123 عامًا على صدور مجلة «الهلال» أول مجلة ثقافية شهرية عربية

عددها الجديد يحتفي بذكرى ثورة يوليو و5 سنوات على رحيل نصر أبو زيد

جرجي زيدان  -  غلاف العدد الأول من مجلة «الهلال»
جرجي زيدان - غلاف العدد الأول من مجلة «الهلال»
TT

123 عامًا على صدور مجلة «الهلال» أول مجلة ثقافية شهرية عربية

جرجي زيدان  -  غلاف العدد الأول من مجلة «الهلال»
جرجي زيدان - غلاف العدد الأول من مجلة «الهلال»

من مطبعة متواضعة في دكان صغير بشارع الفجالة بقلب القاهرة صدر أول أعداد مجلة «الهلال» العريقة، خرج ذلك العدد في 32 صفحة، وكان ذلك في أول سبتمبر (أيلول) عام 1892. واليوم تحتفي مجلة الهلال بمرور 123 عاما على صدورها، بل الأحق أن نحتفي باستمراريتها وقدرتها على تجديد أقلامها وخطابها مع التحولات الثقافية المتلاحقة على مدار سنوات صدورها، لتترك أثرها في الحياة الثقافية والأدبية والفكرية المصرية والعربية.
أسس مجلة «الهلال» جرجي زيدان المولود في بيروت عام 1861 والمتوفى بالقاهرة عام 1914، وكان يتولى أمورها بنفسه من إدارة وتحرير ومكاتبات وغير ذلك، ولما لقيت نجاحا عهد بإدارتها لشقيقه. كان زيدان موفقا في اختيار حي الفجالة لإصدار مجلته، خاصة أن موقعه في مواجهة محطة قطارات السكة الحديد، الأمر الذي ساعد على انتشار مجلته في أنحاء وربوع مصر.
خرج العدد الأول بغلاف ورقي تتصدره كلمة «الهلال» بخط بارز، يحمل تعريفا بالمجلة على أنها: «مجلة علمية تاريخية أدبية» لمنشئها جرجي زيدان، وقيمة الاشتراك السنوي بها خمسون قرشًا، وكتبت هذه العبارات باللغتين العربية والإنجليزية. وكانت أبواب المجلة 5 أبواب: «أشهر الحوادث وأعظم الرجال»، و«الروايات»، و«تاريخ الشهر»، و«المنتخبات من الأخبار»، و«التقريظ والانتقاد».
صدر العدد الأول يحمل افتتاحية بقلم مؤسسها جرجي زيدان أوضح فيها سياستها التحريرية، وغايته من إصدارها: «أما فاتحتنا فحمد الله على ما أسبغ من نعمه وأفاض من كرمه، والتوسل إليه أن يلهمنا الصواب وفصل الخطاب، أما خطتنا فالإخلاص في غايتنا، والصدق في لهجتنا، والاجتهاد في وفاء حق خدمتنا، ولا غنى لنا في ذلك عن معاضدة أصحاب الأقلام من كتبة هذا العصر في كل صقع في مصر. أما الغاية التي نرجو الوصول إليها فإقبال السواد على مطالعة ما نكتبه، ورضاؤهم بما نحتسبه، وإغضاؤهم عما نرتكبه، فإذا أتيح لنا ذلك كنا قد استوفينا أجورنا، فننشط لما هو أقرب إلى الواجب علينا».
وأوضح زيدان أسباب اختيار «الهلال» اسما لمجلته في افتتاحية العدد الأول: «وقد دعونا مجلتنا هذه (الهلال) لثلاثة أسباب.. أولاً: تبركًا بالهلال العثماني الرفيع الشأن، ثانيًا: إشارة لظهور هذه المجلة مرة في كل شهر، ثالثًا: تفاؤلاً بنموها مع الزمن حتى تتدرج في مدارج الكمال. فإذا لاقت قبولاً وإقبالاً أصبحت بدرًا كاملاً بإذن الله».
وكان جليا حرص جرجي زيدان على كسب القراء عن طريق الثقة والنزاهة والإخلاص والابتعاد عن التهويل أو الزيف أو الخداع، والسعي إلى الأمانة والإنصاف والاعتدال. حرصت «الهلال» على الحياد التام، وتجنب الخوض في المسائل السياسية المباشرة، والابتعاد عن التيارات السياسية، وتحاشي الاصطدام مع سلطات الاحتلال الإنجليزي، والتركيز على تنمية الثقافة العامة ونشر الموضوعات والأخبار العلمية والأدبية والتاريخية.
وبنظرة على أعدادها على مدار نحو قرن وربع القرن من الزمان، تعتبر مجلة «الهلال» سجلا وديوانا لتاريخ مصر، فقد عاصرت كبرى الحوادث في تاريخ مصر والعالم، فأصبحت أعداده وثائق تاريخية بالكلمات والصور. فقد واكب صدور مجلة الهلال عام 1892 وفاة الخديوي توفيق بقصره بحلوان وتولي عباس حلمي الثاني عرش مصر الذي حظي بتعاطف الحركة الوطنية. كما وثقت «الهلال» بالأعداد التذكارية التي كانت تصدر احتفالا بأعياد ميلادها لأحداث هامة، فقد واكب الاحتفال باليوبيل الفضي لها عام 1917 حينما كانت الحرب العالمية الأولى تعتصر البشرية، وجاء العيد الذهبي لها سنة 1942، حينما كانت الحرب العالمية الثانية في أخطر مراحلها، وحاصرتها أزمة مالية لكنها لم تتوقف، بل صدرت كل شهرين ما بين أعوام 1940 و1947 ومنذ ذلك الحين لم تتوقف عن الصدور أول كل شهر. أما «العيد الماسي» لها فواكب عام 1967 وكانت مصر تعيش مأساة نكسة 5 يونيو (حزيران). وصادف عيدها المئوي عام 1992 انحسار الحرب الباردة وحزن المصريين على أثر الزلزال الذي ضرب مناطق واسعة منها، وخلف عددا كبيرا من الضحايا، ويأتي احتفالها هذا العام بمرور 123 ومصر تحاول في السنة الثانية بعد تخلصها من حكم الإخوان أن تنفض عنها أيادي الإرهاب التي تودي بحياة الأبرياء وتحاول نزع استقرارها.
تطورت مجلة الهلال لتكون نبتة لمؤسسة صحافية كبرى، فتحولت المطبعة الصغيرة في الفجالة إلى دار كانت تطل على ميدان التحرير، ثم انتقلت إلى موقعها الحالي في شارع «المبتديان» في بداية الأربعينات. صدر عنها عشرات المطبوعات الدورية أهمها: مجلة «المصور»، وسلسلة كتاب «الهلال»، و«روايات الهلال»، ومجلة «الكواكب» الفنية، ومجلة «حواء»، ومجلة «سمير» للأطفال وسلسلة «ميكي جيب».
وعلى مدار 123 عاما، استكتبت المجلة د. زكي مبارك، ومي زيادة، وخليل مطران، وزكي طليمات، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، وعباس العقاد، وبنت الشاطئ، وسهير القلماوي، وأمينة السعيد، وأحمد بهاء الدين، ونجيب محفوظ وغيرهم من أعلام مصر والعالم العربي. وتناوب على رئاسة تحريرها أعلام الصحافة والأدب، فتولى رئاسة تحريرها جرجي زيدان من عام 1892 إلى 1914، وبعده ابنه إميل زيدان، ثم الدكتور أحمد زكي، وعلي أمين، وكامل زهيري، ورجاء النقاش، ودكتور علي الراعي، وصالح جودت، ود. حسين مؤنس، وكمال النجمي، ومصطفى نبيل، ومجدي الدقاق، وعادل عبد الصمد، ومحمد الشافعي، ويتولى رئاستها حاليا الكاتب والروائي سعد القرش.
وفي عددها الجديد، يوليو (تموز) 2015، قال رئيس تحريرها سعد القرش: «تحجز مجلة (الهلال)، منذ الآن، مساحة لدى القارئ في الاحتفال معا، بعد عامين، باليوبيل الفضي بعد المائة، قائلة بفخر إن 125 عاما من عمر (الهلال) المجلة الأقدم عربيا، ليس حدثا عابرا في حياتها المديدة، ويجب ألا يمر مرور الكرام. سيكون السؤال عن أسباب استمرار مجلة أرادها مؤسسها جرجي زيدان (علمية تاريخية صحية أدبية): كيف احتفظت بحيويتها، وجددت شبابها، وطورت لغتها؟».
تجيب المجلة عمليا بعدد دسم يضم ملفا وافيا عن «فيسبوك»، بدراسات وقضايا وشهادات لشعراء وسينمائيين ومدونين ونقاد من العالم العربي، وبعضهم يطل من خارجه، فيرى الصورة أكثر وضوحا كما أرادها المخرج والكاتب باسل رمسيس الذي أعد الملف، وشاركت فيه الفلسطينيتان أثير صفا وجنان عبده، واللبناني حسام عيتاني، والعراقية منال الشيخ، والسوري ياسين السويحة، والأردنية لبنى بجالي، والمصريون: خليل كلفت، وخالد أحمد يوسف، ومحمد خير، ومحمد عبد الرحيم، ونجاة علي، ووائل فاروق الذي يكتب دراسة ختامية للملف عنوانها «نصف واقع.. نصف وعي».
يتزامن عدد يوليو مع مرور 5 سنوات على وفاة د. نصر حامد أبو زيد، فتكتب زوجته د. ابتهال يونس عن الوجه الإنساني للإسلام كما قدمه أبو زيد، وفي الملف شهادتان من هولندا لكل من د. عمرو رياض وأرنولد ياسين موي، وهو باحث هولندي، درس الكيمياء البيولوجية ودرس اللاهوت المسيحي في كلية الدراسات الكاثوليكية بجامعة أوترخت، وحاليا يدرس بجامعة لايدن الفكر الإسلامي خاصة حقوق الإنسان في تراث الفكر الإسلامي القديم والحديث، وقد أسلم وكتب شهادة يقول فيها إن أبو زيد «كان معلما حقيقيا لا يحتاج إلى قاعة درس». وترجم شهادة موي الكاتب المصري المقيم بأميركا جمال عمر الذي كتب أيضا شهادة عن نصر أبو زيد.
ومع «ذكرى» ثورة يوليو 1952، تتساءل المجلة: ماذا يبقى من تجربة جمال عبد الناصر؟ ويجيب الكاتب السوري المقيم في باريس د. بدر الدين عرودكي في قراءته لكتاب «الصقر المصري» الذي صدر حديثا للكاتب الفرنسي غيلبير سينويه. في هذا الملف أيضا يكتب د. مصطفى نور الدين «ثورة يوليو.. بقايا ورماد»، ويكتب د. أحمد يوسف «ثورة يوليو والسينما: الامتداد والارتداد»، ويحدثنا مصطفى بيومي عن علاقة نجيب محفوظ بالثورة، بينما تفسر د. ياسمين فراج أسباب بقاء الأغنية الوطنية في مصر عبد الناصر.
وتقدم الكاتبة السورية هيفاء أحمد الجندي تحليلا للمحتوى الاجتماعي للثورة السورية، وتعيب على البعض التعامل بفوقية مع البعد الاجتماعي الذي شمل الجوع والتهميش كعوامل دفعت للثورة مع الوعي بالحرية بالطبع. وعن قضية اليسار أيضا يكتب السعودي أحمد بوقري، كما يناقش محمود عبد الوهاب العلاقة بين «الدين والقومية»، ويكتب د. نبيل حنفي محمود عن ثلاثة أئمة كتبوا شعرا غنائيا، ويترجم العراقي حسين عبد الزهرة مجيد «موكب أورفيوس» للشاعر الفرنسي جيوم أبولينير، وتكتب د. وجدان الصائغ عن تجربتها في قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة ميتشغان، ويترجم حسين عيد مقابلة مع توني موريسون تتحدث فيها عن جوانب من سيرتها، وعن محمد علي كلاي ومارلون براندو والتباس التاريخ الأميركي. أما الكاتب اليمني محمد الغربي عمران فيكتب تحت عنوان «قصة اليمن بين روائح البارود» تعليقا على ملف القصة اليمنية الذي نشرته «الهلال» في عدد يونيو (حزيران) 2015. وفي الفن التشكيلي يكتب محمود الشيخ عن معرض مجدي نجيب، كما تكتب د. سما يحيى عن معرض محمد عبلة.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».