الفنان الألماني أنسيلم كييفر يثير أشباح التاريخ

«لقد جمعتُ في أعمالي بين المعاصرة وأعماق التاريخ»

«بلاد ما بين النهرين» من لوحات أنسيلم كييفر المعروضة بمنزل الفنان في فرنسا (أنسيلم كييفر - جوليان مينوت / {نيويورك تايمز})
«بلاد ما بين النهرين» من لوحات أنسيلم كييفر المعروضة بمنزل الفنان في فرنسا (أنسيلم كييفر - جوليان مينوت / {نيويورك تايمز})
TT

الفنان الألماني أنسيلم كييفر يثير أشباح التاريخ

«بلاد ما بين النهرين» من لوحات أنسيلم كييفر المعروضة بمنزل الفنان في فرنسا (أنسيلم كييفر - جوليان مينوت / {نيويورك تايمز})
«بلاد ما بين النهرين» من لوحات أنسيلم كييفر المعروضة بمنزل الفنان في فرنسا (أنسيلم كييفر - جوليان مينوت / {نيويورك تايمز})

بالنسبة لأنسيلم كييفر، ليس هناك مشهد بريء. إذ يرى الفنان الألماني - المولود تحت قنابل الشهور الأخيرة من الحرب العالمية الثانية - في كل شيء دورة من الخراب والانبعاث. إذ دائماً ما يخرج من بين الغبار والركام شيء ما. وهنا في «لاريبوت»، الضيعة مترامية الأطراف في جنوب فرنسا، حيث عاش وعمل لمدة 15 عاماً، خلق كييفر متاهة من هواجسه في صورة أكثر من 70 عملاً مثيراً للإرباك مثبتة في مختلف الأنحاء.
الأبراج المائلة المصنوعة من حاويات السفن المهملة تتحدى الجاذبية في إرسال الظلال إلى الأحواض المتموجة. والمدرج الكبير، المُعلق ببقايا بكرات الأفلام المتلاشية، هو نصب تذكاري للإمكانية والانحلال، من شرفاته العليا المملوءة بالضياء إلى الأنفاق المتخمة أسفل المسرح. أزهار عباد الشمس المجففة، والكتب المصنعة من الرصاص، هي تيمات متكررة لعالم يتوه في أشباه الظلام ما بين الحياة والموت.
قال لي كييفر في مقابلة: «إذا لم يكن هناك موت، فلن نكون. إنها الطريقة التي تحدد هويتنا. وإنني لأفكر في هذا الأمر، ولكن ليس بطريقة سقيمة. حتى في حالة نشوب حرب نووية»، كما تابع قائلاً: «حتى لو مُحيت البشرية عن بكرة أبيها، فستكون هنالك بكتيريا في نهر جليدي بمكان ما، حيث يبدأ تطور جديد. كل شيء عبارة عن تدفق غير خطي، كمثل خيمياء العناصر. لقد جمعتُ في أعمالي بين المعاصرة وأعماق التاريخ».
وقد أسفر تطوره الذاتي في لاريبوت، موضع مصنع الحرير السابق، حيث عاش كييفر مع عائلته من 1992 إلى 2007، عن نشوء مستوطنة غير محتملة من المباني والسرادقات التي لا يسكنها الناس وإنما الأعمال الفنية. تمتد هذه الضيعة على ما يقرب من 100 فدان، وتتصل بجسور المشاة والممرات تحت الأرض، طبقاتها أشبه ما تكون بالحفريات الأثرية، وقد فُتحت للعامة أول مرة خلال العام الحالي. وصارت الآن معرضاً دائماً، يُفتتح سنوياً من مايو (أيار) إلى أكتوبر (تشرين الأول).

أنسيلم كييفر في الاستوديو (نيويورك تايمز)

بلغ كييفر درجة من التمجيد المثالي ببلوغه السابعة والسبعين من عمره. وهو واحد فقط من اثنين من الفنانين الأحياء ممن لهم عمل معروض في متحف اللوفر، إذ صدر إليه التكليف من الرئيس إيمانويل ماكرون عام 2020 لإنشاء عمل فني مُثبت الآن في البانثيون. وهو يحظى بشرف كبير في فرنسا، حتى إن صحيفة «لوموند» أشارت العام الماضي، إلى أنه صار قاب قوسين أو أدنى لأن يصبح الفنان الرسمي للبلاد. وفي الولايات المتحدة، حيث تعاظمت شهرته عبر عقود من الزمان، افتتح هذا الشهر عرضان تحت عنوان «الخروج» في صالات «جاغوسيان» في نيويورك ولوس أنجليس.
مع ذلك، غالباً ما يلقى استخفافاً غريباً في موطنه الأصلي بألمانيا. الواقع أن هناك شيئاً ما في استِجلاء كييفر غير المتوقف لما سماه «الدقة المريعة» لآلة القتل النازية، هناك أمر ما يتعلق بانهماكه البحثي الدؤوب في سبر منطقة الشفق الشاسعة ذات الغطاء الرمادي المفعم بالسواد، أمر أشبه بعشقه لما سماه الكاتب الفرنسي بيير كورنيل: «ذلك السطوع القاتم الهابط من بين النجوم»، أمر قد أثبت لفترة طويلة إزعاجه المتكرر وإحراجه اللاذع إلى الحد الذي جعل الألمان ينكرونه رافضين. وأشار ناقد بصحيفة «دي فيلت» الألمانية ذات مرة قائلاً: «نحن فقط في هذا البلد (ألمانيا) لم ندرك تماماً مرامي ومقاصد ما يحاول أن ينادي به أو يدعو إليه».
أجاب كييفر ذات مرة بقوله: «إنهم غير مترددين في نقد أعمالي، بل إنهم يعارضونها على الدوام. ويقولون الآن إنني فنان عتيق الطراز قد غادرني الزمان»، هز كتفه، كأنه يقول إنها رواية قديمة مبتذلة لم تعد تلفت اهتمامه.
رجل مهووس بالحدود - وما من موضع كان أكثر شرباً للدماء حتى منتصف القرن العشرين من الحدود بين فرنسا وألمانيا - إذ وجد نفسه يتبعثر في المشهد الألماني الذي خلفه وراءه، ومع ذلك لا يزال يحبه، فضلاً عن المشهد الفرنسي الذي وجد فيه حرية العمل. هذه مشاعر قديمة. فعندما كان طفلاً، كان نهر الراين المجاور يغمر قبو بيته، وقد أحب فكرة أنه الآن في فرنسا لأن حدود النهر قد تغيرت.
قال كييفر كاتباً: «كل حد هو وهم، يُبنى لأجل راحتنا كما يقولون، حتى يمنحنا انطباع المكان المؤكد الواضح، مع أنه ليس هناك ما يُسمى الأماكن المؤكدة».
حتى في أعماله قد تغيرت الأشياء. إذ قال: «اللوحة في أعمالي لا تنتهي أبداً - أبداً. بل إنها تستمر على الدوام. إنني أداوم العمل على لوحات منذ أواخر الستينات لا تزال قابعة في الحاويات». وجاءه سؤال: حتى الموجودة في لاريبوت؟، فأجاب: «حسناً، إنها تعد منتهية فقط لأنني لا أستطيع تغييرها بعد الآن؛ إنها الآن في متحف أو شيء من هذا القبيل».

عمل بعنوان «الشهيدات» يعرضه كييفر في ضيعته بفرنسا (نيويورك تايمز)

إن لوحة ألوان كييفر ليست لينة أو مريحة. إن كل ما في الأمر أنها نجمية التأثير، في تذكير بأن هذه الأرض الصغيرة والحياة القائمة عليها تواصل الدوران في فضاءات لامتناهية مفعمة بالغموض. يقول كييفر واصفاً إياها: «عادة ما تبدأ لوحاتي بكثير من الألوان، ثم تُختزل وتتلاشى. أعتقد بأهمية اللون؛ إنه شيء علميّ: فهو يعتمد على أي جزء من المشكال (رسم متعدد الألوان أو منظار متغير النماذج) ينشأ في ذهنك»، ثم توقف برهة ليتابع: «أتظاهر بأن الرمادي عندي هو أكثر ثراء مما لدى مونيه. الرمادي لون مُتخم، أتعرفون ذلك؟ إنه أكثر ثراء، ففيه من الألوان ما ليس في اللون الأحمر الفقير».
الرصاص مادته المفضلة. أخبرني كييفر أن لديه منزلاً قديماً في ألمانيا توجد فيه أنابيب الرصاص، بعضها قديم للغاية، وقد استقدم سباكاً لاستبدالها. ففتنه لون الرصاص، واستفسر من السباك عن كيفيه إسالة الرصاص ولحامه. ثم أوضح قائلاً: «كان لدي مجرد حدس، ثم صار اهتمامي أكثر عقلانية. الرصاص مهم بالنسبة إلى الخيميائي، الذي أراد تحويل الرصاص إلى ذهب».
كان أستاذ الفنون في مدرسة كييفر عضواً سابقاً في قوات «إس إس» النخبوية النازية. وعندما درس كييفر القانون بالجامعة، كان أساتذته من النازيين السابقين. ثم خيّم الصمت المطبق على كل ذلك في ألمانيا لما بعد الحرب الثانية. كانت الحقيقة مخفية. وبعد ذلك، لم يعد باستطاعته الوثوق في ظواهر الأمور، وإنما تعين عليه سبر غور الأشياء.
منذ ذلك الحين، على ما يبدو، كان كييفر يُرغم نفسه إرغاماً، مُستكشفاً حدود الأمور، أو الأشياء التي قد تصرف البشرية أعينها عنها. وقال: «عندما أشرع في رسم لوحة، أدرك في الوقت ذاته أنها عمل فاشل». ثم أضاف: «رغم ذلك، فأنا أرسمها. وأتابع العمل عليها. فقط أتابع».
ثم نظر نحوي وقال: «لا أعتقد أنه يمكنني الخروج برائعة فنية أو تحفة خالدة. فقط لا أستطيع. وإنما أحاول. أدرك أنه لن يحدث».
حقيقة أن كثيراً من الناس قد يختلفون في ذلك لا تهُم كييفر كثيراً. فلقد عاش وفقاً للبوصلة الخاصة بذاته، فحسب.
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

مصريون يواجهون «الإغلاق المبكر» بـ«تدوينات ساخرة»

محال تجارية تغلق أبوابها تنفيذاً لخطة ترشيد استهلاك الطاقة في مصر (محافظة الإسكندرية)
محال تجارية تغلق أبوابها تنفيذاً لخطة ترشيد استهلاك الطاقة في مصر (محافظة الإسكندرية)
TT

مصريون يواجهون «الإغلاق المبكر» بـ«تدوينات ساخرة»

محال تجارية تغلق أبوابها تنفيذاً لخطة ترشيد استهلاك الطاقة في مصر (محافظة الإسكندرية)
محال تجارية تغلق أبوابها تنفيذاً لخطة ترشيد استهلاك الطاقة في مصر (محافظة الإسكندرية)

«أندرتيكر داخل ولا إيه؟»... من وحي تميز المصارع الأميركي المعتزل بظاهرة إطفاء الأنوار وحلول الظلام الدامس مع دخوله صالة المنافسات، شبّه مصريون في سخرية حال شوارعهم بمشهد عالم «WWE» المُرعب.

ومع بدء إظلام القاهرة «التي لا تنام» مع دقات التاسعة، لم يُفوت سكانها وجيرانهم من مختلف المحافظات الفرصة ومارسوا هوايتهم في تأليف النكات، التي حوّلت قرار «الإغلاق المبكر» إلى مصدر للتندر.

ودخل قرار الحكومة بـ«الإغلاق المبكر» للمحال والمقاهي ودور العرض السينمائي عند التاسعة مساء يومياً (عدا الخميس والجمعة في العاشرة مساءً) حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، ومن المقرر أن يستمر لمدة شهر واحد، في إطار خطة لترشيد استهلاك الطاقة، في ظل الحرب الإيرانية وارتفاع أسعار النفط عالمياً.

الشوارع والمحال التجارية بعد قرار ترشيد استهلاك الطاقة في مصر (محافظة الإسكندرية)

وبينما تداول نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي صوراً لأحياء القاهرة وعواصم المحافظات في حالة ظلام تام، مبدين استياءهم ورفضهم للقرار الحكومي، قرر آخرون مواجهة «الإغلاق المبكر» بتدوينات «ساخرة»، والإبداع في «الكوميكس» المستلهمة من الأفلام الكوميدية، وابتكار «الميمز» والمنشورات الفكاهية.

وتصدرت المشهد الساخر منشورات عديدة عن حال الرجال المصريين بعد غلق المقاهي، واضطرارهم إلى تركها مع دقات التاسعة. منها توظيف مشهد سينمائي يظهر وجود «ناضورجي» بالمقهى، وهو شخص مهمته مراقبة المكان ورصد التحركات الأمنية في محيطه، الذي يحذر رواد المقهى من بدء التفتيش بكلمة «كبسة»، ما يجعلهم يسارعون بالمغادرة.

بينما استخدم البعض مشهد «الشيخ حسني» ورفقائه في الفيلم الشهير «الكيت كات»، للإشارة إلى تحايل بعض المقاهي بغلق أبوابها على روادها مع إظلامها.

أما تعليق «لف لي الحجر ده تيك أواي بعد إذنك»، فيسخر من طلب مدخني «الشيشة» من «القهوجي» أخذ «حجر الشيشة» بنظام الوجبات السريعة.

«القهوجي» ظهر أيضاً بطلاً للعديد من التعليقات، فعلى غرار مُراقبي لجان الامتحانات المدرسية جاء تعليق: «القهوجي الساعة 9 إلا 5 قالنا 5 دقايق وهلم المشاريب».

مغردون حوّلوا قرار «الإغلاق المبكر» إلى مصدر للتندر (فيسبوك)

بينما تبرز «الفهلوة» المصرية في إيجاد مبررات لعدم الغلق، عبر ذكر أحد المغردين: «من ساعة واخدين القهوجي اللي تحت البيت بيقولهم الساعة عندي مش مظبوطة».

ونال حال الزوج مع زوجته بالمنزل مع العودة مبكراً من العمل نصيباً من السخرية، منها تشبيه الزوج بحال شخصية «سي السيد» السينمائية الشهيرة، بطلباته المتكررة من زوجته.

كما أشارت تعليقات عديدة إلى كثرة الشجارات المنزلية بوجود الزوج طويلاً، وأجمع كثيرون على أن نتيجة الجلوس بالمنزل ستؤدي إلى كثرة حالات الطلاق، أو إلى الزيادة السكانية.

بينما تندر آخرون من المتزوجين بغير علم زوجاتهم، عبر تساؤل: «اللي متجوز على مراته وكان بيقولها رايح القهوة دلوقتي هيقول إيه؟».

الباحث المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي في مصر، محمد فتحي، يوضح لـ«الشرق الأوسط» أن قطاعاً واسعاً من المستخدمين المصريين على منصات التواصل الاجتماعي اتجه إلى توظيف السخرية أداةً للتفاعل مع قرار الإغلاق المبكر، وظهرت هذه الممارسة في إنتاج محتوى ساخر يستند إلى مواقف حياتية يومية، ولجأ بعض المستخدمين إلى المقارنة بين هذا القرار وفترات سابقة، مثل إجراءات الإغلاق خلال جائحة «كورونا»، فضلاً عن استحضار مشاهد من أعمال درامية وسينمائية وإعادة توظيفها بشكل كوميدي.

ويشير فتحي إلى ظهور عدة أنماط رئيسية في التفاعل الرقمي، من أهمها «الميمز» ذات التعليق الساخر المختصر، ما ساهم في سرعة انتشارها وسهولة فهمها، ومقاطع الفيديو القصيرة التي تعتمد على تمثيل مواقف يومية بأسلوب كوميدي، كما تحوّلت التعليقات المصاحبة للمنشورات إلى مساحة إبداعية بحد ذاتها، يتنافس فيها المستخدمون على تقديم صياغات ساخرة لافتة، ويرجع التركيز على هذه الأدوات إلى عدة عوامل؛ من أبرزها «سرعة إنتاجها واستهلاكها، وقدرتها العالية على الانتشار، وتوافقها أيضاً مع خوارزميات المنصات، التي تعزز المحتوى القصير والتفاعلي»، على حد تعبيره.

بالتوازي مع «الإغلاق المبكر» تُطبِّق الحكومة المصرية «خطة ترشيد» تشمل «خفض إضاءة الأعمدة في الشوارع، وإيقاف إنارة الإعلانات على الطرق العامة، وغلق الحي الحكومي في العاصمة الإدارية (شرق القاهرة) بالكامل في تمام الساعة السادسة مساءً».

وفرض إغلاق قاعات الأفراح والمناسبات عند التاسعة نفسه «كوميديا» على المشهد «السوشيالي»، خاصة «تيك توك»، عبر مساحة إبداعية بتمثيل مشاهد تدور حول تبكير الأفراح، وتصرف العروسين بطريقة غير متوقعة مع حلول التاسعة.

«هي الناس بتجري في الشارع ليه؟.. ده ميعاد قفل المحلات مش حظر تجول»... تعجب ساخر عن حالة الارتباك الاجتماعي خلال الساعات الأولى لتطبيق القرار، استدعته ذاكرة بعض المغردين من وحي فترات سابقة من «الحظر»، سواء السياسي، خلال «أحداث 25 يناير 2011» أو الصحي أثناء «كورونا».

ومع استثناء القرار الحكومي بـ«الإغلاق المبكر» محال المواد الغذائية والصيدليات والمطاعم المصنفة بوصفها منشآت سياحية، مع السماح باستمرار خدمة التوصيل على مدار 24 ساعة، ظهرت الصيدليات «سوشيالياً» وهي تستضيف موائد المقاهي وروادها.

وبينما تضرر كثيرون من أن الغلق سيسبب لهم خسائر مادية كبيرة، عدد آخرون بشكل تهكمي المستفيدين من القرار، أبرزهم محال بيع التسالي (المقلة).

ويلفت باحث الإعلام الرقمي إلى أنه «يمكن تفسير اللجوء إلى السخرية بوصفه إحدى آليات التكيف مع الضغوط، عبر تحويل المواقف المزعجة إلى مادة قابلة للكوميديا، كذلك أيضاً تعزيز الشعور بالمشاركة الجماعية، والتعبير غير المباشر عن الرأي بشكل ساخر».

ويتابع: «تعكس هذه الحالة تحول السخرية الرقمية إلى أداة تواصل جماهيري فعّالة، تُسهم في تشكيل الرأي العام والتفاعل مع القرارات اليومية، كما تؤكد أن المحتوى الساخر، خصوصاً في صيغته المختصرة، بات يمثل لغة رقمية سائدة، قادرة على نقل الرسائل المعقدة في قالب بسيط وسريع الانتشار».


«الأقصر للسينما الأفريقية» يحتفي بمسيرة ريهام عبد الغفور الفنية

ريهام عبد الغفور خلال تكريمها (إدارة المهرجان)
ريهام عبد الغفور خلال تكريمها (إدارة المهرجان)
TT

«الأقصر للسينما الأفريقية» يحتفي بمسيرة ريهام عبد الغفور الفنية

ريهام عبد الغفور خلال تكريمها (إدارة المهرجان)
ريهام عبد الغفور خلال تكريمها (إدارة المهرجان)

شهدت فعاليات الدورة الـ15 من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» احتفاء بمسيرة الفنانة ريهام عبد الغفور التي كرمها المهرجان في حفل الافتتاح، الأحد، وأقيمت ندوة للاحتفاء بمسيرتها أدارها الكاتب والناقد جمال عبد الناصر في اليوم الأول للفعاليات، وسط اهتمام بالممثلة المصرية التي جذبت الأنظار بمسلسل «حكاية نرجس» في رمضان، وتصدر فيلمها «برشامة» شباك التذاكر في موسم عيد الفطر.

واختار المهرجان الذي يستمر حتى 4 أبريل (نيسان) المقبل في نسخته الجديدة دولة «جنوب أفريقيا» ضيفة شرف في الفعاليات المختلفة، مع عرض عدد من الأفلام السينمائية التي تمثل مراحل مختلفة في تاريخ السينما بها، بالإضافة إلى تخصيص ندوة لاستعراض تاريخ السينما بجنوب أفريقيا، فيما جرى تكريم المخرج الجنوب أفريقي تشافيني وا لورولي إلى جانب المخرج والسيناريست المغربي جمال سويس، والفنانين خالد الصاوي وريهام عبد الغفور والمخرج محمد أمين.

وخلال ندوة تكريمها في المهرجان وصفت ريهام عبد الغفور دورها في مسلسل «حكاية نرجس» بأنه «دور العمر» الذي عملت عليه لفترة طويلة مع إعجابها بالشخصيات البعيدة عنها بشكل كامل وحماسها لتقديمها، وعملها مع المخرج سامح علاء على السيناريو لفترة طويلة من أجل تقديمها بطريقة تجعل الجمهور يتعاطف معها، في ظل الضغوط المجتمعية التي يمكن أن تدفع الإنسان للتغير بشكل كامل.

صورة تذكارية خلال حفل الافتتاح (إدارة المهرجان)

وتحدثت ريهام عبد الغفور عن دعم والدها الفنان الراحل أشرف عبد الغفور لها في بدايتها الفنية وخوف والدتها عليها باعتبار أن التمثيل مهنة صعبة ومليئة بالإحباط، وطلبت من الحضور قراءة الفاتحة على روح والدها الراحل، معتبرة أنها تشعر بأنها حققت جزءاً كبيراً مما تحلم به في التجارب الفنية التي قدمتها.

وأكدت أنها تسعى دائماً إلى الخروج من المنطقة الآمنة، وهو ما عملت عليه في اختياراتها الفنية بشكل أكبر، خصوصاً بعد مشاركتها في مسلسل «الريان» الذي عرض قبل 15 عاماً، لكن الأمر لم يحدث بشكل سريع واستغرق وقتاً حتى جاءت إليها الفرص المغايرة التي وجدت بها تحدياً لنفسها ولم تتردد في تقديمها.

وعبرت ريهام عبد الغفور عن سعادتها بردود الفعل على فيلمها «برشامة» المعروض بالصالات السينمائية، مؤكدة أنها «محظوظة بالوجود وسط فريق قوي من الممثلين مع المخرج خالد دياب».

وشهدت فعاليات حفل افتتاح المهرجان الذي أقيم في معبد الأقصر حضور عدد كبير من الفنانين منهم يسرا، ومحمود حميدة، ومحسن منصور، وكريم قاسم، وأحمد فتحي، وشهد احتفاء بمئوية المخرج الراحل يوسف شاهين، مع عرض فيلم تسجيلي يستعرض مسيرته الفنية تضمن شهادات عدد من النجوم الذين عاصروه، فيما يقدم المهرجان عروضاً خاصة لأعماله المرممة ضمن الفعاليات.

ويقدم الفنان خالد الصاوي خلال الفعاليات «ماستر كلاس» عن تجربته الفنية يتحدث فيه عن خبرته بالتمثيل وتجربته بين الكتابة المسرحية والسينمائية والإخراجية، مع التطرق لأهم المحطات التي شكلت مسيرته في جلسة تفاعلية هدفها نقل خبرته الفنية للأجيال الجديدة.

خالد الصاوي على السجادة الحمراء (إدارة المهرجان)

وبينما استحدث المهرجان جائزة باسم المخرج الراحل داود عبد السيد لدعم سينما المؤلف وتشجيع المواهب الجديدة مع تكريم اسمه ضمن مكرمي الدورة الجديدة، فإن زميله ورفيق رحلته السينمائية مصمم المناظر أنسي أبو سيف سيقدم «ماستر كلاس» بعنوان «سينما داود عبد السيد».

وعبّر أبو سيف لـ«الشرق الأوسط» عن سعادته بتكريم المهرجان لاسم المخرج الراحل لكونه يعد من أهم المخرجين الذين قدموا أعمالاً متميزة في السينما المصرية، لافتاً إلى أن «الماستر كلاس» سيركز بشكل أساسي على أعماله التي تركت بصمة وسيتحدث عن اهتمامه بالتفاصيل بحكم عملهما المشترك سوياً.

ويعرض المهرجان 11 فيلماً ضمن مسابقة الأفلام الطويلة، من بينها فيلم «ملكة القطن» للمخرجة السودانية سوزانا ميرغني والحائز على جائزة الجمهور في النسخة الماضية من مهرجان «الدوحة» وسبق عرضه في مهرجان «البندقية السينمائي»، وهو العمل الذي تدور أحداثه في قرية سودانية حيث تجد «نافيسة» المراهقة نفسها في قلب صراع لتحديد مستقبل الأرض. مع وصول رجل أعمال يروّج للقطن المعدل وراثياً، تقرر «نافيسة» الدفاع عن الحقول وعن مصيرها.

كما يعرض الفيلم الجزائري «رقية» الذي كتبه وأخرجه ينيس كوسيم، وتتناول أحداثه الأوقات الصعبة في فترة «العشرية السوداء»، التي مرَّت بها الجزائر خلال تسعينات القرن الماضي، إلى جانب الفيلم الجنوب أفريقي «قضاء العرب» في عرضه الأول عربياً، وهو الفيلم الذي تدور أحداثه في مدينة بجنوب أفريقيا داخل مبنى متهالك يوفر ملاذاً هشاً لمجموعة من الرجال بلا مأوى يعيشون على هامش المجتمع.


لماذا يمثل سقوط «أمطار متوسطة» أزمة في مصر؟

الإسكندرية واجهت أمطاراً عرقلت حركة السير (محافظة الإسكندرية)
الإسكندرية واجهت أمطاراً عرقلت حركة السير (محافظة الإسكندرية)
TT

لماذا يمثل سقوط «أمطار متوسطة» أزمة في مصر؟

الإسكندرية واجهت أمطاراً عرقلت حركة السير (محافظة الإسكندرية)
الإسكندرية واجهت أمطاراً عرقلت حركة السير (محافظة الإسكندرية)

مع تكرار منح إجازات للمدارس والجامعات المصرية خلال الأيام الأخيرة، عادت مسألة تأثير الأحوال الجوية في انتظام الدراسة إلى الواجهة، في ظل قرارات متتالية صدرت على خلفية سقوط أمطار وُصفت بـ«المتوسطة» في عدد من المحافظات، خصوصاً في نطاق القاهرة الكبرى؛ ما طرح العديد من التساؤلات عن تكرار منح الإجازات رغم عدم وصول الأمطار إلى معدلات قياسية.

وقررت الحكومة المصرية تعطيل الدراسة، يومي الأربعاء والخميس، الماضيين كإجراء احترازي بسبب حالة الطقس، قبل أن تتجدد القرارات بشكل مفاجئ، يوم الأحد، حيث أعلن محافظو القاهرة الكبرى إجازة شملت تأجيل الامتحانات، رغم وصول عدد من الطلاب بالفعل إلى مدارسهم في الساعات الأولى من اليوم؛ ما تسبب في ارتباك بالعملية التعليمية.

وخلال السنوات الماضية، منحت الحكومة المصرية إجازات في أيام محدودة لكثافة الأمطار مع تكرار وقائع غرق العديد من الشوارع وإغلاقها وسقوط أعمدة إنارة في الشارع، بوقت تؤكد فيه الحكومة أن الإجازات الممنوحة للطلاب هدفها ضمان سلامتهم في ظل سوء الأحوال الجوية المتوقع، مع إعلان استنفار المحليات، ووجود عدد كبير من سيارات شفط المياه بمواقع عدة تتراكم فيها كميات كبيرة من المياه.

الحكومة المصرية تلجأ لتعليق الدراسة بسبب الطقس بشكل متكرر (وزارة التربية والتعليم)

وأرجع عضو مجلس النواب (البرلمان) عصام العمدة القرارات الحكومية إلى الرغبة في الحفاظ على سلامة المواطنين، وفي مقدمتهم الطلاب، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه القرارات لا تُتخذ بشكل عشوائي، بل تأتي بعد متابعة دقيقة لتقارير هيئة الأرصاد والتوقعات المتعلقة بحالة الطقس، في ظل التقلبات المناخية التي قد تحمل مخاطر مفاجئة».

وأوضح أن «الهدف الأول هو تجنب أي خسائر بشرية محتملة، لا سيما أن الأطفال يُعدّون الفئة الأكثر تأثراً بمثل هذه الظروف، سواء بسبب صعوبة التنقل أو التعرض لمخاطر الطرق»، مشيراً إلى أن تعطيل الدراسة في هذه الحالات يُعد إجراءً احترازياً مؤقتاً، يتم اللجوء إليه عند الضرورة فقط، ولا يتكرر بشكل دائم، وإنما يرتبط بظروف استثنائية تفرضها طبيعة الطقس، وهو ما يجعله جزءاً من قرارات منظومة إدارة الأزمات التي تتبناها الدولة للتعامل مع المستجدات.

من جانبها، أكدت عضو المكتب الإعلامي بهيئة الأرصاد الجوية، منار غانم أن الهيئة لا تصدر توصيات مباشرة بتعطيل الدراسة أو منح إجازات، ولكن دورها يقتصر على متابعة الحالة الجوية بشكل مستمر، وإبلاغ الجهات المعنية بالتطورات، مع التحذير من التبعات المحتملة مثل العواصف وشدة الأمطار.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الهيئة تعتمد على إصدار بيانات دورية تتضمن تفاصيل دقيقة حول حالة الطقس، بما في ذلك فرص سقوط الأمطار وحدّتها، إلى جانب التنبيه بوجود موجات من عدم الاستقرار، وهو ما يتيح للجهات التنفيذية اتخاذ القرارات المناسبة وفقاً لكل محافظة وظروفها»، لافتة إلى أن قرارات الإجازات تظل مسؤولية المحافظين والجهات التنفيذية التي تبني قراراتها على هذه التحذيرات، بهدف تقليل المخاطر المرتبطة بالتقلبات الجوية، لا سيما في الحالات التي تشهد نشاطاً للرياح أو اضطراباً في حركة الطرق.

المحافظات دفعت بسيارات شفط المياه (محافظة القليوبية)

وقال محافظ الإسكندرية والقليوبية الأسبق ونائب رئيس حزب المؤتمر رضا فرحات لـ«الشرق الأوسط» إن «قرارات تعطيل الدراسة في ظل سوء الأحوال الجوية تأتي في إطار تفويض من مجلس الوزراء للوزراء والمحافظين، بحيث يتم التعامل مع كل محافظة وفق ظروفها الخاصة، وطبيعة الحالة الجوية بها، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات تستهدف في الأساس تقليل وجود الأطفال والطلاب في الشوارع، بما يسهم في تخفيف الحركة المرورية، وتقليل الكثافات، وكإجراءات احترازية لا تمثل تأثيراً جوهرياً على العملية التعليمية بقدر ما تهدف إلى الحفاظ على السلامة العامة.

وأضاف فرحات أن «مثل هذه القرارات تساعد الأجهزة التنفيذية على التعامل مع تداعيات الطقس، خصوصاً في ظل تراكمات قد تواجهها شبكات الصرف الصحي، وهو ما يتطلب تقليل الضغط على الطرق لإتاحة الفرصة لفرق الطوارئ لإزالة آثار الأمطار، والتعامل معها بشكل أسرع»، مشيراً إلى أن شبكات الصرف في بعض المناطق قد لا تستوعب كميات المياه الناتجة عن سقوط الأمطار، بسبب مشكلات في البنية التحتية، وبعضها بدأ العمل على معالجته بالفعل كما حدث في الإسكندرية التي تراجعت المشكلات بها بشكل كبير نتيجة عملية التحسين التي تجري في شبكات الصرف».