الهروب من الموصل.. رحلة محفوفة بالمخاطر ومكلفة وبعض المهربين يعملون مع «داعش»

عائلات وصلت إلى إقليم كردستان مؤخرًا تروي لـ {الشرق الأوسط} كيف أفلتت

عنصران في «داعش» يوزعان النقاب على نساء وفتيات في الموصل (أ.ب)
عنصران في «داعش» يوزعان النقاب على نساء وفتيات في الموصل (أ.ب)
TT

الهروب من الموصل.. رحلة محفوفة بالمخاطر ومكلفة وبعض المهربين يعملون مع «داعش»

عنصران في «داعش» يوزعان النقاب على نساء وفتيات في الموصل (أ.ب)
عنصران في «داعش» يوزعان النقاب على نساء وفتيات في الموصل (أ.ب)

باتت مدينة الموصل بعد مضي أكثر من عام على سقوطها بيد «داعش» سجنا كبيرا لسكان المدينة الذين لم يستطيعوا الهرب منها بعد سيطرة التنظيم المتطرف المفاجئة عليها في الصيف الماضي، لكن في الآونة الأخيرة استطاعت المئات من العائلات الموصلية الهرب من مدينتهم.
الهروب من الموصل ليس سهلا كما يقول موصليون وصلوا إلى إقليم كردستان مؤخرا. فمنهم من سلك طرقا ريفية نائية مخاطرا بالوقوع في كمين لمسلحي التنظيم، في حين استعان البعض بـمهربين سوريين وعراقيين شركاء مع مسلحي «داعش» يتلقون أموالا طائلة من العوائل الموصلية لإخراجها من المدينة إلى خارج العراق، في حين يخرج آخرون من مدينتهم للعلاج بضمان هوياتهم الشخصية أو سندات أملاكهم.
عماد محمد، مواطن موصلي يبلغ من العمر 50 سنة وكان من سكنة أحد أحياء الجانب الأيمن من المدينة التي هرب منها قبل شهر، ليصل مع عائلته المكونة من عشرة أفراد إلى المناطق المحررة الخاضعة لقوات البيشمركة شمال شرقي مدينة الموصل. قال عماد محمد لـ«الشرق الأوسط»: «الأوضاع المعيشية في الموصل لا تطاق، باستثناء الذين يملكون دخلا شهريا ثابتا أو يملكون مواشي يعتمدون على منتوجاتها، فأوضاعهم أفضل من غيرهم لكنها ليست جيدة أيضا». وتابع: «في البداية ظننا أن أوضاع الموصل ستكون أفضل، إلا أننا صدمنا بعد ذلك، فلم تبق أي أعمال نسترزق منها بالإضافة إلى أن الأوضاع الأمنية متردية جدا فالموجود في الموصل قد يتعرض للموت في أي لحظة، و(داعش) يعتقل من يشاء في أي لحظة، وينقله إلى مكان مجهول ولن يرى أهله مرة أخرى. كذلك التنظيم بدأ بتأجير منازل النازحين في الموصل بمبلغ 25 ألف دينار لمن يسكن فيها من القادمين إلى المدينة من أطرافها، والنساء ممنوعات من الخروج إلا في حالات المرض ويجب عليهن ارتداء الخمار والعباءة وإلا تتعرض للقتل والجلد من قبل (داعش) أو دفع غرامة مالية، فيما يعمل التنظيم على كسب شباب وأطفال الموصل وتجنيدهم عبر جلسات تعقد لذلك في مساجد المدينة. مجمل هذه الأوضاع جعلت الموصليين يكرهون (داعش) ويتوقون إلى الخلاص منه أو الهرب من المدينة».
وعن كيفية هروبه من الموصل، قال عماد محمد: «هربت قبل أكثر من شهر مع عائلتي المكونة من عشرة أفراد إلى منطقة كانونة (شمال شرقي الموصل) وسلكنا طريق عمر قامجي إلى أن وصلنا إلى قرية الفاضلية وتم كل شيء ليلا، تجنبا لدوريات (داعش)». وتابع: «عادة تتفق عدة عوائل مع بعضها على الهرب تحت جنح الظلام إلى المناطق الآمنة الخاضعة لقوات البيشمركة بعد الاتصال مسبقا بقوات البيشمركة القريبة من المنطقة لاستقبالهم وبهذه الطريقة كان يهرب ما بين 10 إلى 20 عائلة يوميا من الموصل، لكن هذه الموجة توقفت حاليا بعد أن شدد (داعش) إجراءاته». وتابع: «واصلنا السير حتى بلغنا جبلا، لكن مسلحي (داعش) اكتشفوا أمرنا وبدأوا بإطلاق النار علينا، وحوصرنا في الجبل لعدة ساعات وقتل أحد أبناء العوائل إلى أن حانت اللحظة المناسبة لمواصلة السير».
وأضاف محمد: «حال وصولنا إلى المناطق الخاضعة لقوات البيشمركة رفعنا قطعة قماش بيضاء، وبعد تأكدها من أننا مدنيون هاربون، استقبلتنا البيشمركة وأعطتنا الماء والطعام وساعدت المسنين ضمن مجموعتنا. ما يفعلوه لا يقدر بثمن ولن أنسى معروفهم».
يوسف حميد، مواطن موصلي آخر، هرب قبل نحو عشرين يوما التقته «الشرق الأوسط» في مخيم برده ره ش شمال غربي أربيل، قال: «عائلتي تتألف من 8 أفراد، ابني البكر معاق وابني الآخر سقط من أعلى المنزل فتعرض لكثير من الكسور واحتاج إلى إجراء عملية جراحية فواجهت صعوبة في الهرب، لذا اخترت طريق كركوك. عند بلوغنا نقطة تفتيش تابعة للتنظيم بالقرب من الحويجة التي اخترناه طريقا إلى كركوك لاحقا، لم يسمح لنا مسلحو (داعش) بالمرور وقالوا: أنتم تريدون الهروب من الموصل. حاولنا أن نوضح لهم أننا نريد مراجعة المستشفى إلا أن محاولاتنا كلها باءت بالفشل وعدنا إلى الموصل ثانية. واخترت هذه المرة الهروب من الطريق المؤدي باتجاه بغداد عبر بيجي وتكريت، وعند آخر نقطة تفتيش تابعة لـ(داعش) وكالعادة سألونا عن سبب خروجنا فقلنا العلاج فطالبونا بمستمسك يدل على صدق نيتنا بالعودة. فأعطيته هويتي التي كانت مستنسخة، ولحسن الحظ لم يركز عليها المسلح جيدا وسأل عن موعد عودتنا فقلنا نعود عصر نفس اليوم، لكنه حذرنا من أن نقاط التفتيش التابعة للحكومة الاتحادية سيطلقون النار علينا ظنا أننا من أتباع التنظيم». ويضيف «انطلقنا وبعد مسافة اتصلت بأحد الأقرباء وهو رئيس عرفاء في الجيش العراقي وموجود في محافظة صلاح الدين، وكنت قد نسقت معه مسبقا وبعد عدة اتصالات أعطونا تعليمات بأن نقترب من نقطة التفتيش بحذر ونسير على الطريق الترابي جانب الطريق الرئيسي وكنا نتوقف بين حين وحين، وبالقرب من ساتر نقطة التفتيش تركنا صاحب السيارة الذي عاد أدراجه وعبرنا ساتر القوات العراقية، وبعد أن تأكدوا منا نقلونا بسيارة همر تابعة للجيش إلى بغداد، وبقينا يوما كاملا في بغداد ثم اتجهنا في اليوم التالي إلى كركوك وحال وصولنا إلى نقطة تفتيش تابعة لقوات البيشمركة أوصلونا إلى إقليم كردستان»
من جانبه، أوضح الشيخ ثائر عبد الكريم وطبان الفيصل الجربا، الناطق الرسمي باسم قبيلة شمر، لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك مهربين سوريين في الموصل يهربون الناس مقابل مبالغ مالية تصل إلى 300 دولار أميركي لكل فرد من أفراد العائلة، وينقلونهم عبر طريق ترابي قريب من قضاء بعاج (غرب الموصل) إلى سوريا ويتركونهم هناك حيث يبقى أهالي الموصل، أما أبناء عشيرة شمر الهاربون من ظلم (داعش) فيدخلون العراق مرة أخرى ويستقرون في ناحية ربيعة وحتى الآن وصلت نحو 450 عائلة من عشيرتنا الهاربين من الموصل». وقال الجربا: «ناحية ربيعة تحتاج إلى دعم كبير، والمنظمة الوحيدة التي تقدم لنا العون والمساعدات لنا باستمرار هي (مؤسسة بارزاني الخيرية)، كذلك قدم لنا الشيخ عبد الكريم غربي الملحم شيخ قبيلة الجبور الموجود في المملكة العربية السعودية مساعدات مالية، أما الأمم المتحدة فقد قدمت لنا بعض المساعدات الإنسانية فقط».
بدوره، قال غزوان حامد عضو مجلس محافظة نينوى، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك مهربون وبشراكة مع مسلحي تنظيم داعش يهربون العوائل الموصلية مقابل مبلغ ثلاثة ملايين دينار عراقي لكل عائلة إلى سوريا، حيث تنتقل هذه العوائل فيما بعد إلى إقليم كردستان عن طريق تركيا»، مشيرا إلى أن الهروب من الموصل أصبح الآن بشق الأنفس.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.