أزمة ديون تخنق الإعلام الجزائري

الصحف والمجلات الفرنكوفونية في محنة... و{فيسبوك} يتصدر وسائل التواصل

قنوات البث الإخباري سرحت أكثر من 100 موظف
قنوات البث الإخباري سرحت أكثر من 100 موظف
TT

أزمة ديون تخنق الإعلام الجزائري

قنوات البث الإخباري سرحت أكثر من 100 موظف
قنوات البث الإخباري سرحت أكثر من 100 موظف

للمرة الأولى منذ إقرار التعدد الإعلامي في الجزائر عام 1990، يشهد الإعلام المستقل المكتوب والسمعي البصري أصعب أزماته. فالعديد من وسائل الإعلام المطبوع تختفي من الساحة بعدما كانت تسجل أرقاما قياسية في السحب (أو المبيعات)، أما البقية فهي تصارع من أجل الصمود وسط أزمة ديون خانقة وتراجع مصادر الإشهار (الإعلانات) التي كانت تضمن لها جزءا كبيرا من المداخيل.

محنة الصحف الفرنكوفونية

وضعية التأزم الراهنة طالت كل المنشورات، على أن آثار الأزمة ظهرت جليةً وبشكل مكثّف على الصحافة الفرنكوفونية التي تقلّص حجمها لتمثل اليوم أقل من ثلث منشورات البلاد بعدما كانت تحتل نصف الساحة الإعلامية متساويةً مع الصحافة المعرّبة. ولقد نقل موقع «سلات» في طبعته الفرنسية أن أكثر من أربعين منشورة ناطقة بالفرنسية قد اختفت تدريجياً من الساحة الإعلامية منذ 1990، بعضها كان يتمتع برواج كبير مثل «ألجيري أكتواليتيه» و«لو ماتان» و«لوكوتيديان دالجيري» و«ناسيون» و«لا تربون». أما آخر صحيفة فرنكوفونية اختفت من الأكشاك كانت يومية «ليبيرتيه» التي توقفت عن الصدور وسط ذهول عام بعد ثلاثين سنة من النشاط خلال أبريل (نيسان) الماضي بقرار من مالكها رجل الأعمال الجزائري يسعد ربراب.

قنوات البث الإخباري سرحت أكثر من 100 موظف

ربراب برّر قرار الإغلاق «بالمصاعب الاقتصادية التي لم تتح للصحيفة إلا مهلة قصيرة...». وفي مقال بعنوان «وقت عصيب للصحافة الجزائرية الناطقة بالفرنسية» كشف موقع «سلات» الإخباري أن تداول الصحافة الفرنكوفونية في الجزائر قد انخفض بنسبة 50 في المائة إلى 60 في المائة في غضون بضع سنوات، وأن هناك الآن فقط أربع أو خمس صحف يومية تصل إلى طبع 100 ألف نسخة حالياً، بينما كان العدد أكثر من عشرين صحيفة في 2017.
الموقع أشار أيضاً إلى العلاقة بين تراجع «لغة موليير» في الجزائر والوضعية الراهنة للصحافة الناطقة بالفرنسية، التي شهدت عصرها الذهبي في حقبة الثمانينات والتسعينات، حين كانت تحتل الصدارة آنذاك، وتحظى برواج كبير قبل أن تعود السلطة السياسية إلى فرض هيمنتها على الصحافة المستقلة. وحقاً، تفاقمت المصاعب المادية وديون بعض المنشورات لدرجة أن معظمها أصبح عاجزاً عن دفع رواتب الموظفين. وهذا هو وضع يومية «الوطن» التي تعد واحدة من أهم صحف الجزائر، غير أنها تواجه اليوم ظروفاً صعبة بعدما انخفضت معدلات السحب فيها من 160 ألف نسخة يومية عام 2012 إلى أقل من 40 ألفا في 2022. ولقد كشفت مصادر مقربة من موقع «توالا إنفو» الإخباري عن أن ديون هذه الصحيفة لدى البنوك وصلت إلى سبعين مليون دينار (ما يعادل 460 ألف يورو) إضافة إلى 26 مليون دينار (107 آلاف يورو) لدى مصالح الضرائب، الأمر الذي جعلها عاجزة عن دفع مستحقات موظفيها، الذين دفعهم هذا الوضع إلى تنظيم إضراب للمطالبة بمؤخر ستة أشهر من المستحقات.

الأزمة أشمل وأعم

في الواقع أوضاع المنشورات الناطقة بالعربية ليست أقل سوءاً، وبالأخص في ظل مشكلة الديون التي باتت تثقل كاهل الصحافة المستقلّة في الجزائر. إذ إن صحيفة «الخبر»، وهي الصحيفة الأكثر قراءة في البلاد بعد «الوطن»، أعلنت هي الأخرى حسب الموقع الإخباري «توالا إنفو» وجود خطّة لإعادة هيكلتها بغرض مواجهة مصاعبها المادية، وهو ما يعني تسريح عشرات الموظفين والصحافيين. وهنا يرجع مراقبو المشهد الإعلامي الجزائري هذه الوضعية المتأزمة بالدرجة الأولى إلى تراجع عائدات الإعلانات التي تعتبر الوكالة الوطنية للنشر والإعلان «لاناب» المُمون الرئيسي لها في الجزائر.
وبالفعل، فإن مشكلة نقص المساحات الإعلانية طالت كل وسائل الإعلام واتخذت أبعاداً مأساوية، وبالأخص، إبّان الأزمة الصحّية (جائحة كوفيد - 19). وازدادت حدةّ بعدها بسبب انهيار النشاطات الاقتصادية والتجارية للمؤسسات، كوكالات بيع السيارات التي كانت توفر في السابق مكاسب إعلانية كبيرة للصحف قبل أن تتوقف بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. وللإشارة أيضاً، فإن المطبعة العمومية تدين المليارات من الدينارات لمعظم الصحف المستقلة علماً بأن أنشطة الطبع والتوزيع والإعلان في الجزائر لا تزال كلها تحت سيطرة القطاع العام.
الباحث والإعلامي نور الدين بسادي يتحدث عن «الخطأ الاستراتيجي» الذي ارتكبته هذه الوسائل الإعلامية في اعتمادها الحصري على الإشهار (الإعلان) العمومي، وهو ما تسبب في انهيارها بمجرد توقف هذه العائدات. ويصف بسادي هذه المرحلة بـ«التحول الرقمي الفاشل» للصحافة المكتوبة «التي ضيّعت وقتاً طويلاً قبل أن تُدمج المعطيات الرقمية في استراتيجيتها التنموية... لتشهد، وهي مكّبلة الأيدي، تحوّل القراء نحو شبكات التواصل الاجتماعي الأكثر جاذبية، خاصةً، للأجيال الشّابة». وعلاوة على ذلك فإن التأخير في تعميم عمليات الدفع الإلكتروني في الجزائر لم يسمح لهذه الصحف بالتحرك نحو تسييل محتواها على الشبكة والاستفادة منه ماليا، على سبيل المثال، من خلال عرض إمكانية الاشتراك في الطبعات الرقمية.
الإعلام السمعي البصري، هو الآخر، لم يسلم من هذه الأزمة الخانقة. ذلك أن قنوات البث الإخباري الأكثر مشاهدة في البلاد كقناة «النهار»، مثلاً، تمرّ بضائقة مالية استلزمت تسريح أكثر من 100 موظف من أصل 300، وتجدر الإشارة هنا إلى أن مجموعة «النهار»، التي تضم قناة إخبارية وصحيفة وموقعاً إلكترونياً، تواجه منذ سنوات مشاكل قضائية بسبب الدعاوى التي رُفعت ضّدها من جهات سياسية وإعلامية وشخصيات عامة، والتي وصلت وفق أحد المواقع الإعلامية إلى أكثر من 200 قضية معظمها بتهمة التشهير.
ثم إن الوضع لا يختلف كثيراً بالنسبة لمنافستها المباشرة «الشروق»، التي تضم صحيفة وثلاث قنوات، والتي تواجه أيضاً منذ أشهر أزمة ديون وصلت حسب الموقع نفسه إلى 2 مليار دينار (10 ملايين دولار أميركي) بعد تأخرها في دفع مستحقات التأمين الصحّي. هذا، ولمّحت مصادر مقربة من إدارة المجموعة التي توظف نحو 500 موظف بين الصحيفة والقنوات الثلاث: «الشروق العامة»، و«الشروق الإخبارية»، و«سي بي سي بنة» - وهي خاصة بالطبخ - إلى أن مشروع التخلي عن قناة «سي بي سي بنة» وقناة «الشروق الإخبارية» وارد في جدول أعمال حملة أسهم المجموعة، وفي المقابل سيصار إلى التركيز على نشاط القناة الترفيهية العامة بهدف التحكم في النفقات.

وسائل التواصل تخترق

وسط هذا الجو المتأزم، تمكنت وسائل التواصل الاجتماعي من اختراق المشهد الإعلامي الجزائري بقوة. واليوم، حسب عدة دراسات يتوجه الجزائريون أكثر فأكثر نحو هذه الوسائل سواءً للحصول على الأخبار التي لا يجدونها عند وسائل الإعلام التقليدية، أو لمجرد التسلية والترفيه. وعلى رأس هذه الوسائل موقع «فيسبوك». إذ كشفت الدراسة السنوية «وي آر ديجيتال» المهتمة باستخدامات الإنترنت في أفريقيا والمغرب العربي عن أن عدد المشتركين الجزائريين «النشطين» في «فيسبوك» وصل يناير (كانون الثاني) 2022 إلى أكثر من 24 مليون مستخدم. وهذه نسبة كبيرة إذا علمنا أنها تمثل أكثر من نصف سكان الجزائر (45 مليون نسمة). ومن جانب آخر، مهمة هذه النسبة إذا ما قورنت بنسبة المشتركين في منصّة «إنستغرام» التي تجمع تسعة ملايين مستخدم ومنصة «تويتر» التي تجذب أقل من مليون مستخدم.
وهكذا، تحتل الجزائر المرتبة الرابعة عربيا، بعد كل من مصر والمملكة العربية السعودية والمغرب. ولقد لاحظ مراقبون لنشاطات الجزائريين على شبكة «فيسبوك» أن الصفحات الرياضية والاجتماعية تأتي في قائمة الاهتمامات الأولية لدى الجزائريين على الشبكة، إضافة للصفحات السياسية. وهذه الحالة تطورت بشكل ملحوظ منذ 2018، حسب تقرير صادر عن معهد «نيو ميديا أكاديمي» في دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة بالتعاون مع جامعة أوريغون الأميركية حول وسائل التواصل الاجتماعي في منطقة المغرب العربي. وخلُص التقرير إلى أن استمرار السلطة في سياسة التحكم في قطاع الإعلام بالجزائر هو الذي فتح الأبواب أمام شبكات التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك» لتغدو البديل الإعلامي المتاح لفتح أبواب التفاعل، ولا سيما، في الملفات والقضايا التي لا تُناقش في وسائل الإعلام التقليدي.


مقالات ذات صلة

محكمة بريطانية: رومانيون طعنوا صحافياً في لندن بتحريض من إيران

أوروبا نانديتو باديا وجورج ستانا رجلان رومانيان متهمان بطعن الصحافي الإيراني الدولي بوريا زراتي قرب منزله في ويمبلدون في مارس 2024 يمثلان أمام محكمة «وولويتش كراون» في لندن ببريطانيا 18 مايو 2026 في رسم تخطيطي للمحكمة (رويترز)

محكمة بريطانية: رومانيون طعنوا صحافياً في لندن بتحريض من إيران

قال ممثلو ادعاء أمام محكمة بريطانية، اليوم الاثنين، إن مجموعة من الرجال الرومانيين، يعملون وكلاء للحكومة الإيرانية، نفّذوا هجوماً بالسكين على صحافي في لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ارتفع إجمالي الجوائز الدولية لـ«عرب نيوز» منذ إعادة إطلاقها عام 2018 إلى 171 جائزة (SRMG)

«عرب نيوز» تفوز بـ8 جوائز تميّز إبداعية عالمية

فازت «عرب نيوز» التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)» بثماني جوائز تميز في المسابقة الإبداعية السنوية السابعة والأربعين لجمعية تصميم الأخبار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تشرف جامعة كولومبيا على جوائز «بوليتزر» (أ.ب)

جوائز «بوليتزر» للصحافة تكرّم تغطيات تدين إدارة ترمب وسياساتها

هيمنت التغطيات المتعلقة بإدارة ترمب على جوائز «بوليتزر» المرموقة للصحافة، حيث شنت لجنة الجائزة هجوماً لاذعاً على محاولات الرئيس الأميركي تقييد حرية الصحافة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق يؤكد حصد «المجلة» جوائز تميز دولية قوة سردها البصري (SRMG)

ترشيح دولي وجوائز تميز تعزز ريادة «المجلة» البصرية

حققت «المجلة» حضوراً عالمياً بارزاً بترشيحها لجوائز «جمعية مصممي المطبوعات» المرموقة، وحصدها 14 جائزة تميز من «جمعية تصميم الأخبار»، تأكيداً لقوة السرد البصري.

«الشرق الأوسط»
شمال افريقيا وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن صحافيين في طرابلس 2019 (أرشيفية - المركز الليبي لحرية الصحافة)

الانقسام السياسي في ليبيا يعزز «صراعات الجبهات» بالإعلام

بين شرق البلاد وغربها باتت مؤسسات إعلامية كثيرة تعكس خطوط التماس نفسها، وسط اتهامات بـ«تضييق متزايد على الصحافيين وتراجع هامش العمل المهني المستقل».

علاء حموده (القاهرة )

«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
TT

«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)

«قبل أكثر من 20 سنة، حاولنا الاستحواذ على صحيفة (التلغراف)، لكننا لم ننجح. الآن تحقق حلمنا»... هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي. وبعد مرور قرابة ثلاثة أشهر ما زالت المجموعة الألمانية العملاقة لم تنهِ بعدُ إجراءات شراء الدار، بل تنتظر الموافقات التنظيمية النهائية قبل أن تتسلمها رسمياً، وتبدأ بتطبيق رؤيتها التي ستركز على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي.

من ناحية أخرى، فمع أن «أكسل شبرينغر» سعت لسنوات بلا كلل لشراء «التلغراف» ودارها، جاءت الصفقة مفاجئة، لا سيما أن مجموعة «الديلي ميل» البريطانية - وهي يمينية أيضاً - كانت تقدّمت بعرض مُغرٍ وصل إلى 500 مليون جنيه إسترليني لشرائها، وكانت تنتظر قراراً من الحكومة البريطانية حول ما إذا كان الاستحواذ على «التلغراف» من قبل شركة تمتلك صحفاً بريطانية أخرى، قد يؤثر سلباً على صحة المنافسة في السوق. ويبدو أن المجموعة الألمانية اغتنمت فرصة الشكوك والتردّد هذه، لتقدّم عرضاً أكبر وصل إلى 575 مليون جنيه إسترليني، وتفوز بالصفقة.

ماتياس دوبفنر(أكسل شبرينغر)

سنوات مرتبكة

استحواذ «أكسل شبرينغر» أنهى 3 سنوات مرتبكة داخل «التلغراف» بدأت عام 2023 عندما قرر بنك «لويد سكوتلاند» أن يضع يده على الدار بهدف استرداد أموال استدانها المالكان، وهما الأخوان التوأمان الثريان فيليب وديفيد باركلي (الأخير تُوفي عام 2021). وكان الأخوان قد استدانا من المصرف مقابل رهن الصحيفة والدار، لكنهما توقفا عن سداد ديونهما، ما دفع بالمصرف إلى السيطرة على أسهمهما، وطرحها في المزاد العلني بعد وصول المفاوضات الطويلة مع العائلة لسداد الدين إلى طريق مسدود.

على الأثر، وفور طرح «التلغراف» للبيع في المزاد العلني، تقدّم «تحالف» أميركي - إماراتي لشرائها، إلا أن الصفقة تعثرت بعد اعتراض الحكومة البريطانية على بيعها للتحالف لأسباب تتعلق بمخاوف من نفوذ دولة أجنبية (الإمارات بالذات) على صحيفة بريطانية مؤثّرة سياسياً. وكانت الحكومة المحافظة - آنذاك - قد سنّت تعديلات على قوانين الإعلام وملكية الصحف لمنع سيطرة دول أجنبية على صحف بريطانية.

من ثم، عادت «التلغراف» إلى السوق مرة جديدة في العام التالي، لتتقدم الشركة المالكة لدار «الميل» بعرض لشرائها. ولكن الشركة المالكة للصحيفة الشعبية اليمينية - أي «الميل» - اصطدمت بتدقيق من وزارة الثقافة التي أبدت قلقاً من أن استحواذ الشركة على الصحيفة الوقورة قد يؤثر على التعدّدية الإعلامية في البلاد، وأرادت النظر في أثر الصفقة على المنافسة والمصلحة العامة. وهكذا، جاء عرض «أكسل شبرينغر» لينهي عملية التدقيق الطويلة، ويطوي صفحة بيع الصحيفة.

مع هذا، ففور إعلان «أكسل شبرينغر» عن «تحقيقها حلمها» بالاستحواذ أخيراً على الصحيفة البريطانية، بدأت التساؤلات حول ما إذا كانت المجموعة الألمانية قد تسرّعت بشراء الصحيفة؛ إذ نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية، اليسارية التوجهات، الشهر الماضي عن مصادر لم تسمها القول إن «أكسل شبرينغر» لم تُجرِ إجراءات التدقيق اللازمة قبل الاستحواذ على «التلغراف»، وإنها قد تواجه، بالتالي، صعوبة في استرداد استثمارها مع تحوّل الصحف إلى نماذج أقل ربحية.

«الغارديان» نقلت عن عدة مصادر القول إن الرئيس التنفيذي لمجموعة «أكسل شبرينغر»، ماتياس دوبفنر، قرّر التخلي عن خطوات التدقيق المعتادة التي تُتبع عادة لتقييم قيمة الشركة وآفاقها المستقبلية، لكي ينهي الصفقة بسرعة. وبالفعل تقدّم بعرض أعلى من عرض مالك «الميل» الذي كان عرض الشراء بـ500 مليون جنيه إسترليني، وهو المبلغ نفسه الذي كان دفعه التحالف الأميركي - الإماراتي لشرائها عام 2023، لكنه أُجبر على بيعها من جديد.

شكوك حول جدوى الصفقة

وفق «الغارديان»، لا يتعدى تقييم الخبراء في السوق لقيمة «التلغراف» 450 مليون جنيه إسترليني. وهذا يعود إلى استمرار انخفاض نسبة المشتركين في الصحيفة الورقية. والواقع أن الاشتراكات في النسخة الورقية للصحيفة لا تزال تشكل المصدر الأول للدخل بنسبة 61 في المائة، وبقيمة تزيد على 255 مليون يورو، بحسب أرقام سنة 2024. غير أن هذه الأرقام تنخفض منذ سنوات، بحسب تحقيق «الغارديان». فقط عام 2024 سجّل ارتفاعاً بنسبة 5 في المائة في نسبة الاشتراكات، 78 في المائة منها كانت اشتراكات إلكترونية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الاشتراكات كان عروضاً مجانية أو بأسعار بخسة.

في أي حال، فعلى الرغم من المخاوف من تعذّر تحقيق مكاسب سريعة، فإن استحواذ المجموعة الألمانية على الدار الصحافية البريطانية يتماشى مع توسع المجموعة دولياً خلال السنوات الأخيرة؛ فهي استحوذت على مجلة «بوليتيكو» عام 2021، ما أعطاها قدماً في العالم الناطق بالإنجليزية، بالإضافة إلى «بيزنس إنسايدر». وراهناً تسعى المجموعة الألمانية إلى الاعتماد على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي عِوضاً عن المطبوعات الورقية، لكن خططها بالنسبة لـ«التلغراف» ما زالت قليلة الوضوح، ولا سيما أن قاعدة الصحيفة الأساسية ما زالت الاشتراكات الورقية.

وفي المحصّلة، ترى «أكسل شبرينغر» - التي تنتمي عناوينها إلى اليمين ويمين الوسط - في «التلغراف» منصة لها للنفاذ إلى النخب السياسية والاقتصادية البريطانية تزيدها تأثيراً، ولا تختلف كثيراً عن توجهاتها السياسية.

رفضت الحكومة البريطانية عرض مالكي «الميل» لشراء «التلغراف» حرصاً على التعدّدية الإعلامية في البلاد

هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي


الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية
TT

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

مع ازدياد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في استقاء المعلومات، يتصاعد القلق داخل منصات إعلامية ومواقع إلكترونية، إزاء ما قد يسببه ذلك من تراجع في حجم الزيارات، وما يستتبعه من تداعيات على عائدات الإعلانات.

ووفقاً لتقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة» أخيراً، فإن «نسبة الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للبحث عن المعلومات تفوق نسبة من يستخدمونه لإنتاج المحتوى».

وأردف التقرير أن «استخدام الذكاء الاصطناعي في استقاء المعلومات بات بديلاً لمحركات البحث التقليدية، وأن هناك ازدياداً في نسبة الذين يكتفون بمطالعة ملخصات الذكاء الاصطناعي، أو ما يقدمه من معلومات، دون النقر على المواقع التي نشرت تلك المعلومات».

تقرير «معهد رويترز» كشف أيضاً عن أن «ثلث المستخدمين فقط ينقرون باستمرار على روابط المصادر المرفقة بإجابات البحث المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، في حين أن 28 في المائة منهم نادراً ما يفعلون ذلك، أو لا يفعلونه على الإطلاق».

رائف الغوري، المدرب والباحث المتخصص في الذكاء الاصطناعي التوليدي، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» إنه «على الرغم مما توفره أدوات الذكاء الاصطناعي من سرعة وكفاءة في الحصول على المعلومات، فهي تمثل تحدياً جديداً أمام الناشرين وأصحاب المواقع الإلكترونية... وإن هذه التحديثات ستؤدي إلى تقليل النقر على الروابط والدخول المباشر إلى المواقع الإلكترونية».

ومن ثم أشار الغوري إلى ما فعله محرِّك البحث «غوغل» بتطويره مساعداً ذكياً قادراً على تنفيذ مهام محددة، وتقديم المعلومات بشكل تفاعلي ومستمر. وذكر أن هذا «يحتِّم على الناشرين وأصحاب المواقع الإلكترونية ابتكار طرائق أخرى للإعلان عن محتوياتهم من خدمات ومنتجات».

وبالتالي، اقترح خطوات لمساعدة الناشرين على التكيف مع الواقع الجديد، منها: «الارتقاء بجودة العمل الصحافي، وتفادي الاعتماد على مخرجات الذكاء الاصطناعي فقط، والرجوع إلى المصادر الأصلية والتحقق منها، وإنتاج محتوى أعمق قائم على التحقيق والإحصاءات واستطلاعات الرأي، واعتماد منهج هجين يجمع بين أدوات البحث التقليدية والذكاء الاصطناعي»؛ هذا إلى جانب «تطوير مهارات الصحافيين وزيادة وعيهم بطرق استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقليص الاعتماد على الزيارات المباشرة، مقابل ابتكار طرائق للوصول للجمهور من خارج محركات البحث، وأخيراً تطوير أساليب جديدة لترويج المحتوى، باستخدام قنوات بديلة، مثل التطبيقات والمنصات المباشرة والشراكات».

وخلص الغوري إلى أن «النجاح لن يكون في منافسة الذكاء الاصطناعي؛ بل في التكيُّف معه وتقديم محتوى أصيل موثوق لا يمكن تعويضه بسهولة».

جدير بالذكر أن «غوغل» كان قد أطلق عام 2024 خدمة ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما تسبب في تراجع حجم الزيارات للمواقع الإلكترونية، حسب دراسات عدة.

وفي هذا الإطار، تطرَّق محمد الصاوي، المتخصص في الرصد والتحليل الإعلامي، إلى «تحوُّلات متسارعة في المشهد الإعلامي العالمي في أنماط استهلاك المعلومات». وتابع في حوار مع «الشرق الأوسط» بأن اعتماد المستخدمين يزداد على أدوات الذكاء الاصطناعي كمصدر مباشر للإجابات، مقابل تراجع ملحوظ في الاعتماد على المواقع الإلكترونية ومحركات البحث التقليدية.

وأرجع الصاوي ذلك إلى «قدرة هذه الأدوات على تقديم إجابات مختصرة وفورية تقلل من الحاجة إلى تصفُّح عدة مصادر، في حين تشير الدراسات إلى أن ظهور الملخصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يؤدي إلى انخفاض واضح في معدلات النقر على الروابط الإخبارية».

وتابع: «هذه الممارسة تعكس انتقالاً من البحث التقليدي إلى التقييم المقارن للمعرفة؛ حيث تُستخدم الأدوات؛ ليس فقط لاستخلاص المعلومات؛ بل لتحليل النبرة والمشاعر وتحديد مؤشرات السمعة الإعلامية، مع إدراك متنامٍ لضرورة التحقق بسبب احتمالات الأخطاء أو الهلوسة التي قد تنتج عن هذه الأنظمة».

واستطرد ليوضح أن هذا التغير «يفرض تحديات جوهرية على الناشرين وصناعة الأخبار، أبرزها تراجع الزيارات القادمة من محركات البحث التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لـ(الترافيك) والإيرادات الإعلانية. يضاف إلى ذلك إشكال آخر مرتبط بالإسناد وحقوق النشر؛ حيث تعتمد أنظمة ذكاء اصطناعي كثيرة على محتوى الناشرين، دون ضمان واضح لإعادة توجيه الزيارات أو إبراز المصدر بشكل كافٍ».

هذا قبل أن يلفت إلى أن «ضعف الإسناد في بعض الحالات قد يؤدي إلى تشويه المعلومات أو الإضرار بسمعة الوسائل الإعلامية... وعليه، في مواجهة هذه المتغيرات، يبرز اتجاه متنامٍ نحو إعادة تعريف استراتيجيات النشر والرصد الإعلامي، من خلال التركيز على إنتاج محتوى أصلي عالي الجودة، وتعزيز الحضور داخل إجابات الذكاء الاصطناعي، عبر ما يُعرف بتحسين الظهور في محركات الإجابة، إلى جانب بناء قنوات مباشرة مع الجمهور تقلل الاعتماد على المنصات الوسيطة».

في سياق متصل، رأى الصاوي «ضرورة أن يعيد الناشرون صياغة استراتيجياتهم التحريرية بما يتوافق مع بيئة محركات الإجابة، عبر التركيز على إنتاج محتوى سهل الاقتباس، يتضمن حقائق واضحة، وسياقات مكتملة تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على استرجاعه بشكل صحيح». ثم شدَّد على أن «الاستثمار في المحتوى الحصري والتحليلي العميق يُعدُّ عاملاً حاسماً، نظراً لأن النماذج الذكية تعتمد في الأساس على هذا النوع من المواد لإنتاج إجاباتها، وهو ما يمنح الناشرين فرصة للحفاظ على حضورهم كمصادر موثوقة داخل هذه الأنظمة، بدلاً من الاكتفاء بدور المورِّد غير المرئي للمعرفة».


«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
TT

«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)

اثنتان من كبريات الصحف الأوروبية، «إلباييس» الإسبانية و«لا ريبوبليكا» الإيطالية، تحتفلان هذه الأيام بمرور خمسين سنة على انطلاقتيهما في ظروف متباينة في الظاهر، لكن متشابهة من حيث الدور الذي لعبته كل منهما على الصعيدين الإعلامي والصحافي. وبالتحديد، في إسبانيا بُعيد سقوط نظام الجنرال فرنشيسكو فرنكو وعودة الديمقراطية، وفي إيطاليا مع بداية انهيار المنظومة السياسية التقليدية التي حكمت البلاد منذ نهاية الحرب العالمية ونشوء التشكيلات السياسية الجديدة على أنقاض الحزبين الكبيرين؛ أي «الحزب الديمقراطي المسيحي» و«الحزب الشيوعي الإيطالي».

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه بجانب «اللوموند» الفرنسية و«الغارديان» البريطانية، تشكل هاتان الصحيفتان ما اصطلحت الأوساط الإعلامية على تسميته بـ«المربّع الذهبي» للصحافة الأوروبية المكتوبة، والمعروفة برصانتها وتأثيرها العميق في النخب السياسية والفكرية.

«إلباييس»... ودورها في ترسيخ الديمقراطية

في الاحتفالات التي أطلقتها صحيفة «إلباييس» - ويعني اسمها بالإسبانية «البلد» - منذ مطالع الشهر الحالي بمناسبة يوبيلها الذهبي برعاية العاهل الإسباني، نوّه فيليبي السادس، بالدور الذي لعبته الصحافة المكتوبة في الدفاع عن المؤسسات وترسيخه إبان محاولة الانقلاب العسكري يوم 23 فبراير (شباط) 1981.

وحقاً، صدرت الصحيفة فجر اليوم التالي تحت عنوان «إلباييس مع الدستور»، بينما كان البرلمان مجتمعاً في جلسة محاسبة للحكومة، وهو لا يزال تحت سيطرة ضبّاط الحرس المدني الانقلابيين. وحينذاك، كانت الدلائل تشير إلى أن الانقلاب في طريقه إلى النجاح، قبل أن يدلي الملك (السابق) خوان كارلوس الأول بخطابه الشهير الذي دعا فيه القوات المسلحة إلى الالتزام بأحكام الدستور، ورفض السير وراء محاولة إجهاض النظام الديمقراطي اليانع.

يومذاك، لم تكن إسبانيا قد انضمت بعد إلى «السوق المشتركة» - «الاتحاد الأوروبي» حالياً، كونها أصبحت عضواً مطلع عام 1986 -. وكان رهان «إلباييس» الأساسي منذ صدورها الانخراط الكامل في المشروع الأوروبي الذي أصبحت اليوم أحد محركاته الرئيسة. وبالفعل، لعب موقف الصحيفة المتقدّم على الصحف الإسبانية الأخرى في معارضة الانقلاب دوراً أساسياً في نجاحها السريع. ومنذ ذلك الحين أصبحت مرجعاً لإسبانيا الديمقراطية، التي كانت تحاصرها وتتربص بها المكائد للعودة إلى النظام الديكتاتوري السابق. ولقد بيّنت معلومات كشفت لاحقاً عن أن الصحافي خوان لويس ثيبريبان، مدير «إلباييس» في تلك الحقبة، سعى إلى إقناع بعض زملائه بإصدار عدد مشترك يؤيد الدستور ويرفض المحاولة الانقلابية، لكنه لم يلق تجاوباً؛ لأن الصحف الأخرى كانت تفضّل التريّث للتأكد من نتيجة المحاولة.

الفكرة وراء التأسيس

صاحب فكرة تأسيس «إلباييس» هو الناشر والكاتب الإسباني خوسيه أورتيغا سبوتورنو، نجل الفيلسوف والمفكر الليبرالي الشهير خوسيه أورتيغا غاسيت، الذي جمع حوله عدداً من كبار الموظفين في الدولة، والمهنيين الأحرار، والأساتذة الجامعيين، الذين كانوا ينتمون جميعاً إلى المعارضة المعتدلة لنظام الجنرال فرنكو، أو الجناح المؤيد للتغيير في النظام. ولقد تقدّم في مطلع عام 1972 بطلب إلى وزارة الإعلام لإصدار جريدة يومية تحمل الاسم نفسه الذي حملته صحيفة أخرى ليبرالية مغارب القرن التاسع عشر ومطالع القرن التالي.

غير أن الحكومة الإسبانية ماطلت في منح الترخيص المطلوب حتى ربيع عام 1976، ليصدر يوم 4 مايو (أيار) العدد الأول من الصحيفة، التي سرعان ما تحولت إلى رائد للصحافة الإسبانية المكتوبة، وإحدى أهم الصحف الناطقة بالإسبانية في العالم.

لصحيفة «إلباييس» مكاتب تحرير منتشرة عالمياً في مكسيكو سيتي وبوغوتا وواشنطن وسانتياغو وبوينوس آيريس، فضلاً عن مكاتب العواصم الإقليمية الإسبانية التي تصدر عنها طبعات محلية في مدن برشلونة وبلنسية وإشبيلية ولا كورونيا ولاس بالماس وبورغوس ومايوركا. كذلك تصدر عنها طبعتان مختصرتان باللغتين الإنجليزية والبرتغالية، إلى جانب ملحق أسبوعي في شكل مجلة يتجاوز مبيعها المليون نسخة أسبوعياً.

من جهة ثانية، يبلغ عدد قراء النسخة الورقية من «إلباييس» حالياً 758 ألفاً، بينما يبلغ عدد قراء النسخة الإلكترونية 14.5 مليون وفق الإحصاءات الأخيرة. ثم إن الصحيفة هي عماد شركة قابضة تملك أوسع شبكة إذاعية في إسبانيا، وصحيفة اقتصادية يومية، وصحيفة رياضية، وداراً للنشر.

الصفحة الأولى من أحد أعداد "إلباييس" (إلباييس)

أقلام لامعة

ولجهة كبار الكتّاب، تتناوب على صفحات «إلباييس» نخبة من كبار الكتّاب والمفكّرين الإسبان والأميركيين اللاتينيين، كان أبرزهم غابرييل غارسيا ماركيز، الحائز جائزة نوبل للآداب، والذي بدأ ينشر مقالات دورية فيها منذ صدورها حتى قبيل وفاته عام 2014. وأيضاً ماريو فارغاس يوسا، الحائز الآخر على نوبل للآداب، الذي نشر فيها مقالات أسبوعية طيلة 33 سنة، واستضافته «الشرق الأوسط» على صفحاتها حتى وفاته ربيع العام الفائت.

على صعيد آخر، تعزَّز موقع «إلباييس» في المشهد الإعلامي الإسباني بعد الفوز الساحق الذي حقّقه الحزب الاشتراكي بزعامة فيليبي غونزاليس (تولى الحكم بين عامي 1982 و1996) في الانتخابات العامة، وكانت الصحيفة قد دعمته بقوة، بالتعاون مع عدد من الصحف والحكومات «التقدمية» في أوروبا. بل كانت «إلباييس» أول صحيفة إسبانية تستحدث شخصية «المدافع عن القارئ» التي يلجأ إليها القراء لطرح تظلّماتهم، كما وضعت مجموعة من القواعد والمعايير لضمان جودة وصدقية المعلومات التي تنشرها، وأصدرت «كتاب الأسلوب» الذي غدا مرجعاً للصحافيين الناطقين بالإسبانية.

في المقابل، خلال السنوات الأخيرة بدأ يتردد في أوساط قراء الصحيفة أنها «لم تعد كما عرفوها في الماضي»؛ إذ باتوا يفتقدون موقعها المتقدم في الدفاع عن العديد من القضايا السياسية والاجتماعية، ويأخذون عليها ترجيح الكفة الليبرالية على الهوية «التقدمية» التي كانت علامتها الفارقة.

في هذا السياق، يقول جوزيف أوغورليان، الرئيس التنفيذي للشركة القابضة المالكة للصحيفة: «(إلباييس) صحيفة تقدمية، تلتزم بعمق أحكام الدستور الإسباني والنظام الملكي البرلماني. وأميركا اللاتينية جوهرية بالنسبة إلينا، إعلامياً وعاطفياً وثقافياً وسياسياً». ويضيف: «صحيح أن إلباييس قد تغيّرت... ولكن لأن إسبانيا تغيّرت، والعالم تغيّر، ولأن الصحافة لم تعد كما عرفناها. هاجسنا الأول، كان ولا يزال، هو القارئ. ونحن نراهن على ذكائه وفطنته، ونؤمن بحقه في الحصول على معلومات موثوقة، وبقدرته على استخلاص العبر منها». بقي أن نشير إلى أن «إلباييس» تمنح جوائز سنوية للصحافيين والمدافعين عن حرية الرأي تحمل اسم خوسيه أورتيغا غاسيت «البوصلة الفكرية» للصحيفة. وكانت جائزة هذه السنة من نصيب الكاتبة والصحافية سفيتلانا ألكسيفيتش من بيلاروسيا، الحائزة جائزة نوبل للآداب.

«لا ريبوبليكا» الإيطالية

أما عن «لا ريبوبليكا» - أي «الجمهورية» - فإنها أُسست عام 1976 على يد الصحافي والكاتب المعروف أوجينيو سكالفاري، بدعم من الناشر أرنولدو موندادوري، بوصفها صحيفة يسارية أطلقت على نفسها مسمى «الصحيفة الحزب»، وكانت في بداياتها منبراً لمجموعة واسعة من الكتاب والصحافيين والمفكّرين الذين تتراوح مواقفهم بين اليسار الإصلاحي واليسار المتطرف. ولكن على مغارب القرن الماضي ومطالع هذا القرن، بدأت تجنح نحو معسكر «وسط اليسار» السياسي، وهي اشتهرت بمواقفها المعارضة لرئيس الوزراء الإيطالي الأسبق اليميني الملياردير سيلفيو برلوسكوني، الذي كان يعرف عنه أيضاً تذمّره منها، ومحاولاته العديدة الفاشلة لامتلاكها وضمّها إلى إمبراطوريته الإعلامية التي كانت المنصة الأساسية لنشاطه السياسي، والتي تضمّ ثلاث قنوات تلفزيونية وعدة صحف يومية ومجلات أسبوعية وداراً كبرى للنشر ومؤسسة للتسويق الإعلاني.

وفي هذا المجال، يذكر رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق جوليو أندريوتي في مذكراته أنه أجهض «في اللحظات الأخيرة» صفقة كان وراءها برلوسكوني للاستحواذ على الصحيفة، التي كانت قد تحوّلت إلى خصمه السياسي الألدّ. وبالتالي، حال أندريوتي - وهو يميني أيضاً - دون سيطرة برلوسكوني شبه الكاملة على المشهد الإعلامي الإيطالي. مع هذا، خاض برلوسكوني عدة معارك قضائية ضد الصحيفة، مطالباً بتعويضات مليونية لكنها باءت جميعاً بالفشل.

فضيحة دي بيلّا... وملكية عائلة آنييلي

عام 1981، عصفت بـ«لا ريبوبليكا» فضيحة كبيرة عندما تبيّن أن رئيس تحريرها فرنكو دي بيلّا كان عضواً في تنظيم ماسوني سرّي محاط بفضائح كبرى. وهو ما أدى إلى إقالته من منصبه، واتجاه الإدارة إلى التعاقد مع كتّاب مشهورين ومستقلين لاستعادة ثقة القراء.

وعام 2020، انتقلت ملكية «لا ريبوبليكا» إلى عائلة آنييلي الثرية المعروفة، صاحبة مجموعة «فيات» والمؤسّسات المتفرّعة عنها، ومالكة صحيفة «لا ستامبا» الصادرة في ميلانو. وقررت العائلة تعيين الصحافي ماوريزيو موليناري مديراً لها، وهو المعروف بعلاقاته الوطيدة مع إسرائيل ورئيس وزرائها الحالي بنيامين نتنياهو.

تعيين موليناري أثار احتجاجات في أوساط المحرّرين الذين استقال بعضهم من الصحيفة. ومع موليناري جنحت الصحيفة نحو الوسط، خارج المعسكرين اليساري واليميني. لكنها ركّزت أيضاً على معارضة التيْار الشعبوي الذي كان يتمدد بقوة في إيطاليا مع حزب «النجوم الخمس». وفي عام 2024، أقيل موليناري من منصبه الذي تولاه المدير الحالي ماريو أورفيو.

أخيراً، مع أن سياسة عائلة آنييلي، التي رسمها المؤسس جياني آنييلي، والتي تقوم على دعم الخط الحاكم بغض النظر عن ميوله واتجاهاته السياسية، تشكّل «لا ريبوبليكا» حالياً رأس حربة الوسائل الإعلامية المناهضة لحكومة جورجيا ميلوني، وبخاصة، حليفها الشعبوي ماتّيو سالفيني زعيم حزب «الرابطة»، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.