خبراء يحذرون من مخاطر على الحكام بسبب تفشي سوء معاملتهم

دعوات إلى تشديد العقوبات على المسيئين إليهم لفظياً أو جسدياً قبل فوات الأوان

لاعبو برايتون الغاضبون يحيطون بالحكم دارين إنغلاند (رويترز)
لاعبو برايتون الغاضبون يحيطون بالحكم دارين إنغلاند (رويترز)
TT

خبراء يحذرون من مخاطر على الحكام بسبب تفشي سوء معاملتهم

لاعبو برايتون الغاضبون يحيطون بالحكم دارين إنغلاند (رويترز)
لاعبو برايتون الغاضبون يحيطون بالحكم دارين إنغلاند (رويترز)

«بين شوطي المباراة، وبينما كنت أقف في دائرة منتصف الملعب، اقترب مني اللاعب (الذي طردته) خلال الشوط الأول، وبدأ يصرخ في وجهي بكلمات بذيئة، أقلها بذاءة: (لماذا لا تبدأ في اتخاذ القرارات بشكل صحيح؟ فأنت شخص سخيف وعديم الفائدة!) وعندما طالبته بالابتعاد عني، دفعني 3 مرات في صدري، وقال: (ما الذي يمكنك أن تفعله الآن؟) طلبت منه أن يخرج من الملعب؛ لكنه بدأ في توجيه اللكمات نحوي، ولكمني مرتين على مؤخرة رأسي. ولدي دليل على قيامه بذلك».
كانت هذه الكلمات عبارة عن جزء من جلسة استماع تأديبية لاتحاد كرة القدم الإنجليزي في أغسطس (آب) الماضي. وجاءت هذه الشهادة من حكم في دوري مقاطعة كمبرلاند، كان يدير لقاء بين فريقي وايتهيفن مينرز سوشيال فيرست وكليتور مور سلتيك، وهي المباراة التي تعرض خلالها للاعتداء. وانتهت الجلسة بمنع آدم ميغان، لاعب كليتور مور، من ممارسة جميع أنشطة كرة القدم لمدة 7 سنوات ونصف.
من المؤكد أن القرار كان قاسياً للغاية؛ لكن كثيرين في اللعبة الشعبية الأولى في العالم يرون أنه ربما لم يكن قاسياً بما يكفي، نظراً لما قام به اللاعب!
في الحقيقة، هناك ما يمكن وصفه بأنه «وباء» من سوء المعاملة ضد الحكام ومساعدي الحكام في إنجلترا. وقد شهد الموسم الماضي وحده إيقاف 380 لاعباً من قبل الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، بسبب الهجوم على الحكام أو تهديدهم. وألغى دوري «شباب الميرسيسايد» جولة من المباريات في نهاية الأسبوع قبل الماضي، رداً على «حوادث متعددة من السلوك غير اللائق والتهديد» من جانب اللاعبين ومن يشاهدون المباريات بجوار خط التماس.
ورداً على ذلك، أعلن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم عن إطلاق تجربة سيسمح فيها للحكام بارتداء كاميرات على أجسادهم، لتسجيل الاعتداءات التي يتعرضون لها. ويصر الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم على أن حوادث الاعتداء على الحكام لا تزال غير شائعة، وأن «الحالات الخطيرة» -التي لا تشمل الاعتداء اللفظي فحسب؛ بل تشمل أيضاً الإساءة والتمييز– لم يتم الإبلاغ عنها إلا في مباراة واحدة من بين 1000 مباراة أقيمت هذا الموسم، حتى نهاية سبتمبر (أيلول). يقول بول كيرتون، من هيئة «تيم غراسروتس» التي تقدم الدعم لأندية كرة القدم المجتمعية: «نشهد ارتفاعاً في التقارير التي تطلب منا التوجيه والنصيحة. لقد رأيت ارتفاعاً ليس فقط في الحوادث، ولكن أيضاً في شدة الحوادث، ويمكن أن يكون القلق الأكبر هو الحوادث التي لا يتم الإبلاغ عنها».
وكما فعل الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، أطلقت «تيم غراسروتس» حملة بعنوان «لا يمكن أن تستمر اللعبة من دون حكام»، لزيادة الوعي بشأن سوء المعاملة التي يتعرض لها الحكام، وكيفية العمل على مواجهة هذا الأمر.
وبالنسبة لكيرتون، يجب أن يكون هناك إجماع جديد على ما هو مقبول، سواء كان ذلك من اللاعبين أو المديرين الفنيين أو -بشكل خاص في مباريات الشباب- المشاهدين، ومعظمهم من الآباء.

كلوب يصرخ في وجه مساعد الحكم خلال مواجهة سيتي (غيتي)

يقول كيرتون: «وجهات النظر المختلفة هي المشكلة الأساسية في كرة القدم الشعبية، فما يراه شخص ما تدخلاً عادياً، يراه آخر تدخلاً يستحق الحصول على البطاقة الحمراء. ومع ذلك، فإننا الآن على مفترق طرق إلى حد ما، ونحتاج إلى إجراء محادثات جدية لتحديد ما هو مناسب ومقبول. وعندما يتم انتهاك تلك القوانين وتجاوز تلك الخطوط، فيجب أن تكون هناك عقوبات رادعة؛ لكن المسؤولية الشخصية يجب أن تكون في صميم كل ما نختار القيام به».
يجري الدكتور جيمي كليلاند بحثاً في القضايا الاجتماعية والثقافية في الرياضة، وشارك في تأليف كتاب العام الماضي حول الاعتداءات التي يتعرض لها الحكام. يقول كليلاند إن ما يواجهه الحكام على المستوى الشعبي وبطولات الهواة لا يمكن فصله عن الانتقادات التي يتعرض لها الحكام على المستوى الاحترافي بشكل منتظم، ولعل أبرز مثال على ذلك ما فعله المدير الفني لليفربول، يورغن كلوب، عندما اعترض على مساعد الحكم غاري بيسويك، خلال مباراة ليفربول ومانشستر سيتي على ملعب «آنفيلد».
يقول كليلاند: «من الواضح أن الحكام لا يزالون يتعرضون لإساءات لفظية بشكل منتظم؛ بل ويتعرضون في بعض الحالات لاعتداء جسدي. وفي حين أن اعتراض المديرين الفنيين البارزين على الحكام يتصدر عناوين الصحف، فإن الحقيقة هي أنهم لا يقدمون أي خدمة لهؤلاء الحكام في الملاعب في جميع أنحاء البلاد. فالحكام يكونون في وضع صعب من دون حماية من الأمن والشرطة. إنها مسألة وقت فقط قبل أن نرى حكماً بريطانياً يُقتل إذا لم يتم اتخاذ أي إجراء لمحاولة القضاء على هذا الأمر. لقد حدث ذلك بالفعل في بلدان أخرى، فلماذا لا يحدث هنا؟ لا ينبغي أن نكون ساذجين بشأن هذا».
وقُتل حكام بعد أن اعترض اللاعبون على قراراتهم في كندا والسلفادور هذا العام، ويرى كليلاند أن الطبيعة القبلية لكرة القدم -بين اللاعبين والمشجعين وحتى الآباء- تعني أنه يتم النظر إلى الحكام على أنهم أهداف مشروعة. ويقول: «من الصعب تصور مثل هذه الانتهاكات في جميع أنحاء المجتمع؛ لكن في عالم كرة القدم؛ حيث يتم النظر إلى الحكام على أنهم قادمون من الخارج ولديهم تأثير كبير على نتيجة المباراة، فيبدو أن توجيه الغضب نحوهم أمر عادل في نظر البعض».
ويعتقد كليلاند أنه يتعين على وسائل الإعلام أن تلعب دوراً في تخفيف حدة الانتقادات إلى الحكام من أجل تغيير هذه الثقافة؛ لكنه يعتقد أن الشيء الذي سيحدث تغييراً دائماً هو تطبيق عقوبات أكثر صرامة. ويقول: «هناك حاجة إلى آليات دعم وتوجيه أفضل للحكام على مستوى الهواة؛ لأن عدداً كبيراً منهم لا يثق في أن الإبلاغ عن تلك الحوادث لاتحادات كرة القدم في المقاطعات سيؤدي إلى فرض عقوبات مناسبة على اللاعب أو المدير الفني أو النادي. في الحقيقة، يجب ألا يكون هناك أي تسامح على الإطلاق مع مثل هذه الإساءات، حتى تكون كرة القدم لعبة للجميع، بما في ذلك الدور الذي يقوم به الحكم».
وقال الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم مؤخراً، إنه مستعد للنظر في فرض عقوبات أكثر صرامة على أولئك الذين يتصرفون بشكل غير مقبول في المباريات على مستوى الهواة. وقال متحدث باسم الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم لصحيفة «الغارديان»: «لقد كنا واضحين تماماً فيما يتعلق بأن جميع أشكال الإساءة، سواء داخل الملعب أو خارجه، غير مقبولة على الإطلاق، وسنواصل بذل كل ما في وسعنا للقضاء على هذا السلوك. وعلى الرغم من أن أقلية صغيرة من الناس هي التي تتصرف بهذه الطريقة، فإن الأمر لا يزال منتشراً بشكل أكبر من اللازم. لقد أطلق الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم هذا الموسم حملة بعنوان (كفى) للقضاء على هذه الظاهرة، وهو ما يوضح أنه سيتم اتخاذ إجراء ضد أي شخص يكون سلوكه غير مقبول».


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.