تقنيات جديدة في دراسة قصائد كلاسيكية

«قراءة في قصيدة قديمة» لصلاح نيازي

تقنيات جديدة في دراسة قصائد كلاسيكية
TT

تقنيات جديدة في دراسة قصائد كلاسيكية

تقنيات جديدة في دراسة قصائد كلاسيكية

صدر عن منشورات «الاغتراب الأدبي» بلندن كتاب نقدي جديد يحمل عنوان «قراءة في قصيدة قديمة» للشاعر والناقد صلاح نيازي الذي سبق له أن أصدر عدة كتب نقدية نذكر منها «الاغتراب والبطل القومي» نزار قباني رسام الشعراء، و«فن الشعر في ملحمة كلكامش». وقد أظهر نيازي في مجمل كتبه رؤية نقدية استثنائية لا تُخطئها عين القارئ المدربة.
في توطئته المقتضبة يحض الناقد قراءه على تجنب عادة الاستظهار واللجوء إلى تحليل القصائد، وسبر أغوارها، ومعرفة معانيها الظاهرة والخفية، بل ويتمنى عليهم أن يصطادوا بأنفسهم الطيور النادرة التي يستدرجها الشعراء الموهوبون إلى غابات قصائدهم الملأى بالمفاجآت.
يعتمد نيازي على تقنيات كثيرة في تحليل النصوص الشعرية، من بينها المنظورية، وتقنية الحواس، والألوان، والتزامن، والتزمين، والصور الساكنة والمتحركة، وأساليب الانتقال من العوالم البرانية إلى الجوانية، وبالعكس، كما يدعو إلى قراءة القصيدة القديمة بوصفها وحدة متضامة متواشجة، ناسفًا بذلك المقولة الصدئة التي رسخت في الأذهان بأن الشعر العربي يعتمد على «وحدة البيت»، وليس على «وحدة القصيدة». فالشاعر العربي ينثر بذور أفكاره في مطلع القصيدة، ثم يتركها تنمو وتورق في متن النص، حتى تستوي ثمارًا يانعة في خاتمة القصيدة المشيدة بإتقانٍ كبير.
يُهيمن التحليل المنظوري على غالبية القصائد التي توقف عندها نيازي ولعل أبرزها قصيدة «قِفا نبك» التي استهل بها هذا الكتاب النقدي المتفرد في موضوعه. يؤكد نيازي أن امرأ القيس كان يقف على ذروة جبلية شاهقة حينما كتب هذه القصيدة، واصفًا ما يدور في أعالي السماء تارة، وفي منحدرات الجبال ووديانها تارة أخرى. وقد اعتمد على تقنية «تقريب الصورة» وجعلها محسوسة. وهي التقنية ذاتها التي يدعو إليها الشاعر إزرا باوند حينما يطلب من الشاعر المحلق أن يهبط من عليائه ليقدم لنا صورًا شعرية واقعية يمكن أن نلمسها لمسَ اليد. فلا غرابة أن يشبه شرايين البرق بشرايين اليدين، أو أن يشبه دوران السيل حول جبل طمية في أرض المجيمر بـ«فلكة مغزل»، وما إلى ذلك من تشبيهات محسوسة.
تتكرر تقنية تقريب الصورة في معلقة زهير بن أبي سُلمى الذي يشبه ديار «أم أوفى» بـ«مراجع وشمٍ في نواشرِ معصمِ»، حيث غدت الديار النائية مثل وشم في باطن معصم الذراع.
ما يلفت الانتباه في هذه المعلقة أن زهيرًا مُلِمّ بحزمة الألوان الحارة والباردة، وكأنه يرسم صورهُ الشعرية بريشة رسام ماهر يتقن فن التلوين. الأمر الذي يثير فينا سؤالاً شديد الأهمية مفاده: هل أن فطرة الشاعر أهم من ثقافته المكتسبة، أم العكس هو الصحيح؟
قبل أن نطوي تقنية المنظورية لا بد لنا من الإشارة إلى قلعتي المتنبي وشكسبير حيث كان المتنبي يقف أسفل قلعة «الحَدَث» مع جيش سيف الدولة الجرار وهو ينظر من الأسفل إلى الأعلى، حتى تُصبح السماء بغمامها ونسورها جزءًا طبيعيًا من مجال بصره، فلا غرابة أن يستعمل «بحر الطويل» بتفاعيله الشائعة «فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن» التي توحي بالتعب والإنهاك، وهو الإنهاك ذاته الذي يشعر به الجنود وهم يتدافعون في صعودهم البطيء إلى قلعة الحدث. أما في قلعة «دنسينان» فزاوية النظر معكوسة، حيث يقف شكسبير في داخل القلعة المطلة على غابة «بيرنام» وكان ينظر من الأعلى إلى الأسفل. والأهم من ذلك أنه انتقل بنظره من المشهد العام للقلعة إلى صميم مكبث، كي ينقل لنا طبيعة مشاعره الداخلية المحتدمة.
يعتبر نيازي قصيدة «فتاة الخدر» من مفاتن الشعر العربي، وهي كذلك لأسباب مختلفة يعود بعضها إلى ثيمة القصيدة، بينما يعود بعضها الآخر إلى موسيقاها الناجمة عن «مجزوء الكامل» (مُتَفاعلن مُتَفاعِلا/ ن). ما يلفت الانتباه في هذه القصيدة كما يذهب نيازي أن اليشكري يمهد أحذق تمهيد قبل الدخول إلى الحدث الرئيس الذي تقوم عليه ثيمة القصيدة وما ينجم عنها من تداعيات تبدأ من البيت الحادي عشر الذي يقول فيه الراوي: «ولقد دخَلْتُ على الفتاةِ / الخدرَ في اليومِ المطيرِ» وكلنا يعرف أن الخدر مكان ضيق، وبعد أن يدفعها ويلثمها يخرج إلى فضاء واسع ومكشوف، وهو الغدير. كما ينتقل من قصه حبه لفتاة الخدر إلى قصة حب بعيرهِ لناقتها، كي يوسع من حجم الحب في هذه المساحة المترامية الأطراف.
يفرق نيازي بين التزامن والتزمين، فالأول يعني «وقوع حدثين في آنٍ واحد». أما الثاني فهو «الجمع بين حدثين متعاكسين في آنٍ واحد بحيث يصعد التأزم إلى أعلى ذروة له»، كما يضيف نيازي أن التزمين «حيلة لا يُتقنها إلا الموهوبون». وفي قصيدة «وطاوي ثلاث» لشاعر قديم مجهول نعثر على بذرتين مهمتين للتزمين؛ الأولى حينما يهم الأب بذبح ابنه. «فروى قليلاً.. ثم أحجم برهة / وإن هو لم يذبح فتاه فقد هما». والبذرة الثانية حين أمهل حُمر الوحش «حتى تروت عِطاشها»، رغم أنه كان إلى «دمها أظما». وهنا يغدو التزمين عاملاً حاسمًا ومغامرة كبيرة، وذلك لانطوائها على أفكار متضادة متعاكسة، مثل السماح لها بالتروي والرغبة الملحة إلى قتلها في آنٍ معا.
كتب نيازي كثيرًا عن الحواس الخمس. وهو يعتبر شكسبير والمتنبي أكبر شاعرين غريزيين لا تتكثف صورهما الشعرية إلا باستعمال حاستين أو أكثر. أما رامبو فهو يعمد إلى «تدمير» الحواس، أي مزجها وصهرها جميعًا كي تظهر لنا صورة متواشجة، مؤثرة وكثيفة ثم يختار الشاعر فطريًا الوعاء الذي يسكب فيه تلك الحواس المنصهرة.
يحظى الشاعر أحمد شوقي باهتمام كبير من لدن الناقد والشاعر صلاح نيازي، فهو ينظر إليه كواحدة من قِمم الشعر العربي الشماء ويلتمس من قراءه أن يتركوا أحمد شوقي الصحافي والتربوي أو المصلح الاجتماعي، وأن يكتفوا بقراءته كشاعر مبدع حفر الكثير من القصائد الخالدة في قلوب محبيه لعل أبرزها قصيدة «ريمٌ على القاعِ بين البانِ والعلمِ»، أو سواها من القصائد التي ترتعد لها فرائص المتلقين. لعل أبرز ما يركز عليه الناقد صلاح نيازي هو تقنية الصور السكونية عند شوقي ولعل قصيدة «أندلسية» هي خير مثالٍ لما نذهب إليه حيث اخترع الشاعر طريقة قص جناح الطير كي يجعله ساكنًا لا يريم. «ماذا تقص علينا غير أن يدًا / قصت جناحك جالت في حواشينا». أما الميزة الثانية في شعر شوقي فهي وقوفه على التماثيل القديمة مثل قصيدة «أبو الهول» التي يعتبرها نيازي مهمة جدًا لأن فيها إسقاطات كثيرة من الشاعر على التمثال لعل أبرزها الملل من طول البقاء.
لا يخفى على القارئ اللبيب أن الشاعر أحمد شوقي قد رثى الكثير من الأدباء والفنانين والزعماء العرب، لعل أبرزهم هوغو وشكسبير وفيردي، وعمر المختار، والبطل السوري فوزي الغزي، وقد يكون الشاعر الوحيد بين الشعراء العرب، قديمًا وحديثًا، الذي رثى المغنين والفنانين العرب أمثال سيد درويش، عبد الحي، عبدة الحامولي، والشيخ سلامة حجازي وظلت مراثيهم راسخة في الوجدان العربي. يشكل هذا الكتاب إضافة نوعية إلى المكتبة النقدية العربية لما يتضمنه من تقنيات حديثة تشجع القارئ على التحليل العلمي، وتُبعده قدر المستطاع عن آلية التلقي السلبي أو حيادية الاستقبال.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».