مائة عام من أزمة الهوية في تركيا

إردوغان يكافح من أجل استمرار حياته السياسية.. و«حلم الدولة العثمانية الجديدة» أصبح وهما

مائة عام من أزمة الهوية في تركيا
TT

مائة عام من أزمة الهوية في تركيا

مائة عام من أزمة الهوية في تركيا

في يوم بارد من شهر سبتمبر (أيلول)، في سيكتوار جنوب المجر، خطب السلطان العثماني سليمان، الذي يعرفه رعاياه بـ«القانوني»، وهو يحتضر، على حاشيته، ما اشتهر بـ«خطبة فراش الموت». كان السلطان في سبيله إلى مغادرة عالم الأحياء تاركا إمبراطورية، هي أكبر دولة إسلامية، في قمة قوتها ومجدها. اعترف أعداؤه المسيحيون بعظمته حتى أنهم وصفوه بـ«العظيم». ورغم انتصاراته العسكرية الكثيرة ونجاحاته العظيمة في إقامة إدارة ذات كفاءة، فإن سليمان كان على دراية تامة، بأن تحقيق إمبراطورية عظيمة شيء والحفاظ على وجودها بين القوى العظمى شيء آخر. أثبتت القرون التالية لوفاته، صحة مخاوفه، حيث تحولت الإمبراطورية العثمانية إلى «رجل أوروبا المريض». ووضعت الحرب العالمية الأولى نهاية لهذه القصة البائسة، مع تفكك الدولة العثمانية تحت وطأة ضغوط الهزيمة الخارجية والتمرد الداخلي. أدى انهيار الدولة العثمانية، إلى ظهور 30 دولة قومية ذات أشكال وأحجام مختلفة في ثلاث قارات. بطريقة ما تَشكَل تاريخ الشرق الأوسط، وربما حتى تاريخ العالم، خلال الأعوام المائة الماضية، جراء الاهتزازات التالية لسقوط الدولة العثمانية. ما تبقى كان الظهير الأناضولي، بالإضافة إلى موطئ قدم في أوروبا في صورة إسطنبول وضواحيها. وفي العشرينات، أسس الجنرال مصطفى كمال (أتاتورك) دولة تركية من بقايا الإمبراطورية العثمانية.

جرى التسويق لتركيا الجديدة كدولة أوروبية آسيوية قديمة، يميزها الدم واللغة والثقافة بدلا من العقيدة الإسلامية كما كانت في عهد العثمانيين. استند عهد أتاتورك الجديد إلى إقامة نظام سياسي علماني يستقدم فيه مظاهر الديمقراطية الغربية مثل نظام الحكم البرلماني. على مدار الأعوام الثلاثين الماضية، لم يحقق هذا المشروع نجاحا بنسبة مائة في المائة، ولكنه استطاع بث شعور قوي بالتلاحم بين غالبية المواطنين.

* النموذج التركي
بعيدا عن فرض الدولة قيودا صارمة على الإسلام، فإن النموذج التركي، يتمتع بعدد من السمات الأخرى الخاصة. تتضمن هذه الخصائص دورا خاصا للقوات المسلحة كضامن رئيس للنظام القائم. وفي محاولة لمحاكاة النظام الديمقراطي الغربي، أقام أتاتورك حزبين سياسيين، أحدهما يتبنى نبرة يمين الوسط، في حين يميل الآخر إلى يسار الوسط. ولكنه اختار جنرالين، هما عصمت إينونو وفوزي جاكماق، لرئاسة الحزبين، بينما حصل ضباط جيش متقاعدون، على نصيب الأسد في مناصب الحكومة.
من سمات «النموذج التركي» الأخرى، كانت النزوع إلى المركزية. وقبل أن يستحدث رئيس الوزراء، تورغوت أوزال، مجموعة من الإصلاحات، في نهاية ثمانينات القرن الماضي، كانت حتى الشؤون الروتينية في القرى النائية، خاضعة لسيطرة الحكومة المركزية في أنقرة. دافع الكماليون عن صورة متطرفة من القومية، تضمنت ملكية الدولة وسيطرتها على أهم الموارد الطبيعية. ومن جديد استمر ذلك حتى نهاية الثمانينات عندما سُمح للاستثمارات، بما فيها الأجنبية، بتطوير هذه الموارد وتسويقها. نتيجة لذلك، أصبح سوء الأداء الاقتصادي ملمحا أساسيا في النظام التركي. وأجبر الانفجار السكاني بين فترتي الأربعينات والسبعينات من القرن الماضي، ملايين من الأتراك على الهجرة إلى غرب أوروبا، خاصة ألمانيا الغربية والشرق الأوسط بحثا عن عمل.
نتج عن الفكر القومي للنظام الكمالي تبعات أخرى، إذ أجبر الجمهورية الجديدة على فتح أبوابها أمام ملايين من البشر الذين يتحدثون بصور متنوعة من اللغات التركية بعد أن طردوا من أوطانهم. وفي مبالغة في تنفيذ تقليد بدأته روسيا القيصرية، طرد الاتحاد السوفياتي ما يُقدر بأربعة ملايين تركي من الأراضي الخاضعة له؛ ذهب أغلبهم إلى تركيا. كما أُخرجت مجموعات تركية من اليونان وما كان يسمى بيوغوسلافيا في ذلك الوقت. وفي السبعينات، طرد الديكتاتور صدام حسين آلافا من التركمان من شمال العراق إلى تركيا. ووقع آخر ترحيل جماعي للأتراك في بلغاريا في عام 1989. عندما طرد الرئيس تيودور جيفكوف، أكثر من نصف مليون من ذوي الأصول التركية عبر الحدود. وفي التسعينات، فتحت تركيا أبوابها أمام ما يقرب من 400 ألف أذري لاجئ، يتحدثون لغة قريبة من التركية، قادمين من مرتفعات قرة باغ. وباتت تركيا تضم، أيضا، ما يقرب من 1.2 مليون شخص من أصول أذرية قادمين من إيران. ولم يقتصر استغلال اللاجئين في السياسة على الدول المجاورة لتركيا. استخدمت حكومات تركية متعاقبة اللاجئين من أجل تغيير التكوين الديموغرافي لمناطق متنوعة في الجمهورية. وعلى مدار عقود، أعيد إسكان قطاع عريض من اللاجئين المتحدثين بالتركية من البلقان، وبدرجة أقل من روسيا، في مناطق تركية كانت غالبية سكانها المحليين من المجتمعات الكردية أو المتحدثة بالعربية.
وفي حين اعتمد أتاتورك أساسا، على دعاية وتعليم جماعي ينفيان أهمية الإسلام في الثقافة التركية، لم يتورع عن استخدام القوة لسحق المعارضين إذا لزم الأمر. على سبيل المثال، أرسل عام 1925. جيشه لوأد تمرد قروي في مهده، قاده الشيخ سعيد، الذي وصف ذاته بالخليفة الجديد المرسل من الله لإعادة سلطة الإسلام على الأرض. وفي عام 1930. أثار قرار حظر ارتداء النساء الحجاب وتربية الرجال اللحى، سلسلة من الانتفاضات في المناطق الحضرية، من بينها إسطنبول وأنقرة. ومرة أخرى، استدعت الحاجة تدخل الجيش لتهدئة الأوضاع. وحتى في ذلك الوقت، ربما كانت سياسة أتاتورك بالتخلص من مظاهر الإسلام، ستواجه صعوبات أكبر لو لم يحظ بدعم بعض الأقليات الدينية ومن بينها المسيحيون. ولكن كانت أهم المجموعات الدينية التي تدعم حركة أتاتورك العلمانية، هي الطائفة العلوية، المقتصرة على فئة خاصة متأثرة بالشيعة الاثني عشرية ولكنها مختلفة عنها. ففي مطلع عام 1923، تولى العلويون دورا بارزا في حركة (المستنيرين) وأنشأوا نوادي علمانية في المدن الكبرى.

* عودة الإسلام
علم خليفة أتاتورك، عصمت إينونو، وهو الآخر جنرال وأحد أبطال حرب الاستقلال، أن هذا النوع من العلمانية الذي تنشره الجمهورية الجديدة، لا يلقى قبولا كبيرا بين الجماهير من القرويين الأتراك في جميع أنحاء بلاد الأناضول. فقد ظلت المساجد مزدحمة، واستمرت النساء في ارتداء الحجاب في الكثير من المناطق. ووجد الكثير من الأتراك طرقا لافتة إلى مكة لأداء فريضة الحج. في عام 1949. حاول إينونو مد غصن الزيتون إلى الأتراك المتدينين، بتعيين الإسلامي البارز، محمد شمس الدين كُنالطاي، رئيسا للوزراء، في خطوة أثارت قلق الجيش. واتضح، بعد ذلك، أنها أولى الأزمات التي تسببت بها محاولات السماح بعودة بعض من الرؤى الإسلامية إلى السياسة التركية. وبعد عام، رفع رئيس وزراء آخر هو عدنان مندريس، قائد الحزب الديمقراطي، الحظر الذي فرضه أتاتورك على الأذان، وأمر الشرطة بعدم اعتقال من يمسك بهم في المساجد وهم يصلون باللغة العربية. وظل السؤال إذا ما كان مندريس يمتلك أجندة خفية لتقويض النظام العلماني محلا للنقاش الساخن على مدار عقود. ولكن حتى لو امتلك مثل تلك الأجندة، فمن المرجح أن دافع الحسابات الانتخابية أكبر من ارتباطه الآيديولوجي بالإسلام. في الخمسينات، في أول انتخابات عامة تشهد منافسة حرة في التاريخ التركي، رجع الفضل في التأييد الحاشد الذي حظي به حزب مندريس إلى المناطق شديدة التدين في تركيا، بينما اجتذب منافسه حزب الشعب الجمهوري، تأييد المناطق الحضرية الأكثر تَغربا. أزعجت سياسات مندريس الجيش والأوساط العلمانية الراديكالية. وفي عام 1960، قام الجيش بقيادة رئيس الأركان جمال جورسيل، بأول انقلاب عسكري في تاريخ الجمهورية للإطاحة بالحكومة، وجرى شنق مندريس ذاته بينما ظل الرئيس المطاح به، محمد جلال بايار، مسجونا لأعوام.
في الستينات، كان الاعتقاد العام بين الخبراء، هو أن الإسلام أصبح منتهيا في الحياة السياسية التركية. وفي عام 1969. رفض رئيس الوزراء، سليمان ديميرل، حضور أول مؤتمر قمة إسلامي يعقد في الرباط في المغرب. ولكن بعد أقل من عامين، بدأ ديميرل في بث أفكار إسلامية في خطابه، من أجل الفوز بالانتخابات والبقاء رئيسا للوزراء حتى انقلاب عام 1971 الذي قاده الجنرال ممدوح تاجماك. وفي حين ادعى الجيش أنه تدخل لسحق إرهابيي العصابات اليسارية، فإن كبار الضباط أعربوا أيضا عن استيائهم من مغازلة ديميرل للجماعات الإسلامية، ومن بينها حزب النظام الوطني (الذي ظهر في البداية في عام 1969 تحت قيادة نجم الدين أربكان ولكن جرى حله باتهامات معاداة العلمانية). وكانت من أقدار ديميرل، أن تجري الإطاحة به مرة أخرى، من منصب رئيس الوزراء في عام 1980، عندما وجه الجيش، بقيادة الجنرال كنعان أفرين، انتقادات قاسية للسياسي القديم لتشكيله ائتلافا ضم حزب السلامة الوطني بقيادة أربكان.
بعد ستين عاما من بداية الحركة الكمالية، اتضح أمر واحد: محو الإسلام من السياق السياسي والثقافي التركي ليس ممكنا. وفي الوقت ذاته، اتفق الكثير من الأتراك، ربما أغلبيتهم، بعد انزعاجهم من تجربة إيران المأساوية في ظل النظام الإسلامي، على أن تولي الإسلام القيادة السياسية يمثل خطورة كبيرة على الجمهورية التي ما زالت هشة. كان الحل هو التوسع في تنوع الأطياف السياسية، بعيدا عن الآيديولوجيات التقليدية المطروحة منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية. كذلك لم يحظ المفهوم الضيق للقومية التركية، الذي دافعت عنه جماعات يمينية متطرفة مثل الذئاب الرمادية، بشعبية كبيرة، نظرا لأنه لم يتمكن من تلبية الاحتياجات المتنامية إلى رفع مستويات المعيشة.
منذ الثمانينات، تطلعت بعض دوائر النخبة السياسية، وخاصة أمثال أوزال الذي امتلك رؤية استراتيجية، إلى تكوين رؤية بديلة للإسلام السياسي والقومية التركية. لم يخش أوزال من الاستشهاد بآيات القرآن في حملته الانتخابية، واختار أيضا أن يُذكِر جمهوره بأن له أصلا كرديا يرجع إلى جدته. ومن خلال معرفته العميقة بالأدب والتاريخ التركيين أثار إعجاب دوائر الناخبين المهتمين بالقومية التركية. ولكن كان أهم إسهام له في النقاش السياسي هو إثارة الحماس الوطني، وليس التعطش لتحقيق النمو الاقتصادي ورفع مستويات المعيشة. بعد إخفاق أربكان، وجدت وصفة أوزال مردودا بين جيل جديد من السياسيين الإسلاميين من بينهم رجب طيب إردوغان. فتبنوا استراتيجية تعتمد على بناء قاعدة تأييد واسعة حول البلاد على المستوى المحلي من خلال برنامج لمكافحة الفساد وتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل. كان نجاح إردوغان في منصب عمدة إسطنبول أكبر مدن البلاد التي يسكنها 20 في المائة من إجمالي السكان، انقلابا رئيسا، فقد حولت إدارته الفعّالة لشؤون المدينة وتطهيره للإدارات ونجاحه في جذب استثمارات جديدة، إسطنبول من مدينة تعاني من الانهيار إلى مدينة حديثة كبرى مزدهرة. في ظل هذا الإنجاز، لم يجد إردوغان صعوبة كبيرة في إطلاق حركة إسلامية جديدة، متمثلة في حزب العدالة والتنمية. تعني الحروف الأولى من اسم الحزب باللغة التركية «الأبيض» في إشارة إلى نية إردوغان إلى التأكيد على برنامجه في مكافحة الفساد. في الانتخابات العامة التي أجريت في عام 2002. فاز حزب العدالة والتنمية بنسبة 34 في المائة من الأصوات، ولكن بفضل نظام محاصصة يعطي أفضلية للفائز، حصل الحزب على أغلبية مقاعد الجمعية الوطنية الكبرى (البرلمان). في ذلك الوقت، استبعد كثيرون أن يكون حزب العدالة والتنمية ديناصورا باقيا من العصر الجوراسي للآيديولوجيات الإسلامية. في ظل رئاسة وزراء غُل ثم إردوغان ذاته، أثبتت الحكومة الجديدة أن هؤلاء كانوا على خطأ. توقف حزب العدالة والتنمية عن التأكيد على الآيديولوجيا التي تركز على الإصلاحات الضرورية من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وتكرر الفوز الانتخابي الذي تحقق في عام 2002 مرة أخرى في عام 2007. عندما ارتفعت نسبة الأصوات التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية إلى 41 في المائة، ثم في عام 2012 عندما فاز الحزب في ثالث انتخابات له بنسبة تقترب من 49 في المائة من الأصوات.
من جميع الجوانب، يثير سجل حزب العدالة والتنمية في الحكومة الإعجاب. في خلال عشرة أعوام، تضاعف الناتج المحلي الإجمالي في تركيا ثلاث مرات. في مطلع القرن الجديد، كان متوسط الدخل في تركيا يبلغ أقل من 20 في المائة من متوسط الدخل في الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2014، اقترب هذا الرقم من 70 في المائة. وفي الفترة ذاتها، ارتفع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الاقتصاد التركي من 3.2 مليار دولار إلى أكثر من 120 مليار دولار. وبرزت الخطوط الجوية التركية، شركة الطيران الوطنية، كواحدة من أكبر الشركات في أوروبا حيث تربط بين أكثر من 200 موقع في أربع قارات. في عام 2014، وصل عدد الشركات التركية التي تدير أنشطتها في السوق العالمية إلى 15 ألف شركة. وبسرعة أكبر، نجحت تركيا في التخلص من التضخم المزمن، وحققت استقرارا في عملتها، وخفضت بحدة نسبة الدين العام. لم يتوقف نجاح حزب العدالة والتنمية عند الاقتصاد. بعد أن تبنت تركيا منهج تصفير المشاكل فيما يتعلق بعلاقاتها مع دول الجوار، استطاعت الحد من التوترات التي أفسدت سياستها الخارجية على مدار عشرة أعوام. بل واستطاعت الحد من توترات قضية قبرص، بعد أن كانت تستنزف الموارد التركية وكانت سببا لتشتيت الانتباه عما هو أهم منذ السبعينات. كما حقق حزب العدالة والتنمية إنجازات جيدة من خلال إدخال إصلاحات سياسية واجتماعية. ولكنه لم ينجح في إيجاد حل طويل الأجل لمشكلة الأكراد في تركيا.
في عام 2010، عندما بدأت أحداث الربيع العربي، ظهر ما عده البعض «النموذج التركي» الذي يقدم حلا لمستقبل الدول الإسلامية التي تجاهد من أجل التحول إلى الحداثة والديمقراطية. قال الرئيس غُل فيما يشبه المزحة إن تركيا لا ترغب في أن تكون «آخر ذئب في قطيع الذئاب»، بل أن تكون «قائدا لقطيع الحملان». وأكد غُل على أن تركيا لديها واجب تاريخي بتولي القيادة في الإسلام. وكأنه يردد ما قاله شوكت كازان، أحد مستشاري حزب العدالة والتنمية السياسيين الرئيسين؛ في خطاب ألقاه كازان في إسطنبول عام 1991. قال: «لقد قدنا العالم الإسلامي لمدة ألف عام. فهل نجحنا في اختبار القيادة؟».
في نهاية عام 2013. بدا وكأن تركيا على وشك دخول نادي القوى العالمية، لأول مرة منذ أربعة قرون، وكأنها تُكمل من حيث توقف سليمان العظيم. لم يكن إردوغان أول سياسي تركي تراوده أحلام الإمبراطورية العثمانية. في الثمانينات، تحدث جميل تشيتشيك، الذي كان، حينها، عضوا بارزا في حزب الوطن الأم برئاسة أوزال، عن «واجب تركيا التاريخي» بتولي قيادة «دخول الإسلام إلى العالم الحديث». ولم يتوقف ادعاء تشيتشيك بأحقية تركيا في هذا الدور عند الإشارة إلى الإمبراطورية العثمانية.

* إعادة تعريف تركيا
من أجل إعادة مكانة الإسلام في محور هذه العلاقة الجديدة، كان على إردوغان البدء بإعادة تعريف تركيا ذاتها. كانت الرابطة الكمالية على أفضل حال، ستسمح لتركيا بادعاء حقها في قيادة الشعوب الناطقة بواحدة من 18 لغة من اللغات «التركية» المتفرعة من اللغات الألطية. وبدا أن إردوغان مصمم على فعل ذلك بطريقتين:
أولا، شجعت أجندته الكثير من الأتراك على إعادة تعريف هوياتهم كأقليات. على سبيل المثال، اكتشف أقلية الليزجينيون، ووعد بالسماح لأفرادها بتعليم أولادهم بـ«لغتهم الأصلية». قد يمثل ذوو أصول الليزيجينية وغيرهم من أصحاب الأصول القوقازية (ومن بينهم ذوو أصول شركسية وقراتشية وأودمورتية وداغستانية)، نحو 20 في المائة من السكان. ولكن نسي هؤلاء جميعا، تقريبا، أصولهم وانصهروا في البوتقة الكبرى الممثلة في الهوية التركية. فما الهدف من التشجيع على إعادة ظهور هويات الأقليات؟ في الوقت ذاته، كان إردوغان يقدم القليل للأقليات التي استطاعت الحفاظ على هويتها على مدار العقود التسعة الماضية. وتشكل أهم هذه الأقليات، الأكراد، الذين يمثلون نحو 15 في المائة من السكان. وكما أشير من قبل، يدين حزب العدالة والتنمية بالفضل في انتصاراته الانتخابية المتتالية، بقدر ما، إلى الأكراد. من دون تصويت الأكراد، لم يكن باستطاعة حزب العدالة والتنمية حصد أكثر من 40 في المائة من الأصوات. لكن برنامجه قدم للأكراد القليل جدا. ربما يسمح لهم باستخدام لغتهم، ولكن غير مسموح لهم الكتابة بحروف أبجديتهم. وكذلك لا يستطيعون استخدام حروف غير موجودة في الأبجدية اللاتينية التركية ولكنها موجودة في الأبجدية الكردية. توجد أقلية حقيقية أخرى تحظى بالقليل هي الأقلية العلوية، التي قامت بدور الداعم الرئيس للعلمانية في تركيا. في حين يستخدم إردوغان موارد الدولة من أجل دعم الإسلام السني، لا يستطيع العلويون حتى الحصول على تصاريح بناء لإقامة دور عبادة خاصة بهم. أما الأرمن، فلا يحصلون على شيء، ولا حتى على وعد بإجراء تحقيقات نزيهة في مزاعم تعرضهم لإبادة جماعية في عام 1915. بل ومن المخطط هدم الكثير من المواقع التاريخية الأرمنية باسم «التجديد العمراني»، وبخاصة في إسطنبول، حيث دشن إردوغان مشروعا بقيمة مائة مليار دولار لإقامة «عاصمة عالمية»، تضم أكبر مطار وأطول برج تجاري في العالم.
العمود الثاني لاستراتيجية إردوغان، يقوم على إعادة تنشيط قاعدته الإسلامية. وفي هذا الإطار، تستحوذ مئات الجمعيات، التي يسيطر عليها الإخوان المسلمون، على المساجد والمواقع الدينية والممتلكات الوقفية المملوكة للدولة – مما يمنح لحزب العدالة والتنمية قاعدة نفوذ هائلة في جميع أنحاء تركيا. قد يتضمن برنامج الخصخصة المخطط، مئات من المليارات من الدولارات، حيث تتحول مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والمصانع والعقارات، في أكثر من 200 بلدة ومدينة، وبنوك، وشركات تأمين، وشركات نقل، وغيرها من الشركات المخصصة لأغراض دينية على مدار مائة عام مضت، من ملكية الدولة إلى ملكية خاصة.
يتخذ إردوغان من «ملاذكرد» شعارا للترويج لأجندته. تشير هذه إلى معركة وقعت بين سلطان السلاجقة ألب أرسلان والإمبراطور البيزنطي رومانوس في عام 1071، التي شهدت أول انتصار عظيم تحققه جيوش المسلمين ضد المسيحيين في آسيا الصغرى. وقعت هذه المعركة قبل قرون من وصول الأتراك العثمانيين إلى المنطقة قادمين من آسيا الوسطى. قبل كشف إردوغان عن «حزمة إصلاحاته» لإعادة تعريف تركيا باثني عشر شهرا، بدا وكأنه يتربع على قمة العالم، عالمه على الأقل. ولكن مع بداية عام 2014. يبدو وكأن إردوغان يكافح من أجل استمرار حياته السياسية، وأن «حلم الدولة العثمانية الجديدة» أصبح وهما. فما سبب هذا التحول المفاجئ؟ الإجابة قصيرة: الغطرسة. بعد أن أسكرته النجاحات التي حققتها تركيا في عشرة أعوام تحت قيادته، بدأ إردوغان يتصرف بطريقة مختلفة عن شخصيته المعهودة.
كان إردوغان يدين بالفضل في نجاحه الانتخابي، إلى قدرته على تعلم الدروس الأساسية من السياسة التركية الحديثة. عندما قابلته لأول مرة في إسطنبول في التسعينات، استغرق وقتا يدافع فيه بأن السبب الجذري لتأخر التنمية النسبي في تركيا وأزمتها السياسية الدائمة تقريبا، هو تصادم الآيديولوجيات. حَوّل الكماليون مؤيدو أتاتورك تراثه من دولة علمانية إلى آيديولوجيا جامدة تتجاهل التنوع الحتمي في مجتمع معقد مثل تركيا الحديثة. وعلى الجانب الآخر من الأطياف الآيديولوجية، عد المسلمون المتدينون أن الفصل بين المسجد والدولة اعتداء مباشر على دينهم.
نجحت طريقة إردوغان في التخلص من الأدلجة في تحقيق الاستقرار السياسي في تركيا (وعلى وجه التحديد منحتها حصانة من الانقلابات)، مما مهد الطريق أمام النمو الاقتصادي. وكما أشير من قبل، على مدار الأعوام العشرة الماضية، أعادت تركيا إحياء عملتها المنهارة، ووفرت أكثر من ثمانية ملايين فرصة عمل، وتراوحت معدلات النمو الاقتصادي ما بين 6 و7 في المائة، كما انضمت إلى مصاف الدول الصناعية الناشئة. الأهم من ذلك من وجهة نظر الكثير من الأتراك، استطاع إردوغان الحد من الفساد بدرجة كبيرة، بعد أن كان متفشيا في السياسة التركية.
ولكن في بداية عام 2011، بدأ إردوغان يتصرف بأسلوب مختلف. في حملة آيديولوجية واضحة، بدأ في عملية تطهير للجيش والشرطة الوطنية من الضباط غير المهتمين بالدين إن لم يكونوا معادين له، ليُعين محلهم ضباطا على صلات بحزب العدالة والتنمية. ثم شن حملة تطهير للقضاء بترقية قضاة إسلاميين محل العلمانيين. وكان هدفه التالي هو نخبة الأعمال الكبيرة التي تشكلت بدعم من الجيش على مدار عقود. وبدأ في منح تعاقدات حكومية مربحة إلى أشخاص على صلات بحزب العدالة والتنمية، وكما أظهرت الاكتشافات الأخيرة، إلى أفراد في عائلته وحزبه وحاشيته من الوزراء. وكان هدف إردوغان التالي هو الطائفة العلوية، التي تشكل 12 في المائة من السكان، وكانت دائما تدعم الجمهورية العلمانية. وبعد ذلك أفسد العلاقات الجيدة نسبيا التي أقامها مع الأكراد، أيضا، بمعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية.
وبداية من شهر سبتمبر عام 2013، أشارت استطلاعات الرأي إلى انخفاض بطيء، ولكنه مستمر، في التأييد الشعبي الذي يحظى به إردوغان وحزبه. وفي يناير (كانون الثاني) عام 2014، حصل إردوغان وحزب العدالة والتنمية على 39 في المائة فقط من أصوات الناخبين المحتملين، بعد أن كانت النسبة 48 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) 2013. ولعل الأمر الأكثر أهمية، هو أن غالبية كاسحة، 61 في المائة في يناير 2014، وافقت على رفع دعاوى قضائية ضد مئات من رجال الأعمال ومسؤولي الحكومة والوسطاء المتهمين في الكثير من قضايا الفساد، مع مزاعم بتورط أربعة أعضاء، على الأقل، في حكومة إردوغان وبعض من أفراد أسرته. كان رد إردوغان هو اتهام معارضين، لم يحددهم بالاسم، بالتآمر ضد حكومته، إلى درجة التخطيط لانقلاب عسكري. وفي يناير 2014، شن حملة تطهير واسعة للشرطة. كانت إحدى النتائج السلبية لفضيحة الفساد، هي تدهور العلاقات بين إردوغان وأحد أهم مؤيديه الإسلاميين فتح الله غولن. أنفق غولن، الذي يجمع بين زعامة جماعته على طريقة المافيا وكونه رجل أعمال، أموالا طائلة في تمويل حزب العدالة والتنمية، من خلال علاقاته في مجال الأعمال. لذلك يحمل قطع العلاقات مع غولن مخاطر دينية وتجارية بالنسبة لإردوغان. قرر إردوغان الجديد أو - كما يطلق عليه منتقدوه هنا - «إردوغان الحقيقي» الظهور.
بعد أن نجح في الترويج لذاته، بصفته قائدا يرفض التمسك بالانتماءات الآيديولوجية، أصبح أكثر قائد متشبث بآيديولوجيته تشهده تركيا الحديثة.
واليوم أصبح حلمه بحكم تركيا لمدة عشرين عاما أخرى يمثل كابوسا لمعظم الأتراك. ولكن قد يقرر الأسلوب الذي مهد به الساحة مسار السياسة التركية لجيل مقبل.

* انتخابات عالية المخاطر
تستعد تركيا، في الوقت الحالي لإجراء انتخابات المجالس البلدية والاستفتاء على الدستور، وربما تكون حتى أول انتخابات رئاسية مباشرة، أكبر المكاسب التي تحققت في العقد الماضي، معرضة للخطر. في الداخل، يتسع الشقاق داخل معسكر العدالة والتنمية، حيث تحرم فضائح الفساد الحكومة من أهم ما تتزين به. ويبدو أن إردوغان يعتمد بازدياد على جهاز الاستخبارات ورئيسه الغامض، هاكان فيدان، الذي يعزز مكانته كصاحب نفوذ من وراء الكواليس.
كما تُظهر تركيا مؤشرات على التراجع الاقتصادي. في يناير، أُجبرت الحكومة على مضاعفة سعر الفائدة لوقف التدافع على العملة الوطنية الليرة. وفي الوقت ذاته، انخفضت توقعات النمو الاقتصادي من متوسط 10 في المائة في العقد الماضي إلى ما يزيد على 6 في المائة فقط لعام 2014. وأشارت إحصائيات غير رسمية إلى صافي زيادة خروج رأس المال لأول مرة منذ عام 2004. يرجع قدر كبير من النمو الاقتصادي الملحوظ الذي حققته تركيا إلى الاستثمارات الأجنبية التي شجع عليها الاستقرار السياسي في البلاد. وقد يجف هذا المصدر الحيوي جراء مخاوف من احتمالية دخول تركيا في مرحلة صعبة في الحياة السياسية.
إن الأسباب الجذرية لمشاكل تركيا الحالية سياسية. ويرجع توقف محاولة تطوير هوية قومية جديدة تشمل الإسلام مع التفوق عليه، إلى قرار إردوغان بالعودة إلى دائرة ناخبيه الإسلاميين الضيقة. سواء شاء إردوغان أم أبى، أصبح الشعب التركي مُغربا إلى حد كبير، ولا يملك أي رغبة في إعادة تنظيم مظاهر حياته الأساسية وفقا للإسلام. ولكن في الوقت ذاته، لا تلقى محاولات محو الإسلام من الحياة التركية تماما سوى الفشل.
سيكون من الأفضل لحلفاء تركيا وجيرانها، ترك الخيارات مفتوحة أمامهم، مع الحفاظ على حوار مع جميع القوى الرئيسة المشتركة فيما يدور حاليا من خلاف سياسي، وصراع على السلطة. تقتضي الحكمة عدم استبعاد إردوغان وعلى الأقل حزب العدالة والتنمية.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.