ملحم بركات في عيون صديق العمر ودموعه

الشاعر نزار فرنسيس يستحضر الموسيقار في الذكرى السادسة لرحيله

الموسيقار ملحم بركات والشاعر نزار فرنسيس
الموسيقار ملحم بركات والشاعر نزار فرنسيس
TT

ملحم بركات في عيون صديق العمر ودموعه

الموسيقار ملحم بركات والشاعر نزار فرنسيس
الموسيقار ملحم بركات والشاعر نزار فرنسيس

لا يحضر اسم ملحم بركات على لسان نزار فرنسيس من دون أن تلمع دمعة في عينه. بعضٌ من روحه رحل إلى غير رجعة، في ذلك اليوم الذي ودّع فيه الموسيقار كل ما هو أرضي وارتفع إلى مسارح أخرى.
في بيت الشاعر تشهد الروزنامة التي توقفت عند تاريخ 28 أكتوبر (تشرين الأول) 2016 على توقّف أحد عقارب ساعة فرنسيس إلى الأبد.
منذ أول «آلو» بين الرجلَين عام 1996، وحتى آخر أنفاس بركات بعد عقدَين، لم تكن العلاقة بينهما علاقة مطرب بكاتب أغنية. كما تآلفت كلمة نزار مع لحن ملحم وصوتِه، كذلك فعلت روحاهما فتحوّلا صديقَين مدى العمر وما بعدَه.

لم تعكّر أي خلافات جوهريّة صفو تلك الصداقة، التي صارت أمتَن وأعمق يوم وقف بركات في وجه فرنسيس معترفاً: «ما عندي غيرك». بغصّة يروي الشاعر اللبناني لـ«الشرق الأوسط» تلك الحكاية: «كنت منشغلاً في أحد الأيام فغبتُ عن سمَع ملحم. حاول الاتصال بي كثيراً وسأل الأصدقاء عني، لكني كنت في الاستوديو. وعندما عدت إلى البيت وجدتُه ينتظرني في سيارته أمام المدخل. اعتذرت وقلت له إنني كنت منشغلاً بتحضير أغانٍ لفلان وفلانة وفلان من الفنانين، فأجابني قائلاً: أنت عندك هودي كلّن، وأنا ما عندي غيرك».
لا ينسى فرنسيس تلك الجملة التي يقول إن بركات غلبَه بها، فبقيت محفورة في وجدانه: «منذ تلك اللحظة تعاملتُ معه على أساس أنه ما عنده غيري».
عاش بركات وحدته بإيجابية فهو اختارها بملء إرادته. وعلى عكس معظم أغانيه التي حاكَها بخيوط الشجن، كان شخصاً مرِحاً. يقول فرنسيس عن هذه الناحية من شخصيته: «حتى في مجالس العزاء، كان يُضحكنا. كرهَ الحزن والوجوه العابسة. لا ينتمي ملحم بركات للناس الكئيبة. حتى في الجنازات كان يخترع نكتة ليُضحك مَن حوله».


تحلّ ذكرى الرحيل السادسة ثقيلة على نزار فرنسيس الذي تمرّ أيامه ناقصة من ملحم بركات، حسبما يقول. «عملاق مثل ملحم بركات لا نتذكّره يوماً في السنة فحسب. هو مبدع وأضاف إلى هذه الدنيا. أغانيه لا تموت وهو يُستحضر من خلالها ويُخلَّد عبرها كل يوم».
يعود فرنسيس إلى أول أغنية جمعتهما وهي «كيفك يا غرامي»، التي شكّلت باكورة مجموعة كبيرة من الأعمال التي كتبها لـ«أبو مجد» على مدى 20 سنة. بعد الأغنية الأولى، جاءت إحدى روائع بركات «تعا ننسى» التي ألّفاها خلال ثلث ساعة، على ما يروي فرنسيس. فهُما كانا يعملان على اللحن والكلام بالتوازي، أي أنهما لم يعتمدا الطريقة التقليدية التي تقتضي تلحين كلامٍ جاهز. بل على العكس، إذ غالباً ما كان فرنسيس يلحق بنغمات بركات المتدفّقة ويُلبسُها الشعر اللائق بها.

كانت «تعا ننسى» علامة فارقة في مسيرة بركات، وهو لم يفوّت حفلة أو إطلالة تلفزيونية إلا وردّدها خلالها. راق للموسيقار لعبُ الشاعر بالكلام اللبناني البسيط وتَمكّنُه من القصيدة الرومانسية، فكرّت سبحة الأغاني، مثل «ظهور القمر» و«الفرق ما بينك وبيني» و«جيت بوقتك» و«عدّ الأيام» التي قدّمها بركات ضمن مهرجانات بعلبك، في مشهديّة لا تغيب عن بال فرنسيس.

لا تُعَدّ الأيام الحلوة التي أمضاها الصديقان، ليس في جلسات التأليف واستوديوهات التسجيل فحسب، بل في رحلات الصيد التي اعتزلها فرنسيس منذ أضاع رفيقه. يسترجع آخر أيام ملحم في المستشفى التي يصفها بأصعب أيام حياته قائلاً: «كان رحيله خاطفاً مع أنني كنت أعرف أنه في آخر مراحل المرض. قبل يومَين من وفاته كنت عنده في غرفة العناية الفائقة فقال لي: أنا فالل... طلب مني ومن الأصدقاء أن ننتبه إلى بعضنا وذهب. أما أنا فمنذ ذلك النهار، لم أذهب إلى الصيد».


ملحم بركات ونزار فرنسيس في رحلة صيد
«ولا طير بيشبهك» هي من الأغاني الأحبّ إلى قلب ملحم بركات، حسبما يخبر فرنسيس. ومن الأعمال التي أثّرت فيه كثيراً، أغنية «اعتزلت الغرام» التي لحّنها للفنانة ماجدة الرومي. «كان يبكي كلما سمع أو غنّى لازمة الأغنية»، يقول الشاعر. فتحتَ طبقة القسوة والعصبيّة، كان يخبّئ ملحم بركات قلب طفل. هو ذاك القلب الذي أبصره نزار فرنسيس منذ الجلسة الأولى، فاستطاع بعد ذلك أن يخترق كل جدران ملحم بركات، مهما كانت سميكة: «رأى فيه الناس نفحة الجنون والمزاجية، فهو كان متسرّعاً إلى حدّ العدائية أحياناً. أما أنا فعرفتُ أين تكمن حقيقته. لم يصل إلى قلبه سوى قلّة قليلة، وقلبه قلب طفل صغير بعفويّته وشفافيته».
عندما يُسأل عن المفاتيح التي استخدمها ليفتح بها قلب بركات، يجيب فرنسيس: «برهنتُ له أنني أفهمه وأعرف عمقه الطيّب والمجنون في آنٍ معاً. قرأت جنونه صح. أحببتُ الصورة التي رسمها لنفسه وأحببت حقيقته أيضاً».
يستذكر الشاعر كذلك إحدى الصفات التي باتت نادرة حالياً، وهي الشهامة والفروسيّة التي كان يتحلّى بها «أبو مجد». فهو على سبيل المثال لم يكن يوقّع عقوداً مع متعهدي الحفلات أو مع إدارات التلفزيونات. «وعوده كانت شفهية»، يقول فرنسيس ويضيف: «لم يكن يؤمن بالأوراق والتواقيع. كلمته كانت التزاماً. لا يغدر ولا يخون. أما إذا حدث أن اشتكى متعهد ما من غلّة حفلة لم تأتِ على قدر التوقعات، فكان يترك ملحم للمتعهد أجرَه الخاص ولا يطلب شيئاً لنفسه».
قبل 5 أشهر على رحيله، وضع ملحم بركات لحناً لجنازته من دون أن يعرف أنّ موعدَها كان قد بات قريباً. وعندما فاتحَ صديقَه نزار بالأمر، أصرّ الأخير على تحويل اللحن إلى أغنية تحتفي بالحب لا بالموت. غير أن «كرمال النسيان» لم تصدر إلا بعد وفاة بركات، فكانت أغنيته الأخيرة.

يتحدث فرنسيس عن 4 أغانٍ جديدة جاهزة للإصدار بصوت ملحم بركات، ما إن يمنح الورثة الضوء الأخضر لذلك. وفي الانتظار، يتوجّه إلى صديق العمر واصفاً إياه بـ«آخر طير في سرب العظماء»، وقائلاً له إن مكانه في قلبه ما زال خالياً، وإن لا أحد يستطيع ملأه لا فنياً ولا إنسانياً. ثم يستعير جملة من إحدى الأغاني التي لم تصدر بعد ويرسلها له: «ما رح أنساك مهما تقسى هالدني، قلبي ع الوعد والسنة تخبّر سنة».



دواء للكلى يمنح أملاً في استعادة خصوبة النساء

الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
TT

دواء للكلى يمنح أملاً في استعادة خصوبة النساء

الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)

توصلت دراسة أجراها باحثون في جامعة هونغ كونغ، إلى أن دواءً شائع الاستخدام لعلاج أمراض الكلى، قد يمثل حلاً واعداً لعلاج العقم لدى النساء المصابات بقصور المبايض المبكر.

وأوضح الباحثون أن هذه النتائج تشكِّل تحولاً مهماً في فهم آليات العقم المرتبط بهذه الحالة وسبل علاجه. ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Science».

وقصور المبايض المبكر هو حالة طبية تتوقف فيها المبايض عن أداء وظائفها الطبيعية قبل سن الأربعين، مما يؤدي إلى انخفاض مستويات هرمون الإستروجين، وتأخر أو توقف نمو الجريبات التي تحتوي على البويضات. ونتيجة لذلك تبقى البويضات في حالة خمول، وهو ما يعيق الخصوبة ويجعل العلاجات التقليدية لتحفيز الحمل أقل فعالية. وتشمل الأعراض الشائعة لهذه الحالة الهبَّات الساخنة، والتعرق الليلي، واضطرابات الدورة الشهرية، بينما تقتصر العلاجات المتاحة حالياً على تخفيف هذه الأعراض دون معالجة السبب الجذري للمشكلة.

وخلافاً للنهج التقليدي الذي يركز على البويضات نفسها، وجَّه الفريق اهتمامه إلى البيئة المحيطة بالبويضات داخل المبيض، والمعروفة باسم السدى المبيضي.

وأظهرت الدراسة أن تنشيط البويضات الخاملة يتطلب وجود بروتين محدد يُعرف باسم «Kit ligand»، وأن نقص هذا البروتين، نتيجة تراكم التليُّف والكولاجين داخل المبيض، يعيق نمو الجريبات ويمنع تطورها.

وفي هذا الإطار، فحص الباحثون نحو 1300 دواء معتمد من إدارة الغذاء والدواء الأميركية على خلايا مبيضية، صُممت لتصدر إشارة ضوئية عند إنتاج بروتين «Kit ligand».

وأسفر الفحص عن تحديد دواء «فينيرينون»، المستخدم في علاج أمراض الكلى المزمنة المرتبطة بالسكري من النوع الثاني، بوصفه أحد أكثر الأدوية قدرة على تحفيز إنتاج هذا البروتين، وتحسين البيئة المحيطة بالبويضات.

وأظهرت التحاليل أن النساء المصابات بقصور المبايض المبكر يعانين من تراكم مفرط للكولاجين داخل المبيض، ما يؤدي إلى تصلُّب الأنسجة وفقدانها مرونتها الطبيعية، على نحو يشبه التليُّف أو الندبات.

ويعمل «فينيرينون» على تثبيط مستقبلات تسهم في هذا التليُّف، مما يقلل تراكم الكولاجين ويعيد للمبيض ليونته وتوازنه الكيميائي.

وللتأكد من الدور الحاسم للبيئة المحيطة بالبويضات، قام الباحثون بزرع جريبات خاملة في مبايض متصلبة ومليئة بالندبات، فلم تُظهر أي نشاط يُذكر. في المقابل، عندما زُرعت الجريبات نفسها في مبايض عولجت بدواء «فينيرينون»، بدأت الجريبات في النمو والتطور.

وانتقل الفريق لاحقاً إلى تجربة سريرية أولية شملت 14 امرأة شُخِّصن بقصور المبايض المبكر. وتلقت المشاركات جرعة مقدارها 20 ملِّيغراماً من الدواء مرتين أسبوعياً. وأظهرت النتائج أن عدداً من المتطوعات شهدن تطور الجريبات الخاملة إلى بويضات ناضجة، جرى سحبها وتلقيحها بنجاح في المختبر.

وخلص الباحثون إلى أن «تخفيف التليُّف في أنسجة المبيض باستخدام أدوية مضادة للتليُّف أُعيد توظيفها يفتح آفاقاً واعدة لاستعادة الخصوبة، لدى المريضات المصابات بقصور المبايض المبكر».

وأكدوا أن الخطوة التالية تتمثل في إجراء تجارب سريرية أوسع نطاقاً، للتحقق من فاعلية العلاج وسلامته، قبل اعتماده على نطاق واسع، ما قد يمنح أملاً جديداً لآلاف النساء حول العالم في تحقيق حلم الإنجاب.


تمارين قصيرة لعلاج نوبات الهلع

البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
TT

تمارين قصيرة لعلاج نوبات الهلع

البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)

كشفت دراسة سريرية برازيلية أن ممارسة تمارين رياضية قصيرة ومتقطعة عالية الشدة يمكن أن تُعد علاجاً فعالاً لنوبات الهلع، دون الحاجة إلى أدوية.

وأوضح الباحثون من جامعة ساو باولو، أن هذه التمارين تتفوق في نتائجها على بعض الأساليب التقليدية المستخدمة في العلاج النفسي، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Frontiers in Psychiatry».

ونوبات الهلع هي نوبات مفاجئة من خوف شديد وحاد، تظهر دون إنذار واضح، وتبلغ ذروتها خلال دقائق قليلة، وتترافق مع أعراض جسدية قوية، مثل تسارع ضربات القلب، وضيق التنفس، والتعرُّق، والدوار، وألم الصدر، إلى جانب إحساس بفقدان السيطرة أو قرب الموت.

ويُقدَّر أن نحو 10 في المائة من الأشخاص في العالم يمرون بنوبة هلع واحدة على الأقل خلال حياتهم، بينما يعاني ما بين 2 و3 في المائة من السكان من نوبات متكررة وشديدة، تصل إلى حد اضطراب الهلع، وهو حالة نفسية مُنهِكة.

ويعتمد العلاج القياسي لاضطراب الهلع على العلاج السلوكي المعرفي، وقد يرافقه أيضاً مضادات الاكتئاب.

أُجريت الدراسة على 102 رجل وامرأة بالغين تم تشخيصهم باضطراب الهلع، في تجربة سريرية محكومة استمرت 12 أسبوعاً. وقُسِّم المشاركون إلى مجموعتين، خضعت كل منهما لثلاث جلسات أسبوعياً، دون استخدام أي أدوية طوال فترة التجربة.

ومارست المجموعة التجريبية تمارين تضمنت إطالة عضلية، ثم 15 دقيقة مشياً، ثم من 1 إلى 6 فترات للجري عالي الشدة لمدة 30 ثانية، تتخللها فترات تعافٍ نشط، مع إنهاء الجلسة بالمشي.

أما المجموعة الضابطة فخضعت لتمارين استرخاء عضلي موضعي، تُستخدم عادة في العلاج السلوكي المعرفي. وارتدى جميع المشاركين أجهزة لمراقبة المؤشرات الحيوية في أثناء التمارين.

واعتمد الباحثون على مقياس الهلع (PAS) كمؤشر أساسي لقياس التغير في شدة الأعراض خلال 24 أسبوعاً، إضافة إلى مقاييس القلق والاكتئاب، وتقييم ذاتي لتكرار وشدة نوبات الهلع، مع تقييم مستقل من طبيب نفسي لا يعرف نوع العلاج الذي تلقاه كل مشارك.

وأظهرت النتائج تحسناً في كلتا المجموعتين، ولكن التحسُّن كان أكبر وأسرع لدى مجموعة التمارين المكثفة، سواء من حيث انخفاض شدة الأعراض، أو تقليل عدد نوبات الهلع وحدَّتها. كما استمرت الآثار الإيجابية لمدة لا تقل عن 24 أسبوعاً.

وخلص الباحثون إلى أن التمارين القصيرة عالية الشدة تمثل وسيلة أكثر فاعلية من تمارين الاسترخاء في علاج اضطراب الهلع، مع ميزة إضافية هي ارتفاع تقبُّل المرضى واستمتاعهم بها، ما يعزز الالتزام بالعلاج.

وقال الدكتور ريكاردو ويليام موتري، الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة ساو باولو: «تظهر دراستنا أن برنامجاً من التمارين المكثفة القصيرة والمتقطعة لمدة 12 أسبوعاً، يمكن استخدامه كاستراتيجية فعالة للتعرُّض الداخلي في علاج مرضى اضطراب الهلع».

وأضاف موتري عبر موقع الجامعة: «يمكن لمقدمي الرعاية الصحية استخدام التمارين المكثفة المتقطعة كوسيلة طبيعية ومنخفضة التكلفة للتعرّض الداخلي، ولا يشترط إجراؤها داخل عيادة طبية، ما يجعلها أقرب إلى حياة المريض اليومية، ويمكن دمجها أيضاً ضمن نماذج علاج القلق والاكتئاب».


هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
TT

هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)

في مهرجان برلين السينمائي لا تُعرض الأفلام القديمة بدافع الحنين، بل بوصفها جزءاً من نقاش مفتوح حول التاريخ والسياسة والتحولات الاجتماعية، هذا المنظور تتبناه هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني»، ورئيسة قسمي «الاستعادات السينمائية» و«كلاسيكيات برليناله» في النسخة الـ76 من المهرجان السينمائي الذي ينطلق من 12 إلى 22 فبراير (شباط) الحالي.

وبهذا الصدد تقول هيلين غيريتسن لـ«الشرق الأوسط» إن البرنامجين ينطلقان من منطق مختلف عن فكرة الاحتفاء بالماضي لمجرد كونه ماضياً؛ فالأفلام المختارة لا تُعرض بوصفها وثائق تاريخية جامدة، بل بوصفها أعمالاً حية قادرة على الحوار مع الحاضر، وإثارة أسئلة معاصرة حول السلطة والهوية والتحولات الاجتماعية.

وأوضحت أن برنامج «كلاسيكيات برليناله» يعتمد على نظام التقديم المفتوح، حيث تستقبل إدارة المهرجان أفلاماً من مؤسسات أرشيفية ودور حفظ التراث السينمائي حول العالم، وهذه الأفلام تكون قد خضعت لعمليات ترميم حديثة، وغالباً ما تُعرض للمرة الأولى عالمياً أو أوروبياً ضمن فعاليات المهرجان، ومن ثم لا يعتمد البرنامج على فكرة واحدة أو موضوع محدد، بل يقوم على عملية مشاهدة دقيقة، واختيار لما تراه مناسباً لجمهور برلين في كل دورة.

وترفض غيريتسن التعامل مع مفهوم الكلاسيكيات بوصفه قائمة مغلقة أو متفقاً عليها مسبقاً، فبرأيها لا ينبغي النظر إلى الكلاسيكيات على أنها أفلام رسخت مكانتها، وانتهى النقاش حولها، بل ترى أن المهرجانات تلعب دوراً أساسياً في إعادة تعريف ما يمكن عده فيلماً كلاسيكيا اليوم، عبر تسليط الضوء على أعمال مهمشة أو منسية، أو لم تحصل في وقتها على التقدير الذي تستحقه.

أما برنامج «الاستعادات»، هذا العام، فينطلق من قراءة تاريخية لمدينة برلين نفسها، فالعاصمة الألمانية بالنسبة لغيريتسن ليست مجرد خلفية جغرافية، بل مدينة شكّلتها تحولات سياسية واجتماعية عميقة، ورغم أن سقوط جدار برلين يظل لحظة مركزية في تاريخها فإن التركيز في البرنامج لا يتوقف عند تلك اللحظة فقط، بل يمتد إلى العقد الذي تلاها، أي تسعينيات القرن الماضي التي تصفها بأنها «فترة مضطربة ومفصلية على مستوى العالم كله.

يشهد المهرجان اختيارات مختلفة ضمن برامجه (إدارة المهرجان)

تؤكد غيريتسن أن تلك المرحلة شهدت تحولات كبرى لم تقتصر على ألمانيا وحدها، بل شملت انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفكك أنظمة سياسية واقتصادية في مناطق واسعة من العالم، مشيرة إلى أن أكثر من 140 مليون إنسان وجدوا أنفسهم فجأة داخل واقع جديد، لكن كل مجموعة عاشت هذه التحولات من زاوية مختلفة وبشروط غير متكافئة.

ففي الغرب، ساد آنذاك اعتقاد واسع بأن الانتقال إلى اقتصاد السوق سيقود تلقائياً إلى الديمقراطية، وهو تصور تصفه غيريتسن اليوم بـ«الساذج»؛ إذ سرعان ما اتضح أن الواقع أكثر تعقيداً وأن النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب الباردة لم يحقق الوعود التي رُوّج لها، وتستحضر في هذا السياق أطروحات مثل تلك التي قدمها فرانسيس فوكوياما حول نهاية التاريخ والتي افترضت أن انتصار الرأسمالية يمثل نهاية الصراعات الكبرى.

وترى غيريتسن أن السينما كانت أكثر وعياً بهذه التعقيدات من الخطاب السياسي السائد آنذاك، خصوصاً في السينما المستقلة والسينما الأميركية السوداء التي عبّرت بوضوح عن خيبة أمل تجاه الوعود الاقتصادية والسياسية التي لم تنعكس على حياة الجميع، لافتة إلى أن كثيراً من أفلام التسعينيات التقطت هذا التوتر مبكرا، وسجلته بلغة سينمائية صريحة.

تحظى الأفلام الكلاسيكية بإقبال لافت في العروض بمهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولا يركز برنامج «الاستعادات» على اسم مخرج بعينه، ولا على نوع سينمائي محدد، بل على روح المرحلة نفسها، فالأفلام المختارة ليست أعمالاً تجارية أو جماهيرية، بل أفلام لمخرجين تعاملوا مع السينما بوصفها أداة لفهم الواقع وليس للهروب منه، وتشترك هذه الأعمال في اهتمامها برصد القلق والتحول والانكسار أكثر من الاحتفاء بالانتصارات أو الشعارات الكبرى.

وعن الحضور العربي داخل برنامج «كلاسيكيات برليناله» توضّح غيريتسن أن الأمر يرتبط أساساً بما يُقدَّم للمهرجان من مواد، فاختيارات البرنامج تعتمد بالكامل على أفلام تصل من مؤسسات أرشيفية وشركاء ترميم، مشيرة إلى أن التواصل التاريخي بين المؤسسات العربية و«برليناله» ظل محدوداً مقارنة بمهرجانات أخرى مثل «كان السينمائي»، حيث ارتبطت كثير من أرشيفات المنطقة بالعالم الفرنكوفوني أكثر من ارتباطها ببرلين.

وتلفت غيريتسن إلى أن السينما العربية الحديثة نسبياً ما زالت في طور بناء مؤسسات حفظ وترميم قوية، مع استثناء واضح لمصر التي تمتلك تاريخاً سينمائياً أطول، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى تطورات إيجابية في السنوات الأخيرة، من بينها استضافة مدينة الرباط مؤتمر الاتحاد الدولي للأرشيفات السينمائية، وهو ما ترى فيه خطوة مهمة نحو تعزيز حضور السينما العربية مستقبلاً.

تتوقف غيريتسن أيضاً عند العلاقة المتنامية بين الجمهور والسينما الكلاسيكية مشيرة إلى أن مهرجانات متخصصة في هذا المجال تشهد إقبالاً متزايداً، خصوصاً من جمهور شاب يبحث عن بدائل للإنتاجات المتشابهة التي تهيمن على المنصات الرقمية، مؤكدة أن السينما الكلاسيكية تقدم إيقاعاً مختلفاً ومساحة أوسع للتأمل في الزمن والشخصيات، لكنها لا تتجاهل التحديات التي تفرضها بعض الأفلام القديمة، خصوصاً تلك التي تحتوي على صور نمطية أو تمثيلات صادمة وفق معايير اليوم، سواء فيما يتعلق بالنساء أم الأقليات أم الشعوب الأخرى.