواجهة أهلية. يضاف إلى ذلك أنه يحتاج إلى عديد وتجهيز وتمويل وغطاء سياسي، لا تزال كلها موضع سؤال، خصوصاً مع اتساع الدمار والحاجة إلى حماية عودة السكان وتأمين الحدود.

في هذه الأثناء، تبحث الولايات المتحدة تدريب الوحدات اللبنانية والتحقق من جاهزيتها وموثوقيتها. ولقد تداولت تقارير دوراً محتملاً للقيادة الوسطى الأميركية (سينتكوم) في الإشراف أو المراقبة، لكن لم يصدر حتى الآن أي إعلان نهائي يحدّد ما إذا كانت الـ«سينتكوم» ستتولى تدقيقاً مباشراً في العناصر... أم ستكتفي بالدعم والتنسيق.

محللون يرون أن المشكلة الأعمق هي أن انتشار الجيش ليس مرادفاً لنزع السلاح؛ إذ يمكن للجيش أن يتولى الإشراف على منطقة محدّدة إذا انسحبت إسرائيل منها وتوافرت له المساعدة، لكن تفكيك منظومة «حزب الله» في أنحاء لبنان يحتاج إلى قرار سياسي وطني وآلية تدريجية وضمانات للطائفة الشيعية، إضافة إلى منع إيران من إعادة بناء قنوات التمويل والتسليح.

وإذا حمّلت واشنطن الجيش وحده أكثر مما يستطيع تحمّله، فقد يتحول النموذج من اختبار لسيادة الدولة إلى اختبار يكشف عن حدودها.


عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)
TT

عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)

تضع إيران نتائج الحرب الحالية في إطار «انتصار» أجبر إسرائيل على بحث الانسحاب. وجاء تهديد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني بأن إسرائيل ستنسحب طوعاً أو «تفرّ مهزومة»؛ في محاولة واضحة لتقديم المسار التفاوضي باعتباره ثمرة صمود محور طهران.

ومع أن تصريح قاآني لا يخفي بأنه خطاب تعبوي موجّه إلى الداخل ولأذرع إيران في المنطقة، لا يمكن تجاهل حقيقة أن إيران نجحت في إدراج وقف القتال في لبنان ضمن تفاهماتها مع واشنطن، وأنها حافظت على النظام وعلى ورقة تفاوض إقليمية رغم الضربات.

في المقابل، صورة القوة الإيرانية تبدو مختلفة عند قياسها بما اضطرت طهران إلى قبوله. فلبنان يخوض «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل حول انتشار الجيش ونزع سلاح أبرز حلفائها. وواشنطن تحمّل إيران علناً مسؤولية سلوك «حزب الله»، في حين تواجه الفصائل الموالية لطهران في العراق ضغوطاً للاندماج في مؤسسات الدولة أو تقليص مظاهر سلاحها المستقل. وهذا، بجانب أن التفاوض على العقوبات والملف النووي بات مرتبطاً بدرجة ما بقدرة إيران على ضبط شبكتها الإقليمية.

هنا، يرى السفير الأميركي السابق جيمس جيفري في «فورين أفيرز» أن الإخفاق في تحقيق الأهداف القصوى لا يعني انتصار إيران؛ لأن المواجهات منذ 2023 أضعفت قدراتها وشبكة وكلائها وعززت موقع واشنطن. غير أن هذا التقييم يظل موضع نقاش، خصوصاً أن «حزب الله» لم يختف، والفصائل العراقية لم تُنزع أسلحتها، وإيران أظهرت قدرة على استخدام هرمز وملفات المنطقة لفرض تفاوض مباشر.

بناءً عليه، قد يكون من الأدق القول إن المنطقة تدخل «مرحلة انتقال»، لا نهاية مكتملة لمحور إيران. إذ تنتقل طهران من الاعتماد على تنظيمات كبيرة ومعلنة تملك ترسانات واسعة إلى شبكات أصغر وأكثر سرّيّة، أو تقبل بدمج شكلي لبعض الفصائل مع احتفاظها بنفوذ داخل مؤسسات الدولة.

لذلك؛ سيكون نجاح النموذج اللبناني مهماً أبعد من حدوده: فإذا انسحبت إسرائيل، وانتشر الجيش، ومُنع الحزب من استعادة وجوده، يصبح هذا الواقع سابقة لحصر السلاح بيد الدولة. وعندها فقط يمكن القول إن الجولة الخامسة دشّنت مرحلة مختلفة في لبنان والمنطقة. أما إذا بقي الانسحاب معلقاً أو عاد الحزب إلى المناطق المُخلاة، فستتحول الجولة الخامسة هدنة تفاوضية أخرى.


آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
TT

آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!

أطلق على نفسه اللقب الذي بات يعرف به اليوم: El Tigre (أي النمر)، ويقول إنه يتوكّل على الله والشعب وإن الحقيقة العارية نبراسه في السياسة. وعندما فاجأ القاصي والداني بفوزه في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية في كولومبيا قال إن انتصاره يعني «الهزيمة الكاملة لجميع السياسيين والأحزاب التي حكمت البلاد إلى اليوم». ولكن على الرغم من خطاب آبيلاردو دي لا اسبيريلّا، الذي أكّد فيه على امتداد حملة الانتخابات الرئاسية بأنه «نزل إلى الميدان» ليطوي صفحة الماضي إلى غير رجعة، جاء فوزه بفارق صغير جداً على منافسه اليساري، ليضع بلاده كولومبيا ضمن المعسكر اليميني المتطرف الذي انضمت إليه 12 دولة في أميركا اللاتينية خلال السنوات الثلاث الماضية.

عندما ظهرت النتائج النهائية للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا، معلنة فوز المرشح اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا اسبيريلّا بنسبة 49.66 في المائة من الأصوات مقابل 48.70 في المائة لمنافسه اليساري إيفان سيبيدا المدعوم من الرئيس الحالي غوستافو بترو، خرج الرئيس المنتخب أمام أنصاره في مدينة بارّانكيّا، ليقول: «أرث بلداً صعباً، بلداً منقسماً على ذاته، مثقلاً بالديون وفي حاجة إلى إعادة الإعمار. لن أعدكم بالمعجزات ولن أخادع الشعب بحلول سحرية. النهوض من الهاوية يقتضي جهداً وتضحيات وانضباطاً ومثابرة». ثم أضاف: «أعرف أننا قد ورثنا كارثة، لكن ما إن أتولى السلطة في السابع من أغسطس (آب) المقبل، سأكشف النقاب عن تسعين مرسوماً في الأمن والاقتصاد والصحة والتعليم، من شأنها أن تغيّر ملامح البلاد إلى الأبد».

وبالمناسبة، فإن بارانكيّا، ميناء البلاد الأول، دارت فيه أحداث رائعة غابرييل غارسيّا ماركيز «وقائع موت معلن»، التي تروي قصة حقيقية بطلها مهاجر متحدر من أصول لبنانية يدعى سانتياغو نصّار.

سياسياً، على رغم التأييد الشعبي الواسع الذي ناله دي لا اسبيريلّا في هذه الانتخابات وناهز 13 مليوناً من الأصوات، أي ربع عدد السكان تقريباً، فإنه كان يعلم أن منافسه اليساري حصد هو أيضاً نسبة عالية من الأصوات تقارب ما حصل عليه هو. ومن ثم، فبرنامجه لتحقيق «المعجزة الكولومبية» الموعودة وتعهده بإحداث تغيير جذري في كل القطاعات، ستكون دونهما عقبات كثيرة ليس أقلّها أن نصف البلاد تقريباً يعارض سياسته بشدة.

البداية والمسيرة

ولد آبيلاردو دي لا اسبيريلّا في بوغوتا عاصمة كولومبيا قبل 47 سنة، وبعد نيله شهادة الحقوق من جامعة بوغوتا أسّس مكتباً للمحاماة سرعان ما اكتسب شهرة واسعة بعدما تولّى الدفاع في قضايا عدة عن متهمين بأعمال احتيال ضخمة واغتيالات تعرّض لها زعماء نقابيون وسياسيون. وكذلك تولّى أيضاً الدفاع عن رجل الأعمال المعروف أليكس صعب الذي كان الذراع المالية لنظام الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.

وإلى جانب نشاطه في المحاماة، خاض دي لا اسبيريلّا أيضاً مجال الأعمال، حيث أسس مؤسسات عدة للملابس الرجالية الفاخرة والمشروبات والمطاعم، إلا أنه بعد فشلها، قرّر إقفالها جميعاً مطالع العام الماضي في أعقاب تسجيلها خسائر تقدّر بملايين الدولارات. كذلك، سبق للرجل دخول مجال الغناء كمغنٍ يؤدي وصلات من الأغاني الشعبية الإيطالية المشهورة والأوبرا.

الترشّح للرئاسة

مطلع الصيف الماضي أعلن دي لا اسبيريلّا عن نيّته الترشّح للانتخابات الرئاسية، علماً بأنه لم يسبق أن تولّى أي وظيفة رسمية، ولم يشارك في أي نشاط سياسي. ولم يطل الوقت حتى أطلق حملة لجمع التواقيع دعماً للتيّار الذي ترشّح باسمه «المدافعون عن الوطن»، وتحالف مع الوزير السابق خوسيه مانويل رستريبو، الذي يحظى بتأييد واسع في الأوساط اليمينية، كمرشح لمنصب نائب الرئيس.

والواقع، أنه عندما أعلن دي لا اسبيريلّا ترشحه الرسمي وكشف عن برنامجه السياسي الذي يتضمّن مقترحات راديكالية لم يسبق أن طرحها أي حزب أو زعيم سياسي في كولومبيا، لم تكن شعبيته تتجاوز 10 في المائة من الناخبين وفق استطلاعات الرأي الأولى. وكان من مقترحات برنامجه: إنهاء جميع عمليات السلام مع الجماعات المسلحة وإلغاء الاتفاقات الموقّعة في إطارها، وترخيص حمل السلاح للمدنيين، وإلغاء عدد من الوزارات والانسحاب من منظمات دولية مثل محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة، وترميم العلاقات مع إسرائيل بعدما كان قرّر قطعها الرئيس الحالي غوستافو بترو... بل وفتح سفارة لكولومبيا في مدينة القدس.

«إيمان» متأخر... وتقارب مع إسرائيل

أيضاً، أعلن المرشح اليميني المتطرف أنه سيقارب العلاقات مع «الجارة» فنزويلا، ولكن عن طريق وزارة الخارجية الأميركية لا عن طريق حكومة الرئيسة دلسي رودريغيز. وكان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»، مع الإشارة إلى أنه كان ملحداً حتى عام 2021 عندما أعلن اعتناقه الكاثوليكية. وأيضاً، هناك توعّده الضرب بيد من حديد لمكافحة الجريمة، والدفاع عن الأسرة التقليدية والملكية الخاصة، ومنع الإجهاض والموت الرحيم والسماح للمثليين بالتبنّي، كما تعهد إقفال محكمة السلام التي أسّست لمحاكمة الثوار والعسكريين السابقين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية.

من ناحية ثانية، ملفّات كثيرة حول علاقات دي لا اسبيريلّا بأشخاص ضالعين في قضايا فساد وجرائم، أثارت جدلاً واسعاً حول أهليته للترشح في الانتخابات الرئاسية، وأيضاً حيازته الجنسية الأميركية التي نالها خلال فترة قصيرة عندما أقام في ميامي؛ ما أثار شبهات حول الأسباب وراء حصوله عليه بسرعة وسهولة. وتقدّمت جهات عدة بطعون في ترشيحه، لكن القضاء بتّ لصاح أهليته للترشح.

حليف طبيعي لترمب ... ولليمين التقليدي

النتائج النهائية بيّنت أن دي لا اسبيريلّا حصل على تأييد واسع بين الناخبين الذين كانوا دعموا المرشحة المحافظة بالوما فالنسيا في الدورة الأولى. والأخيرة كانت مدعومة بدورها من القيادات اليمينية التقليدية، وبخاصة، الرئيس الأسبق مانويل أوريبي، وأيضاً من مجتمع الأعمال والنخب الاقتصادية الذي كان يخشى ولاية يسارية ثانية بعد الرئيس الحالي بترو.

ولكن، بناءً على كل ما سبق ذكره، لم يكن مستغرباً أبداً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان أول مهنئي الرئيس الكولومبي الجديد. وللعلم، غرّد ترمب على حسابه «تشرّفت كثيراً بدعم (النمر)، وأتطلع إلى العمل معه لبناء علاقة وطيدة بين كولومبيا والولايات المتحدة تعود بالخير والعظمة على البلدين». أيضاً الرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرف خافيير ميلاي، الذي يطلق هو أيضاً على نفسه لقب «الأسد»، صرّح قائلاً: «الأسد والنمر يُسمع زئيرهما الآن في أرجاء أميركا اللاتينية».

أما الرئيس المنتخب نفسه، فقد عرض في تصريحاته الأولى بعد الفوز على منافسه اليساري إيفان سيبيدا توقيع «اتفاق وطني» عوضاً عن فتح جبهة سياسية واجتماعية بينهما، بيد أنه حذّر في الوقت نفسه من أنه لن يتهاون في التعاطي مع التعبئة الشعبية والاحتجاجات والإضرابات التي هددت بها النقابات العمالية والتنظيمات الاجتماعية.

وعود انتخابية ومصاعب معيشية

للتذكير، كان دي لا اسبيريلّا قد وعد بخفض الضرائب وتقديم محفّزات مالية للشركات المنتجة؛ بهدف تسريع وتيرة النمو الاقتصادي وخفض العجز المالي الذي سجّل ارتفاعاً ملحوظاً خلال ولاية بترو. كان العجز قد ارتفع خصوصاً بسبب المشاريع الاجتماعية التي أقرَّتها حكومة بترو دعماً للطبقات العاملة والفقيرة والمناطق الريفية التي يقطنها السكان الأصليون.

بالتوازي، كان بين التدابير التي وعد بها الرئيس الجديد في برنامجه الانتخابي، ولقيت ترحيباً واسعاً في الأوساط المحافظة، القضاء على زراعة الكوكايين بواسطة رشّ 330 ألف هكتار من المساحات الزراعية بالمبيدات. إلا أنه من المتوقع، في حال تنفيذه هذا الوعد، أن يواجه معارضة شديدة من سكان الريف الذين يعيشون بنسبة كبيرة على هذه الزراعة، ويطالبون بتحويلها إلى الاستهلاك الطبي.

أيضاً، تعهّد دي لا اسبيريلّا في برنامجه ببناء 10 سجون ضخمة في مناطق نائية عن المدن الكبرى، واعتقال 10 من كبار زعماء التنظيمات المسلحة في البلاد وإحالتهم إلى القضاء، واستعادة سيطرة الأجهزة الأمنية ومؤسّسات الدولة على ما أسماه «الأراضي الضائعة»، أي تلك التي تقع تحت سيطرة الجماعات المسلحة منذ عقود.

ومن الأزمات الأخرى المستعصية منذ سنوات في كولومبيا تراجع الخدمات الصحية، خاصة في الأرياف، ونقص الأدوية الأساسية في مرافق كثيرة، ناهيك من هجرة الأطباء سعياً وراء رواتب لائقة. ولقد تعهّد دي لا اسبيريلّا بـ«ضخ ما يلزم من أموال» في القطاع الصحي لإنهاضه، بل وقال إن لديه خطة لتحويل كولومبيا مركزاً إقليمياً لصناعة الأدوية.

المراقبون يرون أن دي لا اسبيريلّا نجح، كما فعل دونالد ترمب في الولايات المتحدة، في تسويق أسلوب عيشه الفاخر كعلامة للنجاح، لكنه سيصطدم قريباً - على الأرجح - بواقع اجتماعي مختلف جداً، وبنقابات عمالية في حال من التعبئة والجهوزية للدفاع عن المكتسبات التي حققتها خلال ولاية بترو.