ماذا يتعين على أميركا عمله لتجريد روسيا من سلاح الطاقة؟

خط أنبوب الغاز الروسي التركي الذي يمر في بلغاريا... اقترحت موسكو أخيراً إقامة مركز توزيع للغاز الروسي في تركيا (رويترز)
خط أنبوب الغاز الروسي التركي الذي يمر في بلغاريا... اقترحت موسكو أخيراً إقامة مركز توزيع للغاز الروسي في تركيا (رويترز)
TT

ماذا يتعين على أميركا عمله لتجريد روسيا من سلاح الطاقة؟

خط أنبوب الغاز الروسي التركي الذي يمر في بلغاريا... اقترحت موسكو أخيراً إقامة مركز توزيع للغاز الروسي في تركيا (رويترز)
خط أنبوب الغاز الروسي التركي الذي يمر في بلغاريا... اقترحت موسكو أخيراً إقامة مركز توزيع للغاز الروسي في تركيا (رويترز)

يرى السياسي الأميركي دون ريتر، أن الطاقة هي سلاح روسيا الرئيسي في حربها ضد أوكرانيا، والسبب في ذلك هو أن موارد الطاقة؛ النفط والغاز والفحم، هي التي تسدد التكاليف المالية التي ينبغي توفيرها بالنسبة للأفراد، والصواريخ، والمدفعية، والدبابات، والذخيرة، والطائرات المسيّرة التي تمطر الدمار على أوكرانيا. ويقول ريتر إنه من المؤلم أن أوروبا هي التي تدفع هذه الأموال، وتموّل حرباً أطول مدى ضدها هي نفسها.
ويضيف السياسي الأميركي دون ريتر، الحاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية، أنه رغم نجاح أوروبا في خفض وارداتها من الطاقة من روسيا، أسفرت الندرة العالمية، وركود الطاقة في الولايات المتحدة، وقيود الإنتاج التي فرضتها مجموعة «أوبك بلاس»، عن ارتفاع كبير للغاية في الأسعار.
وفي حقيقة الأمر، ما زالت إيرادات روسيا من الطاقة من الدول الأوروبية مماثلة تقريباً لما كانت عليه قبل الحرب. فأوروبا تدفع نحو مليار دولار يومياً لنظام بوتين رغم حصولها على قدر أقل من الطاقة مقابل ما تدفعه.
ويقول ريتر، الذي كان عضواً في لجان الطاقة والتجارة والعلوم والتكنولوجيا التابعة لمجلس النواب الأميركي طوال 14 عاماً، إن هذه مفارقة لا يمكن أن تطاق في الوقت الحالي بالنسبة لأوروبا، وبالنسبة للولايات المتحدة على المدى الأطول. ويتوقع أن تبلغ صادرات الطاقة الروسية في عام 2022، 338 مليار دولار، وهو أعلى بكثير عما كان في عام 2021 قبل غزو أوكرانيا.
فحرب روسيا في أوكرانيا، على الأقل مالياً، مربحة تماماً. وبوسع الولايات المتحدة توسيع نطاق إنتاجها بسهولة، والبدء في أن تحل محل الطاقة الروسية، ليس فقط في أوروبا، ولكن أيضاً في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الهند، وإندونيسيا، وغيرهما، ولكن زيادة الإنتاج تمنعها الأهمية المعلقة على مواجهة تغير المناخ في السياسة الأميركية. ويوضح ريتر، أن الهند وغيرها من الدول في «الجنوب العالمي» التزمت الحياد بالنسبة لحرب بوتين، ليس لأنها لا تتعاطف مع الشعب الأوكراني، لكن لأنها تعتمد على النفط والغاز الروسي لإدارة عجلة اقتصاداتها. وإذا كانت أميركا ليست مستعدة لتلبية احتياجات هذه الدول، فلا بد أن تبحث عن مكان آخر - الذي يعني بالضرورة روسيا. والمهم هنا هو أن هناك حاجة ماسة لأن تعمل الولايات المتحدة على تجريد روسيا من سلاح الطاقة القوي بتوسيع نطاق إنتاجها، وبالتالي إعادة تسليح نفسها.
ويؤكد ريتر، أن التجريد الأحادي لسلاح الطاقة فكرة سيئة في أي وقت من الأوقات، وخاصة في حالة الحرب مع عدو غني في مجال الطاقة. وللأسف هذا تحديداً ما يحدث. لقد جردت أوروبا نفسها من هذا السلاح أولاً، ثم تفعل أميركا نفس الشيء الآن. من ناحية أخرى، وعدت أوروبا وأميركا في قمة المناخ الأخيرة «كوب 27» بتقديم تريليون دولار من أموال دافعي الضرائب فيهما لأكثر الدول فقراً حتى لا تنتج الوقود الأحفوري، بالإضافة إلى تقديم تعويضات عن الأضرار السابقة التي يزعم أنها ناجمة عن الوقود الأحفوري.
ويقول ريتر، إن رد فعل إدارة بايدن فيما يتعلق بالطاقة إزاء سفك الدماء في أوكرانيا، يتمثل في تجاهل القضية. فليس هناك حديث عن استخدام الطاقة في أي مكان في الإدارة الأميركية. والجماعات الموالية لأوكرانيا التي تود إثارة هذه القضية، لن تفعل ذلك خوفاً من أي رد فعل سياسي داخلي أميركي. وبينما تموّل روسيا حربها في أوكرانيا بإنتاج وبيع كميات كبيرة من النفط والغاز، والفحم؛ تلغي إدارة بايدن خطوط الأنابيب، وتحد من العقود الجديدة، وتستخدم لوائح وزارة الداخلية ووكالة حماية البيئة المبالغ فيها لزيادة التكاليف وتقييد إمدادات النفط والغاز. وتستخدم القواعد الاجتماعية البيئية لوقف الاستثمارات في البنية الأساسية للنفط والغاز.
ويشير ريتر، إلى أن سياسات إدارة بايدن أسفرت عن إنتاج الولايات المتحدة كمية نفط أقل بمليون برميل عما كانت عليه مستويات الإنتاج قبل الجائحة، وقبل بايدن. وكل ذلك يحدث بغرض إمكانية نجاح «الاتفاق الأخضر» الجديد الذي يؤيده بايدن، بغض النظر عن التكاليف بالنسبة للمستهلكين، والمخاطر التي يمكن أن يواجهها الاقتصاد والأمن القومي الأميركي.
إن الولايات المتحدة تمتلك احتياطات الطاقة والقدرة التكنولوجية لتوسيع نطاق الإنتاج، والبدء في أن توفر بديلاً للطاقة الروسية في جميع أنحاء العالم. وتحاول إدارة بايدن الدفاع عن أوكرانيا في مواجهة روسيا، لكن سياساتها الخاصة بالمناخ تقوض ذلك الدعم. ويتساءل ريتر قائلاً: «متى ستدرك الإدارة الأميركية أن الحملة الخيالية ضد تغير المناخ تكلف فقدان آلاف الأرواح الأوكرانية ودمار دولة؟».


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟