أوكرانيا في مفترق طرق: هل يتراجع الغرب بعد خيرسون؟

خيرسون
خيرسون
TT

أوكرانيا في مفترق طرق: هل يتراجع الغرب بعد خيرسون؟

خيرسون
خيرسون

يرى لاشا تشنتوريدزي، أستاذ ومدير برامج الدراسات العليا في الدبلوماسية والعلاقات الدولية بجامعة نورويتش الأميركية، أن تحرير خيرسون يمثل نجاحاً كبيراً آخر لنضال الشعب الأوكراني ضد القوات الروسية. ويعتبر الانسحاب الروسي من خيرسون أبرز انتكاسة لموسكو منذ هزيمتها في خاركيف. ويقول تشانتوريدزي في تحليل نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأميركية إنه، مع ذلك، قد يتحول انتصار أوكرانيا إلى سلاح ذي حدين، حيث إنه ربما يدفع أهم حليف لها وهو الولايات المتحدة إلى حث كييف على السعي للتوصل إلى تسوية دبلوماسية مع موسكو. وهذا الخيار قد يبدو معقولاً، ومنطقياً، وإنسانياً من وجهة نظر واشنطن، ولكن على المدى الطويل لن يبدد التهديدات الأمنية لأوكرانيا وأوروبا.
ويضيف تشانتوريدزي أن تجميد الحرب في أوكرانيا ربما يفيد روسيا والغرب، ولكنه لن يحل المشكلات التي أسفرت عنها هذه الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وروسيا والغرب. وتتمثل أكبر مشكلة للجيش الأوكراني بعد خيرسون في القيام بعمليات برية في شتاء يتسم بالجمود. وسيكون اجتياح نهر دنيبرو في جنوب أوكرانيا غير ممكن حيث إنه سوف يسفر عن خسائر غير مقبولة. والخيار الوحيد للعمليات الهجومية بالنسبة للجيش الأوكراني أو الروسي هو في منطقة دونيتسك.
وعلى أي حال، سوف يؤدي الشتاء إلى تعقيد الجهود الهجومية من خلال اختبار قدرة تحمل الأفراد والمعدات. وفي الوقت نفسه، قد تؤدي الزيادات في تكاليف المعيشة وأي أزمة في إمدادات الطاقة إلى نفاد صبر الحلفاء الأوروبيين. فسوف تواصل موسكو استغلال حالات الغموض والقلق المحيطة بالحرب بالتلويح من حين لآخر بالأسلحة النووية والـ«قنابل القذرة». وسوف تواصل كييف مهاجمة أسطول البحر الأسود الروسي بأسطولها الجديد من الزوارق غير المأهولة. وتعتبر خسارة سفن رئيسية من أسطول البحر الأسود انتكاسة لروسيا أكبر من انسحابها من خيرسون.
ولا شك أن تجميد الحرب بعد خيرسون يحمل في طياته بعض المكاسب الملموسة بالنسبة لموسكو، خصوصاً إذا ما تم التوصل لهدنة وفق«الحقائق الجديدة». ومن الممكن أن يزعم الكرملين تحقيق انتصار، عبر بالإصرار على أنه استرد من أوكرانيا قدراً كبيراً من «الأراضي التاريخية» الروسية.
وسوف يضمن الجسر البري من روسيا إلى شبه جزيرة القرم الأمن طويل المدى للقرم ولأسطول البحر الأسود. ومن الممكن أن تستغل موسكو فترة توقف الحرب لعدة سنوات من أجل إعادة هيكلة قواتها البرية ومهاجمة أوكرانيا مرة أخرى عندما يكون قد تمت إعادة بناء الجيش الروسي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن أي توقف في الحرب سوف يساعد موسكو على تعزيز سيطرتها على الأراضي التي استولت عليها لكي تكون أفضل استعداداً للقيام بـ«عملية عسكرية خاصة» في المستقبل.
وسوف تبذل موسكو ما بوسعها لتغيير وضعها في الحرب، بما في ذلك تنفيذ نسختها من تدابير «فرض السلام». ويعتبر تهديد الغرب بالأسلحة النووية والقنابل القذرة، ومهاجمة دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) عرضياً بالصواريخ أو المسيرات، مؤشرات لمثل هذه التدابير.
ومن ناحية أخرى، سوف تخسر أوكرانيا إذا وافقت على تجميد الحرب وتركت القوات الروسية تعزز سيطرتها على الأراضي التي استولت عليها. ومن المؤكد أن السلام سوف يحقق مكاسب من خلال إزالة الضغط من فوق كاهل حلفاء كييف الغربيين، والشعب الأوكراني. وبعد ذلك، سوف يكون من المستحيل على كييف استعادة أراضيها المسلوبة. وفي الوقت نفسه، سوف يتعين على القوات الأوكرانية الاحتفاظ بحالة استعداد دائمة لمواجهة أي هجمات روسية جديدة. كما أن كييف تخشى فقدان الدعم الغربي لقضيتها.
ويرى تشانتوريدزي أن موسكو باستغلالها عقودها السخية لإمداد الدول بالطاقة، سوف تجدد حملتها الساحرة في العواصم الأوروبية والبحث عن حلفاء محتملين هناك كما فعلت من قبل. وأكبر خوف لدى كييف يتمثل في احتمال أن يفوز بالرئاسة الأميركية بعد عامين شخص لديه استعداد للتعامل مع الروس. فالدول الكبرى غالباً ما تساوم وتتعامل كل منها مع الأخرى، وأدوات تجارتها هي المصالح القومية للدول الأصغر. ولا يريد القادة الأوكرانيون المتاجرة بمصالح بلادهم.
ويدرك واضعو السياسات في البيت الأبيض ووزارة الخارجية أنه لا يمكن تسوية أي شيء بشكل حاسم عن طريق هدنة بين روسيا وأوكرانيا. وسوف يتم تمرير المشكلة للإدارة المقبلة، أو حتى للإدارة بعد المقبلة. وحتى إذا كان من الممكن تحقيق سلام طويل المدى بين أوكرانيا وروسيا، فإن لدى روسيا عدة صراعات مجمدة يمكنها أن تبدأها من جديد إذا شعرت بالثقة بأن الجيش الروسي قادر على الانتصار فيها، أو أنها يمكنها تحقيق مزايا جانبية، في مولدوفا وجورجيا على سبيل المثال. وقد تحول موسكو اهتمامها نحو كاراباخ، لتبدأ تحسين الوضع المتراجع لحليفتها أرمينيا. كما تشعر المعارضة في بيلاروس بقلق بالغ من أنه حال التوصل إلى هدنة في أوكرانيا، قد تتجه روسيا شمالاً وتضم دولتهم بكل بساطة.
وتتمتع روسيا بالفعل بتواجد عسكري كبير في بيلاروس ويعتبر رئيسها المضطرب والذي لا يمكن التكهن بتصرفاته، في جيب موسكو. ولا شيء يمنع موسكو من اختلاق صراعات جديدة، خصوصاً إذا رأى الكرملين أنها يمكن أن تلحق الضرر بالمصالح الغربية. ومن وجهة النظر السياسية، فإن هزيمة روسيا تماماً في أوكرانيا هي خيار أفضل كثيراً بالنسبة للولايات المتحدة، حتى لا تستطيع شن حرب أخرى مماثلة طوال جيل على الأقل.
ويقول تشانتوريدزي إنه على أي حال، هناك أسباب أخرى وراء احتمال رغبة واشنطن في تحقيق السلام، إذ إن تهديدات روسيا المتكررة باستخدام الأسلحة النووية تعزز هذا الاتجاه. وإذا ما توصلت أوكرانيا وروسيا إلى تسوية، حتى لو لسنوات قليلة، فإن ذلك سوف يزيل التهديد الفوري بحرب نووية بين الناتو وروسيا. ومن المؤسف أن ما يعرف بالثالوث النووي الأميركي، والمفروض أنه يوفر أفضل مستوى لردع الهجوم، فشل في تحقيق مهمته.
وعندما ينجح الردع، ليس من المعقول أن يتحدث الأعداء عن استخدام أسلحة نووية لتحقيق أهداف الحرب. وجميع الإدارات الأميركية بعد الحرب الباردة لم توفر التمويل الكافي للترسانة النووية الأميركية، بل وأهملتها – وتم عمل القليل للغاية لتطوير رؤوس حربية جديدة أو أنظمة إيصالها.
وخلال السنوات الأخيرة، تم التعبير عن المشاعر المتعلقة بالتخلص من الأسلحة النووية أو إلغاء الناتو حتى على أعلى مستويات الحكومة الأميركية. وفي الوقت نفسه، استثمرت روسيا في مجموعة واسعة النطاق من الرؤوس الحربية وأنظمة الإيصال، وأوضحت بصوت مرتفع استعدادها لاختبارها. ويختتم تشانتوريدزي تحليله بأن ذلك هو سبب أن المسؤولين في واشنطن الذين يعرفون ما هو على المحك يريدون انتصار الدبلوماسية؛ حتى يتوافر للولايات المتحدة الوقت لإعادة النظر في وضعها الاستراتيجي وإجراء التعديلات اللازمة.


مقالات ذات صلة

روسيا تتجه إلى الهند بحثاً عن عمال وسط أزمة عمالية فاقمتها الحرب

أوروبا صورة لمطار دوموديدوفو الدولي خارج موسكو (أرشيفية-أ.ف.ب)

روسيا تتجه إلى الهند بحثاً عن عمال وسط أزمة عمالية فاقمتها الحرب

تتجه موسكو إلى مصدر جديد من الحصول على عمالة أجنبية بعد تفاقم النقص بسبب ضغوط الحرب في أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا رجل إطفاء في أحد المواقع التي استُهدفت بقنابل روسية موجهة في سلوفيانسك (د.ب.أ)

أوكرانيا: مقتل أربعة أشخاص في ضربة روسية... وزيلينسكي يبحث تحسين الدفاعات الجوية

قتل أربعة أشخاص بينهم ثلاثة أطفال في ضربة جوية روسية استهدفت مدينة بوغودوخيف في شرق أوكرانيا، وفق ما أفاد مسؤول أوكراني الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير 2026 (رويترز)

موسكو: الطريق لا يزال طويلاً أمام السلام الأوكراني

هوّن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أوروبا وأوكرانيا، مشيراً إلى أن الطريق لا يزال طويلاً أمام تحقيق.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا جنود روس في شبه جزيرة القرم (رويترز - أرشيفية)

رئيس استخبارات إستونيا: لا يمكن لروسيا مهاجمة «الناتو» هذا العام... لكنها تخطط لتعزيز قواتها

قال رئيس استخبارات إستونيا إن روسيا لا تستطيع شن هجوم على حلف «الناتو» هذا العام، لكنها تخطط لزيادة قواتها بشكل كبير على طول الجناح الشرقي للحلف.

«الشرق الأوسط» (تالين)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ من نظام متعدد باتجاه القوات الروسية بالقرب من بلدة بوكروفسك الواقعة على خط المواجهة بأوكرانيا يوم 9 ديسمبر 2025 (رويترز) p-circle

بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن... الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية

بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن: الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية، والكرملين لم يحدد موعداً لمحادثات أوكرانيا ويرى أن «الطريق لا تزال طويلة».

إيلي يوسف (واشنطن) «الشرق الأوسط» (موسكو)

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».