«الليدي دي» ملكة الموسم الخامس من «ذا كراون»

السجالات تعصف بالمسلسل قبل أسبوعين من انطلاقته

مشهد من الموسم الخامس لمسلسل «ذا كراون» (نتفليكس)
مشهد من الموسم الخامس لمسلسل «ذا كراون» (نتفليكس)
TT

«الليدي دي» ملكة الموسم الخامس من «ذا كراون»

مشهد من الموسم الخامس لمسلسل «ذا كراون» (نتفليكس)
مشهد من الموسم الخامس لمسلسل «ذا كراون» (نتفليكس)

من بين كل المواسم التي استعرضت حياة الملكة إليزابيث الثانية وعائلتها، لعل الموسم الخامس من مسلسل «ذا كراون» (التاج) هو الجزء الذي ينتظره المشاهدون أكثر مما انتظروا أي جزء آخر.
في الموسم الذي ينطلق على «نتفليكس»، ابتداءً من 9 نوفمبر (تشرين الثاني)، تجتاح الأميرة ديانا المسلسل كإعصار، فتزعزع حجارة قصر باكنغهام وتُفقد عقارب الساعات انتظامها. فهي لم تعد تلك العروس الخجولة والأميرة الصامتة كما كانت الحال في الجزء الرابع.
وفي ترجمة جلية للعاصفة التي تثيرها «الليدي دي» وسط النظام الملكي الصارم، أظهر المُلصق الرسمي للمسلسل تفسخات في جدار إحدى قاعات القصر، فيما احتلت الأميرة جانباً من الصورة مُديرةً ظهرها للملكة وللأمير تشارلز الواقفَين في الناحية الثانية. تلك التفسخات الناجمة عن اهتزاز أساسات القصر تحت أقدام العائلة الملكية البريطانية، باتت ظاهرة لعدسات الصحافة، بالتالي للعيان، وها إن مشاهدي «نتفليكس» يترقبون اكتشاف ما تخبئ تحتها.


الملصق الترويجي للموسم الخامس من "ذا كراون" (نتفليكس)
العيون على الأميرة
حضور ديانا التي تؤدي دورها الممثلة الأسترالية إليزابيث ديبيكي، واستحواذُها على السردية والمشهدية، يشكلان عنصراً جاذباً يُتوقع أن ترتفع بفعله نسبة المشاهدات. كما تأتي الأحداث الدراماتيكية التي تعصف بالعائلة المالكة، لتزيد من حظوظ المسلسل في تصدر الأرقام.
صحيح أن المواسم الأربعة السابقة من «ذا كراون» سجلت نجاحاً باهراً، وجعلت من المسلسل أحد أهم الإنتاجات الدرامية خلال السنوات العشر الأخيرة، إلا أن الفترة الزمنية التي يغطيها الموسم الخامس، هي الحقبة الأكثر إثارة على الإطلاق في تاريخ العائلة المالكة.
بمشهد الحريق الذي التهمَ أحد أجنحة قصر ويندسور عام 1992، يبدأ الفيديو الترويجي للمسلسل. كانت سنة مروعة، حسب وصف الملكة، وقد سيجت بألسنة لهبِها كل السنوات اللاحقة، حتى سنة 1997 التي خطفت الأميرة ديانا.

«كيف وصلت الأمور إلى ذلك؟»، تتساءل الملكة في ختام الفيلم الترويجي. سؤالٌ يختصر مجموعة الانهيارات التي واجهتها العائلة في التسعينات، والتي يضعها المسلسل تحت الضوء. من طلاق الأميرة آن، إلى فضائح الأمير أندرو ثم انفصاله عن زوجته سارة فيرغسون، وصولاً إلى الطلاق المدوي لتشارلز وديانا.
تنبئ النيران وتصدعات الحائط بأن الآتي أفظع، وبأن التاج سيترنح على وقع تصريحات ديانا ومواقفها، رغم محاولات إسكاتها. تجلس الأميرة المتمردة أمام كاميرات التلفزة لتخبر العالم بأنها لطالما تعرضت للخيانة من قِبل الأمير. ففي الموسم الخامس، تظهر كاميلا باركر بولز، ومعها قصة الحب التي جمعتها بتشارلز، والتي لا يخفي المسلسل تفاصيلها وحرارتها.
يحدث كل ذلك تحت أنظار الملكة، التي تؤدي دورها إميلدا ستونتون، المذهولة برؤية حصونها تتدحرج وهي عاجزة عن فعل أي شيء. تستمع إلى تحذيرات من انهيار العرش بسبب فضيحة ابنها وزوجته، تُحمَّل مسؤولية الإساءة إلى سُمعة بريطانيا، وتواجه ما هو أعمق.


إميلدا ستونتون بدور الملكة إليزابيث في الموسم الخامس من "ذا كراون" (نتفليكس)
إذا انتهت الملكة بالاقتناع بحتمية طلاق ابنها، فإنها لم تستوعب بسهولة السؤال الذي كان قد بدأ يطرحه المواطنون البريطانيون في مطلع التسعينات، حول منطقية استمرار النظام الملكي الصارم وسط تطور الأزمنة، وتحطيم الأعراف و«الإتيكيت». ويتطرق الموسم الخامس إلى تلك الإشكالية التي أظهرتها أكثر الصورة العصرية والإنسانية للأميرة ديانا، فجاءت مناقضة تماماً لما اعتاد أن يراه الشعب من برودة وفوقية.
حسب الملخص الرسمي للموسم الخامس، تجد العائلة المالكة نفسها أمام أحد أكبر التحديات، مع اقتراب إليزابيث من عامها الـ40 في الحُكم. يضغط تشارلز على والدته من أجل إقناعها بضرورة طلاقه، في وقتٍ تقرر ديانا الضرب عرض الحائط بالبروتوكولات كلها، ونشر كتاب يفضح تفاصيل ما يدور داخل البيت الزوجي. ثم يدخل محمد الفايد وابنه دودي إلى المشهد، ليزداد الضجيج ضجيجاً. ويؤدي دور دودي الفايد، حبيب ديانا الذي قضى إلى جانبها، الممثل المصري البريطاني خالد عبد الله.



إليزابيث ديبيكي بدور الأميرة ديانا (نتفليكس)
نشرت منصة «نتفليكس» مجموعة من الصور المأخوذة من مشاهد الموسم 5، وتظهر فيها ديانا حزينة وقلقة، في تمهيدٍ لما سيلي ذلك من مأساة كبرى. وحسب المتداول، فإن وفاة الأميرة الدراماتيكية لن تكون جزءاً من الموسم المرتقب، بل على المشاهدين انتظار الموسم السادس الجاري تصويره حالياً.

سجالات واعتراضات
تؤكد الممثلة إميلدا ستونتون، التي تؤدي دور الملكة أن كل الاضطرابات التي يغطيها المسلسل حصلت بالفعل، وليست من نسج الخيال. وقد حرص «ذا كراون» منذ انطلاقته عام 2016 على الالتزام بدقة بالأحداث التاريخية. غير أن ذلك لم يحُل دون تفجر سجالات عشية بدء الموسم الخامس.
نُمي إلى رئيس الحكومة البريطاني الأسبق جون ميجور، أن الجزء المرتقب يُظهر تشارلز محاولاً الدفع بوالدته إلى التنحي، وممارساً ضغوطاً على ميجور لمساعدته في ذلك. فثارت ثائرة المسؤول الذي نفى وقوع هكذا حادثة، ووصف المسلسل بأنه «برميل من الهراء يستخدم الخيال المسيء والماكر».
لم تتوقف السجالات عند هذا الحد، فقد انضمت إلى المعترضين الممثلة البريطانية جودي دنش، التي قالت إن «ذا كراون» ظلم بقسوة العائلة المالكة. وفي رسالة نشرتها صحيفة «تايمز»، حذرت دنش المقربة والمكرمة مراتٍ عدة من باكنغهام، من «الدراما التي تشوش الخطوط الفاصلة بين الدقة التاريخية والإثارة الفظة». كما تخوفت دنش من أن يتعاطى جزء كبير من المتابعين مع أحداث المسلسل على أنها الحقيقة المطلقة.
تتزامن تلك الانتقادات مع لحظة حرجة في تاريخ المملكة المتحدة، وقد أبدت دوائر القصر امتعاضها من «التوقيت السيئ» الذي اختارته «نتفليكس» لإعادة إطلاق المسلسل، بعد شهرين على وفاة إليزابيث وانتقال العرش إلى ابنها تشارلز.


جوناثان برايس بدور الأمير تشارلز (نتفليكس)
في مواجهة موجة الانتقادات تلك، سارعت «نتفليكس» إلى إصدار بيان أوضحت فيه أن مسلسل «ذا كراون» لطالما قُدم على أساس أنه دراما مبنية على أحداث تاريخية. وأضافت المنصة إلى الفيلم الترويجي عبارة: «يروي هذا العمل الدرامي الروائي المستند إلى وقائع حقيقية، قصة الملكة إليزابيث الثانية، والأحداث السياسية والشخصية التي طبعت عهدها». وتأتي هذه العبارة التي سترافق المسلسل في موسمَيه المقبلين، بمثابة رضوخ من قِبَل المنصة بعد أن امتنعت عن فعل ذلك طيلة المواسم الأربعة الماضية.


مقالات ذات صلة

كيت ميدلتون: الطبيعة شريكتي في التعافي من السرطان

يوميات الشرق الطبيعة رفيقة طريق في رحلة التعافي (قصر كنسينغتون)

كيت ميدلتون: الطبيعة شريكتي في التعافي من السرطان

قالت أميرة ويلز، كيت ميدلتون، إنّ الطبيعة أدَّت دوراً محورياً في مساعدتها على التعافي من مرض السرطان...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الملكة البريطانية كاميلا (رويترز)

للمرة الأولى... الملكة كاميلا تتحدث عن تعرضها للتحرش في سن المراهقة

تحدثت الملكة البريطانية كاميلا لأول مرة عن «الغضب» الذي انتابها بعد تعرضها لاعتداء جنسي في قطار عندما كانت مراهقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الملك تشارلز (أ.ف.ب)

نجحوا في «تغيير حياة الناس»... الملك تشارلز يكرّم ألف شخصية بريطانية

كرّم الملك تشارلز الثالث الاثنين ألف بريطاني من بينهم الممثل إدريس إلبا وعدد من لاعبات منتخبات إنجلترا النسائية لكرة القدم والرغبي اللاتي حققن نجاحات هذا العام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لحظة عائلية دافئة في موسم الأعياد (إنستغرام)

رسالة ميلادية دافئة من دوق ودوقة ساسكس

شاركت دوقة ساسكس صورة عائلية جمعتها بدوق ساسكس وطفليهما، مُرفقة برسالة بمناسبة عيد الميلاد...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الملك تشارلز الثالث (رويترز)

علاج الملك تشارلز من السرطان سيكون أخفّ في العام الجديد

قال الملك تشارلز الثالث، الجمعة، إن علاجه من السرطان سيتم تخفيفه في العام الجديد بفضل التشخيص المبكر، والتدخل الفعال، والالتزام بتعليمات الأطباء.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».