واشنطن تتهم بوتين بـ«صب جام غضبه» على المدنيين في أوكرانيا

كوليبا يطلب «باتريوت»... وبلينكن يعكس «القلق» من تعاون الصين مع روسيا

امرأة أوكرانية تبكي على موت أقاربها بقصف روسي على مدنيين في بوروديانكا بأوكرانيا في 8 أبريل 2022 (رويترز)
امرأة أوكرانية تبكي على موت أقاربها بقصف روسي على مدنيين في بوروديانكا بأوكرانيا في 8 أبريل 2022 (رويترز)
TT

واشنطن تتهم بوتين بـ«صب جام غضبه» على المدنيين في أوكرانيا

امرأة أوكرانية تبكي على موت أقاربها بقصف روسي على مدنيين في بوروديانكا بأوكرانيا في 8 أبريل 2022 (رويترز)
امرأة أوكرانية تبكي على موت أقاربها بقصف روسي على مدنيين في بوروديانكا بأوكرانيا في 8 أبريل 2022 (رويترز)

ندد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن بالهجوم الروسي المتواصل على شبكة الكهرباء الأوكرانية، متهماً الرئيس فلاديمير بوتين بأنه «يصب جام غضبه» على المدنيين في الجمهورية السوفياتية السابقة، محولاً آلته الحربية أداة لـ«وقف التدفئة». وأكد في الوقت ذاته أن دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) «قلقة» من التنامي السريع للقدرات العسكرية للصين وتعاونها مع روسيا.
ووصف بلينكن الضربات الروسية على البنى التحتية المدنية في أوكرانيا بأنها «همجية». وقال في بوخارست: «خلال الأسابيع القليلة الماضية، قصفت روسيا أكثر من ثلث نظام الطاقة الأوكراني، ما أدى إلى إغراق الملايين في البرد والظلام»، معتبراً أن «هذه هي الأهداف الجديدة للرئيس (فلاديمير) بوتين (...) هذا التعامل العنيف تجاه الشعب الأوكراني همجي».
وكان بلينكن يتحدث خلال اجتماع تستضيفه العاصمة الرومانية لوزراء خارجية الدول الـ30 في «الناتو» مخصص جزئياً لتنسيق المساعدات للحفاظ على إمدادات الكهرباء وعمل الأفران في أوكرانيا، بعدما دمرت الضربات الروسية نحو ثلث البنية التحتية للكهرباء في البلد الذي كان يوماً جزءاً من الاتحاد السوفياتي السابق.
ورأى بلينكن أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «يفشل في هزيمة أوكرانيا عسكرياً، فيخوض الآن حرباً ضد المدنيين»، مضيفاً أنه «يفعل ذلك عن طريق محاولة تدمير البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا، وإطفاء الأضواء، ووقف التدفئة، ووقف المياه، لكي يعاني المدنيون». ورأى أن «هذه أهداف جديدة للرئيس بوتين. إنه يضربهم بشدة. هذه المعاملة الوحشية لشعب أوكرانيا وحشية». واتهم بوتين بمحاولة تقسيم التحالف الغربي وإجباره على التخلي عن أوكرانيا، عن طريق تجميد الأوكرانيين وتجويعهم، وزيادة تكاليف الطاقة، ليس في كل أنحاء أوروبا ولكن في كل أنحاء العالم. لكن «هذه الاستراتيجية لم ولن تنجح».
وأوضح أن الدعم للشعب الأوكراني «لا يزال قوياً وحازماً ومصمماً» من الحلف ممثلاً بوزراء خارجية الحلف الأطلسي، مع اقتراب الاجتياح الروسي من الذكرى السنوية الأولى في فبراير (شباط) المقبل.
ويقدر «الناتو» أن الضربات الروسية ألحقت أضراراً بثلث البنية التحتية الكهربائية في أوكرانيا. ويفيد بأن الصواريخ تستهدف بشكل خاص شبكات النقل المعرضة للخطر، مما يجعل الأوكرانيين يتعاملون مع الظلام والبرد في الشتاء القارس.
وقال وزير الخارجية التشيكي يان ليبافسكي، إن أوكرانيا «سوف تفوز» في الحرب التي بدأت بسبب الطموحات الإمبريالية لفلاديمير بوتين، وتعثرت بسبب سوء تقدير الرئيس الروسي. وأضاف ليبافسكي في حوار مع تلفزيون «بلومبرغ» اليوم (الأربعاء) في بوخارست، أن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) متحدان في موقفهما ضد روسيا، حتى في الأوقات التي يتعين فيها على الدول الأعضاء «العمل بكد لتحقيق الوحدة».
وأوضح ليبافسكي الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، أنه تجب محاسبة القيادة الروسية على الجرائم التي ارتكبتها في أوكرانيا.
وقبيل جلسة ثنائية مع بلينكن على هامش اجتماع «الناتو» في بوخارست، أكد وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا أن أكبر حاجات بلاده الآن هي المعدات الكهربائية، وأنظمة الدفاع الجوي الأكثر تقدماً مما حصلت عليه حتى الآن من الولايات المتحدة وحلفاء آخرين، للتعامل مع الضربات الصاروخية الروسية. وقال: «باختصار، (الباتريوت) ومحولات الكهرباء هي أكثر ما تحتاج إليه أوكرانيا». وأشار إلى أن أوكرانيا تلقت خلال الجلسة «عدداً من التعهدات والالتزامات الجديدة من مختلف أعضاء (الناتو) فيما يتعلق بتزويد أوكرانيا بمزيد من الأسلحة الدفاعية ومعدات الطاقة»؛ لكنه رفض الإجابة عن أسئلة حول ما إذا كان ذلك يشمل وعوداً ببطاريات صواريخ من طراز «باتريوت» المطلوبة بشدة من الولايات المتحدة، أو أي حليف آخر.
وتسعى أوكرانيا للحصول على هذا النظام الصاروخي الأميركي الصنع، أو غيره من أنظمة الدفاع الجوي الأكثر تقدماً مما حصلت عليه حتى الآن من الولايات المتحدة وحلفاء آخرين للتصدي للضربات الجوية الروسية.
ولم يرد كوليبا أيضاً على أسئلة متكررة من أحد المراسلين قبل اجتماعه مع بلينكن، حول ما إذا كان قد حصل على أي التزامات في شأن «الباتريوت» التي ستكون بمثابة تقدم كبير في أنواع أنظمة الدفاع الجوي التي يرسلها الغرب لمساعدة الجمهورية السوفياتية السابقة في الدفاع عن نفسها أمام الهجوم الجوي الروسي.
وأكد الأمين العام لحلف «الناتو» ينس ستولتنبرغ، أن شحنات أنظمة صواريخ أرض- جو المتطورة هذه قيد الدرس بين بعض الحلفاء. وقال مسؤول دفاعي أميركي كبير لمراسلي وزارة الدفاع (البنتاغون) إن الولايات المتحدة «منفتحة على تقديم صواريخ (باتريوت) التي طلبتها أوكرانيا منذ أشهر»، علماً بأن الولايات المتحدة وحلفاءها كانوا مترددين في توفيرها لتجنب استفزاز روسيا.
وقال المستشار الألماني أولاف شولتز، الثلاثاء، إن عرض بلاده إرسال صواريخ «باتريوت» إلى بولندا لا يزال مطروحاً على الطاولة، على الرغم من أن وارسو اقترحت إرسالها إلى أوكرانيا. ولا يوجد في أوكرانيا أفراد مدربون على استخدام «باتريوت»، وهو نظام دفاع جوي معقد يتألف من 3 أنواع رئيسية بنطاقات وارتفاعات متفاوتة. وأقرضتها ألمانيا لسلوفاكيا وتركيا؛ لكنها أرسلت فنيين لتشغيلها.
ومن المؤكد أن حلفاء «الناتو» سيرفضون إرسال أي عسكريين إلى أوكرانيا، لتجنب الانجرار إلى حرب أوسع مع روسيا المسلحة نووياً. كما يريدون ضمانات بأن أوكرانيا لن تستخدم الصواريخ إلا للدفاع عن مجالها الجوي، وليس إطلاقها على الأراضي الروسية.
وتعارض روسيا بشدة هذه الخطوة. وقال نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديمتري مدفيديف، الثلاثاء، عبر «تلغرام»، إنه «إذا قام (الناتو) كما لمح ستولتنبرغ، بتزويد المتعصبين في كييف ببطاريات (باتريوت) جنباً إلى جنب مع أفراد (الناتو)، فسيصيرون على الفور هدفاً مشروعاً لقواتنا المسلحة».
إلى ذلك، صرح بلينكن بأن «أعضاء تحالفنا ما زالوا قلقين من السياسات القسرية» للصين، مركزاً على «استخدامها المعلومات المضللة، وتعزيز نموها العسكري السريع، بما في ذلك تعاونها مع روسيا»؛ لكنه أضاف: «نحن ملتزمون أيضاً الحفاظ على حوار بنَّاء مع الصين أينما نستطيع، ونرحب بفرص العمل معاً لمواجهة التحديات المشتركة». وأضاف أنه «بينما يواصل (الناتو) التركيز على الحفاظ على دعم موحد لأوكرانيا، يرغب الأعضاء أيضاً في تعزيز مرونة الحلف، من خلال النظر في التحديات الجديدة، بما في ذلك تلك التي تمثلها الصين». وقال: «هناك اعتراف بأن هناك أيضاً من نواحٍ كثيرة، ما يسميه الأوروبيون تنافساً منهجياً بين الصين وعديد من بلداننا (…) ولكن هناك أيضاً اعترافاً بأنه حيثما كان ذلك ممكناً، يتعين علينا إيجاد طرق للتعاون في شأن القضايا الكبيرة».


مقالات ذات صلة

أوروبا شرطي يظهر في مبنى جديد للركاب بمطار فرانكفورت الألماني (د.ب.أ)

احتجاز شخصين يشتبه أنهما يتجسسان لصالح روسيا في ألمانيا وإسبانيا

أعلن مكتب المدعي العام الاتحادي في ألمانيا احتجاز شخصين في إسبانيا وغرب ألمانيا للاشتباه في أنهما يتجسسان لصالح الاستخبارات الروسية.

«الشرق الأوسط» (برلين - مدريد)
أوروبا خلال لقاء رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين 28 نوفمبر 2025 (أ.ب)

اتهامات للمجر بأنها «الطابور الخامس» لموسكو

معلومات صحافية تؤكد أن وزير خارجية المجر بيتير زيجارتو ، المقرّب جداً من رئيس الحكومة فيكتور أوربان، يتواصل مباشرة مع نظيره الروسي سيرغي لافروف.

شوقي الريّس (بروكسل)
أوروبا مبنى سكني أُصيب بمسيرة روسية في مدينة دنبرو الأوكرانية الثلاثاء (رويترز)

زيلينسكي يستعد لاستمرار الحرب ثلاث سنوات إضافية

كشفت تقارير أوكرانية عن توجه الرئيس فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترة طويلة.

رائد جبر (موسكو)
الاقتصاد ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)

«أو إم في» النمساوية: أزمة الطاقة الحالية تفوق تداعيات الحرب الأوكرانية

قال الرئيس التنفيذي لشركة «أو إم في» النمساوية ألفريد شتيرن، إن أزمة الطاقة في الشرق الأوسط أكثر خطورة من الأزمة التي نجمت عن الحرب الأوكرانية عام 2022.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)

البيت الأبيض: العمليات الأميركية ضد إيران مستمرة بموازاة الجهود الدبلوماسية

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض تتحدث إلى الصحافيين في مدخل الجناح الغربي للبيت الأبيض بواشنطن 18 مارس 2026 (رويترز)
كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض تتحدث إلى الصحافيين في مدخل الجناح الغربي للبيت الأبيض بواشنطن 18 مارس 2026 (رويترز)
TT

البيت الأبيض: العمليات الأميركية ضد إيران مستمرة بموازاة الجهود الدبلوماسية

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض تتحدث إلى الصحافيين في مدخل الجناح الغربي للبيت الأبيض بواشنطن 18 مارس 2026 (رويترز)
كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض تتحدث إلى الصحافيين في مدخل الجناح الغربي للبيت الأبيض بواشنطن 18 مارس 2026 (رويترز)

أعلن البيت الأبيض، الثلاثاء، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يواصل العمليات العسكرية ضد إيران بموازاة درسه خيارات دبلوماسية «جديدة»، وذلك بعد إعلانه بدء محادثات مع طهران وبروز باكستان وسيطاً محتملاً.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، في بيان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «بينما يستكشف الرئيس ترمب ومفاوضوه هذا الاحتمال الدبلوماسي الجديد، تستمر عملية الغضب الملحمي بلا هوادة لتحقيق الأهداف العسكرية التي حددها القائد الأعلى للقوات المسلّحة والبنتاغون (وزارة الدفاع)».

وتواصلت الغارات الأميركية والإسرائيلية على إيران، والهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل، الثلاثاء، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب المفاجئ عن مباحثات بين واشنطن وطهران.

وقال مسؤول كبير بوزارة الخارجية الإيرانية، لشبكة «سي بي إس نيوز» الأميركية، إن طهران تلقّت مقترحات من واشنطن عبر وسطاء «تدرسها حالياً»، بعد إعلان ترمب أن أميركا وإيران «أجرتا، خلال اليومين الماضيين، محادثات جيّدة جداً ومثمرة فيما يتعلّق بالحل الشامل والكامل للأعمال العدائية في الشرق الأوسط».


«البنتاغون» يرضخ للقضاء «شكلاً» ويواصل التضييق على الصحافة

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 2 مارس 2026 (أ.ف.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 2 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» يرضخ للقضاء «شكلاً» ويواصل التضييق على الصحافة

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 2 مارس 2026 (أ.ف.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 2 مارس 2026 (أ.ف.ب)

لم تستغرق وزارة الحرب الأميركية وقتاً طويلاً لتحويل هزيمتها القضائية إلى معركة جديدة مع الصحافة. فبعد أيام فقط من حكم فيدرالي اعتبر سياسة «البنتاغون» الإعلامية الأخيرة مخالفة للدستور، أعلنت الوزارة إغلاق «ممر المراسلين» داخل المبنى الخماسي ونقل الصحافيين إلى «ملحق» خارجي داخل حرم البنتاغون، مع فرض مرافقة إلزامية لهم عند دخول المبنى خارج الإحاطات والمؤتمرات الرسمية. والنتيجة أن الوزارة امتثلت للحكم شكلاً، لكنها بدت وكأنها تعيد إنتاج القيود نفسها عملياً، بما يفتح مواجهة جديدة حول حدود الأمن، وحق الجمهور في المعرفة، ومستقبل التغطية المستقلة لشؤون الجيش الأميركي في لحظة حروب وتوترات خارجية.

حكم قضائي لم ينهِ النزاع

تعود الأزمة إلى السياسة التي فرضها البنتاغون في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، حين طلب من الصحافيين التوقيع على تعهد يتيح للوزارة سحب الاعتماد من أي مراسل يطلب معلومات «غير مخول الإفصاح عنها»، حتى لو لم تكن مصنفة سرية. مؤسسات إعلامية كبرى، بينها «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«سي إن إن» و«فوكس نيوز» و«أسوشييتد برس» رفضت التوقيع، معتبرة أن هذا الشرط لا ينظم العمل الصحافي، بل يفرغه من مضمونه؛ لأن السعي إلى المعلومات من خارج البيانات الرسمية هو جوهر المهنة. وقد قاد ذلك إلى دعوى رفعتها «نيويورك تايمز»، انتهت يوم 20 مارس (آذار) بحكم القاضي الفيدرالي، بول فريدمان، الذي رأى أن السياسة تنتهك التعديلين الأول والخامس من الدستور؛ لأنها فضفاضة وتفتح الباب أمام التمييز ضد صحافيين «غير مرغوب فيهم» على أساس توجهاتهم أو أسلوب تغطيتهم.

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث خلال إحاطة إعلامية في البنتاغون بالعاصمة واشنطن... 19 مارس 2026 (رويترز)

ولم يكتفِ القاضي بإبطال السياسة، بل أمر بإعادة اعتماد صحافيي «نيويورك تايمز»، مشدداً على أن الحاجة إلى صحافة مستقلة تصبح أكثر إلحاحاً عندما تكون الولايات المتحدة منخرطة في عمليات عسكرية خارجية. وهذه النقطة تحديداً تفسر لماذا لم يُنظر إلى القضية بوصفها خلافاً إدارياً داخلياً، بل باعتبارها اختباراً دستورياً لما إذا كانت مؤسسة بحجم البنتاغون تستطيع أن تحصر تدفق المعلومات في القنوات التي تسيطر عليها هي وحدها.

امتثال شكلي وتقييد عملي

ما أعلنه المتحدث باسم «البنتاغون»، شون بارنيل، بعد الحكم أوحى منذ اللحظة الأولى بهذا المنطق المزدوج: الوزارة «ستمتثل» لكنها «لا توافق» وستستأنف. ومن هنا جاء القرار بإغلاق المساحة التقليدية التي عمل منها المراسلون لعقود داخل المبنى، واستبدالها بملحق خارجي «عندما يصبح جاهزاً»، من دون تحديد موعد واضح. كذلك فرضت الوزارة قاعدة جديدة تقضي بوجوب مرافقة الصحافيين من موظفين مخولين عند دخولهم المبنى خارج الإحاطات والمقابلات المبرمجة. وتقول الوزارة إن الدافع أمني، وإنها لا تستطيع إدارة متطلبات الحماية داخل البنتاغون مع وجود صحافة عاملة فيه على النحو السابق.

لكن الاعتراض الرئيسي على هذه الصيغة أن المشكلة ليست في «مكان الجلوس» بحد ذاته، بل في فقدان الوصول اليومي الطبيعي إلى المؤسسة العسكرية. فالصحافي الذي يُنقل إلى ملحق خارجي، ولا يدخل المبنى إلا بمرافقة ومواعيد محددة، يصبح أقرب إلى زائر رسمي منه إلى مراسل مقيم يراقب ويختبر الروايات ويطوّر مصادره. وبذلك ينتقل البنتاغون من محاولة تقييد الصحافة بنص مكتوب إلى إعادة هندسة بيئة العمل نفسها بحيث تصبح التغطية أكثر اعتماداً على الشؤون العامة وأقل قدرة على إنتاج معلومات مستقلة. لهذا يرى منتقدو القرار أن الوزارة لم تتراجع فعلاً، بل أعادت صياغة هدفها بطريقة أقل صداماً مع الحكم وأكثر تضييقاً في التطبيق.

صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

معركة على الشفافية

ردود الفعل كانت سريعة وحادة. رابطة صحافة البنتاغون قالت إن القرار الجديد يشكل انتهاكاً «لنص وروح» حكم المحكمة، خصوصاً أن القاضي تحدث صراحة عن أهمية استعادة الوصول الإعلامي في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة أزمات عسكرية متشابكة. أما «نيويورك تايمز» فاعتبرت أن السياسة الجديدة لا تمتثل لأمر المحكمة، وأنها تواصل فرض قيود غير دستورية على الصحافة، متعهدة العودة إلى القضاء. كما دفع عدد من الصحافيين العسكريين المتخصصين بأن ذريعة الأمن مبالغ فيها؛ لأن المراسلين كانوا يخضعون أصلاً لفحوص خلفية وإجراءات اعتماد، ولأن المحكمة لم تمنع البنتاغون من استبعاد أي شخص يشكل خطراً أمنياً حقيقياً، بل رفضت فقط اعتبار السعي إلى المعلومات سلوكاً مشبوهاً.

والأهم أن تداعيات هذه الخطوة تتجاوز نزاعاً مهنياً بين وزارة وصحافيين. فالمسألة تمس صورة الإدارة الأميركية في تعاملها مع الإعلام المستقل، وتمس أيضاً قدرة الرأي العام على معرفة ما يجري داخل المؤسسة، التي تدير الحروب والانتشار العسكري والإنفاق الدفاعي الهائل. ولهذا ينظر كثيرون إلى «الملحق» الخارجي لا كمجرد تعديل لوجيستي، بل كترجمة سياسية لفكرة أوسع: إبقاء الصحافة موجودة بما يكفي لتفادي الاتهام بالإقصاء الكامل، لكن بعيداً بما يكفي لإضعاف دورها الرقابي.


«العليا» الأميركية تنظر في طلب ترمب رفض لجوء المهاجرين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

«العليا» الأميركية تنظر في طلب ترمب رفض لجوء المهاجرين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

باشرت المحكمة العليا الأميركية، الثلاثاء، النظر في قضية تمس جوهر سياسة الهجرة في عهد الرئيس دونالد ترمب، وما إذا كانت الحكومة الفيدرالية تملك صلاحية إغلاق أبواب اللجوء في وجه المقبلين إلى الحدود إذا ارتأت أن طاقتها الاستيعابية بلغت حدها.

وتدور القضية حول ما يُعرف بسياسة «التقنين»، التي تخول مسؤولي الهجرة أن توقف طالبي اللجوء على الحدود، ورفض معالجة طلباتهم إلى أجل غير مسمى، متى رأوا أن المعابر الحدودية بين الولايات المتحدة والمكسيك لا تتحمل مزيداً من الأعباء. وتسعى إدارة ترمب إلى إحياء هذه السياسة التي ألغاها سلفه الرئيس السابق جو بايدن عام 2021، فيما قضت محكمة استئناف فيدرالية بأنها تتعارض مع القانون الفيدرالي.

جدل قديم

ولم تنشأ هذه السياسة مع ترمب، لأن مسؤولي الهجرة بدأوا في تطبيق مبدأ رفض طالبي اللجوء على الحدود منذ عام 2016 في عهد باراك أوباما، في خضم موجة هجرة واسعة. غير أن السياسة اكتسبت طابعاً رسمياً عام 2018 خلال الولاية الأولى لترمب، حين مُنح مسؤولو الحدود صلاحية صريحة لتعليق معالجة طلبات اللجوء كلما قدّروا عدم قدرتهم على استيعاب المزيد.

وتتمحور القضية القانونية حول تساؤل دقيق في ظاهره، لكنه بالغ الأثر: هل يعد طالب اللجوء الموقوف على الجانب المكسيكي من الحدود «وصل» بالفعل إلى الأراضي الأميركية؟ إذ ينص القانون الفيدرالي على أن كل مهاجر «يصل إلى الولايات المتحدة» يحق له التقدم بطلب لجوء ويجب تفتيشه من مسؤولي الهجرة.

أرشيفية لمبنى المحكمة العليا الأميركية (أ.ف.ب)

وأجابت محكمة الاستئناف الفيدرالية التاسعة في سان فرانسيسكو على هذا التساؤل عام 2024 بالإيجاب، مؤكدة أن القانون يُلزم تفتيش جميع طالبي اللجوء الواصلين إلى المعابر الحدودية المخصصة، حتى لو لم يعبروا الحدود بعد. في المقابل، تتمسك إدارة ترمب بأن عبارة «الوصول إلى» تعني «الدخول الفعلي إلى مكان محدد، لا مجرد الاقتراب منه»، وأن «الأجنبي الموقوف في المكسيك لا يعد واصلاً إلى الولايات المتحدة».

وتأتي هذه القضية في سياق سلسلة من المعارك القضائية التي تخوضها إدارة ترمب في ملف الهجرة، وأيّدت المحكمة العليا مواقف الإدارة في عدد منها، إذ أجازت ترحيل المهاجرين إلى دول ثالثة غير بلدانهم الأصلية، وأقرّت إلغاء الوضع القانوني المؤقت لمئات الآلاف من المهاجرين الفنزويليين.

وتنتظر المحكمة خلال الأسابيع المقبلة في قضايا أخرى لا تقل حساسية، أبرزها النظر في مدى دستورية توجيه ترمب بتقييد حق المواطنة بالولادة، فضلاً عن مسعى الإدارة إلى سحب الحماية القانونية المؤقتة من أكثر من 350 ألف هايتي ونحو 6100 سوري يقيمون على الأراضي الأميركية. ويتوقع صدور الحكم في هذه القضية بحلول نهاية يونيو (حزيران) المقبل.

ترحيل إلى كوستاريكا

في غضون ذلك، أعلنت الرئاسة الكوستاريكية في بيان توقيع اتفاقية مبدئية مع إدارة الرئيس ترمب، بما يسمح لكوستاريكا باستقبال المهاجرين الذين تُرحّلهم الولايات المتحدة من دول أخرى. وأوضحت أن كوستاريكا مخوّلة باتخاذ القرار النهائي بشأن قبول المهاجرين، مع توقع نقل ما يصل إلى 25 شخصاً أسبوعياً إلى البلاد. وأكدت أن واشنطن «ستقدم الدعم المالي اللازم»، بينما ستوفر المنظمة الدولية للهجرة، التابعة للأمم المتحدة، الغذاء والسكن.

ومن جهة أخرى، عثرت السلطات المكسيكية الاثنين على 229 مهاجراً في شاحنة كانت تعبر ولاية فيراكروز بشرق البلاد، في أول حالة من نوعها منذ أشهر، مما ينذر بارتفاع محتمل في الهجرة منذ تولي الرئيس ترمب منصبه.

عمال أميركيون يبنون جداراً حدودياً بين مدينتي إل باسو وسيوداد خواريز في جزء من مشروع تقوده إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

وصرح نائب وزير خارجية ولاية فيراكروز، خوسيه مانويل بوزوس، بأنهم عثروا على المهاجرين محشورين في شاحنة أُبلغ عن سرقتها، بعدما بدأوا بالاستغاثة من ساحة حجز تابعة للشرطة. وأضاف أن معظم المهاجرين من أميركا الوسطى، وأن 17 منهم قاصرون، وأن عدداً منهم يعانون من الجفاف.

على مر السنين، استخدم مهربو المهاجرين كل أنواع المركبات لنقل الأجانب عبر المكسيك، وغالباً ما تكون هذه المركبات مكتظة، وفي ظروف سيئة، ومعرضة لخطر الموت، على غرار حادث مميت بجنوب المكسيك عام 2021، أو عندما قضى 53 مهاجراً بعد تركهم داخل شاحنة في سان أنطونيو بتكساس عام 2022.