ألمانيا لانسحاب عسكري من «الساحل الأفريقي» على خطى فرنسا وبريطانيا

رغم المخاوف من تمدد روسي يملأ الفراغ

المستشار الألماني أولاف شولتس يتفقد قاعدة للقوات الألمانية في النيجر (أرشيفية - رويترز)
المستشار الألماني أولاف شولتس يتفقد قاعدة للقوات الألمانية في النيجر (أرشيفية - رويترز)
TT

ألمانيا لانسحاب عسكري من «الساحل الأفريقي» على خطى فرنسا وبريطانيا

المستشار الألماني أولاف شولتس يتفقد قاعدة للقوات الألمانية في النيجر (أرشيفية - رويترز)
المستشار الألماني أولاف شولتس يتفقد قاعدة للقوات الألمانية في النيجر (أرشيفية - رويترز)

بعد أسبوع فقط من إعلان فرنسا رسمياً إنهاء عملية «برخان»، آخر وكبرى عملياتها العسكرية في دول الساحل الأفريقي، رجحت تقارير ألمانية إقدام برلين على خطوة مماثلة بسحب ما تبقى من قواتها في مالي، لتنهي بذلك وجودها العسكري في تلك المنطقة التي تشهد نمواً مضطرداً لأنشطة الجماعات الإرهابية، ولتلحق بنظيرتيها الأوروبيتين؛ بريطانيا وفرنسا.
وأفاد تقرير لوكالة الأنباء الألمانية أن الحكومة الألمانية تواصل درس سحب قوات الجيش الألماني من مالي، ورغم النفي الرسمي من جانب وزارة الدفاع الألمانية اتخاذ قرار نهائي في هذا الصدد، فإن نائب المتحدث باسم الحكومة الألمانية، فولفجانج بوشنر، أبقى الباب مفتوحاً أمام التكهنات عندما أشار في تصريحات صحافية إلى أن «التشاور لا يزال جارياً في الحكومة»، مضيفاً: «لا أريد أن أستبقه هنا بتكهنات».
وكانت محطة «إن - تي في» التلفزيونية ذكرت استناداً إلى دوائر حكومية أن ديوان المستشارية ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية توصلوا إلى اتفاق مبدئي حول انسحاب الجيش الألماني من مالي في موعد أقصاه نهاية 2023.
وذكرت المحطة أنه من المنتظر اتخاذ قرار نهائي بشأن استمرار المهمة الألمانية في مالي، منتصف الأسبوع المقبل، خلال اجتماع لكبار الساسة، يشارك فيه المستشار أولاف شولتس، ووزيرة الخارجية أنالينا بيربوك، ووزيرة الدفاع كريستينه لامبرشت.
وتتعرض الحكومة الألمانية لانتقادات داخلية متصاعدة من جانب نواب وسياسيين، يعتقدون في عدم جدوى للوجود العسكري الألماني في دول الساحل، ويطالبون بسحب فوري لما تبقى من تلك القوات، ومعظمهم من المشاركين في مهمة «مينوسما» التي تقودها الأمم المتحدة حالياً، وتشير تقديرات إلى مشاركة ألمانيا فيها بنحو 1200 جندي يتمركزون في مالي.
كانت الخارجية الألمانية أعربت في فبراير (شباط) الماضي عن رفض برلين مشاركة جيشها في مهام قتالية في دول الساحل الأفريقية، وجاء الرفض رداً على مطالبة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الدول الأوروبية بـ«مشاركة أكبر في مكافحة التطرف الإسلامي في منطقة الساحل الأفريقي»، موضحاً أن «ما يحدث في هذه المنطقة ليس مهماً فقط لسكانها، لكن أيضاً للأمن الأوروبي». وأشار وزير الخارجية الألماني آنذاك، هايكو ماس، إلى أن الجيش الألماني يشارك بالفعل في مهمة تدريبية، وفي مهمة تابعة للأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في مالي، وقال: «هذا جهد كبير ومهمة خطيرة، ولا ننوي المشاركة في مهمات أخرى في الوقت الحالي».
وكان البرلمان الألماني (بوندستاغ) أصدر مطلع العام الحالي قراراً تضمن نوعاً من «الانسحاب المشروط» من المهام العسكرية في منطقة الساحل، وأشار خلال مناقشة التمديد الدوري لتفويض الجيش الألماني «بوندسفير» ضمن مهمة «مينوسما» إلى أنه «إذا لم تعد رعاية وحماية الجنود الألمان مضمونة بشكل كافٍ، فينبغي اتخاذ تدابير لتعديل المساهمة الألمانية، بما في ذلك إنهاء المهمة».
وانتقد برلمانيون ألمان استمرار الوجود العسكري لبلادهم في مالي ودول الساحل المجاورة بغرب أفريقيا، في ضوء التطورات الأخيرة، وتصاعد التوتر مع القوى الأوروبية الموجودة بالمنطقة. وقالت سيفيم داغديلين، عضوة البرلمان الألماني، والمتحدثة في شؤون العلاقات الدولية ونزع السلاح في كتلة حزب اليسار، في تصريحات إعلامية سابقة بشأن الوجود العسكري في منطقة الساحل الأفريقي، إن «نشر القوات المسلحة الألمانية يتحول أكثر وأكثر إلى كارثة تامة، إذ لم يتم تأمين سلسلة الإنقاذ، ولا تأمين الحماية الكافية من الجو»، مضيفة: «مواصلة ترك الجيش الألماني هناك هو عمل غير مسؤول».
وتكررت الخلافات في الفترة الأخيرة بين الحكام العسكريين في مالي ومهمة «مينوسما» الأممية، كما أعلنت بريطانيا مؤخراً سحب جنودها من مالي، وبررت ذلك بتنامي القلق حيال التعاون العسكري بين مالي وروسيا.
وأعلن الرئيس الفرنسي، ماكرون، الأربعاء الماضي، رسمياً انتهاء العملية العسكرية التي تقودها بلاده في منطقة الساحل، وقال: إن الاستراتيجية الفرنسية الجديدة في أفريقيا ستكون جاهزة في غضون 6 أشهر بعد مشاورات باريس مع شركائها في القارة.
وشهدت مالي 3 انقلابات عسكرية خلال السنوات العشر الماضية، وتولى الحكم في البلاد حكومة انتقالية عسكرية منذ آخر انقلاب في مايو (أيار) 2021.
وتزايد العداء للوجود الأوروبي عموماً، وللدور الفرنسي على وجه الخصوص، بين سكان دول الساحل، وساعدت وسائل التواصل الاجتماعي في إذكاء الغضب الشعبي من وجود القوات الأوروبية.
ويخشى الأوروبيون مع تكرار عمليات الانسحاب من منطقة الساحل من ترك المجال مفتوحاً أمام النفوذ الروسي في مالي، في حين يتهم الغربيون المجلس العسكري الحاكم في مالي بـالاستعانة بمجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية، وهو ما يعتبره الخضر عبد الباقي، الباحث السياسي النيجيري المختص في الشؤون الأفريقية، من التحديات والإشكالات المهددة للوضع الأمني في منطقة الساحل والصحراء؛ حيث يبرز عدم التوافق في رؤى كثير من دول المنطقة في التعامل مع القضايا الأمنية واستراتيجيات مقاربتها، الأمر الذي يجلب تنافساً كبيراً بين القوى الدولية الكبرى في أفريقيا وفي منطقة الساحل والصحراء على وجه الخصوص، فرغم اتفاق الأطراف جميعها والدول المعنية في المنطقة على المخاطر الأمنية المهددة لها ولاستقرارها، فإن أسلوب التعاطي وطرق المواجهة يتسم أحياناً بالتناقض والتحفظ ومحل رفض لدى بعض الدول المعنية في الساحل والصحراء نفسها.
ويضيف: «العمليات المدعومة من قبل قوات أجنبية، سواء تحت مظلة الأمم المتحدة أو المبادرات الأوروبية والفرنسية خاصة، لم توقف المخاطر والتهديدات الأمنية بشكل نهائي، بسبب غياب المشاركة الحقيقية الفاعلة للجيوش الوطنية، إضافة إلى عدم امتلاكها قدرات ومهارات قتالية في مستوى التهديدات والتحديات الفعلية التي تواجه هذه الدول، سواء كان مصدرها شبكات التهريب أو الجماعات الإرهابية».
ويطالب عبد الباقي بضرورة إيجاد بديل وطني للقوات الأجنبية العاملة في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، علاوة على زيادة مستوى التنسيق الأمني المحلي بين الدول المعنية بأمن تلك المنطقة.
في المقابل، يعتبر بهاء محمود، الباحث المختص بالشؤون الأوروبية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الانسحاب المتوقع للقوات الألمانية، وقبلها القوات الفرنسية والبريطانية، «مسألة منطقية» في ضوء المتغيرات المحيطة بظروف عمل تلك القوات، وتنامي المشاعر العدائية تجاه وجود القوات الأجنبية الأوروبية في غرب أفريقيا، باعتبارها رمزاً للاستعمار القديم.
ويضيف أن تعارض المصالح الأوروبية يدفع كذلك بتفكك أي عمليات مشتركة بين تلك الدول، ففرنسا هي القوة الأساسية صاحبة المصالح الكبرى في الغرب الأفريقي، وبالتالي كان لها الحضور العسكري الأقوى والأكبر عدداً، وبالتالي عقب انسحاب فرنسا، فإنه يبدو من الصعب أن تتحمل ألمانيا صاحبة الحضور الرمزي عسكرياً، والتي لا ترتبط بمصالح كبيرة في منطقة الساحل، عبء الاستمرار في منطقة لا تبدو مرحبة بالوجود الأوروبي.
وحول إمكانية تشكيل قوة أوروبية مشتركة يمكن أن توجد في المنطقة للحد من التمدد الروسي في المقام الأول، وبعض القوى الأخرى مثل تركيا بدرجة أقل، استبعد محمود قدرة الأوروبيين في الوقت الراهن على اتخاذ أي خطوات موحدة، بالنظر إلى التباين العميق، حتى الصراع أحياناً حول شبكة المصالح في كثير من المناطق، سواء داخل أوروبا، أو في أفريقيا والشرق الأوسط.
وتابع القول إن الحضور الروسي في منطقة الساحل وغرب أفريقيا بات حقيقة واقعة، بل محل ترحيب من قوى أفريقية عدة، نظراً لعدم ارتباط الروس ومثلهم الصينيون بتاريخ استعماري يثير حفيظة شعوب تلك المنطقة، علاوة على أن الدعم الروسي عبر شركة «فاغنر» لا يمر بتعقيدات سياسية وعسكرية حتى حقوقية، كتلك التي تفرضها القوى الأوروبية عند التعامل مع الدول الأفريقية، كما أن تركيا تتمدد في صمت بتلك المنطقة، سواء عبر دور ديني نشط، أو وجود دبلوماسي وتجاري مكثف، تترجمه زيادة عدد البعثات الدبلوماسية التركية في أفريقيا من 12 بعثة فقط قبل بضعة أعوام إلى 46 بعثة حالياً.


مقالات ذات صلة

رئيس نادي شتوتغارت: نتفهم عدم رضا الجماهير عن بيع أسهم رابطة الدوري

الرياضة رئيس نادي شتوتغارت: نتفهم عدم رضا الجماهير عن بيع أسهم رابطة الدوري

رئيس نادي شتوتغارت: نتفهم عدم رضا الجماهير عن بيع أسهم رابطة الدوري

أبدى أليكساندر ويرل، رئيس نادي شتوتغارت، تفهمه لعدم رضا الجماهير عن خطط رابطة الدوري الألماني لكرة القدم، لبيع أجزاء من أسهمها للمستثمرين. وقال رئيس شتوتغارت في تصريحات لصحيفة «فيلت»، اليوم الأربعاء: «إنهم يخشون أن تذهب الأموال للاعبين ووكلائهم، يجب العلم بأن ذلك لن يحدث في تلك الحالة». وتنص اللوائح على عدم إمكانية امتلاك أي مستثمر لأكثر من 50 في المائة من الأسهم، باستثناء باير ليفركوزن، وفولفسبورغ المدعوم من شركة فولكسفاجن، وتوجد طريقة للتحايل على تلك القاعدة، وهي الاستثمار في القسمين (الدوري الممتاز والدرجة الثانية). وكان يتعين على الأطراف المهتمة تقديم عروضها بحلول 24 أبريل (نيسان) الماضي ل

«الشرق الأوسط» (شتوتغارت)
العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
العالم سوري مشتبه به في تنفيذ هجومين بسكين في ألمانيا

سوري مشتبه به في تنفيذ هجومين بسكين في ألمانيا

أعلن مكتب المدّعي العام الفيدرالي الألماني، اليوم (الجمعة)، أن سورياً (26 عاماً) يشتبه في أنه نفَّذ هجومين بسكين في دويسبورغ أسفر أحدهما عن مقتل شخص، وفقاً لوكالة «الصحافة الفرنسية». وذكرت النيابة العامة الفيدرالية في كارلسروه، المكلفة بأكثر القضايا تعقيداً في ألمانيا منها «الإرهابية»، أنها ستتولى التحقيق الذي يستهدف السوري الذي اعتُقل نهاية الأسبوع الماضي. ولم يحدد المحققون أي دافع واضح للقضيتين اللتين تعودان إلى أكثر من 10 أيام. وقالت متحدثة باسم النيابة الفيدرالية لصحيفة «دير شبيغل»، إن العناصر التي جُمعت حتى الآن، وخصوصاً نتائج مداهمة منزل المشتبه به، كشفت عن «مؤشرات إلى وجود دافع متطرف ور

«الشرق الأوسط» (برلين)
الخليج وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيرته الألمانية تطورات الأحداث في السودان

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيرته الألمانية تطورات الأحداث في السودان

تلقى الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، اتصالاً هاتفياً، اليوم (الخميس)، من وزيرة خارجية جمهورية ألمانيا الاتحادية أنالينا بيربوك. وبحث الجانبان خلال الاتصال، التطورات المتسارعة للأحداث في جمهورية السودان، وأوضاع العالقين الأجانب هناك، حيث أكدا على أهمية وقف التصعيد العسكري، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضها، وتوفير الممرات الإنسانية الآمنة للراغبين في مغادرة الأراضي السودانية. وناقش الجانبان القضايا والمستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها تعزيز جهود إرساء دعائم السلام التي يبذلها البلدان الصديقان بالمنطقة والعالم.

«الشرق الأوسط» (جدة)
العالم القبض على سوري مشتبه به في تنفيذ هجوم الطعن بألمانيا

القبض على سوري مشتبه به في تنفيذ هجوم الطعن بألمانيا

ألقت السلطات الألمانية ليلة أمس (السبت)، القبض على شخص مشتبه به في تنفيذ هجوم الطعن الذي وقع مساء الثلاثاء الماضي، في صالة للياقة البدنية بمدينة دويسبورغ غرب البلاد. وصرح الادعاء العام الألماني في رد على سؤال من وكالة الأنباء الألمانية، بأن هذا الشخص سوري الجنسية ويبلغ من العمر 26 عاماً. وأدى الهجوم الذي قالت السلطات إنه نُفذ بـ«سلاح طعن أو قطع» إلى إصابة 4 أشخاص بجروح خطيرة.


مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية، وهي أهم مدينة في شمال مالي والعاصمة التاريخية للمتمردين الطوارق.

جاء ذلك على لسان قائد أركان الجيوش العامة في مالي، الفريق جان إليزي داو، خلال زيارة لمدينة كيدال، انتهت، الاثنين، حيث قال إن الجيش «لن يتوقف عند كيدال»، واصفاً استعادة السيطرة عليها من يد المتمردين بأنها «مجرد مرحلة»، مؤكداً أن العمليات ستستمر في القطاعات الأخرى التي لا تزال فيها جماعات مسلحة.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» خلال سيطرتهم على كيدال (أ.ف.ب)

وتفقد داو الوحدات العسكرية التي شاركت في استعادة السيطرة على مدينة كيدال، ضمن عملية «دوغوكولوكو» العسكرية، ناقلاً إليها تهنئات سلطات المرحلة الانتقالية، وشاكراً شركاء بلاده، ولا سيما «الفيلق الأفريقي» الروسي.

وبحسب مصادر عسكرية تحدثت لصحف محلية، فإن المرحلة التالية من العملية العسكرية قد تستهدف مدن تسليت وتينزواتين قرب الحدود الجزائرية، وهما منطقتان تعرضتا لضربات جوية، وأي تحرك بري نحوها يعني مواجهة حاسمة تعيد إلى الأذهان ما حدث عام 2024، حين تلقى الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية خسارة فادحة بالقرب من تينزواتين.

وكان الجيش المالي، قد أعلن يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إطلاق عمليات جوية وبرية في تلهنداك شمال كيدال ومنطقة تسليت، وأسفرت عن السيطرة على مدينة كيدال، وذلك بعد انسحاب المتمردين منها دون قتال.

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

وشرح الفريق داو أن التحضير للهجوم بدأ قبل إطلاقه بوقت طويل، مذكّراً بانسحاب الجيش من كيدال في 26 أبريل (نيسان) 2026، إثر هجوم عنيف شنه المتمردون آنذاك، وأكد قائد أركان الجيش أن الجيش منذ انسحابه من كيدال قبل 6 أشهر لم يتخلَّ عن فكرة العودة.

وقال إن القوات سعت أولاً إلى إضعاف الجماعات بضرب قدراتها اللوجستية وأسلحتها، ثم تقدمت نحو أنيفيس ثم كيدال، مشيراً إلى أن الجماعات «فضلت الانسحاب بدل المواجهة»، بينما لاحقت الوسائل الجوية بعض عناصرها. واتهم الجماعات التي احتلت المدينة بالعنف الجنسي والنهب والقتل، ونسب إليها وجود «مقاتلين أجانب» شاركوا في انتهاكات، ووصفها بجرائم حرب.

من جهته، ردّ المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» محمد مولود رمضان على تصريحات قائد الجيش المالي بالقول: «إنَّ هذا المجرم يؤكد صراحة ما نقوله منذ البداية: لقد دُمّرت البنى التحتية دون تمييز، ويُستهدف المدنيون عمداً»، وذلك في إشارة إلى تصريحات قائد الجيش بأنهم عملوا على أن تكون «كيدال مدينة غير صالحة لأن يستقر فيها العدو».

وقال المتحدث باسم المتمردين إن قوات الجبهة «لم تقضِ يوماً ليلة واحدة في كيدال»، وإن الدفاع عن مدينة «لا يعني إبقاء القوات فيها بشكل دائم»، مشدداً على أن كيدال «أصبحت مدينة لا تُطاق بالنسبة لسكانها المدنيين».

وكانت الجبهة قد أعلنت في السادس من أكتوبر «انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً»، وقالت إنه تم دون قتال بري، بسبب الضربات الجوية التي نفذها الجيش وقوات «الفيلق الأفريقي»، واتهمت قبل ذلك الجيش بقصف «أسر نازحة عند الحدود الجزائرية ومخيمات للرحل».

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

كانت الجبهة وتنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابع لـ«القاعدة» قد سيطرا على كيدال في هجمات أبريل الماضي، وهي الهجمات التي قُتل فيها وزير الدفاع المالي السابق الجنرال ساديو كامرا، لتبقى مدينة كيدال بيد الجبهة نحو 5 أشهر.

ودخل الجيش و«الفيلق الأفريقي» كيدال في السابع من أكتوبر بعد عمليات جوية وبرية بدأت قبل 3 أيام، وذلك في محطة جديدة من الحرب ظلت مدينة كيدال هي محورها، حيث كانت دوماً تتأرجح ما بين المتمردين والسلطة، بينما يرغم سكانها كل مرة على الفرار.

وقالت بيفرلي أوتشينغ من «كونترول ريسكس» لـ«رويترز» إن استعادة كيدال رمزية وليست «حاسمة» في الحملة ضد الجماعات الإرهابية والانفصالية، رغم أنها ترفع معنويات الجيش، وتمنح «الفيلق الأفريقي» الروسي فرصة لاستعادة دوره بعد خسارته مواقع منذ أبريل الماضي. أما تينزواتين، المرشحة لتكون الهدف اللاحق، فكانت ساحة لمعركة في 2024 انتصرت فيها جبهة تحرير أزواد (المتمردين) وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة) على الجيش المدعوم آنذاك من طرف «فاغنر» التي خسرت العشرات من مقاتليها.


مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
TT

مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)

أفاد مسؤولون، الاثنين، بأن اشتباكات وقعت، الأسبوع الماضي، بين جماعات مسلحة من مجتمعات متنافسة في وسط جنوب السودان أسفرت عن مقتل العشرات، وتسببت في اكتظاظ مستشفى بالجرحى.

وأضاف المسؤولون أن القتال اجتاح منطقة رومبيك في ولاية البحيرات، يوم الجمعة الماضي، بينما كان جنود الحكومة وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يحاولون الحفاظ على النظام.

وقالت وزارة الإعلام في جنوب السودان إن نحو 70 شخصاً قُتلوا، بينهم 4 جنود، لكن الحصيلة الدقيقة لم يتم التحقق منها بعد.

وقال تيران ماديت، وهو مسؤول في مستشفى رومبيك الحكومي، لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء عبر الهاتف، الاثنين: «لقد تدفق مصابون بطلقات نارية على المستشفى». وأضاف أن المستشفى استقبل أكثر من 50 جريحاً، معظمهم بإصابات في الصدر.


تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
TT

تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

استدعت تشاد، الأحد، سفير جمهورية أفريقيا الوسطى لديها لتقديم احتجاج رسمي على ما وصفته بتوغل عسكري قام به جيش أفريقيا الوسطى (السبت) في بلدة أبناباك بمنطقة تيسي، قرب الحدود الثلاثية مع السودان.

وقالت الحكومة التشادية إن الحادثة أوقعت عدة جرحى بحالة خطيرة، بينهم عسكريون ومدنيون، من دون أن تعلن حصيلة بالأرقام. وأبلغ وزير خارجية تشاد أحمد كوغري السفير بأن الأفعال «خطيرة» ولا يمكن عدّها حوادث معزولة، مذكّراً بأن البلاد سجلت منذ 2021 عدة توغلات في المنطقة الحدودية، وأن تكرارها «غير مقبول» و«لن يمر دون عواقب».

وطلب الوزير من بانغي تقديم تفسيرات دقيقة وتوضيحات عاجلة، كما طلب من السفير نقل الاحتجاج الرسمي و«التحذير الشديد» إلى حكومته، مؤكداً تمسك بلاده بسيادتها ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها.

وفي رواية أخرى، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري تشادي أن قوات روسية قصفت موقعاً لمتمردين من جمهورية أفريقيا الوسطى بعد دخولهم الأراضي التشادية، ما أوقع عدة جرحى. ولم يرد هذا الاتهام في بيان الحكومة.

رواية بانغي

على صعيد آخر، أعلن جيش أفريقيا الوسطى (السبت) أنه نفذ، بدعم من حلفائه الروس، «أعمالاً وقائية» ضد «مرتزقة أجانب» لم يحدد هويتهم. وقالت وزارة الدفاع إن ضربات جوية وعمليات برية استهدفت جماعات مسلحة في منطقة الحدود الثلاثية بمحافظة فاكاغا لإحباط هجوم وشيك على مواقع الجيش. وأكدت الوزارة أن جميع المهاجمين «حُيّدوا»، دون تقديم حصيلة بشرية ولا إشارة إلى دخول الأراضي التشادية. كما لم يصدر أي رد من حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى على الاحتجاج التشادي، حتى زوال يوم الاثنين.

وذهبت «سبوتنيك» الروسية، نقلاً عن «مجتمع الضباط للأمن الدولي»، إلى أن العملية نُفذت بالتعاون مع «متخصصين عسكريين روس»؛ إذ يوجد في جمهورية أفريقيا الوسطى عناصر من «الفيلق الأفريقي» الذي يتبع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وحل محلَّ مجموعة «فاغنر» الخاصة.

وبحسب «سبوتنيك»، فإن العملية جرت في منطقة نابغاي–تيسي، واستهدفت نحو 200 مقاتل، وأسفرت عن أكثر من 60 قتيلاً وجريحاً، وأن الجماعات كانت تخطط لهجوم في النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) بإشراف «غربيين»، وأن بانغي أبلغت أنجامينا بوجود مقاتلين على أراضيها.

سوابق وسياق

لا تبدو أنها كانت الحادثة الأولى في هذه الحدود؛ ففي مايو (أيار) 2021 اتهمت أنجامينا جيش أفريقيا الوسطى بمهاجمة مخفر سورو داخل أراضيها، وقتل جندي وخطف خمسة وإعدامهم، في حين اقترحت بانغي لجنة تحقيق مشتركة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 اتهمت بانغي دولة مجاورة بقصف قواتها وحلفائها الروس.

وتنشط في الشمال الشرقي لأفريقيا الوسطى جماعات مسلحة، وتتأثر المنطقة بحرب السودان، وشهدت بلدة أم دافوك في أفريقيا الوسطى هجوماً في 30 يونيو (حزيران) قال الجيش إنه أوقع نحو عشرين قتيلاً، في حين تحدثت مصادر محلية عن 28 قتيلاً.

وتُعتبر هذه المنطقة الحدودية ما بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، خاصة حول تيسي، وأم دافوك، وبيراو، من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في وسط أفريقيا، وتتميز بحدود مسامية، وبضعف السيطرة الحكومية، بالإضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة متعددة، وتأثيرات مباشرة من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023.