اشتداد حملة القمع في «أربعينية» الاحتجاجات الإيرانية

الآلاف يتجمعون بمسقط رأس أميني... وقوات الأمن استخدمت الذخائر الحية والغاز ضد المسيرات

محتجون في كرمانشاه غرب إيران أمس (تويتر)
محتجون في كرمانشاه غرب إيران أمس (تويتر)
TT

اشتداد حملة القمع في «أربعينية» الاحتجاجات الإيرانية

محتجون في كرمانشاه غرب إيران أمس (تويتر)
محتجون في كرمانشاه غرب إيران أمس (تويتر)

عادت المسيرات الاحتجاجية في أنحاء إيران مع مضي 40 يوماً على وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى «شرطة الأخلاق». ونزل الإيرانيون إلى الشوارع في مدن عدة، بما في ذلك عشرات المناطق بالعاصمة طهران، في تحدٍ لإجراءات أمنية مشددة.
وعادت المسيرات الاحتجاجية بقوة إلى كبريات المدن الإيرانية مثل أصفهان وشيراز ومشهد وتبريز بالإضافة إلى قزوين. واستخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع والذخائر الحية والهراوات لتفريق محتجين في مناطق عدة وسط طهران. واستهدفت غالبية الشعارات المرشد الإيراني علي خامنئي.
وتشهد إيران منذ 16 سبتمبر (أيلول) الماضي احتجاجات، تشكل النساء جزءاً أساسياً منها، تنديداً بوفاة أميني (22 عاماً) بعد 3 أيام من توقيفها من قبل «شرطة الأخلاق» بدعوى «سوء الحجاب».
في غضون ذلك، شارك آلاف الأشخاص الأربعاء في إحياء أربعينية مهسا أميني في سقز، مسقط رأسها بمحافظة كردستان. وقالت منظمة «هه نغاو» الحقوقية إن قوات الأمن الإيرانية أطلقت النار والغاز المسيل للدموع على مسيرات احتجاجية على هامش مراسم أربعينية أميني. وردد المشاركون هناك شعار «الحرية... الحرية... كفانا ظلماً». كما رددوا شعار: «كردستان... كردستان... مقبرة الفاشيين». وتظهر تسجيلات الفيديو ترديد شعار «المرأة... الحياة... الحرية» باللغة الكردية.
وقالت جمعية «هه نغاو» النروجية التي تراقب انتهاكات الحقوق في محافظة كردستان على «تويتر»: «قوات الأمن أطلقت الغاز المسيل للدموع وفتحت النار على الناس في ساحة زندان ببلدة سقز».
بدورها، أكدت وكالة «إيسنا» الحكومية وقوع اشتباكات بين قوات الأمن ومشاركين. وذكرت الوكالة أن «عدداً محدوداً ممن تجمعوا عند قبر مهسا أميني اشتبكوا مع قوات الشرطة في ضواحي سقز وجرى تفريقهم. وبعد الاشتباكات المتفرقة، انقطعت خدمة الإنترنت في سقز لاعتبارات أمنية»، مضيفة أن عدد من تجمعوا بلغ نحو 10 آلاف.
وقال شاهد في سقز لوكالة «رويترز» إن المقبرة التي دفنت فيها أميني اكتظت بقوات الباسيج والشرطة. وأضاف: «حاولوا منعنا من دخول المقبرة... لكنني تمكنت من الدخول. لم أرَ والدَي مهسا بعد». وأفاد شاهد آخر بأن «السكان يتجهون صوب المكان». وقال: «يتحدى الناس تحذيرات قوات الأمن ويتوافدون على المقبرة، لكن هناك العشرات من عناصر شرطة مكافحة الشغب والباسيج».
«نفذت إضرابات بمدن عدة في كردستان، سنندج، سقز، ديوانداره، مريوان، وكامياران» وفق ما كتبت «هه نغاو» على «تويتر». وقطعت السلطات الاتصال عبر الإنترنت في المحافظة «لأسباب أمنية»، وفق ما أوردت وكالة «إيسنا»، وهو ما أكده مرصد «نت بلوكس» الذي يراقب حركة الإنترنت.
في الصدد نفسه، ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية نقلاً عن ناشطين في مجال حقوق الإنسان أن أجهزة الأمن حذرت عائلة أميني من إقامة مراسم في ذكرى الأربعين والطلب من الناس زيارة قبرها الأربعاء، وإلا «فعليهم أن يقلقوا على حياة ابنهم». والثلاثاء نشرت وكالة «إرنا» بياناً قالت إن العائلة أصدرته جاء فيه: «نظراً للظروف ومن أجل تجنب أي مشكلة مؤسفة، فلن نحيي ذكرى مرور 40 يوماً» على وفاة مهسا.
وعشية المراسم أصدرت أسرة مهسا أميني بياناً لنفي ما نقلته وكالة «إرنا» الرسمية عن إعلانها عدم إقامة مراسم الأربعين. وشهدت مدينة سقز أجواء أمنية مشددة في أول ساعات أمس حسبما تروي تسجيلات الفيديو على شبكة «تلغرام». ويسمع في بعض التسجيلات دوي إطلاق النار.
وفق هذه المجموعة، فإن لاعبي كرة قدم إيرانيين بارزين، مثل الهداف الأسطوري علي دائي وحارس المرمى حامد لك، توجهوا إلى سقز، «رغبة منهما في أن يحضرا ذكرى الأربعين». ونزل الرجلان في فندق «كورد»، وفق «هه نغاو»، لكنهما «نقلا إلى دار الضيافة الحكومية... تحت حراسة قوات الأمن».
وكان قد جرى استجواب علي دائي في السابق بسبب تصريحات أدلى بها على الإنترنت لدعم الحركة وصودر جواز سفره لفترة وجيزة. وأظهرت لقطات لم يتم التحقق منها نشرتها على الإنترنت «منظمة حقوق الإنسان في إيران» ومقرها أوسلو، أشخاصاً يتجمعون خارج الفندق «خلال مظاهرة ليلية».
ونقلت صحيفة «هم ميهن» بعد ذلك عن محافظ كردستان، إسماعيل زارعي كوشا، تأكيده أن علي دائي ومشاهير آخرين كانوا في طهران وأن «كل شيء كان هادئاً في سقز».
وتحولت شوارع وسط طهران مسرحاً للمناوشات بين المحتجين وقوات الأمن، مثل شارع «ستارخان» وتقاطع شارع «انقلاب» و«ولي عصر» وشارع «لاله زار» المجاور لبازار طهران. وأفادت تقارير بأن اشتباكات عنيفة وقعت بين قوات الأمن والمتظاهرين في مختلف مناطق العاصمة. واستمرت الاحتجاجات حتى وقت متأخر ليلة أمس، حيث أغلق المحتجون الطرقات في مدن عدة.
وفي وقت سابق، أظهرت تسجيلات فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي أوضاعاً متشنجة في بازار طهران. وفي بازار طهران ردد المحتجون شعار: «هذا عام الدم... سيسقط سيد علي». وأفاد مغردون على «تويتر» بأن قوات الأمن اشتبكت مع المحتجين في محيط البازار، حيث أحرق المحتجون حاويات القمامة في محاولة لعرقلة تقدم قوات الأمن ولتخفيف آثار الغاز المسيل للدموع عبر ألسنة الدخان التي غطت شوارع المدينة.
كما أطلقت قوات الأمن الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع لتفريق تجمعات للأطباء في منطقة أمير آباد وسط العاصمة. وأشارت تقارير إلى اعتقالات في صفوف الأطباء. وكان الأطباء يحتجون على وجود القوات الأمنية في المستشفيات، التي يتلقى فيها المتظاهرون العلاج.
وأعلن نائب رئيس «هيئة النظام الطبي» في طهران، مويد علويان، استقالته من منصبه احتجاجاً على هجوم قوات الأمن على تجمع الأطباء. وإذ شدد على «سلمية» تجمع الأطباء، كتب في نص استقالته، الذي نشرته صحيفة «شرق» الإصلاحية، أنه رأى «مشاهد مريرة لا تنسى لهجوم قوات الأمن على طبيبات». وأضاف: «عندما أردت مساعدة إحدى الطبيبات التي كانت تجر على الأرض، دفعني أحد قادة قوات الأمن». وأشار إلى وجود العشرات من قوات الأمن يستقلون دراجات نارية.
في محافظ جيلان، أضربت مقاهٍ ومطاعم ومحال تجارية وشركات عن العمل. وذكرت إذاعة «فردا» المدعومة من الإدارة الأميركية أن «السلطات مارست ضغوطاً على أصحاب المحال التجارية لمنعهم من الإضراب». ونقلت عن مصادر أن النقابة أجرت اتصالات بأصحاب المقاهي والمطاعم و«هددت بعدم السماح لهم بمواصلة العمل في حال الإغلاق بسبب أربعينية مهسا أميني».
وفي مدينة جرجان، شمال شرقي إيران، تم تداول فيديوهات من حرق مركز لميليشيات «الباسيج» التابعة لـ«الحرس الثوري». وفي مدينة قزوين، أظهر تسجيل فيديو إطلاق قوات الشرطة النار من بنادق «الخردق» على المتظاهرين.
وقال لاعب المنتخب الإيراني السابق لكرة القدم علي كريمي في تغريدة على «تويتر»: «مضى أربعون يوماً، لكن إيران واحدة لن تمضي». وأرفق رسمة لمهسا أميني وهي موشحة بالعلم الإيراني.
بدورها، دعمت المتسلقة الرياضية إلناز ركابي الاحتجاجات. ونشرت ركابي على «إنستغرام» رسالة كتبت فيها إن «الحياة الآمنة والهادئة والحرة أقل حق لجميع البشر».
وكانت ركابي من الشخصيات الأكثر إثارة للجدل بعدما اكتفت ركابي في المنافسات النهائية لمسابقة آسيوية بوضع عصبة على الرأس، في خطوة فسرت على أنها تأييد للاحتجاجات التي تشهدها إيران.

حصار على الجامعات
وانضم مزيد من طلاب الجامعات إلى الاحتجاجات العامة التي تضرب البلاد منذ 6 أسابيع. وتجددت الاحتجاجات في الجامعات في وقت مبكر. وأظهرت تسجيلات فيديو طالبات يرددن شعارات فجر الأربعاء في سكن الطالبات بجامعة أصفهان. ورددت الطالبات شعار: «في أربعين مهسا... انحنى ظهر النظام». وفي وقت لاحق أظهرت تسجيلات فيديو من جامعة أصفهان حشداً كبيراً لطالبات يرددن شعار: «الحرية... الحرية... الحرية»، وأقدمت طالبات على خلع الحجاب والتلويح بأوشحة الرأس في الهواء.
وأظهرت فيديوهات انتشاراً لقوات الأمن بمنطقة أمير آباد في طهران. وشهدت شوارع المنطقة التي تضم عدداً من كليات جامعة طهران ومراكز علمية وعسكرية وطبية أخرى، مسيرات غاضبة واجهتها القوات الأمنية وأطلقت الغاز المسيل للدموع. كما جرى منع تجمع الأطباء أمام مبنى الجهاز الطبي في شارع «كارجار».
وشهدت جامعة «بهشتي»، شمال طهران، مناوشات بين طلاب الجامعة وقوات الأمن الذين كان بعضهم يرتدي ملابس مدنية في الحرم الجامعي. ومن جامعة «أمير كبير الصناعية»، تدوولت تسجيلات فيديو من شعارات منددة بالمرشد الإيراني علي خامنئي. وأظهرت مقاطع محاولة قوات الأمن منع انضمام الطلاب إلى مسيرات الشارع على جسر «كالج».
في جامعة الزهراء، عكست تسجيلات الفيديو، فرض طوق أمني، لمنع الطالبات من المغادرة والنزول في مسيرات احتجاجية إلى وسط العاصمة. كما نشر مقطع فيديو لإطلاق الغاز المسيل للدموع في جامعة «آزاد - فرع العلوم والأبحاث» في شمال طهران.
ووقع بعض من أعنف الاضطرابات في المناطق التي تقطنها شعوب غير فارسية وتنتقد سياسات الدولة ضدها منذ زمن طويل، بمن فيهم الأكراد في الشمال الغربي والبلوش في الجنوب الشرقي.

اتهامات لألف معتقل
وقالت منظمات حقوقية إن ما لا يقل عن 250 محتجاً قتلوا، بينهم فتيات في مقتبل العمر، بالإضافة إلى اعتقال الآلاف. ولم تعلن السلطات الإيرانية، التي اتهمت الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية بإثارة ما تسميها «أعمال الشغب»، عن حصيلة للقتلى، لكن وسائل إعلام رسمية قالت إن نحو 30 من أفراد قوات الأمن لقوا حتفهم.
وقتل 23 طفلاً في القمع، وفق منظمة العفو الدولية، و29 وفق منظمة حقوق الإنسان في إيران، و35 طفلاً وفقاً لـ«وكالة ناشطي حقوق الإنسان في إيران (هرانا)».
في الأثناء، أعلنت السلطة القضائية، الأربعاء، توجيه الاتهام إلى زهاء 300 موقوف في الاحتجاجات، ما يرفع إلى أكثر من ألف عدد الذين وجهت إليهم اتهامات منذ الاثنين الماضي. وأفاد موقع «ميزان أونلاين» التابع للسلطة القضائية، الأربعاء، بتوجيه الاتهام إلى أكثر من 300 شخص على صلة بالاحتجاجات في محافظتي زنجان وأذربيجان الغربية في شمال غربي البلاد، ومحافظة سمنان شرق طهران.
ويضاف هؤلاء إلى مئات سبق توجيه الاتهام إليهم، توزعوا بين طهران (أكثر من 300 شخص) والبرز إلى الغرب منها (201 شخص)، والأحواز في الجنوب الغربي (أكثر من 100)، وما مجموعه أكثر من 200 في محافظات كردستان (غرب) وقزوين، وأصفهان (وسط).
ومن بين المتهمين في طهران، يواجه 4 تهمة «المحاربة» التي قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، في حين تشمل تهم الموقوفين الآخرين «التواطؤ ضد أمن البلاد» و«الدعاية ضد النظام» و«الإخلال بالنظام العام»، وفق وكالة «ميزان» التابعة للقضاء الإيراني.



تقرير: إدارة ترمب تتوقع من إيران تقديم تنازلات في الملف النووي

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)
TT

تقرير: إدارة ترمب تتوقع من إيران تقديم تنازلات في الملف النووي

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)

أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، يوم الأحد، بأن المجلس الوزاري الأمني يقول: «سنواجه أي محاولة إيرانية للمساس بإسرائيل بقوة حاسمة».

ونقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» عن مصادر مطلعة قولها، يوم الأحد، إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبلغت إيران بأنها تتوقع من الوفد الإيراني تقديم «مقترحات جوهرية» خلال الاجتماع المقبل بين الجانبين.

ونقلت الصحيفة الإسرائيلية عن مصدرين قولهما إن الأميركيين يتوقعون من إيران تقديم «تنازلات» في الملف النووي وقضايا أخرى.

وقالت الصحيفة إن المجلس الوزاري الأمني في إسرائيل يرى أن النظام الإيراني لا يمكن الوثوق بوعوده.

ونقلت «جيروزاليم بوست» عن مصدر عسكري قوله: «النظام الإيراني أثبت مراراً وتكراراً أنه لا يمكن الوثوق بوعوده... إذا حاولت إيران المساس بسيادتنا أو مواطنينا فستكون العواقب وخيمة عليها... وسنواجهها بقوة حاسمة».

وقال المصدر إن إسرائيل متمسكة بأن تفضي المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران إلى منعها من امتلاك أسلحة نووية وفرض قيود على صواريخها الباليستية.

وفي وقت سابق من اليوم، ذكرت صحيفة «جيروزاليم بوست»، نقلاً عن مصادر أمنية، أن مسؤولين عسكريين إسرائيليين أبلغوا الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة بأن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني يمثل تهديداً وجودياً، وأن إسرائيل مستعدة للتحرك ضد طهران بشكل منفرد إذا لزم الأمر.

وقال مصدر أمني: «أبلغنا الأميركيين بأننا سنضرب منفردين إذا تجاوزت إيران الخط الأحمر الذي حددناه بشأن الصواريخ الباليستية»، مضيفاً أن إسرائيل لم تصل بعد إلى تلك النقطة، لكنها تتابع التطورات داخل إيران عن كثب.

واستضافت مسقط، صباح الجمعة، جولة مفاوضات غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


حملة اعتقالات تطول التيار الإصلاحي في إيران

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
TT

حملة اعتقالات تطول التيار الإصلاحي في إيران

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)

أفادت وسائل إعلام إصلاحية إيرانية، مساء الأحد، باعتقال آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات» والأمينة العامة لحزب «اتحاد ملت إيران»، في إطار حملة اعتقالات طالت شخصيات بارزة في التيار الإصلاحي، بعد أسابيع من الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد.

وذكر موقع «امتداد»، القريب من «جبهة الإصلاحات»، أن منصوري اعتُقلت بموجب أوامر قضائية على يد عناصر من جهاز استخبارات «الحرس الثوري»، خلال مداهمة منزلها في بلدة قرتشك ورامين، الواقعة على بعد نحو 20 كيلومتراً جنوب شرقي طهران.

وفي وقت لاحق، أكدت وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، نقلاً عن مصادر أمنية وقضائية، اعتقال منصوري إلى جانب إبراهيم أصغرزاده، النائب الأسبق، والشخصية الإصلاحية البارزة وعضو اللجنة المركزية لـ«جبهة الإصلاحات»، ومحسن أمين‌زاده، نائب وزير الخارجية في حكومة الرئيس الأسبق محمد خاتمي.

بزشكيان عقد ثالث اجتماع مع أعضاء «جبهة الإصلاحات» منذ توليه الرئاسة بعد أيام من انتهاء الحرب مع إسرائيل أغسطس 2025 (الرئاسة الإيرانية)

وحسب المصادر نفسها، شملت الاتهامات الموجّهة إلى المعتقلين «استهداف التماسك الوطني، واتخاذ مواقف مناوئة للدستور، والتنسيق مع دعاية العدو، والترويج لنهج الاستسلام، وتحريف المسارات السياسية للجماعات، وإنشاء آليات سرية ذات طابع تقويضي».

وقال مسؤول مطّلع إن السلطات «تعاملت مع هذه المجموعة وفقاً للقانون»، رغم «تحمّل مواقفهم النقدية السابقة»، بسبب ما وُصف بـ«استمرار أنشطتهم المناهضة للأمن».

وتُعد «جبهة الإصلاحات» الإطار التنسيقي الأوسع للأحزاب الإصلاحية في إيران، وكانت من أبرز الجهات التي دعمت الرئيس مسعود بزشكيان خلال الانتخابات الأخيرة.

وتوازياً، أفادت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، في بيان مقتضب وغامض، بأن الادعاء العام في طهران وجّه اتهامات رسمية إلى عدد من العناصر السياسية البارزة، على خلفية ما وصفه بـ«دعم النظام الصهيوني والولايات المتحدة»، في إطار التحقيقات المرتبطة بأحداث يناير، من دون الكشف عن أسماء المعنيين أو انتماءاتهم الحزبية أو ملابسات توقيفهم.

وبحسب الوكالة، فإن هذه الأحداث «الإرهابية»، أظهرت ارتباطاً عملياً وعملياتياً بـ«إسرائيل» وأجهزة «الاستكبار»، عبر شبكة تنظيمية وإعلامية عملت خلف الكواليس وفي الفضاء الافتراضي لتبرير أعمال العنف والتأثير على الأمن الداخلي.

وأضافت أن رصد سلوك السياسية البارزة في عدد من التيارات خلال ذروة التهديدات الأميركية والإسرائيلية دفع الادعاء العام إلى فتح ملفاتهم، بعد اتهامهم بتنظيم وقيادة أنشطة لإرباك الأوضاع السياسية والاجتماعية، وتبرير ما وصفته بـ«الإرهاب الميداني».

وذكرت «تسنيم» أنه بعد استكمال الإجراءات، وجهت اتهامات إلى أربعة أشخاص مرتبطين بحزب سياسي، جرى توقيف عدد منهم بتهمة العمل لصالح «إسرائيل» والولايات المتحدة، فيما استدعي آخرون للتحقيق، في إطار قضية تتهم عناصرها بالتحريض وتقويض التماسك الوطني، حسب الوكالة.

الناشطة آذري منصوري وأمين زاده على اليسار وفي يمين الصورة اصغرزاده (جماران)

وأكدت وكالة «ميزان»، التابعة للسلطة القضائية، توقيف وتوجيه الاتهام إلى «عدد من الشخصيات السياسية»، من دون الكشف عن هوياتهم.

وكانت منصوري (60 عاماً) شغلت سابقاً منصب مستشارة للرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي. وبعد اندلاع الاحتجاجات في إيران أواخر ديسمبر (كانون الأول)، كتبت عبر حسابها على «إنستغرام»: «عندما تُغلق جميع السبل لإسماع الصوت، يخرج الاحتجاج إلى الشارع»، معتبرة أن «القمع هو أسوأ طريقة للتعامل مع المحتجين»، حسبما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.

وفي إشارة إلى سقوط آلاف القتلى خلال الاحتجاجات، قالت لاحقاً: «لا يمكننا الوصول إلى الإعلام، لكننا نقول للعائلات المفجوعة: أنتم لستم وحدكم»، مضيفة أن «لا قوة ولا مبرر ولا وقت يمكن أن يطهّر هذه الكارثة الكبرى».

وسبق أن أوقفت منصوري بعد الاحتجاجات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية عام 2009، وحكم عليها بالسجن ثلاث سنوات بتهم من بينها الإخلال بالنظام العام والدعاية ضد الدولة. وفي عام 2022، وُجهت إليها تهمة «نشر الأكاذيب بقصد إيذاء الآخرين وإثارة الرأي العام عبر الإنترنت»، وصدر بحقها حكم بالسجن لمدة عام وشهرين.

ومنذ يونيو (حزيران) 2023، تتولى منصوري رئاسة جبهة الإصلاحات، وهي التحالف الرئيسي للأحزاب والمجموعات الإصلاحية التي تطالب بتوسيع الحريات الاجتماعية وتعزيز دور المجتمع المدني.

تحذيرات القضاء

وتأتي هذه الاعتقالات على خلفية الاحتجاجات التي اندلعت في أنحاء إيران في 28 ديسمبر (كانون الأول) نتيجة الأوضاع المعيشية، قبل أن تتسع سريعاً إلى حركة احتجاجية واسعة مناهضة للحكومة، بلغت ذروتها في 8 و9 يناير (كانون الثاني).

وقالت السلطات الإيرانية إن الاحتجاجات بدأت بشكل سلمي قبل أن تتحول إلى «أعمال شغب» شملت القتل والتخريب، متهمةً الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلف ما وصفته بـ«عملية إرهابية». وأسفرت حملة القمع اللاحقة عن إنهاء الاحتجاجات التي اعتبرت التحدي السياسي الأكبر للنظام منذ عام 1979.

وقبيل حملة الاعتقالات، وجّه رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إجئي، انتقادات حادة لشخصيات داخلية أصدرت بيانات خلال الاحتجاجات وطالبت بإصلاحات وتشكيل لجان تقصي حقائق، محذّراً من أن عدم الوقوف إلى جانب «ولي الفقيه» يؤدي إلى المصير نفسه الذي انتهى إليه «أولئك الذين لجأوا إلى صدام حسين أثناء الحرب، ويلجأون اليوم إلى الصهاينة المجرمين».

وقال إجئي: «هؤلاء الذين كانوا يوماً مع الثورة واليوم يصدرون بيانات، هم أناس مساكين وبائسون».

وحسب منظمة «هرانا» الحقوقية، ومقرها الولايات المتحدة، فقد جرى توثيق مقتل 6971 شخصاً خلال الاحتجاجات، معظمهم من المتظاهرين، إضافة إلى أكثر من 51 ألف معتقل.

تهديد برلماني للإصلاحيين

وتزامنت حملة الاعتقالات مع تصاعد الجدل الذي أثارته تصريحات علي شكوري‌راد، الرئيس السابق لـ«جبهة الإصلاحات» والبرلماني الأسبق، التي اتهم فيها القوات الأمنية بـ«افتعال القتل من صفوف عناصرها» و«إحراق المساجد» خلال الاحتجاجات.

وأثار ذلك رد فعل غاضباً من النائب أمير حسين ثابتـي، عضو كتلة «الصمود» المتشددة في البرلمان، الذي طالب شكوري‌راد بتقديم أدلة تثبت أن القوات الأمنية هي من أحرقت المساجد، محذّراً من أن عدم تقديم مستندات «يفرض على السلطة القضائية محاكمته حتماً».

وفي رسالة رسمية، اتهم ثابتـي شكوري‌راد بطرح «ادعاءات غريبة وغير موثقة»، وكتب: «إذا كانت لديكم مستندات، فسلّموها لي لمتابعتها عبر البرلمان والجهات المعنية، وإعلان النتيجة النهائية للشعب».

وأضاف محذّراً: «عدم تقديم الأدلة يُعد ظلماً كبيراً بحق النظام والقوات الأمنية، لا يجبر حتى بالاعتذار العلني».

ماذا قال شكوري‌راد؟

وكان تسجيل صوتي مسرب من شكوري‌راد قد نُشر الأسبوع الماضي، ويقدّم فيه رواية مفصلة لأحداث 8 و9 يناير، قال فيها إن «افتعال القتل من عناصرهم هو مشروع لقمع الاضطرابات»، مضيفاً أن «حرق المساجد والأضرحة والمصاحف وقتل عناصر من الباسيج والأمن يُستخدم ذريعةً للقمع»، معرباً عن رفضه الرواية الرسمية التي تتهم الموساد وفرق عمليات خارجية بالوقوف خلف تلك الأحداث.

وفي تصريحات أخرى، انتقد شكوري‌راد وصف الرئيس مسعود بزشكيان للمحتجين بـ«المشاغبين»، معتبراً أن ذلك «أحرق دوره كقوة وسطية»، وقال إن القوة الوسطية «تمثّل رأسمالاً اجتماعياً أساسياً في الأزمات».

دخان يتصاعد مع تجمع متظاهرين مناهضين للحكومة في مشهد بإيران 10 يناير 2026 في هذه اللقطة المأخوذة من فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وفي السياق نفسه، أشار شكوري‌راد إلى المؤتمر الأخير لحزب «الاتحاد»، حيث طُرح خلال إحدى جلساته اقتراح يقضي بأن يقوم المرشد الإيراني علي خامنئي، في إطار معالجة الأوضاع الراهنة، بتفويض جزء من صلاحياته إلى الرئيس بزشكيان، في خطوة قال إنها نوقشت داخل الأطر الحزبية ولم تُطرح بصيغة علنية.

«مجلس انتقالي»

وكانت قناة «إيران إنترنشنال» قد أفادت، في تقرير نشرته في 20 يناير، بأن المجلس المركزي لـ«جبهة الإصلاحات» عقد اجتماعاً طارئاً وسرياً ناقش مسودة بيان تطالب بتنحي خامنئي وتشكيل «مجلس انتقالي»، غير أن الأجهزة الأمنية تدخلت وهددت قادة الجبهة، ما أدى إلى وقف نشر البيان والتراجع عن أي دعوة علنية.

وحسب التقرير، شملت المناقشات أيضاً اقتراحات بـ«استقالات جماعية» و«دعوات لتظاهرات واسعة»، إلا أن الضغوط الأمنية، التي تضمنت تحذيرات من اعتقالات واسعة، حالت دون المضي بهذه الخطوات.

وحسب مصادر قريبة من التيار الإصلاحي، نقلت عنها القناة، فإن رد الفعل الأمني يعكس حساسية السلطة تجاه أي مؤشرات على انقسام سياسي في المستويات العليا، وسعيها لمنع تشكّل أي إجماع أو تحرّك علني داخل المشهد السياسي الإيراني.


غالانت يشن هجوماً شرساً على نتنياهو ويتهمه بالكذب

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي في قاعدة كيريا العسكرية بتل أبيب (أرشيفية - رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي في قاعدة كيريا العسكرية بتل أبيب (أرشيفية - رويترز)
TT

غالانت يشن هجوماً شرساً على نتنياهو ويتهمه بالكذب

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي في قاعدة كيريا العسكرية بتل أبيب (أرشيفية - رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي في قاعدة كيريا العسكرية بتل أبيب (أرشيفية - رويترز)

انطلقت عاصفة حادة من ردود الفعل الغاضبة عقب تصريحات أدلى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتوالت الاتهامات عليه بالكذب في روايته عن أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول)، وتفاصيل اغتيال حسن نصر الله، زعيم «حزب الله» بلبنان.

وانشغلت وسائل الإعلام العبرية، بما فيها بعض صحف اليمين، بتلك التصريحات، وأكد كثيرون أن الغرض الحقيقي منها هو تكريس «رواية كاذبة» حول مجريات الأحداث تقود لإعفائه من المسؤولية عن «إخفاقات» 7 أكتوبر 2023، وإخفاء «فشله» في إدارة الحرب.

وكان نتنياهو قد ظَهَر، الخميس الماضي، أمام لجنة سرية في الكنيست، وطرح ملفاً ضخماً من الوثائق حاول فيه أن يثبت براءته من تهمة «الإخفاقات».

وقال نتنياهو إنه حذر أجهزة الأمن من خطورة الفكرة السائدة لديهم بأن «حماس» ليست معنية بالحرب، وإنه كان يريد اغتيال قادة الحركة، ولكن الأجهزة الأمنية رفضت، ولم ترضخ إلا أمام إصراره.

كما قال إن الأجهزة الأمنية عارضت اغتيال نصر الله، وإنه هو الذي حسم المسألة وأمر باغتياله، كما أمر بتفعيل أجهزة «البيجرز» لاستهداف نشطاء «حزب الله» رغم معارضة أجهزة الأمن.

«يقلب الحقائق»

وكان لافتاً بشكل خاص تصرف وزير الدفاع الأسبق، يوآف غالانت، الذي طلب الوصول إلى استوديوهات «القناة 12» في القدس، وظهر في بث حي شن فيه هجوماً حاداً على نتنياهو، قائلاً: «من المؤسف والمخجل أن يضطر أحد، مثلي، لأن يترك كل شيء ليأتي إلى الاستديو ليقول إن رئيس حكومته كذاب».

وأضاف: «نتنياهو يكذب ويقلب الحقائق رأساً على عقب ويزيف الواقع، وكل ذلك على حساب الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك)».

وفنَّد غالانت ادعاءات نتنياهو حول اغتيال نصر الله؛ فرسم صورة عكسية تماماً، وقال إن نتنياهو هو من تردد ورفض الاغتيال في الواقع.

وقال: «لقد رفض نتنياهو في اجتماع (الكابينت) المنعقد يوم 25 سبتمبر (أيلول) 2024، طرح مسألة الاغتيال للتصويت، وذلك على الرغم من ضمان الأغلبية في الحكومة والتحذير الصريح من رئيس جهاز (الشاباك) بأن نصر الله قد يغادر الملجأ ويهرب في المستقبل القريب».

ووصف غالانت كيف أعلن نتنياهو أن القضية لن تناقَش إلّا بعد عودته من الولايات المتحدة، ثم استقل الطائرة وسافر إلى واشنطن.

ووفقاً لغالانت، جاءت نقطة التحوّل بعد يوم واحد فقط، وقال إنه بعد نشر أخبار عن محادثات وقف إطلاق النار في لبنان وتهديدات من وزراء الائتلاف بحل الحكومة، عقد نتنياهو اجتماعاً هاتفياً، ووافق على توصية غالانت مع الرئيس السابق لهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي هرتسي هاليفي، باغتيال نصر الله، مؤكداً أن «خوفه من سقوط الحكومة هو الذي جعله يوافق على طلب أجهزة الأمن».

وأكد غالانت أن «عملية الاغتيال نفسها نفّذت بتوجيهٍ منه من مركز القيادة في تل أبيب بالاشتراك مع كبار قادة الجيش، بينما كان نتنياهو في الولايات المتحدة، ولم يتلقَّ أي تحديث هاتفي إلا بعد نجاح العملية».

يلوم الجميع... إلا نفسه

وفي صحيفة «معاريف»، كتب الصحافي بن كسبيت: «كل من يعرف نتنياهو يدرك هذه الحيل والمراوغات؛ فهو لا يكتفي بمنع تشكيل لجنة رسمية للتحقيق في الكارثة المنسوبة إليه بكل قوتها، بل يسعى أيضاً إلى تشكيل لجنة تحقيق بديلة، من صنعه، يُملى استنتاجاتها بنفسه. لجنة تحقيق عقيمة، لا تُعرض فيها إلا روايته».

وأضاف: «هذا هو الانطباع الذي تركه ظهور رئيس الوزراء أمام اللجنة الفرعية السرية التابعة للجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست يوم الخميس الماضي. ظهور كان من المقرر أن يستمر ساعتين، أو 3 ساعات حداً أقصى، لكنه امتد لـ5 ساعات كاملة تقريباً. وقد خصص الشخص الذي يرأس الحكومة الإسرائيلية منذ ما يقرب من 20 عاماً، ساعتين على الأقل من ذلك الوقت، لاتهام الآخرين في جميع الكوارث التي تسبب بها».

وأضاف: «أعضاء الكنيست الذين استمعوا إليه خرجوا بمشاعر متباينة؛ فقد ادعى البعض أنه كان في أوج تألقه: حاد الذكاء، ومُركزاً، ومقنعاً. وأعتقد أن هذا الوصف يعكس الواقع. نتنياهو يبرع عندما يكذب، ويزدهر في مثل هذه المواقف، حيث ينشر الأكاذيب، ويختلق المؤامرات، ويخلق الأوهام».

لكن بن كسبيت أشار إلى أن كثيراً من أعضاء الكنيست الذين استمعوا إليه شعروا بالصدمة، وأن أحد الحاضرين في القاعة قال مندهشاً: «من غير المعقول! كيف يُلقي باللوم على الجميع، إلا على نفسه؟ وكيف يجرؤ على إلقاء اللوم على الجيش فقط، وعلى قوات الأمن فقط، وعلى الجميع باستثنائه؟».