تأييد واسع من القيادات العسكرية الروسية لقرار الانسحاب من خيرسون

استعدادات لتصعيد في زابوريجيا... وبوتين يأمر بتسريع إمدادات الجيش

وحدة عسكرية أوكرانية على خط النار في معركة خيرسون التي لم تحسم بعد (إ.ب.أ)
وحدة عسكرية أوكرانية على خط النار في معركة خيرسون التي لم تحسم بعد (إ.ب.أ)
TT

تأييد واسع من القيادات العسكرية الروسية لقرار الانسحاب من خيرسون

وحدة عسكرية أوكرانية على خط النار في معركة خيرسون التي لم تحسم بعد (إ.ب.أ)
وحدة عسكرية أوكرانية على خط النار في معركة خيرسون التي لم تحسم بعد (إ.ب.أ)

حظي قرار الانسحاب من مدينة خيرسون الاستراتيجية بتأييد واسع من جانب القيادات العسكرية والبرلمانية في روسيا، خصوصاً في أوساط معسكر «الصقور» الذين دعوا أكثر من مرة إلى اتخاذ تدابير قوية لحسم المعركة. بالتزامن مع ذلك؛ شددت تغطيات وسائل الإعلام الرسمية الروسية على أن قرار انسحاب القوات الروسية وإعادة تمركزها على الضفة اليسرى لنهر دنيبر «مؤقت»، وأن موسكو «لن تتخلى أبداً عن توفير متطلبات استعادة السيطرة على المدينة». ونشرت وكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية تعليقاً لـ«المعلق السياسي» أكد فيه أن روسيا لم تنسحب فعلياً من المدينة، وهو الأمر الذي ركزت عليه التعليقات الأوكرانية حول قرار الانسحاب، وسط توقعات بأن تكون القوات الروسية تعدّ «فخاً» للقوات الأوكرانية.
في الوقت ذاته، أعرب عدد من القادة العسكريين عن دعمهم قرار الانسحاب؛ بينهم رئيس جمهورية الشيشان رمضان قديروف، الذي لعبت قواته دوراً أساسياً في معارك دونباس وخاركيف وخيرسون سابقاً، ووصف المسؤول الذي دعا أخيراً إلى استخدام الأسلحة النووية التكتيكية لحسم المعركة قرار قائد قوات العملية الروسية في أوكرانيا، سيرغي سوروفيكين، حول إعادة نشر القوات في الضفة اليسرى لنهر دنيبر، بأنه قرار صائب وجاء في توقيت مناسب.
وكتب قديروف على «تلغرام»: «الجنرال سوروفيكين اتخذ قراراً صعباً؛ لكنه صائب لتفادي تضحيات لا جدوى منها، ولإنقاذ حياة الجنود التي لا تقدر بثمن». وتابع: «خيرسون منطقة صعبة للغاية من دون إمداد منتظم ومستقر للذخيرة وصفوف خلفية قوية... في هذا الوضع الصعب، تصرف سوروفيكين بحكمة، كما أجلى المدنيين وأمر بإعادة تجميع صفوف القوات».
إلى ذلك؛ أفاد بيان أصدره الكرملين بأن الرئيس فلاديمير بوتين أعطى تعليمات بتسريع عمليات إمدادات القوات المسلحة وتلبية احتياجاتها خلال اجتماع لمجلس التنسيق الذي جرى تأسيسه لهذا الغرض.
ووفقاً للأوامر الرئاسية؛ فسوف يتوجب بحلول 14 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي على الحكومة ووزارة الدفاع «إنشاء آلية تضمن التبادل الفعال للمعلومات بين الوحدات المشاركة مباشرة في العملية العسكرية الخاصة ومصنعي الأسلحة والمعدات العسكرية».
بالإضافة إلى ذلك؛ سوف يتولى «المجلس التنسيقي»؛ الذي كلف رئيس الوزراء ميخائيل ميشوستين برئاسته، العمل على «أن تكون معايير توفير إمدادات القوات وفق احتياجاتها الحقيقية في ظروف العمليات القتالية، مع مراعاة كثافة الاستخدام وتعرض المعدات للاستهلاك خلال العمليات». بالإضافة إلى ذلك؛ يتوجب على الحكومة إعداد مقترحات للتحكم في إنفاق أموال الميزانية على الأنشطة المتعلقة بالعملية الخاصة.
وكان بوتين أنشأ مجلس التنسيق لتلبية احتياجات القوات المسلحة للاتحاد الروسي بموجب مرسوم رئاسي الشهر الماضي. ويجب أن يساعد المجلس في إنشاء مرافق البنية التحتية العسكرية وتنسيق الرقمنة والأتمتة والمعلومات والدعم التحليلي في مجال الدفاع؛ وفقاً لميشوستين.
في غضون ذلك، لم تعلق موسكو على المستوى الرسمي على تصريحات نسبت لرئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، الجنرال مارك ميلي، الذي تحدث عن بروز فرصة لإحياء الحوار السياسي بين موسكو وكييف مع اتجاه الأوضاع على الخطوط الأمامية في أوكرانيا نحو الاستقرار بعد معركة خيرسون. ونقلت وسائل الإعلام الحكومية الروسية التصريحات من دون التعليق عليها، وقال الجنرال: «قد تكون هناك فرصة لإجراء مفاوضات بغرض إنهاء الصراع بين كييف وموسكو».
وشدد ميلي على أن «الولايات المتحدة ستواصل تسليح أوكرانيا بصرف النظر عن إجراء المفاوضات أو فشلها»، مضيفاً أنه «ينبغي أن يكون هناك اعتراف متبادل بأن النصر بالمعنى الحقيقي للكلمة لا يتحقق بالوسائل العسكرية، وبالتالي يجب اللجوء إلى وسائل أخرى».
ميدانياً؛ ازدادت التحذيرات التي يطلقها الانفصاليون الموالون لموسكو في منطقة زابوريجيا من تصعيد محتمل في المنطقة بعد التطورات التي شهدتها خيرسون أخيراً. وكان لافتاً الخميس أن عضو المجلس الرئاسي لإدارة منطقة زابوريجيا، فلاديمير روغوف، أطلق سلسلة تصريحات تؤكد التوقعات بشأن المعركة المقبلة في المدينة. وأعلن المسؤول الانفصالي عن وصول 300 مقاتل أوكراني من قوات الوحدات الخاصة الذين جرى تدريبهم أخيراً في بريطانيا إلى زابوريجيا في تحضير لمحاولة الاستيلاء على المحطة الكهروذرية في المدينة. وقال روغوف: «هناك أكثر من 450 فرداً من قوات العمليات الخاصة، ما تسمى (نخبة القوات الأوكرانية)، الذين تدربوا في بلدة فولنواندريفكا. وانضم 300 مقاتل عادوا من بريطانيا مؤخراً، وهم الآن يتدربون على عبور نهر دنيبر، والاستيلاء على محطة زابوريجيا الكهرذرية».
واللافت أن روغوف زعم وجود «مرتزقة عرب من التنظيمات الإرهابية الدولية» ضمن الوحدات التي تستعد لتوسيع الهجوم على المدينة إلى جانب القوات الأوكرانية في المنطقة. وقال روغوف في حديث تلفزيوني: «أثناء المحادثات (بين العسكريين) تسمع مراراً اللغة البولندية، فهي تهيمن. كما تسمع اللغتين الجورجية والشيشانية، وحتى الفرنسية والعربية». وأضاف: «فيما يخص اللغة العربية يجري الحديث عن (جبهة النصرة) و(داعش). بعضهم نقلهم الأتراك إلى هنا، والبعض الآخر جاء به الأميركيون. في المجموع يوجد في أراضي منطقة زابوريجيا مقاتلون من 34 دولة؛ الأمر الذي تؤكده بيانات استخباراتنا». وأشار إلى أنه «وفقاً للمعلومات المتوفرة لدينا؛ فإن أكثر من نصف قوات العدو المشاركة في الأعمال القتالية النشيطة في خط التماس؛ هم المرتزقة الأجانب» .
وكان روغوف أعلن الأربعاء أن عسكريين «من الجيش النظامي لبولندا موجودون أيضاً على خط التماس في الشطر الذي تسيطر عليه كييف». وأضاف أن «عدد الشركات العسكرية البولندية الخاصة قليل، وهي تشارك حالياً في الأعمال القتالية بمنطقة خاركيف ودونباس». وأوضح: «يمكن توزيع جميع الشركات العسكرية البولندية الخاصة على خط التماس في منطقة زابوريجيا، ناهيك بحقيقة أنها تعمل في اتجاه خاركيف وفي دونباس... لا شك في أن هذه وحدات نظامية بولندية جرى إضفاء شرعيتها من خلال الفيلق الأجنبي للقوات المسلحة الأوكرانية».
كما أعلن في الوقت ذاته عن وصول حشود إضافية من قوات الجيش الأوكراني وكتيبة «كراكين» القومية وعناصر من «المرتزقة البولنديين» إلى خطوط التماس في مقاطعة زابوريجيا.
وقال روغوف لقناة «روسيا 24»: «قوات العدو تحشد صفوفها جنوب منطقة أريخوفا (...) هناك نحو 13 ألف مسلح أوكراني جرى تدريبهم في الدول الغربية أرسلوا إلى زابوريجيا» خلال الأيام الماضية.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز) p-circle

مسيَّرات أوكرانية تهاجم مصنعاً روسياً لوقود الصواريخ

كشف مسؤول ​في جهاز الأمن الأوكراني، اليوم السبت، عن أن طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت ‌مصنعاً لإنتاج مكونات ‌وقود ‌الصواريخ ⁠في ​منطقة ‌تفير غرب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».